← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة إلى واقعٍ في أقاصيصَ وحكاياتِ أحوالٍ جَرَت وِفاقًا وكان (١) لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر، وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب، فلا معنى للتمسك بها" (٢). ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد أهل (٣) بيعةِ الرضوان (٤). قال إمام الحرمين: وهم ألف وسبعمائة (٥). وقال ضرار بن عمرو (٦): لا بد مِنْ خبر كُلِّ الأمة وهو الإجماع، حكاه القاضي في "مختصر

стр. 2172

التقريب" (١) وحكى عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن أنه اشترط خمسةً من المؤمنين الذين هم أولياء الله، بشرط عصمتهم عن الكذب. قال (٢): ولا بد معهم من سادسٍ ليس من الأولياء؛ لتلتبس (٣) أعيانهم فلا نشير (٤) إلى واحدٍ منهم إلا ويجوز أن يكون هو السادس. قال القاضي: "وهو مذهبٌ خالف فيه سائر المذاهب" (٥). ومنهم مَنْ شرط خمسةً وأطلق، حكاه الآمدي وابن برهان في "وجيزه" (٦). وقال طوائف من الفقهاء: ينبغي أن يبلغوا مبلغًا لا يحويهم (٧) بلد، ولا يحصرهم عدد (٨). قال إمام الحرمين: "وهو سَرَفٌ، ومجاوزةُ حدٍ، وذهولٌ عن مَدْرك الحق" (٩).

стр. 2173

قال: (ثم إنْ أخبروا عن عَيانٍ فذاك، وإلا فيُشترط ذلك في كل الطبقات). عدد التواتر إنْ أخبروا عن معاينة - (فذاك، وإن لم يخبروا عن معاينة) (١) - اشتُرِط وجود هذا العدد، أعني: الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في (٢) كل الطبقات، وهو مَعْنى قول الأصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة. وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وربما اندرس دهرًا. فالمتواتر من أخبار رسول الله ﷺ ما اطردت الشرائط (٣) فيه عصرًا بعد عصر حتى انتهى إلينا، وهذا لا خفاء به. قال إمام الحرمين: "ولكنه ليس مِنْ شرط التواتر"، قال: "بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وليس من شرائط وقوع التواتر، فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة" (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2174

(١) (٢). قال: (الرابعة: مثلا لو أخبر واحدٌ بأن حاتمًا أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وآخر أنه أعطى جملًا، وهلم جَرَّا - تواتر القدر المشترك؛ لوجوده في الكل). التواتر قد يكون لفظيًا وهو ما سبق، وقد يكون معنويًا: وهو أن يجتمع مَنْ يمتنع تواطؤهم على الكذب على الإخبار عن شيء، وتتباين أقوالُهم فيما يُخبرون به، ولكن يكون بينها قدر مشترك، فيحصل له التواتر؛ لوجوده في خبر كلِّ واحدٍ، ووقوع الاتفاق عليه ضمنًا؛ إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك، ضرورة إخباراتهم عن جزئياته. ومثال ذلك: ما إذا قال زيد: أعطى حاتمٌ دينارًا. وقال عمرو: أعطى فرسًا. وقال خالد: أعطى جملًا. وهلم جَرَّا، حتى بلغ (٣) عدد التواتر، فإنه يثبت بهذه

стр. 2175

الإخبارات القدر المشترك: وهو صدور الإعطاء منه. ولو أن زيدًا ذَكَرَ أنه أعطى وتصدق ووهب مرارًا (١)، وعمرو قال: أضاف وَوَقَف وأنْعم بالمال مرارًا (٢) وهلم جرَّا - لتواتر في نحو هذه الصورة شيئان: مجرد الإعطاء، والكرم (٣).

стр. 2176

الفصل الثاني: فيما عُلِم كذبه من الأخبار

стр. 2177

قال: (الفصل الثاني: فيما عُلِم كذبه . وهو قسمان: الأول: ما عُلم خلافُه ضرورةً أو استدلالًا). الخبر المقطوع بكذبه ذكر المصنف أنه قسمان: الأول: ما عُلم بالضرورة خلافُه، كالإخبار باجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما. أو بالاستدلال، كإخبار الفيلسوف بِقِدَم العالم. قال: (الثاني: ما لو صَحَّ - لتوفرت الدواعي على نَقْله، (كما يُعْلم أنَّه) (١) لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما؛ إذ لو كان لنُقل. وادعت الشيعة: أن النص دَلَّ على إمامة علي ﵁ ولم يتواتر (٢)، كما لم تتواتر الإقامة، والتسمية، ومعجزات الرسول ﷺ . قلنا: الأولان من الفروع، ولا كفرَ ولا بدعةَ في مخالفتهما، بخلاف الإمامة. وأما تلك المعجزات فَلِقِلَّةِ المشاهدين). القسم الثاني: الخبر الذي لو كان صحيحًا - لكانت الدواعي متوفرةً على نقله: إما لكونه أمرًا غريبًا، كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة. أو لتعلق أصل من أصول الدين به، كالنص الذي تزعم (٣) الروافض

