← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الحد (١) عليه وجهان، حكاهما الماوردي في "الحاوي" (٢) - لا بد من جريان مثلهما في رَدِّ روايته. على أن الوجهين المذكورين لا بد مِنْ فرضهما في رجل جاهل بالقاعدة المشهورة: وهي أن المكلف لا يجوز له أن يُقدم على فعلٍ حتى يعرف حكم الله فيه. وقد حكى الشافعي ﵁ في "الرسالة" الإجماع على هذه القاعدة، وكذلك حكاه الغزالي (٣). ثم إنهما، أعني: الوجهين - لا يتجهان إلا تخريجًا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع (٤)، والماوردي كثيرًا ما يُخَرِّج على ذلك. وقد يكون ظانًا الحلَّ فتقبل روايته.

стр. 2242

أما إن كان ما أقدم عليه من المظنونات - فقد حَكَى الإمام فيه الاتفاق (١). قال الهندي: "والأظهر أن فيه خلافًا، كما في الشهادة؛ إذ نُقِل وجهٌ في الشهادة أنها ترد به"، ولكن الصحيح أنها لا تُرَدُّ (٢). قال الشافعي ﵁: "أقبل شهادة الحنفي وأحَدُّه إذا شرب النبيذ" (٣). وإن كان من القطعيات - فكذلك على المختار (٤)، خلافًا للقاضي أبي بكر، والجبائي، وأبي هاشم، وتبعهم الآمدي (٥). قال الشافعي ﵁: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية (٦) من

стр. 2243

الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم (١). لنا: أن ظَنَّ صِدْقِه راجح، والعمل بالظن واجب. واحتج القاضي ومَن نحا نحوه: لأن الإقدام على الفسق من العالِم قبيح موجب للرد، والجاهل إذا أقدم عليه كان أولى بالرد؛ إذ زاد قبيحًا آخر على الفسق وهو الجهل. فإذا مَنَع الفسقُ بمجرده من القبول - فلأن يمنع والجهل مضافٌ إليه أولى. وأجاب المصنف: بأن الفرق بين مَنْ أقدم عالمًا، ومن أقدم جاهلًا: أن إقدام الأول يدل على الجرأة، وقلة المبالاة بالمعصية؛ فيغلب على الظن كذبه، بخلاف الجاهل. قلت: ولعل القاضي ﵀ يقول: تَرْك استرشاده في الشبهات تهاونٌ بالدين، فصار فاسقًا. وبهذه الكلمة اعتل مَنْ ذهب إلى تفسيق الساذِج الذي لا يعتقد الحل ولا التحريم، كما تقدمت حكايته

стр. 2244

آنفًا. وهو هنا أبلغ؛ (لأن الأمر هنا قطعي فلا يعذر في ترك استرشاده فيه) (١)، بخلاف الأمر الظني المجتهد فيه (٢). قال: (ومن لا تُعرف عدالته لا تُقبل روايته؛ لأن الفسق مانع، (فلا بد) (٣) من تحقق عدمه، كالصبا والكفر، والعدالةُ تُعرف بالتزكية. وفيها مسائل). مجهول العدالة (٤) لا تقبل روايته عند الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم (٥)، بل لا بد من البحث عن سيرته باطنًا (٦)، وعليه الإمام وأتباعه

стр. 2245

منهم المصنف (١). وقال أبو حنيفة: يُكْتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام، والسلامة عن الفسق ظاهرًا (٢).

стр. 2246

مثاله ما رَوَى المخالف عن أم سلمة: أنها قالت: "كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا" (١). وهذا رواه أبو سهل (٢) عن

стр. 2247

مُسَّة (١) (٢) الأزدية عن أم سلمة وأبو سهل ومُسَّة (٣) مجهولان، ذكره القاضي أبو الطيب. ومثل ذلك كثيرٌ. فإن قيل: قد قبلتم المجهول، وذلك أن عبد الرحمن بن وعلة المصري (٤) رجل مجهول، وقد روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" ونقل عن أحمد بن حنبل أنه ذُكِر له حديثُه هذا، فقال: ومَنِ ابن وعلة! . قلنا: ليس ابن وعلة مجهولًا (٥)، بل هو ثقة روى عنه زيد بن أسلم (٦)، ويحيى بن سعيد (٧) وغيرهما. ووثقه ابن

