← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الأول (١)؛ ولهذا أجازه الأصحاب في الوقف، ولم يجيزوا الأول (٢). وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي داود السجستاني (٣)، فإنه سُئل الإجازة فقال: قد أجزت لك، ولأولادك، ولحَبَل الحَبَلَة يعني: مَنْ يُولد بَعْدُ (٤). التاسع: الإجازة بما لم يسمعه المُجيزُ، ولم يتحملْه فيما مضى؛ ليرويَه المُجاز له إذا (٥) تَحَمَّله المُجِيزُ بعد ذلك (٦).

стр. 2312

قال ابن الصلاح: "ينبغي أن يُبنى ذلك على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمُجاز جُملةً أو هي إذن، فلا تصح إنْ جُعلت في حكم الإخبار، إذ كيف يُخبِر بما لا خَبَر عنده منه. وإنْ جُعِلت إذنًا بُنِي على الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذِن المُوَكِّل بَعْدُ. مثل: أن يوكِّل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه. وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا (١)، والصحيح بطلان هذه الإجازة (٢) " (٣). العاشر: إجازة المُجاز. مثل: أجزت لك مُجَازاتي، أو رواية (٤) ما أُجيز لي روايتُه. وقد مَنعَ من ذلك بعضُ المتأخرين (٥)، والصحيح جوازُه (٦). وقد كان

стр. 2313

الفقيه الزاهد نصر المقدسي (١) يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما وَالَى بين إجازات ثلاث في روايته (٢). الحادي عشر: الإذن في الإجازة. مثل: أن يقول له: أذِنْتُ لك أن تجيز (٣) عني مَنْ شئت (٤). وهذا نوعٌ لم أر مَنْ ذكره، ولكنه وقع في عصرنا هذا، وسألني بعض المحدثين عنه. والذي يتجه أنه يصح، كما لو

стр. 2314

قال: وكِّل عني (١). ويكون مُجَازًا مِنْ جهة الآذِن، وينعزل المأذون له في أن يُجيز (٢) بموت الآذِن، كما ينعزل الوكيل بموت الموكِّل (٣). وإذا قال: أذنتُ لك أن تجيز عني فلانًا - كان أولى بالجواز مِنْ: أذنتُ أن تجيز عني مَنْ شئت. قال: (الثالثة: لا يقبل المُرْسل خلافًا لأبي حنيفة ومالك) . المرسل عند جمهور المحدثين: هو أن يترك الراوي (٤) ذِكْر الواسطة بينه (وبين المروي عنه (٥). مثل: أن يترك التابعي ذِكْر الواسطة بينه) (٦) وبين

стр. 2315

رسول الله ﷺ ، كقول سعيد بن المسيَّب: قال رسول الله ﷺ . أما إذا سقط واحدٌ قبل التابعي (١)، كقول مَنْ روى (٢) عن ابن المسيب: قال رسول الله ﵌ (٣) فيسمى منقطعًا (٤). وإنْ سَقَط أكثر سُمِّي معضلًا. وعند الأصوليين المرسل: قولُ مَن لم يلق النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ (٥). سواء كان تابعيًا أم منْ تابعي التابعين، وإلى يومنا

стр. 2316

هذا (١). فتفسير الأصوليين أعم من تفسير المحدثين (٢). إذا عرفت ذلك فقد اخْتُلف في المرسل: والذي استقر عليه آراء جماهير الحفاظ الجهابذة (٣) الحكم بضعفه، وسقوطِ الاحتجاج به. ونقله مسلم ﵁ في صدر الصحيح عن قول أهل العلم بالأخبار (٤). وقال بقبوله مالك، وأبو حنيفة، وكذا أحمد في أشهر

стр. 2317

الروايتين عنه، وجمهور المعتزلة، واختاره الآمدي (١). ثم غلا بعض القائلين بكونه حجةً فزعم أنه أقوى من المسند (٢). والشافعي ﵁ صَدْرُ القائلين برد المراسيل، إلا أنه نُقِل عنه أنه قَبِل

стр. 2318

بعضها في أماكن. قال القاضي ﵀ (١): "ونحن لا نقبل المراسيل مطلقًا، ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسمًا للباب" (٢). والقول بمذهب الشافعي هو اختيار الإمام، وصاحب الكتاب (٣). قال الآمدي: وفصَّل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومَنْ هو مِنْ أئمة النقل مطلقًا (٤) (٥).

