← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

اجتهاده، فلا يكون حجة. واحتج الأولون بوجهين: أحدهما: أن من أُلزم طاعةَ رئيسٍ فإنه إذا قال: أُمرنا بكذا - فُهم منه أمْرُ ذلك الرئيس، لا يُفهم ممن يقول في دار السلطان: أُمِرْنا بكذا - إلا أن الآمر السلطان (١). والثاني: أنَّ غَرَض الصحابي تعليمُنا الشرع، فيجب حمله على مَنْ صدر الشرع عنه دون الأئمة والولاة (٢). وأما حمله على أمر الله فمنتفٍ؛ لأن أمر الله تعالى ظاهر للكل لا يستفاد من قول الصحابي. وحمله على الإجماع متعذر؛ لأن ذلك الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه. وإنما قلنا: إن (٣) هذه المرتبة دون الثالثة، لاحتمالها ما تحتمل تلك، مع زيادةِ ما ذكرناه. الخامسة: أن يقول: من السنة كذا. وهو حجة عند جماعة (٤)، يجب

стр. 2277

حمله على سنة الرسول ﷺ ، وهذا ما عليه الإمام والآمدي والمتأخرون (١). وخالف الكرخي (٢)، والصيرفي (٣)، والمحققون (كما ذكر إمام الحرمين في "البرهان" (٤). وقال المازَرِي: أحد قولي الشافعي) (٥) أنه ليس بحجة (٦).

стр. 2278

وحكى القاضي في "مختصر التقريب" اختلاف أصحابنا في ذلك (١)، وقد قال الشافعي في القديم: إن المرأة تعاقل الرجلَ إلى ثلث الدية، أي: تساويه في العَقْل، فإنْ زاد الواجب على الثلث صارت على النصف (٢). وذُكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه (٣)، وأن الشافعي ﵁ قال: كان مالك يذكر أنه (٤) السنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شُبهة، حتى علمتُ أنه يريد سنةَ أهلِ المدينة، فرجعتُ عنه (٥).

стр. 2279

وهذا من الشافعي يدل على أن قوله: من السنة ظاهرٌ في أنَّ المراد به سنةُ الرسول ﷺ ، ما لم يقم دليلٌ على أن المراد سنة البلد أو غير ذلك. ويدل أيضًا على أن هذا لا يختص بالصحابي، بل يعم كلَّ متكلم على لسان الشرع، كمالكٍ وغيره (١). وحجة الأولين: ما تقدم في "أُمِرْنا ونُهِينا". وهذه الدرجة دون الرابعة؛ لاحتمالها ما تحتمل تلك مع زيادة احتمال سنةِ البلد، أي: طريقته، أو غير ذلك. وإمام الحرمين قال: "إنها بمثابة تلك" (٢). وكأنه رأى هذا الاحتمال مرجوحًا؛ لبعده من المتكلم على لسان الشريعة، ومالك ﵁ وإنْ كان قد وقع منه قوله: "من السنة"، مع إرادته سنة البلد - فما ذلك إلا لأن إجماع المدينة عنده حجة، فكانت طريقتها (٣) عنده من السنة لذلك، فلذلك أطلق قوله: "من السنة"، وأراد سنة المدينة، ولا يقع منه ذلك في بلدٍ غيرها. السادسة: أن يقول: عن النبي ﷺ . واختلفوا فيه: فقال قوم بظهوره في أنه سمعه من النبي ﷺ ، فيكون حجة، وهو رأي المصنف وصفي الدين الهندي (٤). وأما الإمام

стр. 2280

وغيره (١) مِنْ أتباعه فلم يُرجِّح أحدٌ منهم شيئًا (٢). السابعة: أن يقول: كنا نفعل في عهده ﷺ كذا، وكانوا (٣) يفعلون كذا (٤) - ومنه قول عائشة ﵂: "كانوا لا