стр. 2178

أنه دلَّ على إمامة علي بن أبي طالب ﵁، فعدم تواتره دليلٌ على عدم صحته، ولهذا إنا نقطع بأنه لا بلدة بين مكة والمدينة أكبرُ منهما، وليس مستندُ هذا القطع إلا أنه لو كان لتواتر. وقالت (١) الشيعة: ما ندعيه من النص الدال على إمامة علي ﵁ لم يتواتر، كما لم تتواتر كلمات الإقامة من أنها مثنى أو فرادى (٢)، والتسمية في الصلاة (٣)، ومعجزات رسول الله ﷺ التي لم تتواتر: كحنين الجذع

стр. 2179

إليه (١)، وتسليم الحَجَر عليه (٢)، ووقوف الشجر بين يديه (٣)، وتسبيح

стр. 2180

الحصى في يمينه (١)، مع توفر الدواعي على نقلها، فدل ذلك (٢) على أن عدم تواتر ما تتوفر الدواعي على نقله ليس دليلًا على عدم صحته. وأجاب عن الأوَّلَيْن، أعني: الإقامة، والتسمية: بأنهما من مسائل الفروع، ولا كفر ولا بدعة في مخالفتها، فلم تتوفر الدواعي على نقلهما؛ لذلك، بخلاف الإمامة فإنها من الأصول ومخالفتها بدعة، ومؤثرة في الفتن، فتتوفر الدواعي على نقلها، فلما لم تَتَوفَّر دَلَّ على عدم صحته. وعن الثالث: أن تلك المعجزات التي لم تتواتر لم تكن بحضرة جمعٍ عظيم، فعدم تواترها إنما هو لقلة المشاهدين. فإن قلت: يُعارَض هذا بمثله، فنقول: إنما لم يتواتر النصُّ الدالُّ على إمامة علي ﵁ لقلة السامعين. قلت: ما تَدَّعون من النص لا نعرفه بنقلٍ في الآحاد الصحاح فضلًا عن المتواترات، ولو كان له وجود لما خفي على أهل بيعة السقيفة، ولتحدثت

стр. 2181

به امرأة في خِدْرها، ولأبداه معاضِدٌ أو مُعانِد (١)، وقد كان الأمر إذ ذاك مُعْضِلًا أزِمًا يحتاج إلى التلويح فضلًا عن النص الصريح، ولم يكن عن إبدائه غِنًى، بخلاف سائر معجزات النبي ﷺ ، فإنه ربما اكْتُفِى بنقل القرآن الذي هو أشهرها وأعظمها عن نقلها، وخلافة أبي بكر رضوان الله عليه لم تكن مؤيَّدة بشوكة قاهرة، وإنما كان الأمر فوضى، ومن المعلوم أن أمر الولايات من أخطر الأشياء في العادات، ولا تتشوف النفوس (٢) إلى شيء تشوفها إلى نقل ما يتعلق بالولايات، ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم، وتهلك النفوس (٣). ويلوح من هذا فرق آخر واضح بين ما سألوه (٤) من أمر الإقامة، وبين الإمامة. قال إمام الحرمين: "وهو من أغمض الأسئلة؛ فإن بلالًا كان يُقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله ﷺ إلى رضوانه - في اليوم والليلة خمس مرات، ثم لم يقع التواتر، واختلف (٥) النقلةُ. فنقول: الإقامة شعار مسنون، ليس بالعظيم الموقع (٦) في العرف والشرع" (٧). قال إمام الحرمين:

стр. 2182

"والمعتمد عندي أن الصحابة هَوَّنت أمر الإفراد والتثنية، فلم يعتنوا بالإشاعة، وإنْ أشاعوا - أفضى إلى الدروس، وليس ذلك بِدْعًا فيما ليس من العزائم، وهذا ينضم إليه بِدَعٌ ثارت مع ثوائر (١) وأصحاب سلطنة واستيلاء وقهر، فإنه جرى في آخر أيام علي ﵁ قريبٌ من مائة سنة دواهي (٢) تُشَيِّب النواصي، واستجرا على تغيير ما كان منوطًا بالأمراء (٣)؛ إذ كانت الجماعة وإقامةُ شعارها من أهم ما يهتم به الأمراء (٤)، ثم ألهى الناسَ عنه ما حدث (٥) " (٦). فقد تقرر واضحًا: أن من المقطوع بكذبه خبرٌ لو صح لتوفرت الدواعي على نقله، ويتبين به بطلانُ ما ادعاه الروافض من النص، وفسادُ قول العيسوية إن في التوراة أن موسى بن عمران ﵇ آخرُ مبعوث؛ فإن هذا لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله ﷺ ، ولما آثروا عنه مَعْدِلا إلى تحريف نعت رسول الله ﷺ ، وتبديلهم الذي (خانوا به) (٧) وخسروا (٨).