стр. 2319

وهذا هو اختيار ابن الحاجب حيث قال: "إنْ كان من أئمة النقل قُبِل وإلا فلا" (١). وأئمة النقل يدخل فيهم الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين (٢) وهو (٣) اختصارٌ حسن، وليس مذهبًا (٤) مغايرًا لرأي ابن

стр. 2320

أبان (١)، كما توهمه بعض الشارحين (٢). ومن أمثلة المرسل: احتجاج المخالفين بحديث أبي العالية: أن ضريرًا دخل المسجد فوقع في حفرةٍ في المسجد، فضحك بعض مَنْ كان خلف النبي ﷺ ، فقال: "مَن ضحك منكم فليُعِد الوضوء والصلاة" (٣). فنقول: أبو العالية تابعي، والمرسل عندنا لا حجة فيه. فإن قلت: روى الشافعي عن مالكٍ عن الزهري عن سعيدٍ وأبي سَلَمة (٤): أن النبي ﷺ قال: "الشفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدودُ فلا شفعة" (٥)، وهذا قد احتج به الشافعي، وهو سيد المنكرين للمراسيل.

стр. 2321

قلت: ستعرف أن مراسيل سعيد عندنا مقبولةٌ؛ لكونها مسانيد، وكذا مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن. وهذا الحديث قد رُوي بهذا الإسناد مسندًا، فروى أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (١)، وابن أبي قتيلة وعبد الملك الماجشون (٢) عن مالكٍ عن الزهري عن سعيدٍ وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه قاله. قال: (لنا: أن عدالة الأصل لم تُعلم فلا تقبل. قيل: الرواية تعديل. قلنا: قد يروي عن غير العدل. قيل: إسناده إلى الرسول ﷺ يقتضي الصدق. قلنا: بل السماع. قيل: الصحابة أرسلوا وقُبِلت (٣). قلنا: لِظَنِّ السماع).

стр. 2322

الدليل على رد المرسل: أن عدالة الأصل غير معلومة، فلا تكون روايته مقبولة؛ لأن رواية المجهول مردودة. فإن قيل: روايته عنه مع إخفاء اسمه تعديل، وإلا يكون مُلَبِّسًا غاشًا. قلنا: لا نسلم، وسند هذا المنع أن العَدْل قد يروي عن غير العدل. كذا أجاب في الكتاب. ولقائل أن يقول: إنما يروي عن غير العدل إذا صَرَّح به ليُعْرف، أما إذا أبهمه فذلك تلبيس لا يجوز. و (١) لأولى الجواب: باحتمال ظَنِّه عدالتَه، وليس في نفس الأمر كذلك، ويجوز أنه لو أظهره لاقتضى نظرُنا أنه غير عدلٍ، بخلاف ما اقتضاه نظرُه. فإن قيل: قول هذا العدل: "قال رسول الله ﷺ " يقتضي أنه عَلِم أو ظن أنه قال، وإلا لم يسنده إليه، وإذا صح أنه قال - تَعَيَّن قبولُه (٢). قلنا: قول الفرع: "قال رسول الله ﷺ " يقتضي الجزمَ بأن الرسول ﷺ قال، ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله، والجزم بالشيء مع تجويز (٣) نقيضه كذب قادحٌ في عدالة الراوي. فإذن لا بد مِن صَرْف هذا اللفظ عن ظاهره، وليس قولُهم: المراد أني أظُنُّ أن رسول الله ﷺ قاله - بأولى من قولنا نحن: المراد أني سمعتُ أن رسول الله ﷺ قاله. ومعلومٌ