стр. 2281

يقطعون في (١) الشيء التافه" (٢). والأكثرون على أنه حجة، وهو اختيار الآمدي (٣)، ومقتضى اختيار الإمام هنا (٤)، إلا أنه جعله مرتبة سابعة كما فعل المصنف، ولم يصرح في السادسة بترجيح، وقضية تقديمها ترجيحها. وحجة الأكثرين أن قوله: "كنا نفعل، أو كانوا (٥) يفعلون" ظاهرٌ في فِعْل الجماعة وتقريرِ النبي ﷺ ؛ لأن قصد الصحابي بيان الشريعة. وهذه الدرجة دون التي قبلها؛ لاختصاصها باحتمالِ أن يكون فِعْلَ بعضهم، ولم يطلع عليه النبي ﷺ .

стр. 2282

واعلم أن كلام المصنف ربما يُوهم توقفَ الاحتجاج بقول الصحابي: "كنا نفعل" على تقييده بعهد النبي (١) ﷺ ، وفيه مخالفة لكلام غيره. والذي عندي في ذلك أن لهذه الدرجة ألفاظًا: أعلاها: أن يقول: كنا معاشرَ الناس، أو كانت الناس تفعل ذلك في عهده ﷺ . وهذا (٢) ما لا يتجه في القول بكونه حجة (٣) خلافٌ؛ لتصريحه بنقل الإجماع المعتضِد بتقرير النبي ﷺ (٤). والثانية: أن يقول: كنا نفعل في عهده ﷺ ، ولا يصرح بجميع الناس. فهذه دون تلك؛ لأن الضمير في قوله: "كنا" يحتمل أن يعود على طائفة مخصوصة (٥). والثالثة: أن يقول: كان الناس يفعلون كذا، ولا يصرح بعهد النبي ﷺ . فهذه دون الثانية من جهة عدم التصريح بعهده ﷺ ، وفوقها من جهة تصريحه بجميع الناس. فيحتمل أن يقال بتساويهما، والأظهر رجحان تلك؛ لأن التقييد بعهد النبي ﷺ ظاهرٌ في أنه قرَّر عليه (٦)، وتقريره تشريع سواء

стр. 2283

كان لواحدٍ أو الجماعة. وأما هذه فغايتها أنها ظاهرة في نقل الإجماع، ونقل الإجماع بخبر الواحد فيه من الخلاف ما هو معروف (١). والرابعة: أن يقول: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا (٢). وهي دون الكل؛ لعدم التصريح بالنبي ﷺ ، وبما يعود عليه ضمير قوله: كنا، وكانوا (٣). فهذه طرق الصحابي في نقل الحديث النبوي. والصحابي عند الأكثرين (٤): هو مَنْ رأى. . . . . . . . . . . . . .

стр. 2284

النبي (١) ﷺ وصَحِبَه ولو لحظةً سواء روى عنه أم لم يَرْوِ (٢) وقيل: مَنْ طالت صحبته (٣) وإن لم يَرْوِ (٤). وقيل: مَنْ طالت صحبتُه وأخذ عنه العلم وَرَوى (٥). وتثبت الصحبة بالنقل إما بالتواتر، أو الآحاد (٦).

стр. 2285

وبقول المعاصر (١) العَدْل: أنا صحابي، أو رأيتُ النبي ﷺ وصَحِبْتُه (٢). ومن الناس مَنْ توقف في ثبوتها بقوله (٣)؛ لما في ذلك مِنْ دعواه رتبةً لنفسه. وهو توقف ظاهرٌ (٤) فإن المرء لو قال: أنا عدل - لم يُلتفت إلى مقاله؛ لدعواه مزيةً لنفسه وخصلة شريفة، فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة! فهذا مما يجب التوقف فيه. قال: (الثانية: لغير الصحابي أن يروي إذا سمع الشيخ أو قرأ عليه ويقول له: هل سمعت؟ فيقول: نعم. أو أشار أو سكت وظن إجابتَه عند المحدثين. أو كتب الشيخ أو قال: سمعت ما في هذا الكتاب، أو يجيز له). هذه المسألة في رواية غير الصحابي وذلك أيضًا على سبع مراتب:

