← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعريف كبير فائدة" (١). تعامله مع المصادر بالتتبع والاستقراء توصلنا إلى أن تعامل التاج مع المصادر أخذ منهجًا معينًا يمكن تلخيصه في النقاط الآتية: أولًا: الدقة في النقل، والتحري فيه . لقد كان ﵀ دقيقًا في النقل ومتحريًا فيه، فهو على سبيل المثال في مبحث صيغة (افعل) هل هي للوجوب أم للندب أم للوقف؟ يقول التاج: "واعلم أنّ الآمدي لم ينقل في الإحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى. والظاهر أن نسخة الأصفهاني، وكذلك هذا الشارح من الإحكام سقيمة سقط منها من قوله: ومنهم إلى قوله إليه، وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه" (٢). فمن خلال هذه العبارة التي ينبغي أن تكتب بحروف من نور والتي تبين منهج السلف في تحقيق النصوص وتوثيقها، لترد على المدارس الحديثة الغربية والتي تتبجح من أنها السباقة إلى علم التحقيق والتوثيق. _________ (١) ينظر: ص ٢٨٦٣ - ٢٨٦٤. (٢) ينظر: ص ١٠٩٦ - ١٠٩٧.

стр. 247

مثال آخر: يقول التاج في الإبهاج: ". . . وابن العارض هذا بالعين المهملة بعد ألف ثم راء ثم ضاد معجمة، واسمه الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت، ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له، وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب، ووقفت عليه بخط ابن الصلاح، وكتبت منه فوائد، وقد وهم القرافي فظن أن العارض قد وقع في المحصول مصحفا. قال: وإنما هو ابن القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة الشافعية، هذا كلام القرافي، وهو وهم. ." (١). فانظر إلى الدقة في التحري بين النسخ وعمق الاطلاع. ثانيًا: الإكثار من الاقتباس من مصادر أصولية بالنص أحيانا وبالمعنى . كان ﵀ لا يذكر مسألة من مسائل أصول الفقه، إلا ويوثقها من مصادرها الأصلية، ولكون كتاب المنهاج شديد الصلّة بمحصول الرازي، والحاصل لتاج الدين الأرموي، والتحصيل لسراج الدين الأرموي، فلا تفوته الفرصة أن يبين مدى متابعة البيضاوي لهم أو مخالفته، فكان يوثق من هذه الكتب، ومن مصادره التي استقى منها شرحه، فيأخذ منها نصًا، وأحيانا بالمعنى، وإذا نقل بالنّص يقتبس الجملة أو الفقرة ذات العلاقة بالمسألة التي هو بصدد شرحها. وقد يقتبس الصفحات الكثيرة إذا كان المقام يقتضي ذلك. _________ (١) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.

стр. 248

والملاحظ أنّ جلّ اقتباسه من كتاب الصفي الهندي، فلا يكاد يخلو موضع من موضوعات الكتاب إلا ويقتبس فيه من كتاب النهاية للصفي الهندي، بل نكاد نجزم أنه ينقل منه إما عن حفظ وإما نقلا حرفيًا من كتابه، وقد ظهر ذلك واضحًا في صياغة المسائل ودون العزو أحيانًا. وقد أحصينا تكرر ذكر صفي الهندي في الكتاب، وقد اقتصرنا على إحصاء ذكر صفي الدين من كتاب القياس إلى نهاية الكتاب فوجدناه يزيد عن الثلاثين مرة بقليل، كما أنه يأتي في الدرجة الثانية من حيث النقل كتاب التلخيص لإمام الحرمين لخص فيه كتاب التقريب والإرشاد للباقلاني. وقد أحصينا تكرره في النقل عنه في هذا القدر أيضًا، فألفيناه يزيد عن العشرين مرة. الأمثلة: مثال على مطابقة المصنف للرازي "ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم" (١). مثال على النقل بالنص: "وعبارة التحصيل: لو قال ذلك لم يكن قياسا. . ." (٢). مثال آخر: "وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف فإنه قال: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم. . . ." (٣). _________ (١) ينظر: ص ٢١٥٨. (٢) ينظر: ص ٢٢٣٠. (٣) ينظر: ص ٢٢٣٠.

стр. 249

مثال على النقل والاقتباس للنصوص الطويلة: ينقل عن إمام الحرمين. يقول التاج: "ولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولنّ الفصل عليك ففيه كبير فائدة. قال: قد يظن الظان في هذا المقام. . . . . واعتقاد المشبه والمشبه به في صورة واحدة. وهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين" (١). وهذا الاقتباس من البرهان من ٢/ ١٠١٥ - ١٠١٧. أي ما يزيد عن ثلاث صفحات. مثال آخر على الاقتباس الطويل أيضًا من كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي تحقيق أبو غدة: ٩٥ - ١١٨. مع شيء من التصرف، حين قال: "وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من كلام القرافي. . . فلا يتوقف على إذن إمام" (٢). مثال آخر على النقل عن الغزالي في المستصفى ٢/ ٣٣٦ - ٣٤١. فقد نقل عما يزيد عن أربع صفحات: في معرض الكلام عن النقض كقادح من قوادح العلّة: "وأمّا حجّة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة. . . إلى قوله: فيفيد المِلْكَ بأنْ سَرَقَ نصابًا كاملًا من حرز لا شبهة له فيه" (٣). _________ (١) ينظر: ص ٢٤٨٦ - ٢٤٩٣. (٢) ينظر: ص ٢٨٧٥ - ٢٨٧٧. (٣) ينظر: ص ٢٤١٧ - ٢٤٢٣.

стр. 250

وبعض الأحيان يصرح بكثرة النقل من بعض المصادر الأصولية، فانظر إليه حين يقول: "واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح، وهو كتاب التلخيص لإمام الحرمين، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار، وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك، والذي أقوله ليستفاد أني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقبي على ثقة بأني لم أر كتابًا أجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومن طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب" (١). ثالثًا: مقارنة موجزة بين شرح التاج وكتاب الصفي الهندي . لو تصفحنا أي باب من أصول الفقه في كتاب الإبهاج وحاولنا أن نجري مقارنة بينه وبين كتاب النهاية للصفي الهندي، فلن نجد فرقًا كبيرًا في العبارة، اللهم إلا تقديم أو تأخير في الفقرات، أو تصرف في اللفظ والمؤدى واحد، وهذا لا يخدش في التاج، فهو قد عرف بسيلان في الذهن، والموسوعية في المعرفة، فقد يكون كتبها من حفظه، وقد ورد عنه في معرض الكلام عن أحد العلماء شيء من هذا ". . . الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له" (٢) ولا تكون هذه _________ (١) ينظر: ص ١٢٧٢ - ١٢٧٣. (٢) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.