стр. 2323

أنه لو صرح بهذا القدر (١) لم يكن تعديلًا (٢). هذا جواب المصنف. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله: "قال" يقتضي الجزم، ولِمَ قلتم: إنه لا يكفي الظنُّ مُسَوِّغًا لإطلاق هذه اللفظة. ثم لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى؛ لأن قوله: "قال" تقتضي إسناد القول لرسول الله ﷺ ، وفي حَمْلِه على أنه يَظُنُّ ذلك تبقيةٌ لذلك الإسناد، بخلاف حمله على السماع؛ إذ قد يَسْمع ويَقْطع بكذب مَنْ سمع منه، ولا يجوز له والحالة هذه أن يقول: "قال" فَحَمْله على ظَنِّ القول (أقرب وأوْلى مِنْ حمله على السماع. والحاصل: أن مجرد السماع لا يُسَوِّغ له أن يقول) (٣): "قال"، فلا بد من ضم الظن إليه. قوله: "قيل: الصحابة" احتج القائلون بالمراسيل: بأن الصحابة ﵃ أرسلوا عدة أحاديث لم يصرحوا فيها بالسماع من النبي ﷺ ، بل قالوا: "قال"، وقَبِلها كُل أحدٍ منهم. والجواب: أنها إنما قُبلت للظن الغالب القاضي بأن الصحابي سمعها من النبي ﷺ ، والعمل بالظن واجبٌ. وهذا في الحقيقة ليس بمرسل؛ لأن المرسل كما عرفت: قولُ من لم يلق

стр. 2324

زيدًا قال زيدٌ. والصحابي لقي النبي ﷺ (١). قال: (فرعان: الأول: المرسل يُقبل إذا تأكد بقول الصحابي، أو فتوى أكثر (٢) أهل العلم). قال إمام الحرمين في "البرهان": "إن الشافعي لا يقول بشيءٍ من المراسيل" (٣) و (٤) القاضي في "مختصر التقريب": "إنه قَبِل المرسل في بعض الأماكن" (٥). والحاصل: أن قاعدة الشافعي ردُّ المراسيل، والمواضع المستثناة لم يقبلها لكونها مراسيل، بل لظنِّ عَضْدِها، وقَضَى بكونها مسندةً. فكلام إمام الحرمين صحيحٌ، وما ذكره القاضي أيضًا صحيح. والمواضع المستثناة (٦): منها: وقد ذكره في الكتاب، أن يعضده قول صحابي (٧). قال القاضي

стр. 2325

في "مختصر التقريب": "وفيه نظر؛ فإن الصحابي لا يُحتج بقوله كغيره (١) " (٢). ومنها: أن يعضده مذهب العامة (٣)، وهو المشار إليه بقوله في الكتاب: "فتوى أكثر من أهل العلم". قال القاضي: "فأقول له: إنْ عَنَيْت بالعامة الأمة (٤) - فكأنك شرطتَ الإجماع في قبول المرسل، وإذا ثبت الإجماع استُغْنِي عن المرسَل، وإنْ أردت مذهب العوام - فأنت أجلُّ قدرًا من ذلك؛ إذ لا عبرة بخلافهم، ولا وفاقهم. وإن أردت معظم العلماء فمصير المُعْظَم مع وجود الخلاف لا يُصَيِّر ما ليس بحجةٍ حجة" (٥). قلت: والشافعي لم يُرِد الإجماع، ولا قول العوام، وإنما أراد أكثر أهل العلم (٦)، ولا شك أنَّ الظن يَقْوَى عنده. وكذلك قول الصحابي (٧). وإذا