стр. 2286

الأولى: أن يسمع من لفظ الشيخ ، فيلزمه العمل بالخبر. ثم هو ينقسم إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء كان مِنْ حِفْظه أم من كتابه (١). وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير (٢)، وللسامع في هذا القسم أن يقول: أخبرني، وحدثني، أو سمعت، أو أخبرنا، وحدثنا. وهذا إذا قصد الراوي (٣) إسماعه إما خاصة (٤)، أو كان في جَمْع قصد الراوي إسماعهم. وإن لم يقصد الشيخُ إسماعه لا في جمع ولا وَحْده فليس له أن يقول إلا: سمعتُه يحدث عن فلان (٥). سأل الخطيب أبو بكر الحافظ شيخه الحافظ أبا بكر البَرْقَاني (٦) عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم

стр. 2287

عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الآبندوني (١) (٢): سمعتُ، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا؟ فذكر له أن أبا القاسم كان مع علو قدره عَسِرًا في الرواية، وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يَعْلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل إليه، فلذلك يقول: سمعت. ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا؛ لأنه إنما كان قصده الرواية للداخل إليه وحده. الثانية: أن يقرأ عليه . وأكثر المحدثين يسمون القراءةَ على الشيخ عَرْضًا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه (٣)، ويقول له بعد الفراغ من القراءة أو قَبْلها: هل سمعت؟ فيقول الشيخ: نعم. أو يقول بعد

стр. 2288

الفراغ: الأمر كما قُرئ عليَّ. ولا خلاف أنها رواية صحيحة، إلا ما حُكِي عن بعض مَن لا يعتد بخلافه (١). واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة (٢)، أو دونه (٣)، أو فوقه. والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن

стр. 2289

القراءة عليه مرتبة ثانية، وهو مذهب جمهور أهل المشرق (١). وللقارئ هنا أن يقول: قرأتُ على فلان. وللسامع أن يقول: قُرِئ عليه وأنا أسمع فأقَرَّ به. وله أن يقول: حدثنا قراءة عليه، أو: أخبرنا قراءة عليه (٢). وأما إطلاق: حدثنا، وأخبرنا (٣) - ففيه مذاهب: أحدها: المنع منهما جميعًا. وبه قال ابن المبارك (٤)، ويحيى بن

стр. 2290

يحيى (١)، وأحمد بن حنبل (٢)، والنسائي (٣). والثاني: التجويز، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق: حدثنا، وأخبرنا. وبه قال الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة (٤)، ويحيى

стр. 2291

ابن سعيد القطان (١)، والبخاري (٢). ومِنْ هؤلاء مَنْ أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا. حكاه ابن الصلاح (٣). والثالث: المنع مِنْ إطلاق: حدثنا. وتجويز (٤): أخبرنا. وهو قول الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق (٥).

стр. 2292

والاحتجاج له ليس بأمر لغوي، وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث. وقد قرأ أبو حاتم محمد بن يعقوب الهروي صحيح البخاري على بعض الشيوخ عن الفَرَبْرِي (١)، وكان يقول له في كل حديث: "حدثكم الفربري" فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخَ يذكر أنه إنما (٢) سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاد أبو حاتم قراءة جميع الكتاب عليه (٣)، وقال له في جميعه: "أخبركم الفربري" (٤). الثالثة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعتَه؟ (٥). فيشير الشيخ بأصبعه أو رأسه. فالإشارة ههنا (٦) كالعبارة في وجوب العمل بذلك الخبر،

стр. 2293

وكذا في جواز الرواية عنه على الصحيح (١). الرابعة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعته؟ فيسكت الشيخ ، ويغلب على ظن القارئ بقرينة الحال إجابته له، فيجب العمل به بلا خلاف. وأما جواز الرواية: فالجمهور من المحدثين (٢) وغيرهم عليها، لأن سكوته نازلٌ مَنْزلة تصريحه بتصديق القارئ. وَشَرَط قومٌ إقرار الشيخ نطقًا، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ (٣). الخامسة: أن (٤) يكتب الشيخ إلى شخص: سمعتُ كذا من فلان (٥). فللمكتوب (٦) إليه إذا علم خط الشيخ أو ظَنَّه - أن يعمل به، وله أن يروي عنه إذا اقترنت المكاتبة بلفظ الإجازة، بأن يقول: أجزت لك ما كتبته لك (٧). أو نحو ذلك. وأما إن تجردت المكاتبة فقد أجاز الرواية بها