стр. 251

دعوى تشابه الكتابين في العبارة صادقة، إلا إذا اكتنفها من القرائن والأدلة التى لا تقبل النقض. ومن الأمثلة على ذلك لا على سبيل الحصر فنأخذ مثالا من أول الكتاب وآخر من وسطه وثالث من أخيره. مثال من أول الكتاب: في مبحث جريان القياس في الحدود، والكفارات: يقول التاج: "البحث الثاني: أنَّه يجري في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة. لنا أنّ أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب ويخص المسألة ما روي أنّ الصحابة اجتهدوا في حدّ شارب الخمر فقال علي: أراه ثمانين؛ لأنّه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون، وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعًا. إن قلت: إن أردتم أنَّ أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا سواءً أوجدت الأركان والشرائط أو لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد. . ." (١). ويقول الصفي الهندي في النهاية: "ذهب أصحابنا وأكثر الأئمة إلى أنه يجوز إثبات الحدود والكفارات، والرخص، والتقديرات بالأقيسة خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه ﵏. لنا: ما تقدم من أدلة القياس، فإنه يدل على جواز القياس في الأحكام _________ (١) ينظر: ص ٢٢٥٠ - ٢٢٥١.

стр. 252

الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، فالتخصيص بباب دون باب خلاف لإطلاق تلك الأدلة فكان باطلًا. ويخص المسألة ما روى أنّ الصحابة اجتهدوا في حد شارب الخمر فقال علي ﵁: أراه ثمانين، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون، ولا شك أنه قياس. . . فإن قيل: تدعي أن تلك الأدلة تدل على جريان القياس فى الأحكام الشرعية مطلقًا سواء وجدت أركان القياس وشرائطه، أو لم توجد، أو تدعى أن دلالتها عليها إنما هي عند حصول الأركان والشرائط، والأول ظاهر. . ." (١). مثال من وسط الكتاب: في الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها. يقول التاج في الإبهاج: "هذا الكتاب معقود للمدارك التي وقع الاختلاف بين المجتهدين المعتبرين في أنّها هل هي مدارك للأحكام أم لا؟ أولها: الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع خلافا لبعضهم. وهذا بعد ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع" (٢). يقول الصفي الهندي في النهاية "الكلام في المدارك التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا؟ وفيه مسائل: المسألة _________ (١) ينظر: النهاية للهندي: ٧/ ٣٢٢٠. (٢) ينظر: ص ٢٥٩٩ - ٢٦٠٠.

стр. 253

الأولى: في أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع خلافًا لبعضهم. هذا بعد ورود الشرع أما قبله فلا سواء كان ذلك بطريق اليقين، أو غيره على ما تقدم تقديره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع. . ." (١). مثال من آخر الكتاب: من كتاب الاجتهاد (المجتهد فيه) قال التاج في الإبهاج: "ذهب طوائف من المسلمين على طبقاتهم إلى أنه ليس كل مجتهد في الأصول مصيبًا، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدث العالم وخلق الأعمال أو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرع. . ." (٢). قال الصفي الهندي في النهاية: "ذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجتهد في الأصول مصيبًا، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم وخلق الأعمال أو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرع. . ." (٣). نكتفي بهذه الأمثلة الثلاثة للدلالة على الباقي. رابعًا: الاقتباس من المصادر بالواسطة . نرى التاج أحيانًا ينقل بالواسطة، ولا ينقل مباشرة من المصدر، إما لعدم توفره، أو لدقة نقل الواسطة عن الأصل. ويظهر ذلك جليًا على وجه _________ (١) ينظر: النهاية للهندي: ٨/ ٣٩٣٨. (٢) نظر: ص ٢٩٠٩ - ٢٩١٠. (٣) ينظر: النهاية للهندي: ٨/ ٣٨٣٧.

стр. 254

الخصوص في نقله آراء الحنفية في الأصول كآراء الكرخي مثلًا، وكان الأولى أن تنقل من مصادر أصول الحنفية، لكنه فضل نقلها من كتب أخرى ككتب الشافعية كأن يعزو لنهاية الصفدي أو الإحكام للآمدي أو المستصفى للغزالي ويتضح ذلك بالأمثلة التي سأوردها. يقول التاج في الإبهاج في معرض كلامه عن الطرد كقادح من قوادح العلّة: "وقال الكرخي: هو مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه عملًا ولا الفتوى به. . ." (١). ويقول أيضًا: "وأما نفس الأمر فمنعه الكرخي والإمام أحمد وجمع من فقهائنا وجوزه الباقون، هذا هو النقل المشهور" (٢). وهذا مثال آخر: يقول التاج في الإبهاج: "ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة، وأكثر الفقهاء، وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد، ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال: وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية، ثم خَطأ هذا الشارحُ الآمديَّ بأنّ إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات" (٣). مثال آخر: "وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولي الإمام رجلًا وقال: لا نحكم في قتل المسلم الكافر والحر _________ (١) ينظر: ص ٢٣٩٢. (٢) ينظر: ص ٢٦٩٨. (٣) ينظر: ص ١٠٩٥ - ١٠٩٦.

стр. 255

العبد جاز، وقد قصر عمله على باقي الحوادث. . ." (١). فمن خلال هذا النّص نلاحظ أنه لم يرجع إلى المصادر الأساسية لرأي الآمدي بل اكتفى بنقل رأيه من مصادر أخرى بالواسطة وهي بعض شراح المحصول تبعا للأصفهاني وهو أحد شارحي المحصول أيضا، كما أن رأي إمام الحرمين، كان المفروض أن يرجع إليه في مصادره الأصلية كالبرهان والتلخيص وغيرهما. خامسًا: ذكر الأقوال التي أخذها شفاهًا عن والده وبعض شيوخه . من خلال تتبع كتابه الإبهاج، يتضح أنه ينقل بعض الآراء مشافهة، تلقاها من بعض شيوخه، وعلى رأس هؤلاء والده ﵀، وشيخه الذهبي. أما والده فالنصوص كثيرة في الكتاب، ونكتفي ببعض الأمثلة خشية الإطالة. مثال: "قال والدي أيده الله: والذي يظهر لنا ويكاد يقطع به أن الاتفاق فيه خير من الاختلاف، لكن هل نقول الاختلاف ضلال كالقسمين المذكورين أو لا؟. كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن منع التقليد يقتضي أنه مثلهما. وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص، ومن هذا الوجه يصح أن يقال، الاختلاف رحمة، إذ الرخصة _________ (١) ينظر: ص ٢٩٢٨.