стр. 2183

واعلم أن المصنف لم يذكر من المقطوع بكذبه غير قسمين، وذكر الإمام ثالثًا: (وهو) (١) ما نُقل عن النبي ﷺ بعد استقرار الأخبار، ثم فتش عنه فلم يُوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة (٢). ولقائل أن يقول: غاية مُنْتهى المُنَقِّب الجَلِد، والمتفحِّصِ الألدِّ (٣) - عدمُ الوجدان (٤)، فكيف ينتهض ذلك قاطعًا في عدم الوجود! وإنما قصاراه ظنٌّ غالبٌ يُوجب أن لا يُلتفت إلى ذلك الخبر. وإنْ فُرِض دليلٌ عقليٌّ أو شرعيٌّ، أو تَوَفُّرُ الدواعي على (٥) نقله عاد إلى القسمين المذكورين في الكتاب. وذكر إمام الحرمين قسمًا رابعًا فقال: "ومما (٦) يُذكر من أقسام الكذب: أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة، فَيُقْطع بكذبه". قال: "وهذا مُفَصَّلٌ (٧) عندي، فأقول: إنْ تنبأ وزعم أن الخلق كُلِّفوا متابعتَه وتصديقَه من غير آيةٍ - فهذا كذب؛ فإن مساقه يفضي إلى تكليف

стр. 2184

ما لا يطاق، وهو العلم بصدقه من غير سبيل مؤدٍّ إلى العلم. فأما إذا قال: ما أكلف الخلقَ اتباعي، ولكن أُوحيَ إليَّ - فلا يُقطع بكذبه" (١). قلت: وهذا كله يجب أن يكون فيما إذا كان من ادعى النبوة قبل محمدٍ ﷺ ، وأما بعده فيقطع بكذبه؛ لقيام القاطع على أن لا نبي بعده. وهذا راجع إلى القسم الأول، وهو ما علم خلافه استدلالا. قال: (مسألةٌ: بعض ما نُسِب إلى الرسول (٢) ﷺ كذب؛ لقوله: "سَيُكْذبُ عليَّ"؛ ولأن منها ما لا يقبل التأويل، فيمتنع صدوره عنه). بعض الأخبار المروية عن النبي ﷺ بطريق الآحاد مقطوعٌ بكذبه؛ لوجهين: أحدهما: أنه رُوي عنه ﷺ أنه قال: "سَيُكْذب عليَّ" (٣)، فإن صح هذا الحديث - لزم وقوعُ الكذب عليه؛ ضرورةَ صدقه فيما يفوه به. وإنْ لم يصح مع كونه رُوي عنه - فقد حصل الكذب فيما رُوي عنه، ضرورةً أن هذا الخبر مِنْ جملة ما رُوي عنه، لكن على هذا التقدير يتعين الموضوع عليه، وهو هذا الخبر، والدعوى كانت مبهمةً في بعضٍ غير معيَّن.

стр. 2185

فإن قلت: نلتزم صحته، ولا يلزم وقوع الكذبِ في الماضي الذي هو المدّعى؛ لأنه قال: "سَيُكْذب" بصيغة المضارع، فيجوز أن يقع في المستقبل (١). قلت: السينُ الداخلةُ على "يُكْذب" وإن دلت على الاستقبال فإنما تدل على استقبال قليلٍ، بخلاف سوف، كما نصوا عليه (٢)، وقد حصل هذا الاستقبال القليل بزيادة. واعلم أن هذا الحديث لا يُعرف، ويُشبه أن يكون موضوعًا. الثاني: أن مِنْ جملة ما رُوي عنه ﷺ ما لا يقبل التأويل، إما لمعارضة الدليل العقلي، أو غير ذلك مما يُوجب عدمَ قبوله للتأويل، فيمتنع صدوره عنه ﵇ قطعًا. قال: (وسببه: نسيان الراوي، أو غلطه، أو افتراء الملاحدة لتنفير العقلاء). سبب وقوع الكذب عليه ﷺ : إما نسيان الراوي؛ لطول عهدٍ بالخبر المسموع، أو غير ذلك، فربما حَمَل النسيانُ على نَقْص ما يُخِلُّ بالمعنى، أو رفع ما هو موقوف، أو غير ذلك من آفات النسيان.