стр. 2248

معين (١) والعجلي (٢) والنسائي (٣). وروى له مسلم والأربعة. فإن قيل: رَوَى خالد بن أبي الصلت (٤) عن عراك بن

стр. 2249

مالك (١) عن عائشة أنها قالت: "بلغ رسولَ الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم. فقال: أوقد فعلوها، تَحَوَّلُوا بمَقْعَدَتَيَّ إلى القبلة" (٢). وخالد مجهول، وحكى أبو بكر بن المنذر (٣) في "كتابه" هذا

стр. 2250

عن أبي ثور. قلنا: خالد معروف، روى له ابن ماجه، وروى عنه سفيان بن حسين (١) (٢)، ومبارك بن فضالة (٣)، وغيرهما. و (٤) ذكره ابن حبان في "الثقات". قال شيخنا الذهبي: "وما علمتُ أحدًا تَعَرَّض إلى لينه" (٥). وقال القاضي أبو الطيب: إن أبا بكر بن المنذر أجاب عن هذا

стр. 2251

بأن أحمد بن حنبل قال: مَخْرج هذا الحديث حسن. قال: وقال غيره: روى عنه خالد الحذاء (١)، ومبارك بن فضالة، وواصل مولى أبي عُيَيْنة (٢). وهؤلاء ثقات، فوجب أن يكون خالدٌ معروفًا. وقد استدل المصنف على المختار: بأن الفسق مانع من القبول باتفاق، فلا بد من تحقق ظنِ عدمه قياسًا على الصِّبا والكفر، بجامع دفع (٣) احتمال المفسدة.

стр. 2252

وهذا الدليل فيه نظر؛ لأنا إذا شككنا في المانع فالأصل عدمه (١)، فقد حصل ظنُّ عدمه بدليل الأصل؛ لأن عدم المانع ليس شرطًا حتى يُشترط تحقق عدمه، وكثير من الفقهاء يتخيل أنه شرط (٢)، وليس كذلك، بل عدم المانع ليس بشرط، وعدم الشرط ليس بمانع. ودليله أن الشك في عدم الشرط يمنع ترتب الحكم، والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم؛ لأن القاعدة أن المشكوكات كالمعدومات، فكل شيء شككنا في وجوده أو عدمه جعلناه معدومًا، فلو كان عدمُ الشرط مانعًا، أو عدم المانع شرطًا لزم من الشك فيه أن يرتب (٣) الحكم؛ لأنه مانع، وأن لا يرتبه (٤)، لأنه شرط، (فيرتِّبه ولا يرتِّبه) (٥)، وهذا جمع بين النقيضين (٦) (٧).

стр. 2253

واعلم أن أبا حنيفة إنما يقبل رواية المجهول إذا كان في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، أما في هذا الزمان - فلا، صَرَّح به بعض المتأخرين من أصحابه (١) (٢). ثم ذكر صاحب الكتاب من الطرق التي تُعْرف بها العدالة التزكية، وأخل بذكر الاختبار، وإن كان هو الأصل؛ إذ ليس مستند التزكية إلا هو، إما بمرتبةٍ، أو بمراتب دفعًا للتسلسل (٣)؛ لأن مقصود الفصل (٤) الكلام

стр. 2254

في أحكام التزكية ، وقد ذكر المصنف فيه أربع مسائل. قال: (الأولى: شُرِط العدد في الرواية والشهادة ، ومنع القاضي فيهما. والحق الفرقُ كالأصل). في اشتراط العدد (في التزكية) (١) في الرواية والشهادة - مذاهب: أحدها: يشترط فيهما. وهو رأي بعض المحدثين (٢). والثاني: لا يشترط، بل يكفي فيهما (٣) واحد. وهو قول القاضي (٤). والثالث: وبه قال الأكثرون، أن العدد يشترط في التزكية في الشهادة دون التزكية في الرواية (٥). وحجته: أن الشهادة نفسها لا بد فيها من العدد، فكذلك ما هو شرط فيها. والرواية لا يشترط فيها العدد فكذا شَرْطها (٦). وإليه أشار بقوله: "كالأصل". ويؤخذ منه

стр. 2255

قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية، وهو كذلك (١). قال: (الثانية: قال الشافعي ﵁: يذكر سبب الجرح. وقيل: سبب التعديل. وقيل: سببهما. وقال القاضي: لا فيهما). قال الشافعي ﵁: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل (٢)؛ إذ قد يجرح بما لا يكون جارحًا؛ لاختلاف المذاهب فيه، بخلاف العدالة؛ إذ ليس لها إلا سبب واحد. ولأن الجرح يحصل بخصلة واحدة بخلاف التعديل. وقيل: عكسه؛ لأن مطلق الجرح يُبْطل الثقة، ومطلق التعديل لا يُحَصِّل الثقة؛ لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادًا على الظاهر، فلا بد من سببه. وقيل: لا بد من تبيين السبب فيهما جميعًا، أخذًا بمجامع كلام الفريقين (٣).