стр. 256

رحمة" (١). مثال آخر: "وقد مال والدي أيده الله تعالى إلى ترجيح الأول، وقال: لم أجد في كلام الأصحاب إلى الآن ما أعتضد به في الجزم بأحدهما غير أني أميل إلى عدم النقض، وأن الحاكم لا يحكم ولا ينتقض إلا بمستند. . ." (٢). مثال آخر: "قال والدي أيده الله: والقرآن دالٌ على أنّ الرحمة تقتضي عدم الاختلاف" (٣). مثال آخر: "وما زال الشيخ الإمام الوالد والدي ﵀ أطال الله عمره يستشكل الجمع بين كلاميهما إلى أن جاء ببديع من القول فقال: في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه (ورد العلل في فهم العلل) ولا تناقض بين الكلامين؛ لأنَّ المراد أنّ العلّة باعثة على فعل المكلف مثاله: حفظ النفوس فإنّه علّة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع فحكم الشرع لا علّة له ولا باعث عليه؛ لأنّه قادرٌ أنْ يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشرع، وأجرى الله تعالى العادة أنّ القصاص سبب للفظ فإذا فعل المكلَف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقادَ إليه القاتل امتثالًا لأمر الله به ووسيلةً إلى حفظ النفوس كان لهم أجران أجرٌ على القصاص وأجرٌ على _________ (١) ينظر: ص ٢٢٢١. (٢) ينظر: ص ٢٩٣٨. (٣) ينظر: ص ٢٢٢٠.

стр. 257

حفظ النفوس، وكلاهما مأمورٌ به من جهة الله تعالى" (١). أمثلة أخرى عن شيخه الذهبي: مثال: "وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين" وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه" (٢). مثال آخر: "واستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله ﷺ : "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" وهو حديث لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه" (٣). سادسًا: منهجه في النقد . قليل هم العلماء الذين يتميزون بشخصية في النقل فلا ينقلون كل ما جاء بين أيديهم من آراء، بل يتخيرون بينها، وإن نقلوا أمرًا لا يرضونه بيّنوا وجهة نظرهم فيما نقلوه، وكذلك كان شيخنا تاج الدين السبكي كان إمامًا في النقد، بل مدرسة من مدارس النقد الأصولي، فلا يكاد يمر عليه رأي لا يرتضيه، إلا علّق عليه وبيّن وجه الخلل فيه، وفي كل ذلك كله، لا ينسى أدب المناظرة، والتخلق مع العلماء، انظر إليه حين يقول: ". . . والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه" (٤). ويقول أيضًا: _________ (١) ينظر: ص ٢٢٨٧ - ٢٢٨٨. (٢) ينظر: ص ٢٧٠٤. (٣) ينظر: ص ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤. (٤) ينظر: ص ١٢٥٩.

стр. 258

"وإمام الحرمين أجلّ من أن يصادم كلامه بكلمات أمثالنا، ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة. . ." (١). وأوَّل من تعرض لكثرة النقد، وعدم الرضا عن بعض آراءه أو ترجيحاته هو الإمام البيضاوي صاحب المتن الذي شرحه. فنذكر بعض الأمثلة التي وردت أثناء شرحه من الكتاب كله. مثال: "وقوله "مطلقًا" عبارة ركيكة وليس المراد حقيقة المطلق بل أنه عام ينطلق على الصور، ولو قال يدل مطلقا عمومًا لكان أحسن لا سيما وقد قال بعد ذلك خصوصًا" (٢). مثال: "اللائق بهذه المسألة [أي مسألة نسخ بعض القرآن] أن تذكر في الفصل التالي الذي أودعه ما ينسخ وما لا ينسخ" (٣). مثال: ". . . والمصنف عبر عنها بنسخ الوجوب قبل العمل، وهذا يوهم اختصاص المسألة بالوجوب، وليس كذلك. والتعبير الأول غير واف بالمقصود أيضًا؛ لأنه لا يتناول ما إذا حضر وقت العمل به لكنه لم يمض مقدار ما يسعه وهذه الصورة من صور النزاع. . . . ولو عبر عنها بنسخ الشيء قبل مضي مقدار ما يسعه وقته لتناول جميع صور النزاع من غير شك" (٤). _________ (١) ينظر: ص ٢٤٣٤. (٢) ينظر: ص ١٦٠٩. وعبارة المتن: "لنا مطلقًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. . .". (٣) ينظر: ص ١٦٤٨. (٤) ينظر: ص ١٦٦٠.

стр. 259

مثال عن نقد تعريفات البيضاوي (تعريف الإجماع): "وفي التعريف نظر من جهة إشعاره بعدم إنعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمّة محمد ﷺ جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ولم يقل بذلك أحد من المعترفين بالإجماع، فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار" (١). مثال آخر: "وقد أهمل المصنف من شروط الفرع كونه حكمه مماثلًا لحكم الأصل إما نوعًا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوبه فيها في القتل بالمحدد، أو جنسًا كإثبات ولاية النكاح على البنت الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها. . ." (٢). مثال آخر: "كذا حكى المصنف هذا المذهب، وهو وهْمٌ، وإنما هذا قول من مسألة أخرى وهي أنه هل يجوز للعالم تقليده؟ " (٣). مثال أخير على نقده من الناحية المنهجية، وكأن لجان المناقشة في عصرنا، يحاكون ما كان عليه العلماء في نقد بعضهم بعضًا. يقول مخاطبًا البيضاوي: "لك هنا مناقشتان: إحداهما: كان من حسن الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده، وهو الثالث من شرائط الإجماع. _________ (١) ينظر: ص ٢٠٢٤. وتعريف البيضاوي للإجماع: "الإجماع وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور". (٢) ينظر: ص ٢٥٩٠. (٣) ينظر: ص ٢٦٧٥.

стр. 260

والثانية: أن الإجماع شيء واحد، ليس تحته أنواع، لكنه أراد الأنواع ما لا يكون إجماعًا عند طائفة دون آخرين، وهو إجماع بالاتفاق. . . ." (١). أما نقده للأصوليين غير البيضاوي أثناء الشرح فأورد له هذه الأمثلة: مثال: نقده للقاضي في مختصر التقريب: "قال القاضي في مختصر التقريب: ثم إن ابن عباس كان ابن سبع لما توفي رسول الله ﷺ وما بلغ ابن الزبير أيضًا حلمه في حياته. قلت: هذا وهم كان ابن عباس لما توفي رسول الله ﷺ ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن عشر وهو ضعيف، وقيل ابن خمس عشرة ورجحه أحمد بن حنبل، وأما ابن الزبير فإنه ولد بعد عشرين شهرًا من الهجرة فيصح ما ذكره القاضي من أنه لم يبلغ الحلم في حياة النبي ﷺ " (٢). مثال آخر لنقده لإمام الحرمين وقلة بضاعته في الحديث: "وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي ﵁ احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا. قال: والحديث مدّون في الصّحاح متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل. قلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصحّ هذا الحديث، وقال الترمذي ليس إسناده عندي _________ (١) ينظر: ص ٢٠٧٥. (٢) ينظر: ص ١٨٩٨.