стр. 2186

وإما غَلَطُه: بأن أراد النطق بلفظٍ فسبق لسانه إلى سواه، أو وضع لفظًا مكان آخر ظانًا أنه يؤدي معناه. وإما افتراء الزنادقةِ وغيرِهم مِنْ أعداء الدين، الذين وضعوا أحاديث تخالف العقول، ونسبوها إلى النبي ﷺ ؛ تنفيرًا للعقلاء عن شريعته المطهرة. وقد يقع الوضع مِنْ متهالك على حب الجاه، كما وضعوا في دولة بني العباس ﵁ نصوصًا دالةً على إمامة العباس وذريته. ومن الغُواة المتعصبين مَنْ وضع أحاديث لتقرير مذهبه، ودَفْع خصومه (١). ومنهم مَنْ جَوَّز وضع الأحاديث للترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية، فوقع منه الوضع في ذلك. وأسباب الوضع كثيرة (٢)؛ لأنها تختلف باختلاف أغراض الفسقة المتمردين، والزنا دقة المبتدعين. والله أعلم (٣).

стр. 2187

الفصل الثالث: فيما ظُنَّ صدقه من الأخبار

стр. 2188

قال: (الفصل الثالث: فيما ظُنَّ صدقه . وهو خبر العدل الواحد. والنظر في طرفين: الأول: في وجوب العمل به. دل عليه السمع، وقال ابن سريج والقفال والبصري: دلَّ العقل أيضًا. وأنكره قومٌ؛ لعدم الدليل، أو للدليل على عدمه شرعًا أو عقلا. وأحاله آخرون. واتفقوا على الوجوب قي الفتوى، والشهادة، والأمور الدنيوية). القسم الثالث من أقسام الخبر: (ما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه) (١). وله أحوال؛ لأنه إما أن يترجَّح احتمال صدقه، أو كذبه: كخبر العدل، والفاسق. أو يتساوى الأمران (٢): كخبر المجهول. وإنما يجب العمل بالقسم الأول؛ فلذلك اقتصر على ذِكْره هنا. فقوله: "العدل" احترازٌ عن القسمين الآخَرَيْن. وقوله: "الواحد" احتراز عن المتواتر؛ فإن المراد بخبر الواحد عند الأصوليين: ما لم يبلغ حد التواتر مما لا سبيل إلى القطع بصدقه أو كذبه، سواء نَقَله واحدٌ أم جمع منحصرون (٣) وقد يُخْبِر واحدٌ فيُعلم صدقه

стр. 2189

كالنبي، ولا يُعد ذلك مِنْ أخبار الآحاد (١). ويَدخل في خبرِ الواحدِ المستفيضُ (٢)، قال الآمدي: وهو ما نقله

стр. 2190

جماعةٌ تَزيد على الثلاثة والأربعة (١). وقيل: المستفيض: ما تلقته الأمة بالقبول (٢). (وقال) (٣) الأستاذ أبو بكر بن فورك: "الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه". قال إمام الحرمين: "وفَصَّل ذلك في مصنفاته فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يُقطع بصدقه، وحُمِل الأمر على اعتقادهم (٤) وجوبَ العمل بخبر الواحد. وإنْ تلقوه بالقبول قولًا ونطقًا حُكِم بصدقه. قال القاضي: لا يُحكم بصدقه وإنْ تلقوه بالقبول قولًا ونُطقًا، فإنَّ تصحيح الأئمة للخبر مُجْرى على حكم الظاهر، فإذا استجمع شروطَ

стр. 2191

الصحة أطلق عليه المحدثون الصحة، فلا وجه للقطع والحالة هذه". قال إمام الحرمين: "ثم لو قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظنَّ، وباحوا بالصدق (١) - فماذا تقول؟ - لقال (٢) مجيبًا: لا يُتصور هذا؛ فإنهم لا يَصِلون إلى العلم بصدقه، ولو قطعوا لكانوا مجازفين، وأهل الإجماع لا يجتمعون (٣) على باطل" (٤). وقال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض ما تتفق عليه أئمة الحديث. وزعم أنه يقتضي العلم نظرًا، والمتواتر يقتضيه ضرورةً. وضَعَّف إمام الحرمين ما قاله الأستاذ: بأن العرف واطراد الاعتياد (٥) لا يقتضي الصدق قطعًا، بل قصاراه غلبة الظن (٦). والمختار: أن المستفيض ما يعده الناس شائعًا، وقد صَدَر عن أصل (٧)؛

стр. 2192

ليخرج الشائعُ لا عن أصل (١). وأقل المستفيض اثنان (٢). وقد حصر المصنف مقصود هذا الفصل (في طرفين) (٣): أحدهما: في وجوب العمل بخبر الواحد . قال الجمهور: يجب (٤) العمل به سمعًا (٥).