стр. 2256

وقال القاضي: لا يجب ذكر السبب فيهما؛ لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن - لم يصلح للتزكية، وإن كان بصيرًا به - فلا معنى للسؤال (١). كذا نص عليه في "مختصر التقريب" (٢)، ونقله عنه الآمدي، (والغزالي) (٣)، والإمام، وأتباعه منهم المصنف (٤). ونقل إمام الحرمين في "البرهان" عنه المذهب الثاني: وهو اشتراط بيان السبب في التعديل دون الجرح، وقال: "إنه أوقع في مآخذ الأصول" (٥). وقال إمام الحرمين والإمام وغيرهما: إنْ كان المزكِّي عالمًا بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم نَعرف (٦) اطلاعه على شرائطهما استخبرناه عن أسبابهما (٧). ويشبه أن لا يكون هذا مذهبًا

стр. 2257

خامسًا؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بشروط العدالة لم يصلح للتزكية (١). قال: (الثالثة: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن فيه زيادة). الجرح يقدم عند التعارض على التعديل؛ فإن فيه اطلاعًا على زيادة لم يطلع عليها المعدِّل، اللهم إلا إذا جَرَحه بقتل إنسان وقت كذا، فقال المزكِّي: رأيتُه حيًا بعد ذلك - فها هنا (٢) يتعارضان (٣). وهذا إذا كان المعدِّل والجارح في العدد سواء. وقد حَكَى القاضي في "مختصر التقريب" إجماع العلماء عليه (٤)، لكن حكى ابن الحاجب مذهبًا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما إلا بمرجِّح (٥).

стр. 2258

واعلم أن الاستدلال بالإجماع - إذا كان قد قام كما (١) حكاه القاضي - أقوى الحجج على المدَّعى؛ لأن الزيادة التي ذكرها الجارح قد ينفيها المعدِّل. فإن قلت: لو نفاها لكان (٢) شاهدًا على النفي فلا تقبل شهادته. قلت: إنما كلامنا في الرواية، فهو مخبِرٌ عن النفي، والإخبار نفيًا وإثباتًا مقبول، بخلاف الشهادة (٣)، فلا يقاس أحدهما (على الآخر) (٤). نعم قال القاضي: "الإخبار عن النفي يَضْعف" (٥). وأما إن كَثُرَ عَدَدُ المعدِّلين وقَلَّ عددُ الجارحين - فقد صار بعض العلماء إلى أن العدالة في مثل هذه الصورة أولى. والحق التسوية؛ فإن كلَّ واحدٍ من الجرح والتعديل يستقل بنفسه لو قُدّر مفردًا، فالزيادة لا تقتضي تغيير (٦) ذلك. قال القاضي: "ويوضحه أن

стр. 2259

عشرة من الشهود لو شهدوا على ثبوت دين، وشهد عدلان على إبراء مُسْتَحِقِّه عنه - فَيُقْضى بالإبراء، فإنهما أخبرا عما أخبر الشهود عنه، وانفردا بزيادة علم، و (١) شأن الجارح مع المعدِّلين" (٢) (٣). قال: (الرابعة: التزكية أن يَحْكم بشهادته، أو يُثْني عليه، أو (٤) يروي عنه مَنْ لا يروي عن غير العدل، أو يعمل بخبره). للتزكية (٥) أربع مراتب: أعلاها: أن يحكم بشهادته (٦). وثانيها: أن يُثْني عليه، بأن يقول: هو عدل. وما أشبهه. وقال بعض الشافعية لا بد وأن يقول: هو عدل عليَّ، ولي.