стр. 261

بمتصل" (١). مثال آخر لنقده للغزالي وإمام الحرمين والقاضي الباقلاني، وقلة بضاعتهم في الحديث: "وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين، فإنه قال: هذا لم يصححه أهل الحديث، وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب: هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح، وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم" (٢). مثال على نقده بعض شرَّاح المنهاج كالعبري والجاربردي: "واعلم أن ظاهر إيراد المصنف يفهم أن هذا الدليل الذي أجاب عنه دليل للمانع مطلقًا، وعلى ذلك قرره العبري والجاربردي وليس كذلك بل هي حجة أبي الحسين كما قلناه، وبه صرح الإمام" (٣). مثال آخر في نقده للرازي في المحصول "وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخ أبو حامد الإسفراييني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر وهو وَهْمٌ والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه" (٤). مثال آخر على نقده للرازي: "حفظ الراوي، وقد أطلقه وهو يحمل _________ (١) ينظر: ص ٢١٩٦. (٢) ينظر: ص ٩٧٥ - ٩٧٦. (٣) ينظر: ص ١٦٢٠. (٤) ينظر: ص ٢٧٠٧.

стр. 262

أمرين كلاهما حق معتبر، أحدهما: أنْ يكون قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب فالحافظ أولى؛ لما لعلّه يعتور الخطّ من نقص وتغيير. قال الإمام: وفيه احتمال. قلت: وهو احتمال بعيد. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا يحتج برواية من يعول على كتابه" (١). ولعلنا بذكر هذه الأمثلة نكون قد أحطنا ببعض الجوانب من نقده لمن سبقوه، وجئنا بنبأ عن هذه النقطة، ومن أراد المزيد، فعليه الرجوع إلى شرحه، فهو مشحون بآرائه النقدية. تعامله مع المسائل الأصولية والقواعد الفقهية اهتم التاج اهتمامًا بالغ النظير بالمسائل الأصولية لا من حيث الشرح والتوضيح فحسب، بل حقق المسائل وأماط اللثام عن الكثير من الفوائد، ويمكن تبيين ذلك في النقاط التالية: العناية بتقسيم الموضوع لا يمر موضوع من الموضوعات إلا ويقدم له بمقدمة أو تمهيد يبين فيه خلاصة الموضوع، وتقسيماته، ولو أخذنا أي موضوع دون أن نختار، نجد أنفسنا أمام منهج لم يحد عنه صاحبه قدر أنملة في طرحه لهذه الموضوعات، والمثال أحسن دليل على ما ادعيته: مثال: يقول التاج في الإبهاج: "أركان القياس أربعة، الأصل، والفرع، والجامع بينهما، وحكم الأصل، وأما حكم الفرع فهو حكم _________ (١) ينظر: ص ٢٧٧١ - ٢٧٧٢.

стр. 263

الأصل بالحقيقة، وإن كان غيره باعتبار المحل فلذلك لم تكن الأركان خمسة، وقول الآمدي: حكم الفرع ثمرة القياس وليس ركنًا منه لأنَّ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنًا منه لتوقف على نفسه، مدخول، فإن المتوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس، لا نفس حكم الفرع، ثمّ إنّ المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أوّل الكتاب عن إعادته هنا" (١). مثال آخر: "إنما أفرد بيان العلّة بفصل مقدّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما لكثرة تشعب الآراء عندها وعِظَم موقعها ولتشتت المباحث فيها. قد اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب: الأول: وبه جزم المصنف واختاره الإمام، وأكثر الأشاعرة أنّها المعرِّف للحكم، وقد يقال: العلامة، والأمارة. . . ." (٢). مثال آخر: "هذا مبدأ القول في الأمور المبطلة للعلية وهي ستة: النقض، وعدم التأثير، والكسر والقلب، والقول بالموجب، والفرق. الأول: النقض: وهو عبارة عن إبداء الوصف الذي ادّعى المستدل حجّة عليته في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه فيها وربما يعبر عنه المعبرون بتخصيص العلّة. _________ (١) ينظر: ص ٢٢٧٣ - ٢٢٧٤. (٢) ينظر: ص ٢٢٨٣ - ٢٢٨٤.

стр. 264

ومثاله قولنا: من لم يبيت النّية يعرى أوّل صومه عنها، فلا يصح؛ لأنَّ الصوم عبارة عن إمساك النّهار جميعه مع النية، فيجعل العراء عن النيّة في أوّل الصّوم علّة بطلانه. . . الكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في النقض، فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع، فنقول: . . ." (١). مثال آخر: "الأحكام الكلية للتراجيح هي الأمور العامة لأنواعها التي لا تخص فردًا منها. والباب مشتمل على مقدمة معرفة لماهية الترجيح وأربع مسائل. وقد عرّف الترجيح بأنّه: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها أي بالأمارة التى قويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقين وما فعله المصنف أصرح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين، والإمام قال ليعلم الأقوى فيعمل به. وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن، إذ يكتفى في الترجيح بالظنّ" (٢). ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة التي سردناها لبيان هذه النقطة فالمقام لا يتسع لأكثر من ذلك. وحتى يتسنى لنا أن نعرج على كل نقطة بالبيان والتوضيح. _________ (١) ينظر: ص ٢٤٠٧ - ٢٤١٠. (٢) ينظر: ص ٢٧٢٣ - ٢٧٢٤.

стр. 265

بيان موضع الخلاف وتحرير محل النزاع فيه: مثاله: "أول ما نقدمه تحرير محل الخلاف في المسألة فنقول: الحكم المستفاد من العباد على أمور أحدها: ما جاء على طريق التبليغ عن الله وهذا مختص بالرسل ﵈، وهم مبلغون فقط. والثانية المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع في المسألة، وهذا من وظائف المجتهدين من علماء الأمة، وفي جوازه للنبي ﷺ خلاف. . ." (١). مثال آخر: "الكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في النقض، فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع، فنقول: اعلم أولًا أنّ الصور في النقض تسع، لأنَّ العلّة إمّا منصوصة قطعًا أو ظنّا أو مستنبطة، وتخلف الحكم؛ إمّا لمانع أو فوات شرط أو دونهما، فصارت تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة، فالقائل بأنّ النقض قادحٌ مطلقًا قائل به في التسع، ومقابله مانع في جميع ذلك ولنذكر صورها: الأولى: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لوجود مانع. الثانية: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لفوات شرط. الثالثة: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لا لمانع ولا لفوات شرط، وإنّما يكون ذلك بعض تعبدي أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط. الرابعة والخامسة والسادسة الظنيّة كذلك. السابعة والثامنة والتاسعة: المستنبطة كذلك. _________ (١) ينظر: ص ٢٦٨٣.