стр. 2294

كثير من المتقدمين والمتأخرين (١)، منهم: أيوب السختياني (٢)، ومنصور (٣)، والليث بن سعد (٤)، وجماعة من أصحابنا. وغلا أبو المظفر السمعاني من أصحابنا فقال: إنها أقوى من الإجازة (٥). وإليه مصير جمعٍ

стр. 2295

مصير جمعٍ من الأصوليين (١)، وهو قضية ترتيب المصنِّف حيث أخَّر ذكر الإجازة في التعداد. ومنع قوم من الرواية بها منهم الماوردي في "الحاوي" (٢). وجَوَّز الليث بن سعد ومنصور إطلاق: حدثنا، وأخبرنا - في الرواية بالمكاتبة، والمختار خلافه (٣)، وأنه إنما يقول: كتب إليَّ فلان (٤). السادسة: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول: سمعتُ ما في هذا الكتاب من فلان، أو هو مسموعي مِنْ فلان (٥)، فيعمل السامع به (٦). وأما أنه هل يرويه عنه فله أحوال:

стр. 2296

أحدها (١): أن يُقْرن ذلك بالمناولة والإجازة. وهذه الحالة أعلى الأحوال (٢). ومِنْ صورها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه، أو فَرْعًا مقابَلًا به، ويقول: هذا سماعي، أو روايتي عن فلان، فارْوه عني. أو أَجَزْتُ لك روايته عني. ثم يَهَبَه إياه، أو يقول: خذه وانسخه وقابِلْ به. ونحو (٣) هذا. ومنها: أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ مِنْ حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول: وقفتُ على ما فيه، (وهو حديثي) (٤) عن فلان، فارْوه عني. وهذا يُسمى عَرْضَ المناولة، كما أن القراءة على الشيخ تسمى عَرْضَ القراءة. وهذه المناولة المقرونة بالإجازة حالَّةٌ محلَّ السَّماع (٥) عند الزهري، وربيعة الرأي (٦) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، ومجاهد، وأبي

стр. 2297

الزبير (١)، وابن عيينة، وقتادة، وأبي العالية (٢)، وابن وهب (٣)، وآخرين (٤).

стр. 2298

والصحيح أن ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماع، وأنه منحط عن درجة التحديث لفظًا، والإخبار قراءة (١)، قال الحاكم: "أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يَرَوْه سماعًا، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه (٢) "، قال: "وعليه عَهِدْنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب" (٣). وثانيها: أن يناوله الكتاب مناولةً مجردة عن الإجازة، فيقتصر على قوله: هذا مِنْ حديثي، أو من سماعي. ولا يقول: اروه عني. فهذه مناولة مختلة (لا تجوز) (٤) الرواية بها (٥)، وعابها غير واحدٍ من الفقهاء

стр. 2299

والأصوليين (١) على شرذمةٍ من المحدثين سَوَّغوا الرواية بها (٢). وثالثها: أن لا يناوله ولا يجيزه، بل يقتصر على إعلامه بأن هذا مِنْ سماعي مِنْ فلان، فهذه أولى بالمنع من الثانية، ونُقِل عن ابن جريج (٣) (٤) أن ذلك طريق مُجَوِّز لرواية ذلك عنه، وبه قطع ابن الصَّبَّاغ من أصحابنا (٥).