стр. 2260

وثالثها: إذا رَوَى عنه مَنْ لا يروى عن غير العدل - فإنه يكون تعديلًا على المختار عند الإمام والآمدي (١)، كالبخاري ومسلم في "صحيحيهما". وقيل: الرواية تعديل مطلقًا. وقيل: عكسه (٢). كما أن تركها ليس بجرح. ورابعها: إذا عمل بمدلول ما أَخْبَرَ به، ولم يُمكن حَمْلُه على الاحتياط، ولا على العمل بدليل آخر - فهو تعديل. وقد نقل الآمدي الاتفاق على ذلك (٣)، وليس بجيد؛ فإن الخلاف محكي في "مختصر

стр. 2261

التقريب" (١) للقاضي (٢). وأما ترك العمل بما رواه هل يكون جرحًا؟ - فقال القاضي في "مختصر التقريب": "إنْ تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الدوافع (٣) والموانع، وتقرر عندنا تركه (٤) موجب الخبر، مع أنه لو كان ثابتًا للزم العمل به - فيكون ذلك جرحًا. وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركُه، ولم يتبين قَصْدُه إلى مخالفة الخبر - فلا يكون جرحًا" (٥). فائدة (٦): أطلق الإمام أن الحكم بالشهادة تزكية (٧) كما في الكتاب، وقَيَّده الآمدي بما إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبولَ الفاسقِ الذي لا يكذب (٨). وهو قيد صحيح إلا أنه لا يختص بهذا القسم، فإن القسم الرابع كذلك.

стр. 2262

قال: (الرابع: الضبط، وعدم المساهلة في الحديث. وشَرَط أبو علي العدد، ورُدَّ بقبول الصحابة خبر الواحد. قال: طلبوا العدد. قلنا: عند التهمة). الشرط الرابع من شروط الراوي: أن يكون بحيث يُؤمَن من الكذب والخطأ فيما رواه، وذلك يستدعي حصول أمرين: أحدهما: الضبط. فمن يكون مختل الطبع لا يقدر على الحفظ أصلًا - لا يُقبل خبره البتة. وكذا من يعتريه السهو غالبًا، ورب مَنْ يضبط قِصَار الأحاديث دون طوالها؛ لقدرته على ضبطِ تلك دون هذه، فتقبل روايته فيما عُلم ضبطه إياه. الثاني: ولعله يدخل في الأول، عدم التساهل. فلو رَوَى الحديثَ وهو غيرُ واثقٍ به - لم نقبله (١). وإن كان يتساهل في غير الحديث ويحتاط في الحديث - قُبلت روايته على الأظهر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: "في الحديث". وَشَرَط أبو علي الجبائي العدد في كل خبر (٢)، وقال كما حكى عنه القاضي عبد الجبار: لا يُقبل في الزنا إلا خبرُ أربعةٍ، كالشهادة عليه (٣).

стр. 2263

ونقل القرافي عن كتاب "المحصول في الأصول" لابن العربي (١): أن الجبائي اشترط في قبول الخبر اثنين، وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع (٢). وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد كعمل عليٍّ بخبر المقداد، وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين، وغير ذلك. واحتج: بأنهم طلبوا العدد في أماكن، فإن أبا بكرٍ ﵁ لم يَقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مَسْلَمة (٣)، ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدري (٤)، وغير ذلك. والجواب: أنهم لم يطلبوا العدد إلا عند الريبة في صحة الرواية، إما

стр. 2264

لاحتمال نسيان مَنْ روى (١)، أو غير ذلك. وبهذا يحصل الجمع بين قبولهم تارةً ورَدِّهم أخرى. وحَكَى ابن الأثير في "جامع الأصول" أن بعضهم اشترط أربعةً عن أربعة إلى أن ينتهي الإسناد (٢) (٣). قال: (الخامس: شرط أبو حنيفة فِقْه الراوي إنْ خالف القياس. ورُدَّ: بأن العدالة تُغَلِّب ظَنَّ الصدقِ فيكفي). الراوي لا يُشْترط أن يكون فقيهًا عند الأكثرين، سواء كانت روايته مخالفة للقياس أم لم تكن. وقال أبو حنيفة ﵁: يُشترط فقهه إن خالف القياس (٤)؛ لأن الدليلَ نحو قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ

стр. 2265

شَيْئًا﴾ (١) , ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) , ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٣) - ينفي (٤) جواز العمل بخبر الواحد. خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيهًا؛ لأن الاعتماد على روايته أوثق، فوجب بقاء ما عداه على الأصل (٥). ورُدَّ: بأن عدالة الراوي تُغَلِّب ظَنَّ صدقه، والعملُ بالظن واجب كما تقرر، وبقوله ﷺ : "نَضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها (٦) " إلى قوله: "فربَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه" (٧)، فهذا صريح في الباب.