стр. 2326

قَوِي الظنُّ وجب العمل به، فالمرسل بمجرده ضعيف، وكذا قول أكثر أهل العلم، وحالة الاجتماع قد يقوم ظنٌّ غالب، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا. ومنها: أن يُرسله راوٍ آخر يروي (١) عن غير شيوخ الأول (٢). وضعَّفه القاضي: بأن كثرة المرسلِين لا يدل على الصحة، كما إذا رُوي عن كثير من الضعفاءِ (٣). قلت: وهو كالأول، فإنَّ ما اتفق جماعة من الضعفاء على روايته أقوى مما انفرد بروايته ضعيف واحد، وكذلك الظنُّ الحاصل بصدق المرسِل الذي عضده مرسِلٌ آخر - أقوى (٤) منه حالة التجرد، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدمُ الاحتجاج بأقواهما. ومنها: أن يُسْنِده غيرُ مرسِله (٥). وكلام القاضي يقتضي أن الشافعي يقول ذلك وإن كان المُسْنَد في تلك الرواية الموافقةِ للمرسَل - حجةٌ؛ لأنه رَدَّ على الشافعي: بأن العمل حينئذ بالمسند دون المرسل (٦).

стр. 2327

والإمام في "المحصول" قال: "إنَّ هذا فيما إذا لم تقم الحجة بإسناده" (١). لكن في كلامه بعد ذلك ما (٢) يخالف هذا، فإنه ذكر عن الحنفية ما (٣) اعترض به القاضي (٤). وعلى التقديرين فيه نظر: أما الأول: فَلِمَا ذكره القاضي. وأما الثاني: فلأن الضعيف إذا انضم إليه الضعيف لا يُوجب العملَ به. كذا ذكروه. ولك أن تقول: قد يحصل الظن بالضعيفين حالة اجتماعهما، كما عرفت. ومنها: أن يُعلم من المرسِل أنه لو نَصَّ لنَصَّ على مَنْ يسوغ قبول خبره (٥). قال: "وأقبل مراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأني اعتبرتها فوجدتها كذلك (٦). قال: ومَنْ هذا حاله أحببتُ مراسيله، ولا أستطيع أن أقول: إن

стр. 2328

الحجة تَثْبت (١) بها كثبوتها بالمتصل" (٢). قلت: انظر ما أحسن كلام الشافعي حيث صَرَّح بأن المرسل لا يبلغ درجة المتصل، وإنما هذه الأمور المستثناة تُوجب ظنًا فوق الظن المستفاد من المرسَل المجرد، قد تقوم به الحجة، ولكن تكون حجة دون حجة المُسْنَد. وقال الماوردي في باب الشفعة من "الحاوي": إن مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن عند الشافعي حسن (٣). قال: (الثاني: إنْ أرسل ثم أسند قُبل. وقيل: لا؛ لأن إهماله يدل على الضعف). مَنْ أسند حديثًا أرسله غيره فلا شبهة في قبوله (٤)، وهذا مما تكاد الفطر (٥) الزكية أن تدعي فيه القطع، لكن القاضي في "مختصر

стр. 2329

التقريب" حكى عن بعض الغلاة في رد المراسيل أنه قال: لا يجب العمل به. وهذا كما ذكره القاضي ساقطٌ من القول (١) (٢). وأما إنْ أرسله هو مرةً وأسنده أخرى - فعبارة المصنف كالصريحة في أن الكلام فيه، وأن فيه خلافًا، وعليه جرى الشارحون، والخلاف فيه ثابت عن بعض المحدثين (٣)، ولكن الذي جزم به الإمام وأتباعه أنه يُقبل (٤)، وما نرى المصنف يخرج عن طريقهم (٥)، ولا نعلم أنه وقف على هذا الخلاف. والذي عندنا أن مرادَه: مَنْ شأنه إرسالُ الأخبار إذا أسند خبرًا - هل يُقْبل أو يُرَدّ (٦)؟ وهي مسألة ذات خلافٍ مشهور. واحتج مَنْ قال لا يُقْبل: بأن إهماله ذِكْرَ الرواةِ في الغالب يدل على