стр. 2300

والصحيح خلافه؛ لأنه قد يكون ذلك مسموعه، ثم لا يأذن في روايته عنه؛ لكونه لا يُجَوِّز روايتَه لخلل يعرفه فيه (١)، وبهذا تفارق هذه الصورة ما إذا قُرِأ عليه وهو يستمع (٢) ويُقِرُّ به، حيث يجوز لكل سامعٍ أن يرويه عنه بالطريق المتقدمة، فإنَّ هناك وُجِد منه تحديث وإقرار، فدلَّ على أنه لا خلل عنده فيه يمنع من التحديث به، وإنما هذا (٣) كالشاهد إذا ذَكَر في غير مجلس الحكم شهادتَه بشيء، فليس لمن سمعه أن يشهد على شهادتَه إذا لم يأذن له، (ولم يُشْهِدْه) (٤) على شهادته (٥)، وذلك أمر تساوت فيه الشهادة والرواية؛ لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك، وإن افترقا (٦) في غيره (٧). السابعة: الإجازة . وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العمل

стр. 2301

بالمَرْويِّ بها (١)، وخالف بعض أهل الظاهر (٢)، وهو خلاف ضعيف؛ لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها، وفي الثقة به (٣). وأما الرواية بالإجازة: فقد اختلف العلماء فيها: والذي استقر (عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم: القولُ) (٤) بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها (٥). وخالفهم جماعة، منهم: إبراهيم بن إسحاق الحربي (٦)، وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ (٧)، وهو رواية عن

стр. 2302

الشافعي (١)، واختيار القاضي الحسين والماوردي من أصحابنا (٢)، وقالا (٣): لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة (٤). واعلم أن في الاحتجاج لصحة الإجازة غموضٌ. قال أبو طاهر الدباس (٥) من أئمة الحنفية: مَنْ قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني -

стр. 2303

فكأنه يقول: أجزت لك أن تكذِب عليَّ (١). وكذا قال غيره: تقدير أجزتُ لك: أبحتُ لك ما لا يجوز في الشرع؛ لأن الشرع لا يُبيح روايةَ ما لم يُسْمع (٢). واحتج ابن الصلاح للإجازة: بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته - فقد أخبره بها جملةً، فهو كما لو أخبره بها (٣) تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نُطْقًا، كما في القراءة على الشيخ على ما سبق (٤). قلت: وتقدير قوله: "أجزتُ لك"، أي (٥): أجزتك أني أروي هذا الكتاب، وأذنتُ لك أن تنقله عني. وقول الراوي: "أخبرنا فلان إجازةً" ليس معناه إلا هذا، كأنه يقول: أخبرني أنه يروي الكتاب الفلاني، وأذن لي في نقله عنه، فأنا أنقله عنه بهذا الطريق. هذا هو الذي يتجه في الإجازة، ولا يتضح غيره. وقد يشبه هذا بما إذا كتب وصيته، وقال لشخص: اشهد عليَّ بما في هذا المكتوب. قال محمد بن نصر من أئمة أصحابنا: له أن يَشْهد عليه بما فيه، والرواية أولى بالجواز من الشهادة. وإذا تقرر جواز الإجازة من حيث الجملة فنقول: هي عند التفصيل أنواع:

стр. 2304

الأول: أن يُجيز لمعيَّن في معيَّن. مثل: أن (١) يقول (٢): أجزت لك (٣) الكتاب الفلاني، أو ما اشتملت عليه (٤) فِهْرِسَتي (٥) هذه. فهذا أعلى أنواع الإجازة، وزعم بعضهم (٦) أنه لا (٧) خلاف في جوازها، وأن الخلاف إنما هو في غير هذا النوع من الإجازة. والصحيح أن الخلاف يطرقها أيضًا (٨). الثاني: أن يجيز لمعيَّن في غير معين. مثل: أجزتُ لك، أو لكم - جميعَ مسموعاتي (٩). فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر (١٠)، والجمهور على

стр. 2305

تجويزه (١). الثالث: أن يُجيز لغير معيَّن (بوصف العموم (٢)) (٣). مثل: أجزتُ للمسلمين (٤)، أو لمن أدرك حياتي. فقد منعه جماعة (٥)، وجَوَّزه الخطيب وغيره (٦). وجَوَّز القاضي أبو الطيب الإجازةَ لجميع المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإجازة. والإجازةُ لغير معيَّن بمعين، مثل: أجزت جميع المسلمين أن يرووا عني