стр. 2193

وقال أحمد بن حنبل، والقفال، وأبو العباس بن سريج منا، (وأبو الحسين) (١): دلَّ عليه العقل مع السَّمع (٢). وقد عرفت في أوائل الشرح اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى بدلالة العقل على ذلك مِنْ أصحابنا أهل السنة، كأحمد، وابن سريج، والقفال (٣). ومن الناس مَنْ أنكر التعبد به، وقد انقسموا ما بينهم إلى مذاهب: الأول: أنه لم يوجد ما يدل على أنه حجة، فوجب القطع بأنه ليس بحجة (٤). وهذا معنى قول المصنف: لعدم الدليل عليه. والثاني: أن الدليل السمعي قام على أنه غير حجة. وهو رأي

стр. 2194

القاساني (١)، وابن داود، والرافضة (٢). والثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به. وعليه جماعة من المتكلمين، منهم الجبائي (٣). فإن قلت: ما وجه (٤) الجمع بين مَنْع الجبائي هنا التعبدَ به عقلًا، واشتراطِه العدد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - النقلُ عنه؛ فإن قضية اشتراطه العددَ القولُ به؟ قلت: قد يجاب بوجهين: أقْرَبُهما: أنه أراد بخبر الواحد الذي أنكره هنا ما نقله العدل منفردًا به، دون خبر الواحد المصطلح، أعني: الشاملَ لكل خبرٍ لم يبلغ حد التواتر، ولهذا كانت عبارة إمام الحرمين: "ذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد لا يُقبل، بل لا بد من العدد، وأقله اثنان" (٥).

стр. 2195

والثاني: أنه يجعله من باب الشهادة. واعلم أن القائلين بهذا المذهب أحالوه، وقد صَرَّح المصنف بالمغايرة بين مذهب مَنْ منعه عقلًا ومَنْ أحاله. حيث قال بعد قوله عقلًا: "وأحاله آخرون"، وهو وَهَم (١). ثم إن المصنف أشار إلى تحرير محل النزاع بأنه ليس في (٢) الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية كلها (٣) (٤)، بل أطبق علماء الأمة على العمل بخبر الواحد في تلك الأمور (٥). قال: (لنا: وجوه: الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفةٍ من الفِرْقة، والإنذار: الحبر المخوف. والفِرْقة: ثلاثة. فالطائفة (٦): واحدٌ أو

стр. 2196

اثنان. قيل: "لعلَّ" للترجي. قلنا: تَعَذَّر فَيُحْمل (١) على الإيجاب لمشاركته (٢) للتوقع. قيل: الإنذار: الفتوى (٣). قلنا: يلزم تخصيص الإنذار والقوم بغير المجتهدين، والرواية ينتفع بها المجتهد وغيرُه. قيل: فيلزم أن يُخْرج من كل ثلاثةٍ واحد. قلنا: خُصَّ النَّصُّ فيه). إقامة البرهان على وجوب العمل بخبر الواحد صريحة في الرد على مَنْ قال: إنه لم يقم دليل على ذلك، واستند إلى ما لا يَعْصِم فقال: ليس في العقل ما يُوجب ذلك، وليس في كتاب الله ناصٌّ عليه، ولا سنةٌ متواترة تُرشد إليه، ولا مطمع في الإجماع مع قيام النزاع، ويستحيل أن يثبت خبر الواحد (بخبر الواحد) (٤)، وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي - فقد حصل الغرض. (وقد بنى) (٥) هذا القائل كلامه على أمور هو فيها مُنَازَع بحقٍّ واضح، وهي قوله: إن العمل به غير مستند إلى نص كتاب. وما نُورده من الآي رادٌّ عليه. ولا إلى سنةٍ متواترة (٦)، ولا إجماع. وهو أيضًا باطل؛

стр. 2197

فإنهما قائمان على ذلك، وهما المسلك الذي نختار (١) الاعتماد عليه في (٢) إثبات العمل بخبر الواحد (٣). والرأي الكلام على تقرير ما في الكتاب، ثم إيضاحهما، فنقول: استدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤). (وجه الاحتجاج: أنه تعالى أوجب الحذر بإخبار طائفة؛ لأنه أوجبه بإنذار الطائفة في قوله: ﴿مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾) (٥)، وكلمة "لعل" للترجي، وهو محال في حقه تعالى (٦)، فوجب حمله على المجاز: وهو طلب الحذر؛ لأنَّ مِنْ لازم الترجي الطلب (٧)، وطلب الله: هو الأمر، فثبت الأمرُ بالحذر عند إنذار الطائفة، والإنذار: هو الإخبار؛ لأنه عبارة عن: الخبر المخوف (٨)، (والخبر داخل في