стр. 2330

ضعف الراوي، فيكون سَتْره له خيانةً وتدليسًا، فلا تقبل روايته. ولك أن تمنع دلالةَ الإهمال على الضعف، وتقول: لعله آثر الاختصار، أو طَرَقَه النسيان. وإذا قلنا بالقبول وهو الراجح - فقال الشافعي: إنما يُقْبل مِنْ حديثه ما قال فيه: حدثني، أو سمعت. ولا يُقبل ما يأتي فيه بلفظٍ موهِم (١). وقال بعض المحدثين: لا يُقبل إلا إذا قال: سمعت فلانًا (٢). قال: (الرابعة: يجوز نَقْل الحديث بالمعنى خلافًا لابن سيرين . لنا: أن الترجمة بالفارسية جائزة، فبالعربية أولى. قيل: يؤدي إلى طَمْس الحديث. قلنا: لَمَّا تَطَابقا لم يكن ذلك). اتفق الأئمة الأربعة والحسن البصري وعدة من العلماء (٣) على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا لم يَزِد (في المعنى) (٤)، ولا نقص منه (٥)، وساوى

стр. 2331

الأصلَ في الجلاء والخفاء (١)؛ لأن الخطاب تارةً يقع بالمُحْكَم، وأخرى بالمتشابه، وغير ذلك مما لله تعالى فيه حِكْمَة، فلا يجوز تغييرها عن وضعها (٢). قال الأئمة: والأوْلى (٣) خلافُه. وهذا ما نقله الآمدي، وغيره (٤). ونقل المازَرِيّ: أن مالكًا قال: لا يُنقل حديث النبي (٥) ﷺ بالمعنى، بخلاف حديث الناس (٦).

стр. 2332

وذهب محمد بن سيرين (١) وجماعة من السلف إلى وجوب نقل اللفظ على صورته (٢)، وهو اختيار أبي بكر الرازي (٣) (٤)، ونقله إمام الحرمين في "البرهان" عن معظم المحدثين (٥). وشرذمة من الأصوليين (٦)، وَوَهِم صاحب "التحصيل" فعزاه إلى الشافعي ﵁ (٧). ونقله ابن

стр. 2333

السمعاني عن عبد الله بن عمر (١)، وجماعة من التابعين (٢)، وعن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (٣). وفَصَّل قوم فقالوا: يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره (٤). والأول هو المختار، وعليه الإمام والآمدي والمتأخرون جميعًا. واحتج الجمهور بأوجه: أحدها: أنه يجوز شرح الشريعة للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية - فإبدالها بعربية أخرى أولى بالجواز. ولا شك أن التفاوت بين العربية وتَرْجَمَتِها بالعربية - أقلُّ مما بينها وبين العجمية. قلت: وفيه نظرٌ؛ لأن الترجمة بالفارسية جُوِّزت للحاجة، وذلك مما لا يتعلق به استنباط واجتهاد، بل هو من قبيل بيان المشروع، بخلاف تبديل لفظ الحديث؛ إذ هو مناط اجتهادٍ، واختلاف الألفاظ فيه مظنة اختلاف المعاني (٥).

стр. 2334

والوجه الثاني: قال الإمام: "وهو الأقوى، أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة الذين رَوَوْا هذه الأخبار عن النبي ﷺ ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا يكررون عليها فيه، بل كما سمعوها تركوها، وما رَوَوْها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ" (١). والثالث: أن الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظٍ مختلفة، وكتب الحديث تشهد بذلك، ومن الظاهر أن النبي ﷺ لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ، بل نحن في بعضها (٢) قاطعون بذلك، وكان هذا شائعًا بينهم ذائعًا غير مُنْكَرٍ من أحد، فكان إجماعًا على نقل الحديث بالمعنى (٣). قال أبو المظفر بن السمعاني: "ومما يدل على ذلك رواية الصحابى المَنَاهي عن النبي ﷺ ، مثل: نهيه عن بيعتين في بيعة (٤)،

стр. 2335

ونهيه عن المحاقلة والمزابنة (١)، وحَبَل الحَبَلة (٢)،

стр. 2336

والنَّجْش (١)، وبيع حاضر لباد (٢). وغير ذلك. وقوله: قضى بالشاهد واليمين (٣)، والشفعة (٤) فيما لم يُقسم (٥). فمعلوم أن الرواة لم يقصدوا ألفاظه في هذه الأخبار، وإنما حكوا المعنى" (٦).