стр. 266

وعلى الفقيه طلب أمثلتها وسنذكر في أثناء الفصل من أمثلتها الكثير إن شاء الله تعالى" (١). مثال آخر: "والجواب: أنَّه حينئذ لا يكون النّص على العلّة وحده هو المقيد للأمر بالقياس، بل التنصيص مع كون الأغلب عدم التقيد، والنّزاع إنما هو في أن التّنصيص وحده هل هو كافٍ؟ " (٢). مثال آخر "واتفقوا على امتناعه أيضًا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الصفات كالعالم والقادر؛ لأنها واجبة الاطراد نظرًا إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ العالم من قام به العلم، فإطلاقه على كلّ من قام به العلم بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتمثلين في المسمّى على الآخر بأولى من العكس وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودًا وعدمًا كالخمر فإنّها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائرٌ مع الإسكار وجودًا وعدمًا فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار؟ وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء في أخذ المال على سبيل الخفية، واسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج" (٣). مثال آخر: "واحتج القاضي بأن الشبه ليس مناسبًا وغيرُ المناسب _________ (١) ينظر: ص ٢٤١٠ - ٢٤١١. (٢) ينظر: ص ٢٢٢٩. (٣) ينظر: ص ٢٢٦٠ - ٢٢٦١.

стр. 267

مردود بالإجماع، فلا يعتبر. وأجاب: بالمنع، فإنّ ما ليس بمناسب ينقسم إلى الشبه وغيره، والشبه غير مردود بالإجماع، وهو محل النزاع" (١). مثال آخر: "ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضًا عند من يقدم الدوران على المناسبة، ثمّ محل الخلاف في غير المقطوع به، فإنّ العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أنّ تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السبر المظنون في كل مقدماته" (٢). فمن خلال هذه النصوص يتبين مدى اهتمام السبكي بتحرير المسائل وبيان موطن الخلاف، ومحل النزاع بين العلماء في كل مسألة. التنصيص على الرأي المختار الإمام التاج السبكي، حباه الله بذهن وقّاد، وعقل جبار، فلم يقف عند الشرح وإيراد كلام العلماء، بل كان يختار بينها أحيانًا، أو يختار رأيًا خاصًا به، وقد عبّر عن ذلك بعبارات، أو بالأحرى مصطلحات مختلفة أبان من خلالها عن رأيه، وقد حاولنا أن نحصر هذه المصطلحات فوجدناها تنحصر فيما يلي: (عندي، والصحيح، والحق عندي، قلت: وهذا حق، قلت وهذا تأويل حسن، قلت: ما نقله الغزالي فواضح، وهذا هو _________ (١) ينظر: ص ٢٣٧٠. (٢) ينظر: ص ٢٨٥١.

стр. 268

المختار، والمختار عندنا، وهو عندنا كلام جيد مرضي، وما ذكره حق متقبل، ونحن تابعناه على ما فعل، قلنا: الصحيح عندنا، وبه نقول، والذي يظهر لي. ونذكر أمثلة على ذلك: مثال: "والحق عندي جريان القياس فيها إنْ قلنَا برجوع السببية إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب" (١). مثال: "قال الهندي: وهذا الإشكال ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المأخوذ في حدِّ القياس إنَّما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه، ونتيجة القياس، وهو الثبوت لا الإثبات. قلت وهذا حقّ" (٢). مثال: "قلت: وهذا تأويل حسن، وهو أحسن مما نقله إمام الحرمين في النهاية عن الحليمي" (٣). مثال: "قلت: أما على ما نقله الغزالي فواضح؛ لأنّه جعله من باب العموم" (٤). مثال: "وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب بأن السبر والتقسيم لا يحتج به إلا إنْ قام الدليل على أنّ الحكم معلل، وأنّ العلّة _________ (١) ينظر: ص ٢٢٦٧. (٢) ينظر: ص ٢١٧٣. (٣) ينظر: ص ٢٢١٩. (٤) ينظر: ص ٢٢٢٥.

стр. 269

منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة، ثمّ يبطل ما عدا الوصف المدّعى علّة فيثبت حينئذ عليّة ذلك الوصف، وهذا هو المختار" (١). مثال: "والمختار عندنا التوقف في حقّ الحاضرين" (٢). مثال: "هذا تمام كلام الغزالي ﵁، وهو عندنا كلامٌ جيدُ مرضيّ" (٣). مثال: "وأطال القاضي في هذا الفصل وما ذكره حق متقبل" (٤). مثال: "قلنا: الصحيح عندنا أنّ مسائل الربا شبهية والشبه على وجوه" (٥). مثال: "وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي، وبه نقول" (٦). مثال: "والذي يظهر لي إطلاق الجواز فإن حفظ الجَمْعِ العظيم الخارجِ عن حدِّ الحصر مع خطة الدّين وإعلاءِ كلمة الإسلام أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذلّ الكفر" (٧). _________ (١) ينظر: ص ٢٣٨٩. (٢) ينظر: ص ٢٨٩٧. (٣) ينظر: ص ٢٤٢٣. (٤) ينظر: ص ٢٤٤٩. (٥) ينظر: ص ٢٥٤٩. (٦) ينظر: ص ٢٦٢١. (٧) ينظر: ص ٢٦٥٠.

стр. 270

هذه جملة التعابير والاصطلاحات التي كان جرى بها يراعه، ولنا وقفة أخرى في ترجيحاته عند الكلام عن استقلاليته، وترجيحاته بشيء من التفصيل. اعتناؤه بالقواعد الفقهية المتعلقة بالقواعد الأصولية: من ذلك قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور . تكلم التاج عن هذه القاعدة الفقهية من خلال القاعدة الأصولية: وجوب المقدمة، والتي يعبِّر عنها البعض بما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يقول التاج معلقًا على كلام والده: "وأما قوله (أي: والده): إذا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء فصحيح، ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور، وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها" (١). ثم تكلم عن هذه القاعدة وذكر سبع صور فقهية تندرج تحتها وأحال الباقي على كتابه "الأشباه والنظائر" (٢). وقاعدة إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم ؟ ذكر هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ قال التاج ﵀: "واعلم أن خلاف الأصوليين في هذه المسألة _________ (١) ينظر: ص ٣٠٣. (٢) ينظر: ص ٣٢٦ - ٣٢٩.

стр. 271

يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرًا، وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف. ويضاهيه مسائل" ثم ذكر ثمانية مسائل (١). وقاعدة: أنَّ الشرع يعلّق الحِكَم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها . ذكر التاج هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة: تكليف الغافل، حيث تكلم عن تكليف الصبي المميز وأن العقل لا يمنع من تكليفه، لتعقُّلِه، لكن الشارع لم يعلَّق التكليف على تعقُّل الصبي؛ لكونه وصفًا غير منضبطٍ، فعلَّق الحكم على الوصف المنضبط وهو البلوغ، مع أن خروج النطفة من حيث هو ليس هو مناط التكليف؛ إذ التكليف منوط بالعقل، لكن لما كان البلوغ مظنة العقل وكان وصفًا منضبطًا علَّق الشارع الحكم به. فتكلم التاج عند ذلك عن قاعدة: أن الشارع يعلّق الحِكَم (أي: المصالح) على مظانها (أي: أماكنها) المنضبطة لا على الحِكَم أنفسها، مع أنها هي مناط الحُكْم؛ لكنها لما كانت غير منضبطة لم يعلق الحُكْم بها، ثم قال: "وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك، بل ربما شذَّت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضرب من التعبد، وفي ذلك فروع"، ثم ذكر ثلاثة فروع وأحال بالباقي على كتابه "الأشباه والنظائر" (٢). _________ (١) ينظر: ص ٣٤٩ - ٣٥٣. (٢) ينظر: ص ٤١٢ - ٤١٤.