стр. 2198

الخبر المخوف) (١). والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم؛ لأن كل ثلاثة فرقة (٢)، وقد أوجب الله تعالى أن يَخْرج من كل فرقة طائفة، والطائفة من الثلاثة واحدٌ أو اثنان، وقول الواحد أو الاثنين لا (٣) يفيد العلم، وقد أوجب به الحذر، فثبت وجوبُ العمل بالخبر الذي لا يُقْطع بصدقه، ولكن يُظن، وذلك هو خبر الواحد (٤). واعلم أن هذا التقرير مبني على أن المتفَقِّهة هم الطائفة النافرة، وأن الضمير في قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ راجعٌ إليها. وهذا قولٌ لبعض المفسرين (٥)، والصحيح أن المتفقهة الفِرَق المقيمة (٦)، والمراد: أن الفرق التي عند رسول الله ﷺ ينفر من كل فرقة منهم (٧) طائفة إلى الجهاد، وتبقى (٨) بقيتهم عند رسول الله ﷺ ؛ ليتفقهوا في الدين (عند رسول الله) (٩) ﷺ ؛ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم من الجهاد. فالطائفة النافرة ليست

стр. 2199

المتفقِّهة، بل هي التي تُنْذَر. ومما يُوَضِّح هذا أن المتفقه (١) هو المقيم بين يدي رسول الله ﷺ يسمع منه ويتلقى عنه، والآية نزلت لأن المؤمنين لما نزلت الآيات في المتخلفين (٢) بعد تبوك - صار المؤمنون كلما جَهَّز النبي ﷺ فرقةً للغزو بادروا إلى الخروج، واسْتَبَقُوا إليه، فأنزل الله هذه الآية (٣). والمعنى والله أعلم: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فهلا نفرت طائفة مِنْ كل فرقة منهم؛ ليحصل (٤) التفقه للباقين عند النبي ﷺ . واعترض الخصم على الاحتجاج بهذه الآية على التقرير المذكور في الكتاب بثلاثة أوجه: أحدها: أن مدلول "لعل" الترجي لا الإيجاب. والجواب: ما سبق من أنه لما تَعَذَّر الحمل على الترجي حُمِل على الإيجاب؛ لمشاركته للترجي في الطلب. وقال في الكتاب: "لمشاركته (٥) له في التوقع". وليس ذلك بمستقيم؛ إذ يلزم من اشتراكهما في التوقع - ما يلزم مِنْ حَمْل "لعل" على حقيقتها بعينه (٦)؛ لأن التوقع في حقه تعالى محال.

стр. 2200

الثاني: لا نسلم أن المراد بالإنذار في الآية: الخبر المخوف مطلقًا، بل المراد به: التخويف الحاصل من الفتوى، وقول الواحد فيها مقبول اتفاقًا، كما عرف (١). ويُؤيِّد ذلك أنه أُوجب التفقه من أجل الفتوى، والتفقه إنما يُفتقر إليه في الفتوى لا الرواية (٢). والجواب: أنه يلزم مِنْ حَمْله على الفتوى تخصيصُ الإنذار المذكور في الآية، وهو عامٌّ فيه وفي الرواية. وتخصيصُ القوم المنذَرين بغير المجتهدين؛ إذ المجتهد لا يقلد مجتهدًا فيما أفتى به (٣)، بخلاف ما إذا حُمِل على ما هو أعم من (الفتوى والرواية، فإنه لا يلزمه التخصيص: أما تخصيص "الإنذار": فلأنه الخبر المخوف، وهو أعم من) (٤) أن يكون بالفتوى أو بغيرها، فانتفاءُ التخصيص منه إذا حُمِل على ما هو أعم - واضحٌ. وأما "القوم" فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد والمقلد: أما المجتهد - ففي

стр. 2201

الاستدلال على الأحكام. وأما المقلد - ففي الانزجار، وحصول الثواب لو نقلها لغيره، بل يلزم من انتفاع المجتهد بها انتفاع العاميِّ بها؛ لأنها أصله (١). الثالث: أنه (٢) لو كان المراد من الفِرْقة ثلاثةً - للزم منه أن يجب على كل ثلاثة أن يَخْرج منهم واحد للتفقه، وذلك باطل بالإجماع. وأجاب: بأن ذلك هو ظاهر الآية، إلا أن النصَّ في ذلك خُصَّ بالإجماع؛ لانعقاده على أنه لا يجب على كل ثلاثة أن يخرج منهم واحد، بل يكفي فقيه واحدٌ في خلق كثير لإرشادهم إلى (٣) ما تُعُبِّدوا به (٤)، وإذا خُصَّ من هذا الوجه بقي على عمومه فيما عداه.