стр. 2306

الكتاب الفلاني - أقوى من الإجازة لغير معين بغير معين، مثل: أجزتُ جميع المسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي (١). الرابع: الإجازة للمجهول، أو بالمجهول. مثل: "أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي"، وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب، ثم لا يعيِّن المُجاز له منهم. أو يقول: "أجزت لفلانٍ أن يروي عني كتاب السنن"، وهو يروي جماعةً من كتب السنن المعروفة بذلك (٢)، وليس ثَمَّ قرينةُ عهدٍ ولا غيرِها تُرْشِد إلى المراد من ذلك، فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها. وليس من هذا القبيل ما إذا أجاز جماعةً مُسَمَّيْن مُعَيَّنِين بأنسابهم، والمُجيز جاهلٌ بأعيانهم (٣)، فإن هذا غيرُ قادح، كما لا يقدح عدمُ معرفته به إذا حضر شخصُه في السماع منه. وإنْ أجاز للمسمَّيْن (٤) المنتسبِين (٥) في الإجازة، ولم يعرفهم بأعيانهم، ولا بأنسابهم، ولم يعرف عددهم، ولا تصفح أسماءهم واحدًا فواحدًا. قال ابن الصلاح: "فينبغي أن يصح ذلك أيضًا، كما يصح سماع مَنْ حضر

стр. 2307

مجلسه للسماع منه، وإن يعرفهم أصلًا، ولا عددهم، ولا تصفح أشخاصَهم" (١). الخامس: الإجازة المعلَّقة بشرطٍ. مثل: أجزت لمَنْ يشاء (٢) فلان (٣). أو نحو ذلك (٤)، وهو كالنوع الرابع، ففيه جهالة، (وتعليقٌ بشرط) (٥). وقد أفتى القاضي (٦) أبو الطيب: بأنه لا يصح (٧)، وعَلَّل: بأنه إجازةٌ لمجهول، فصار كقوله: أجزت بعضَ الناس. وقال أبو يعلى بن الفراء (٨)، وأبو الفضل بن عُمْرُوسٍ

стр. 2308

المالكي (١): يجوز ذلك. وإذا قال: أجزت لمن يشاء (٢) - فهو مثل: أجزت لمن يشاء (٣) فلان. بل هذه (٤) أكثر جهالة وانتشارًا مِنْ جهة تعليقها بمشيئة مَنْ لا يُحصر عددهم. ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازة منه له. فإنْ أجاز لمن شاء (٥) الرواية (عنه (٦) - فهذا أولى بالجواز؛ من حيث إن قضية كل إجازة تفويضُ الرواية) (٧) بها إلى مشيئة المُجاز (٨) له، فكان

стр. 2309

هذا مع كونه بصيغة التعليق - تصريحًا بما يقتضيه الإطلاق، وحكايةً للحال، لا تعليقًا في الحقيقة (١)؛ ولهذا أجاز بعض أصحابنا في البيع أن يقول: بعتُك بكذا إن شئت. فيقول: قبلتُ (٢). السادس: الإجازة للطفل الصغير. قال الخطيب: "سألت القاضي أبا الطيب: هل يُعتبر في صحة الإجازة للطفل الصغير سِنُّه، أو تمييزه، كما يُعتبر ذلك في صحة سماعه؟ فقال: لا يُعتبر ذلك. قال: فقلت له: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة لمن لا يصح سماعه. فقال: قد يصح أن يُجيز للغائب عنه، ولا يصح السماع له" (٣). واحتج الخطيب للصحة: بأن الإجازة إنما هي إباحة المُجيز للمُجاز له أن يروي عنه، والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل (٤). السابع: الإجازة للمعدوم ابتداء (٥). مثل: أن يقول: أجزتُ لمن يُولد لفلان. وقد أجازها أبو يعلى بن الفراء من الحنابلة، وأبو الفضل بن