стр. 272

وقاعدة: الإكراه يسقط أثر التصرف . ذكر التاج هذه القاعدة الفقهية ضمن مسألة الإكراه وأنه قسمان: ملجئ يسقط به التكليف وغير ملجئ لا يسقط به التكليف. هذا كلام الأصوليين، على خلاف مذكور في المسألة. ثم قال التاج: "فإن قلت: قد قال الفقهاء: إن الإكراه يُسقط أثر التصرف. قلت: لا يلزم من كونه مسقطًا أثر التصرف أن لا يُجامع التكليف، والضابط في خطاب المكره وتصرفاته، والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط، ولعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا "الأشباه والنظائر". على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة "ثم ذكر جملة من المسائل المستثناة وهي عشر مسائل" (١). وقاعدة: أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف . ذكر هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة: دلالة الخطاب على الحكم بمنطوقه: يحمل أولًا على المعنى الشرعي، ثم على المعنى العرفي، ثم اللغوي، ثم المجازي. قال التاج: "واعلم أنه من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء: أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف. قال: والدي في "شرح المهذب": وليس هذا مخالفًا لما يقوله الأصوليون من أن لفظ الشارع _________ (١) ينظر: ص ٤١٨ - ٤٢١.

стр. 273

يحمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي. قال: والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدَّمنا العرف. ومراد الفقهاء: إذا لم يُعرف حدُّه فِى اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حدٌّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصُّوا على حده بما يبيِّنه، فيُسْتدل بالعرف عليه" (١). وقاعدة: الشيء يُغتفر إذا كان تابعًا ولا يُغتفر إذا كان أصلًا . ذكر التاج هذه القاعدة الفقهية عند كلامه عن الطرق التي يُعرف بها النسخ، ومن جملتها: أن يقوله الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك الآية، أو هذا الحديث سابق على ذلك الحديث. فإنه يقبل قوله وإن كان قبول قوله يقتضي نسخ المتواتر؛ وذلك لأن النسخ حصل بطريق التبع، والشيء يُغتفر إذا كان تابعًا ولا يُغتفر إذا كان أصلًا. ثم ذكر الفروع الفقهية المبنية على هذه القاعدة (٢). وقاعدة: أن الصبي هل هو مسلوب العبارة بالكلية ؟ ذكر هذه القاعدة الفقهية في ضمن كلامه عن شروط الراوي المقبول روايته والتي منها التكليف، فخرج الصبي مميِّزًا كان أو غير مميِّزٍ، فتكلم عن القاعدة في الصبي هل هو مسلوب العبارة أو غير مسلوب؟ ثم ذكر الفروع المبنية على هذه القاعدة (٣). _________ (١) ينظر: ص ٩٣٤. (٢) ينظر: ص ١٧٤٢ - ١٧٤٦. (٣) ينظر: ص ١٨٩٢ - ١٨٩٧

стр. 274

تفصيل بعض المسائل تفصيلًا لا تجده عند غيره: انظر مسألة تكليف الكفار بالفروع (١) فقد فصَّلها تفصيلًا حسنًا، ووضَّح إشكالات وأجاب عنها بما لا تجده عند غيره والزركشي ﵀ على سعة اطلاعه واستقصائه في كتب الأصول كثير الاعتماد على كتب ابن السبكي فينقل ترتيبه في المسألة ويستفيد من تحرراته وتدقيقاته دون عزوٍ إليه، وقد استقرينا ذلك في "البحر المحيط" وأشرنا إلى ذلك مرارًا في بعض المسائل في التحقيق، والقصد بهذا هنا هو أن عدم عزو الزركشي الفائدة إلى ابن السبكي يدل على أنه لم يجدها عند غيره وإلا لصرَّح بذلك كما هي عادته المتضحة بالاستقراء، ولا أشك أن الزركشي ﵀ على جلالة قدره عالة على التاج في كثير من الفرائد والفوائد التي يسطرها في كتابه، هذا بالاستقراء فقط من خلال "الإبهاج"، ولم نستقرئ من خلال كتابه الآخر "رفع الحاجب"؛ إذ لم يكن متوفرًا لدينا أثناء التحقيق، وبالجملة فالتاج ﵀ عمدة لمن بعده، استفاد منه الجميع، ونهل من مؤلفاته سائر المحققين من مختلف المذاهب، لا يشك في هذا مَنْ عنده معرفةٌ بكتب الأصول وبكتب التاج ﵀. ذكره لأمور لم يُسبق إليها: يشير التاج ﵀ إلى بعض الفوائد التي ينفرد بها ولا يعلم أحدًا سبقه إليها، هذا عدا انفراده ببعض النقول والفوائد التي ينفرد بنقلها _________ (١) ينظر: ص ٤٤٩ - ٤٧٢.

стр. 275

عن والده، وهي من الدرر والكنوز التي لا يعملها لغيره وإلا لأشاد بذلك، والتقي مشتهرٌ بذلك بين العلماء، كما قال السيوطي ﵀ عنه. فمما أشار إليه أنه لم يسبق إليه ولا نعلم أنه استُدرك عليه ادعاؤه - قوله: "ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلَّف بالفروع مطلقًا ولم أرَ مَنْ ذكره - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (١) إذ لا يمتري الفهم في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالإفساد الذي هو قَدْرٌ زائدٌ على الكفر، إما الصدُّ أو غيره" (٢). وفي مسألة مفهوم الصفة وأن مَنْ قال به اشْتَرَط فيه أن لا يظهر لتعليق الحكم على الصفة فائدة أخرى غير التعليق بها، كأن يكون ذِكْر الصفة خارجًا مخرج الغالب فلا يكون المتكلم ذاكرًا الصفة بقصد التعليق، بل حكايةً للحال، أو أن يكون ذِكْر الصفة بسبب سؤال سائل عن حكم إحدى الصفتين، فَيَرِد الجواب على السؤال فلا يدل ذكر الصفة أن المجيب قَصَد مخالفةَ الحكم عند عدم الصفة. ثم أورد إشكالًا على اشتراط ألا يخرج مخرج الغالب بقوله: "فإن قلت: هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية، فهو يعلم ذلك النادر. قال: وإنما يتبيَّن لي دخوله في كلام الآدميين. _________ (١) سورة النحل: الآية ٨٨. (٢) ينظر: ص ٤٦٨.