стр. 2202

قال: (الثاني: أنه لو لم يُقْبل لما عُلِّل بالفسق؛ لأن ما بالذات لا يكون بالغير، والتالي باطل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١). الثالث: القياس على الفتوى والشهادة. قيل: يقتضيان شرعًا خاصًّا، والرواية عامًّا. ورُدَّ بأصل الفتوى). الدليل الثاني على وجوب العمل بخبر الواحد: أنه لو لم يجز قبول خبر الواحد في الجملة - لما كان عدم قبول خبر الواحد الفاسق مُعَلَّلًا بكونه فاسقًا. والتالي باطل، فالمُقَدَّم مثله. أما بيان الملازمة: فإن كون الراوي الواحد واحدًا أمر لازمٍ لشخصه المعيَّن، يمتنع انفكاكه عنه عقلًا. وأما كونه فاسقًا - فهو وصف عرضي يطرأ ويزول، وإذا اجتمع في المحلِّ وصفان: أحدهما لازم، والآخر عَرَضي مفارق، وكان كل واحد منهما مستقلًا باقتضاء الحكم - كان الحكم مضافًا إلى اللازم لا محالة؛ لأنه كان حاصلًا قبل حصول المفارِق وموجِبًا لذلك. وحين حل (٢) العرضي (٣) المفارِق كان ذلك الحكم حاصلًا بسبب (٤) ذلك اللازم، وتحصيل الحاصل مرةً أخرى محال، فيستحيل إسناد ذلك الحكم إلى ذلك المفارق (٥).

стр. 2203

مثاله: الميت يستحيل ويُستهجن أن يقال: لا يَكْتب لعدم الدواة والقلم عنده؛ لأن الموت لما كان وصفًا لازمًا له إلى حين يبعث، وكان مستقلًا بامتناع صدورِ الكتابة عنه - لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي، وهو عدم الدواة والقلم (١). وإذا أردتَ اعتبارَ ذلك مثالًا بالجزئيات الفقهية - قلتُ: خيار المجلس ثابت، لقوله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٢) وهو اسم مشتق من معنى، والحكم مهما نيط باسم مشتق من معنى - كان معللًا به (٣)، فكأنه قيل: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ لكونهما متبايعين.

стр. 2204

فإن قال الخصم: نحمل الخيار على خيار القبول، فإنه إذا صدر الإيجاب من البائع ولم يتصل به القبول من المشتري - فإن المشتري بالخيار بين أن يقبل وأن لا يقبل، فكذلك البائع بالخيار بين (١) أن يَثْبت على الإيجاب، وأن يرجع. قلنا له: هذا فاسد؛ لأن قبول البيع حق ثابت له (٢) بكونه آدميًا، لا بمقتضي البيع، فهو (٣) مستفاد بالذات، أعني: كونه آدميًا، فلا يجوز أن يَستند (٤) إلى الوصف العرضي وهو البيع. وأما بيان بطلان التالي: فإن الله تعالى عَلَّل عدم قبول خبرِ الفاسق بكونه فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥)، أمر بالتبين (٦) إذا كان المخبر فاسقًا، والحكم المعلَّق على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللًا بما منه الاشتقاق، ولا مِرَاء في أن الفسق وصف يناسب عدم القبول، فثبت (٧) بما ذكرناه: أن خبر الواحد لو وجب أن لا يُقبل - لامتنع تعليلُ عدم قبول نبأ الواحد بكونه فاسقًا، ولكنه قد عُلِّل به؛ فوضح أن خبر الواحد لا يجب أن لا يُقبل، فهو إذن غير مردود، فيكون مقبولًا في الجملة، وهو الغرض.

стр. 2205

ومن الناس مَنْ تمسك بالآية على وجه آخر: وهو أن الأمر بالتبين (١) مشروط بمجيء الفاسق، والمفهوم حجةٌ، وهو قاضٍ بأنه إذا لم يكن فاسقًا يُعمل به. واعترض الآمدي: بأن المفهوم وإن كان حجةً لكنه ظني، فلا يكفي في باب الأصول (٢). و(٣) من المتمسكين بهذا الوجه الشيخ أبو الحسن ﵁، كما نقله القاضي في "مختصر التقريب" (٤) في الكلام على مفهوم الصفة، وذلك يقتضي أنه يقول بالمفهوم، وقد تقدم الكلام فيه في مكانه. والمفهوم هنا شرطٌ وصفةٌ، فالشرط مستفاد من صيغة "إنْ"، والصفة مكتسبة من لفظة "فاسق". واعترض على هذا الاستدلال: بأن ما ذكرتم وإنْ دلَّ على أنَّ عدم القبول معلَّل بكون الراوي فاسقًا، لكن قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٥) يدل على أنه معلل بعدم إفادته العلم؛ إذ الجهالة هنا عبارة عن: عدم القطع بالشيء، (لا القطع بالشيء) (٦) مع كونه ليس كذلك،