стр. 2310

عُمْرُوس من المالكية، والخطيب من أصحابنا (١). قال ابن الصباغ: ومأخذ مَنْ أجازها اعتقاده أن الإجازة إذْنٌ في الرواية لا محادثة (٢). والصحيح وهو الذي استقر عليه رأي القاضي أبي الطيب: أنها لا تصح (٣)؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملةً بالمُجاز، كما تقدم، فكما لا تصح الإخبار للمعدوم (لا تصح) (٤) إجازته (٥). الثامن: الإجازة للمعدوم عطفًا على الموجود. مثل: أجزتُ لك ولولَدِكَ وعَقِبِكَ ما تناسلوا (٦). وهو أقرب إلى الجواز من

стр. 2311

الأول (١)؛ ولهذا أجازه الأصحاب في الوقف، ولم يجيزوا الأول (٢). وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي داود السجستاني (٣)، فإنه سُئل الإجازة فقال: قد أجزت لك، ولأولادك، ولحَبَل الحَبَلَة يعني: مَنْ يُولد بَعْدُ (٤). التاسع: الإجازة بما لم يسمعه المُجيزُ، ولم يتحملْه فيما مضى؛ ليرويَه المُجاز له إذا (٥) تَحَمَّله المُجِيزُ بعد ذلك (٦).

стр. 2312

قال ابن الصلاح: "ينبغي أن يُبنى ذلك على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمُجاز جُملةً أو هي إذن، فلا تصح إنْ جُعلت في حكم الإخبار، إذ كيف يُخبِر بما لا خَبَر عنده منه. وإنْ جُعِلت إذنًا بُنِي على الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذِن المُوَكِّل بَعْدُ. مثل: أن يوكِّل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه. وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا (١)، والصحيح بطلان هذه الإجازة (٢) " (٣). العاشر: إجازة المُجاز. مثل: أجزت لك مُجَازاتي، أو رواية (٤) ما أُجيز لي روايتُه. وقد مَنعَ من ذلك بعضُ المتأخرين (٥)، والصحيح جوازُه (٦). وقد كان

стр. 2313

الفقيه الزاهد نصر المقدسي (١) يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما وَالَى بين إجازات ثلاث في روايته (٢). الحادي عشر: الإذن في الإجازة. مثل: أن يقول له: أذِنْتُ لك أن تجيز (٣) عني مَنْ شئت (٤). وهذا نوعٌ لم أر مَنْ ذكره، ولكنه وقع في عصرنا هذا، وسألني بعض المحدثين عنه. والذي يتجه أنه يصح، كما لو

стр. 2314

قال: وكِّل عني (١). ويكون مُجَازًا مِنْ جهة الآذِن، وينعزل المأذون له في أن يُجيز (٢) بموت الآذِن، كما ينعزل الوكيل بموت الموكِّل (٣). وإذا قال: أذنتُ لك أن تجيز عني فلانًا - كان أولى بالجواز مِنْ: أذنتُ أن تجيز عني مَنْ شئت. قال: (الثالثة: لا يقبل المُرْسل خلافًا لأبي حنيفة ومالك) . المرسل عند جمهور المحدثين: هو أن يترك الراوي (٤) ذِكْر الواسطة بينه (وبين المروي عنه (٥). مثل: أن يترك التابعي ذِكْر الواسطة بينه) (٦) وبين

стр. 2315

رسول الله ﷺ ، كقول سعيد بن المسيَّب: قال رسول الله ﷺ . أما إذا سقط واحدٌ قبل التابعي (١)، كقول مَنْ روى (٢) عن ابن المسيب: قال رسول الله ﵌ (٣) فيسمى منقطعًا (٤). وإنْ سَقَط أكثر سُمِّي معضلًا. وعند الأصوليين المرسل: قولُ مَن لم يلق النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ (٥). سواء كان تابعيًا أم منْ تابعي التابعين، وإلى يومنا
следующие страницы →