стр. 276

وقد أجيب عنه في كتابي "الأشباه والنظائر" بما لو عُرض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول فقلت: الخلاف جارٍ في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحِّل، بل لأن كلام الله منزَّلٌ على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم، فإذا جاء فيه لفظ عام تحته صورة نادرة، وعادة العرب إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها. نقول: هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ وإن كان عالمًا بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة، كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرة يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى: كالترجي، والتمني، وألفاظ التشكيك، وكل ذلك منتف في جانبه تعالى، وإنما تجيء لِكَوْن القرآن على أسلوب كلام العرب" (١). وفي مسألة المفرد المضاف هل يعم قال التاج ﵀: "ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نَرَ مَنْ ذكره قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) فإن المراد موسى المرسَل إلى فرعون، ومعه هارون، ولوط المرسَل إلى المؤتفكات" (٣). وفي مسألة الاستثناء من النفي هل هو إثبات؟ الجمهور على كونه إثباتًا، وأبو حنيفة ﵀ على خلاف ذلك، بل يقول بأن الاستثناء من النفي لا يدل إلا على أن المستثنى مخرج من الحكم عليه بالنفي _________ (١) ينظر: ص ٩٥٣. (٢) سورة الحاقة: الآية ٩. (٣) ينظر: ص ١٢٥٤.

стр. 277

من غير تعرض لحكم المستثنى بنفي أو إثبات، فمثلًا إذا قلنا: ما قام القوم إلا زيدًا؛ لم يكن استثناء زيدٍ إلا إخراجًا له من الحكم عليه بنفي القيام، وليس في الاستثناء إثبات للقيام ولا نفيه، بل هو مسكوت عنه يمكن أن يكون قائمًا ويمكن أن لا يكون قائمًا، فحكم القيام لزيد مسكوتٌ عنه لم يتعرَّض له، بل المُتّعرَّض له هو إخراج زيدٍ من الحكم عليه بالنفي. ومع أن الراجح عند التاج هو مذهب الجمهور إلا أنه استدل لمذهب الحنفية بدليل من عنده لم يقولوه والظاهر أنه لم يسبق إليه، يقول ﵀: "قلت: وقد وقع لي في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأن الوُسْع مستثنى في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ وقد أضيف بقوله: ﴿وُسْعَهَا﴾ فيقتضي العموم بناءً على أن المفرد المضاف يعم والتقدير: لا يكلف الله نفسًا إلا بكل ما تسعه، فيكون كل ما تسعه مكلفة به، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله، فاستحسن ذلك" (٢). وفي مسألة العدد الذي يشترط لحصول التواتر في الخبر: ذكر التاج قول من يقول بأن التواتر يحصل بعدد أهل بدر، ثم تعرض لبيان عدد أهل بدر فنقل قولَ مَنْ يقول بأنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ثم قال: "ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد أنهم كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة _________ (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦. (٢) ينظر: ص ١٤٠٧.

стр. 278

رجال، وهو أيضًا غير مباين؛ وذلك لأن الذين خرجوا مع النبي ﷺ في غزوة بدر للمقاتلة ثلاثمائة رجل وخمسة رجال، ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين، أدخلهم النبي ﷺ في حكم عداد الحاضرين وأجرى عليهم حكمهم، فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر، فاستفد هذا فإن جماعة من المحدثين ذهلوا عنه، حتى حكاه بعضهم خلافًا، فقال: قيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: ثلاثمائة وخمسة رجال كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره، والجمع بين القولين ما أشرنا إليه" (١). وظاهر أن الجمع باجتهاده إذ لم يعزه لغيره، هذا هو الظن به، لكن ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن ابن سعد ﵀ قال به في "الطبقات الكبرى" (٢) فيكون هذا من موافقة الاجتهادين. والله أعلم (٣). وانظر ما نقله عن والده في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، فهو من نفائس البحوث التي لم يتعرَّض لها الأصوليون، وأتى فيها التقي بما لم يسبق إليه (٤). وانظر أيضًا ما نقله عن والده في الفرق بين مسألتي: النهي عن الشيء هل هو أمرٌ بضده أم لا؟ وما هو مطلوب النهي هل هو الكفُّ أو الانتفاء؟ _________ (١) ينظر: ص ١٨٣٨ - ١٨٣٩. (٢) انظر الطبقات: ٢/ ١٨ - ١٩. (٣) انظر: فتح الباري ٧/ ٢٩٢. (٤) ينظر: ص ١٣٤٦ - ١٣٤٧.

стр. 279

وقد نقل عن والده ﵀ في بيان الفرق بينهما بحثًا مطوَّلًا هو من فرائد التقي ﵀، حتى قال التاج في آخره: "هذا آخر ما ذكره والدي أيده الله، ولا ينبغي أن يُمَلَّ التطويل في هذه المسألة، ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه" (١). عنايته بالفوائد الأصولية: وأعني بها الفوائد المستخرجة من بعض المسائل الأصولية، أو المتعلقة بها فمن ذلك: المقدمات الست التي افتتح بها باب العموم، وهي من الفوائد المهمَّة لا سيما المقدمة الثالثة والرابعة فهما أهم تلك الفوائد، ولولا أن في ذكرهما إطالة لذكرتهما (٢). مسألة أقل الجمع: قال فيها التاج: "للخلاف في هذه المسألة فائدة أصولية، وفوائد فروعية: أما الأصولية: فهي النظر إلى الغاية التي ينتهي التخصيص إليها، وهي المسألة المتقدمة. وقال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله بعد أن عزا ما ذكرناه إلى بعض الأصحاب: هذه فائدة مزيَّفة لأن أئمتنا مجمعون على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل إلى أن يبقى تحته واحد. انتهى. وهي فائدة، وقد عرفت الخلاف المتقدم؟ ". يعني: فائدة هذه المسألة صحيحة لا _________ (١) ينظر: ص ١١٧٥ - ١١٨٨. (٢) ينظر: ص ١١٩٣ - ١٢١٨.

стр. 280

مزيَّفة كما يقول أبو إسحاق ﵀؛ إذ الإجماع الذي حكاه غير صحيح، فالمسألة فيها خلاف سبق ذكره (١). ومن ذلك أيضًا: الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص (٢). وفي مسألة البيان بالفعل: ذكر البيضاوي أن الفعل بيان لأنه أدل من القول على المقصود؛ لأن فيه المشاهدة. وفي تعارض القول مع الفعل يرى البيضاوي والجمهور أن القول مقدَّم، وعلل البيضاوي ذلك بكون القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدالُّ بنفسه أدل (٣). فقال التاج ﵀: "فائدة: قد ذكر المصنف هنا (أي: في مبحث البيان) أن الفعل أدل من القول، وأن القول يدل بنفسه، يعني: فيكون أدل. وظاهر هذا التنافي بين الكلمتين، والتحقيق أن الفعل أدل على الكيفية، والقول أدل على الحكم، ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول؛ لأن فيه المشاهدة. واستفادة وقوعها على جهة معيَّنة من واجب أو ندب أو غيرهما بالقول أقوى وأوضح من الفعل؛ لصراحته" (٤). وفي مسألة النسخ إلى غير بدل: قال التاج ﵀: "فائدة: قال _________ (١) ينظر: ص ١٣٣٥ - ١٣٣٦. (٢) ينظر: ص ١٣٤٦ - ١٣٦٢. (٣) ينظر: ص ١٥٩٤. (٤) ينظر: ص ١٥٩٥.