стр. 2206

فإن خبر الفاسق لا يفيد ذلك، حتى يحسن أن يقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، بل إنما يفيد النوع الأول (١)، وخبر الواحد العدل يشاركه في ذلك؛ فوجب أن لا يُقبل. وأجيب: بأن الظن كثيرًا ما يطلق على العلم (٢)، والعلم على الظن (٣)، فالجهالة والجهل يُستعمل (٤) فيما يقابل هذين المعنيين (٥)، فالمَعْنِيُّ من الجهالة هنا: ضد العلم الذي بمعنى الظن، فتكون عبارة عن: عدم الظن، فالعمل بخبر الفاسق عمل (٦) بجهالة؛ لأنه ليس فيه علم، أي: ظن. وأما العمل بخبر

стр. 2207

الواحد العدل فليس كذلك (١). الدليل الثالث: قياس خبر الواحد على الفتوى والشهادة بجامع تحصيل المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة. واعترض الخصم فقال: الفرق أن الفتوى والشهادة يقتضيان شرعًا خاصًا ببعض الناس، وهو المستفتي والمشهود له أو عليه، بخلاف الرواية فإنها تقتضي شرعًا عامًا لكل الناس، فلا يلزم مِنْ تجويز العمل بالظن الذي هو مَعْرِض الخطأ والصواب في حق الواحد - تجويزُ العمل به في حق كافة الناس. وأجيب: بأن هذا مردودٌ بشرعية أصل الفتوى، فإنه أمرٌ لكل الخلق باتباع الظن. وفيه نظر؛ فإن عموم شرع الفتوى ليس كعموم شرع الرواية؛ لأن الرواية تشمل المكلفين أجمعين، والفتوى ليست حجة على المجتهدين، فكان العموم فيها دون العموم في الرواية (٢). وأيضًا فالمسألة علمية، والقياس غير كاف فيها. وقد ذكر القاضي في "مختصر التقريب" هذا الوجه، أعني: القياس

стр. 2208

على الفتوى والشهادة، وقال: "لست أختار لك التمسك به (١)، فإنك تكون في ذلك طاردًا، ولا تستمر دلالتك (٢) على سير الأصوليين (٣)، وقصاراه أن يقول لك الخصم: قد ثبتت (الشهادة والفتوى) (٤) بدلالة قاطعة لم يثبت الخبر بمثلها، فتلجئك الضرورة إلى ذِكْر الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد" (٥). هذا تقرير الأوجه المذكورة في هذا (٦) الكتاب. والمختار عندي في ذلك طريقة القاضي وعصبته، كإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهما: وهي الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد بمسلكين قاطعين لا يماري فيهما منصف: أحدهما: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، وذلك في وقائع شتى لا تنحصر، وآحادها إن لم تتواتر فالمجموع منها متواتر، ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس فلا وجه

стр. 2209

لتعدادها؛ إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها: وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات، واستكشافهم عن أخبار النبي ﷺ عند وقوع الحادثات، وإذا رُوي لهم تسرعوا (١) إلى العمل به، فهذا ما لا سبيل إلى جحده، ولا إلى حصر الأمر فيه. فإن قيل: لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد - فقد ثبت عنهم ردُّها: فأول مَنْ ردها رسول الله ﷺ ، فإنه لما سَلَّم من اثنتين، فقال له ذو اليدين (٢): أقُصِرت الصلاة أم نسيت - فلم يُعَوِّل رسول الله ﷺ على قوله، وسأل أبا بكر وعمر ﵄. ورَدَّ أبو بكر الصديق رضوان الله عليه خبرَ المغيرةِ بن شعبةَ فيما رواه مِنْ ميراث الجد (٣) إلى غير ذلك من وقائع كثيرة (٤). قلنا: قال القاضي: "ليس في شيء من هذا معتصم، فأما قصة ذي

стр. 2210

اليدين - فدليلٌ على الخصم، فإنه ﷺ قَبِل فيها خبر أبي بكرٍ وعمر، والخصم إذا أنكر خبر الآحاد ينكر خبر الثلاثة، كما ينكر خبر الواحد" (١) هذا جواب القاضي في "مختصر التقريب"، وبمثله يجاب عن قضية المغيرة (بن شعبة) (٢) فإن (٣) أبا بكر قَبِله لما وافقه عليها محمد بن مَسْلمة (٤) (٥). ولقائل أن يقول: خبر هؤلاء الثلاثة وإن لم يُفد العلم - فقد (٦) أفاد
следующие страницы →