стр. 2266

قال: (وأما الثاني: فأن لا يخالفه قاطع ، ولا يقبل التأويل، ولا يضره مخالفة القياس ما لم يكن قطعي المقدمات، بل يُقَدَّم لقلة مقدماته وعمل الأكثر والراوي). انقضت شروط المخبِر بكسر الباء، والكلام الآن في شرط المخبَر عنه، وشَرْطُه: أن لا يخالفه دليل قاطعٌ؛ لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على (١) المظنون. فإنْ خالفه دليل قاطع فذلك القاطع إما عقلي، أو سمعي. فإنْ كان عقليًا: نُظِر فإنْ كان ذلك الخبر قابلًا للتأويل القريب الذي إذا طَرَق أُذُن مَنْ هو مِنْ (٢) أهل اللسان سَمِعه ولم يَنْبُ عنه طَبْعُه - وَجَب تأويلُه؛ جمعًا بين الدليلين، وإلا قَطَعْنا بأنه لم يصدر من الشارع؛ لأن الدليل القطعي (٣) لا يحتمل الصَّرْف عما دل عليه بوجه من الوجوه، لا بالتخصيص، ولا بالتأويل، ولا بغيرهما، فيجب القطع بأنه مكذوب على الشارع؛ ضرورةَ أن (٤) الشارع لا يصدر عنه الكذب، ولو صدر عنه هذا للزم صدور الكذب وهو محال.

стр. 2267

وإنْ كان سمعيًا: فإن لم يمكن الجمع بينهما فالحكم كما سبق. هذا إذا عُلم تأخير المظنون عن المقطوع، أو جُهل التاريخ؛ إذ لا يجوز الحمل على النسخ، فإنَّ نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعًا. فإنْ علم تأخيرُ المقطوع عنه حُمل على أنه منسوخ، ولا يُقْطع بكذبه، وإنْ كان الجمع غير ممكن؛ لِتَحَقُّق شرط النسخ. وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي يُجْهل التاريخ فيها، فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع، و (١) لكن لم يتحقق شَرْط النسخ، فلا يقطع به بمجرد الاحتمال، فإنَّ الآفات العارضة للراوي مِنْ كذبٍ أو نسيان (٢) وغيرهما محتملة، بل ربما يكون الحمل عليها أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقق شرطه. هذا شَرْط خبر الواحد. وأما ما ظُنَّ أنه شرط له وليس كذلك: فمنه: إذا عارض خبرَ الواحد القياسُ: فإما أن يقتضِي أحدُهما تخصيصَ الآخر - فيُخَصِّص (٣)؛ لأن تخصيص العلة وخبر الواحد بالقياس جائز. وإنْ تباينا مِنْ كل وجه، وفيه كلام المصنف - فينظر في مقدِّمات القياس: فإنْ ثبتت (٤) بدليل قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد، وذلك واضح.

стр. 2268

وإن لم تكن مقدمات القياس قطعية: فإن كانت كلها ظنية قُدِّم الخبر؛ لقلة مقدماته. ولا يتجه أن يكون هذا محل خلاف، وإنْ كان كلام بعضهم وهو طريقة الآمدي يقتضي أنه من صور الخلاف (١)، لكنه بعيد. وإن كان البعض قطعيًا والبعض ظنيًا - فمفهوم كلام المصنف أن خبر الواحد مقدم أيضًا، وهو قول الشافعي ﵁، واختيار الإمام وجماعة (٢). وقال مالك: القياس راجح (٣).

стр. 2269

وقال عيسى بن أبان: إنْ كان الراوي ضابطًا عالمًا قُدِّم خبره، وإلا كان في محل الاجتهاد (١). وتوقف قوم (٢). والمختار عندنا ما ذهب إليه أبو الحسين: وهو أنه يَجْتهد فإن كانت أمارة القياس أقوى (٣) وجب المصير إليها، وإلا فبالعكس (٤). وإن استويا في