стр. 281

الشافعي في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: وليس يُنْسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثْبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبْلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة. انتهى. وظاهر هذه العبارة أنه لا يقع النسخ إلا ببدل، وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل، وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبَّه عليه أبو بكر الصيرفي في "شرح الرسالة": أنه يُنقل من حظرٍ إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر أو تخيير، على حسب أحوال الفروض. قال: ومَثَل ذلك مَثَلُ المناجاة: كان يُناجى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فَرَض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاؤوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإن شاؤوا ناجَوْه من غير صدقة. قال: فهذا معنى قول الشافعي: "فرضٌ مكان فرض" فتفهَّمه. انتهى. وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون، فإنهم يقولون: إذا نُسخ الأمر بقوله: رفعتُ الوجوب، أو التحريم، مثلًا عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهو حكم أيضًا" (١). الإحالات العلمية سبق وأن ذكرنا أن التاج كان آية في زمانه في شتى الفنون، وقد ساعده على ذلك بيئته العلمية وتقلبه بين يدي العلماء المبرزين، زد على ذلك ما ورثه عن أبيه من مكتبة زاخرة بالمصادر والمراجع في علوم مختلفة. ولذا فإحالاته كثيرة سواء على مصادر أخذ منها منسوبة لغيره، أو مصادر له من تأليفه. _________ (١) ينظر: ص ١٦٧٤ - ١٦٧٥.

стр. 282

أما مؤلفاته فقد أحال على كتاب الأشباه والنظائر مرارًا في شرحه، وعبارته تكررت كثيرًا فمنها على سبيل المثال: مثال: "وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة في أكثر منه" (١). مثال: "ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب" (٢). مثال: "وهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله" (٣). مثال: "وينعرج هذا إلى أنَّه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقصيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى" (٤). مثال: "وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحققها من سرد فروعها ما تقرّ الأعين فعليك به" (٥). مثال: "وقد قال أبو العباس ابن القاص لا يستثنى عن هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيترك اليقين فيها بمجرد الشك، وقد سردناها في _________ (١) ينظر: ص ٢٣٧٣. (٢) ينظر: ص ٢٤٩١. (٣) ينظر: ص ٢٥٦٥. (٤) ينظر: ص ٢٥٦٦. (٥) ينظر: ص ٢٦١٩.

стр. 283

الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري والتحرير في كلّ ذلك فلا نطول بذكره هنا" (١). مثال: "ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر كمّله الله تعالى" (٢). وأما الإحالات إلى الكتب الأخرى، فقد أحال على مؤلفات شتى مثال ذلك إحالته على كتب أبيه. يقول مثلًا: "والمسألة في شرح المنهاج لوالدي مبسوطة" (٣). مثال آخر: ". . . وتفاصيل هذه المسألة وحجج الأصحاب فيها مبسوطة في الكتب الكلامية، والمصنف أحال في ذلك على كتابه مصباح الأرواح" (٤). وهناك إحالات من نوع آخر وهي الإحالات في نفس الشرح، إحالات بين الأبواب والفصول، لاحقة أو سابقة. مثال: "وتحقيق هذا يتلقى من فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح وسننتهي إليه إن شاء الله" (٥). مثال آخر: "قلت وهذا الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب _________ (١) ينظر: ص ٢٦٢٠. (٢) ينظر: ص ٢٥٦٥. (٣) ينظر: ص ٤٢٠. (٤) ينظر: ص ٣٦٦ - ٣٦٧. (٥) ينظر: ص ٧٧٥.

стр. 284

القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله" (١). مثال آخر: "تقدم في كتاب القياس أن المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه، أو يجهل حاله، وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين، والنظر هنا في الثالث، وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة" (٢). وبهذا القدر من الأمثلة، لعلنا أن نكون قد وفقنا في إظهار بعض جوانب هذه النقطة من المنهج. الاستدلال بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والإجماع، وآراء الصحابة وأشعار العرب وأقوال أهل اللغة، والأدلة العقلية . شأن كلّ أصوليٍّ وفقيه، الاستدلال بالأدلة، والبحث عن الدليل للمسألة التي يبحثها، وعملًا بحديث معاذ ﵁ المشهور حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فذكر تدرجه في الأدلة، ابتداء بالكتاب فالسنة إلى آخر الأدلة، وعلى هذا مشى كل من جاء بعده، فالتاج ليس بدعًا من العلماء، فلم يشذ عن هذه الطريقة، بل التزم بهذا المنهج، فيبحث عن الأدلة في الكتاب فإن لم يجد ففي السنة، ثم الإجماع ثم القياس، ثم أقوال الصحابة، ومن تبعهم، ثم بقية الأدلة العقلية. بالإضافة للأدلة التي يستأنس بها من أشعار العرب، وأقوال لأهل اللغة، وحتى نتبين ذلك مليًا، نذكر له بعض الأمثلة من شرحه كما هو المتبع في بقية النقاط في ذكر منهجه. _________ (١) ينظر: ص ٥٥١. (٢) ينظر: ص ٢٦٣٣.

стр. 285

مثال للاستدلال من الكتاب والسنة والإجماع، والدليل العقلي واللغة: " أما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع. وأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة والعبور تقول عبرت عليه وعبرت النهر. وأما الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به. . . . . الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على حجيّة القياس السنة، وتلك في قصتين: قصة معاذ وقصة أبي موسى. . . . الوجه الثالث: مما يدلّ على أنّ القياس حجّة، وهو معتمد الجمهور: الإجماع. . . . . . هذا وجه عقلي وتقريره: أنّ المجتهد إذا ظن أنّ الحكم في الأصل معلّل بعلّة موجودة في الفرع، حصل له ظنّ ثبوتِ الحكمِ في الفرعِ، والظنُّ بوجودِ الشيءِ يستلزم الوهمَ بعدمِه؛ لعدمِ انفكاك كلٍّ من الظنّ أو الوهم عن الآخر" (٢). مثال آخر: "واستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات: _________ (١) سورة الحشر: الآية ٢. (٢) ينظر: ص ٢١٩٠ - ٢١٩١، ٢١٩٥، ٢١٩٩، ٢٢٠٦ - ٢٢٠٧.
следующие страницы →