стр. 2270

إفادة الظن فالوجه ما ذهب إليه الشافعي ﵁ (١). ومنه: عملُ أكثرِ الأمة بخلاف خبر الواحد لا يضر خبرَ الواحد، أي: لا يُوجب رَدَّه؛ لأن أكثر الأمة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة. ومَنْ يقول اتفاق الأكثر إجماعٌ، ولا عبرةَ بالمخالف إذا نَدَرَ - فاللائق بمذهبه أن يَرُدَّ به الخبر، وأما عندنا فلا، لكن قول الأكثر من المرجِّحات، فيقدم عند التعارض، بمعنى: أنه إذا عارض خبرَ الواحدِ خبرٌ آخرُ مِثْلُه معتضِدٌ بعمل الأكثر - قُدِّم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر (٢). ومنه: عمل راوي الخبر بخلافه، أي: بخلاف ظاهر الخبر - لا يوجب رَدَّه، كما أشار إليه بقوله: "والراوي" عطفًا على "عمل الأكثر"، أي:

стр. 2271

ولا يضره مخالفة الراوي (١). وهل المراد بالراوي الصحابي، أو أعمُّ مِنْ ذلك؟ فيه الكلام المتقدم في أثناء الخصوص (٢). وذهب أكثر الحنفية (٣) إلى أن عمل

стр. 2272

الراوي بخلاف الخبر يقدح في الخبر، ولا يجوز الأخذ إلا بعمل الراوي (١). وقال عبد الجبار، وأبو الحسين: إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه عَلِم بالضرورة أنه ﵇ أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر - وجب المصير إليه. وإن لم يُعْلم ذلك بل جَوَّزنا أن يكون قد صار إليه لنصٍّ، أو قياس - وجب النظر في ذلك، فإن اقتضى ما ذهب إليه - وجب المصير إليه، وإن لم يقتض ذلك، ولم يُطَّلع على مأخذه - وجب المصير إلى ظاهر الخبر؛ وذلك لأن الحجة إنما هي في كلام (رسول الله) (٢) ﷺ ، لا مذهب الراوي، وظاهر كلامه ﷺ يدل على معنى غيرَ ما ذهب إليه الراوي، فوجب المصير إليه، وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي (٣). قال: (وأما الثالث: ففيه مسائل: الأولى: لألفاظ الصحابي سبع درجات: الأولى: حدثني. ونحوه. (ب) (٤)

стр. 2273

قال (١)؛ لاحتمال التوسط. (ج) (٢) أمَرَ؛ لاحتمال اعتقاده (٣) ما ليس بأمرٍ أمرًا، والعموم والخصوص، والدوام واللادوام. (د) (٤) أُمِرْنا. وهو حجة عند الشافعي؛ لأن مَنْ طاوع أميرًا (٥) إذا قاله - فهم منه أمره؛ ولأن غرضه بيان الشرع. (هـ) (٦) من السنة. وعن النبي ﷺ (٧). وقيل: للتوسط. (ز) (٨) كنا نفعل في عهده). هذا هو الثالث مِنْ شرائط العمل بخبر الواحد: وهو الكلام في الخبر . وفيه مسائل: الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتِبها . وقد أتى المصنف ﵀ بلفظ جامع لها، وهو قوله: "درجات". الدرجة الأولى: أن يقول: حدثني رسولُ الله ﷺ . ونحوه، مثل:

стр. 2274

سمعت، أو أخبرني (١)، أو شافهني. فهذا خبرٌ عن الرسول ﷺ ، واجب القبول اتفاقًا (٢). الثانية: أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا. فهذا ظاهره النقل، فيكون حجة، لكنه ليس نصًا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد وصل إليه بواسطة، فتكون مرتبته دون الأولى (٣). الثالثة: أن يقول أمر النبي ﷺ بكذا، أو نهى (٤) عن كذا. فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال، مع احتمال آخر: وهو احتمال ظنِّه ما ليس بأمرٍ أمرًا، وأيضًا فليس فيه أنه أَمَر الكل أو البعض، ولا أن الأمر به يدوم أوْ لا، فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا. وقول المصنف: "لاحتمال" تعليلٌ لكونه دون الدرجة الثانية، لكن الظاهر من حال الصحابي أنه إنما يطلق هذه اللفظة إذا تيقن المراد؛ فلذلك ذهب الأكثرون إلى أنه حجة،

стр. 2275

وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين (١)، والقاضي في "مختصر التقريب" حكى عن داود أنه صار إلى التوقف في ذلك (٢). وإلى التوقف مال الإمام (٣). الرابعة: أن يَبْنِيَ الصيغة للمفعول فيقول: أُمِرْنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، أوْ أُوجب علينا كذا، وما أشبه ذلك. والذي عليه الشافعي رضوان الله عليه، وأكثر الأئمة، وهو اختيار الإمام، والآمدي: أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ ، فيكون حجة (٤). وذهب الصيرفي والكرخي (٥) وغيرهما إلى أن ذلك متردد بين أمر الله الذي اشتمل عليه كتابه المنزل، وأمرِ الرسول ﷺ ، وأمرِ كلِّ الأمة، أو بعض الوُلاة، وبين أن يكون قال ذلك استنباطًا لقياسٍ أو غيره بحسب تأدية

стр. 2276

اجتهاده، فلا يكون حجة. واحتج الأولون بوجهين: أحدهما: أن من أُلزم طاعةَ رئيسٍ فإنه إذا قال: أُمرنا بكذا - فُهم منه أمْرُ ذلك الرئيس، لا يُفهم ممن يقول في دار السلطان: أُمِرْنا بكذا - إلا أن الآمر السلطان (١). والثاني: أنَّ غَرَض الصحابي تعليمُنا الشرع، فيجب حمله على مَنْ صدر الشرع عنه دون الأئمة والولاة (٢). وأما حمله على أمر الله فمنتفٍ؛ لأن أمر الله تعالى ظاهر للكل لا يستفاد من قول الصحابي. وحمله على الإجماع متعذر؛ لأن ذلك الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه. وإنما قلنا: إن (٣) هذه المرتبة دون الثالثة، لاحتمالها ما تحتمل تلك، مع زيادةِ ما ذكرناه. الخامسة: أن يقول: من السنة كذا. وهو حجة عند جماعة (٤)، يجب

стр. 2277

حمله على سنة الرسول ﷺ ، وهذا ما عليه الإمام والآمدي والمتأخرون (١). وخالف الكرخي (٢)، والصيرفي (٣)، والمحققون (كما ذكر إمام الحرمين في "البرهان" (٤). وقال المازَرِي: أحد قولي الشافعي) (٥) أنه ليس بحجة (٦).

стр. 2278

وحكى القاضي في "مختصر التقريب" اختلاف أصحابنا في ذلك (١)، وقد قال الشافعي في القديم: إن المرأة تعاقل الرجلَ إلى ثلث الدية، أي: تساويه في العَقْل، فإنْ زاد الواجب على الثلث صارت على النصف (٢). وذُكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه (٣)، وأن الشافعي ﵁ قال: كان مالك يذكر أنه (٤) السنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شُبهة، حتى علمتُ أنه يريد سنةَ أهلِ المدينة، فرجعتُ عنه (٥).

стр. 2279

وهذا من الشافعي يدل على أن قوله: من السنة ظاهرٌ في أنَّ المراد به سنةُ الرسول ﷺ ، ما لم يقم دليلٌ على أن المراد سنة البلد أو غير ذلك. ويدل أيضًا على أن هذا لا يختص بالصحابي، بل يعم كلَّ متكلم على لسان الشرع، كمالكٍ وغيره (١). وحجة الأولين: ما تقدم في "أُمِرْنا ونُهِينا". وهذه الدرجة دون الرابعة؛ لاحتمالها ما تحتمل تلك مع زيادة احتمال سنةِ البلد، أي: طريقته، أو غير ذلك. وإمام الحرمين قال: "إنها بمثابة تلك" (٢). وكأنه رأى هذا الاحتمال مرجوحًا؛ لبعده من المتكلم على لسان الشريعة، ومالك ﵁ وإنْ كان قد وقع منه قوله: "من السنة"، مع إرادته سنة البلد - فما ذلك إلا لأن إجماع المدينة عنده حجة، فكانت طريقتها (٣) عنده من السنة لذلك، فلذلك أطلق قوله: "من السنة"، وأراد سنة المدينة، ولا يقع منه ذلك في بلدٍ غيرها. السادسة: أن يقول: عن النبي ﷺ . واختلفوا فيه: فقال قوم بظهوره في أنه سمعه من النبي ﷺ ، فيكون حجة، وهو رأي المصنف وصفي الدين الهندي (٤). وأما الإمام

стр. 2280

وغيره (١) مِنْ أتباعه فلم يُرجِّح أحدٌ منهم شيئًا (٢). السابعة: أن يقول: كنا نفعل في عهده ﷺ كذا، وكانوا (٣) يفعلون كذا (٤) - ومنه قول عائشة ﵂: "كانوا لا
следующие страницы →