стр. 2337

والرابع: أنا نعلم أن الألفاظ خَدَمٌ للمعاني، وليست مقصودةً بالذات إلا في القرآن العزيز؛ لكونه معجِزًا، والمعنى هو المقصود، فإذا حصل تامًا كاملًا لم يضر اختلافُ الألفاظ. وليس للفقيه أن يعترض على هذا: بكلمات الأذان، والتشهد، والتكبير، ولفظي (١) النكاح والتزويج، وغير ذلك مما تُعُبِّدنا فيه بالألفاظ؛ لأن الألفاظ مقصودة فيه مع المعاني، وكلامنا حيث لا يكون اللفظ مقصودًا (٢). واحتج مَنْ منع نقل الحديث بالمعنى: بأن ذلك مؤدٍ إلى طَمْسه، واندراسه؛ لأن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى كان غايته الاجتهاد في طلب ألفاظٍ توافق ألفاظ الحديث، وتؤدي معناها. وأهل العلم على أشد اختلافٍ في معاني الألفاظ، وفهم دقائقها، والوقوع على مواقعها، فيجوز أن يغفل عن بعض تلك الدقائق، وينقله إلى لفظٍ آخر غير دالٍّ على تلك الدقيقة، ثم يتصل الخبر بالطبقة الثانية وهو خالٍ من تلك الدقيقة، فينقلوه أيضًا بالمعنى، ويَدَعون منه نحو ما تَرك الأولُ منه، وهلم جَرَّا حتى يقع التفاوت الكبير (٣). والجواب: أنه متى أخل بأدنى شيءٍ لم يجز، وتَخْرُج المسألة عن صورتها؛ لأن الفَرْض أنه لم يُخِلَّ بشيءٍ، بل أتى بالمطابِق من كل وجه (٤).

стр. 2338

فائدة: سأل بعضهم عن الفرق بين هذه المسألة، والمسألة المتقدمة في فصل الترادف في جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر؟ وزعم أن لا فارق، وغَرَّه أنَّ الآمدي لم يذكر تلك المسألة، فظن اكتفاءه بهذه عن تلك. وهذا عندي سؤال من لم يَتَرَوَّ من الأصول، وما الجامع بين المسألتين! وإنْ تخيَّل أن الراوي بالمعنى إذا أقام أحد المترادفين مقام الآخر تتحد المسألة من هذه الجهة - فنقول: تلك المسألة في أمرٍ لغوي، وهي أعم من أن يقع في كلام راو الحديث (١)، أو غيره. فالمانع في تلك يقول: اللغة تمنع منه مطلقًا. ولا يتعرض إلى أن الشرع هل يمنع منه أوْ لا؟ وهذه في أمرٍ شرعي خاص، وهو رواية حديث النبي ﷺ ، والمانع منه يقول: لا يجوز؛ للاحتياط فيه. وهذا سواء جَوَّزَتْه اللغة أم منعته. قال: (الخامسة: إن زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قُبِلت . وكذا إن اتحد، وجاز الذهول على الباقين، ولم يُغَيِّر إعراب الباقي. وإن لم يَجُز الذهول لم يُقبل. وإن غَيَّر الإعراب، مثل: في أربعين شاةٍ شاةٌ (٢) أو نصفُ شاة - طُلِب الترجيح. فإن زاد مرة وحُذِف أخرى - فالاعتبار بكثرة المرات). الراويان (٣) فصاعدًا إذا اتفقا على رواية خبرٍ وانفرد أحدهما بزيادة: فإما أن يكون المجلس متعددًا، أو متحدًا.

стр. 2339

فإنْ كان متغايرًا: قُبلت الزيادة؛ إذ لا امتناع في ذكره ﷺ الكلامَ في أحد المجلسين بدون زيادة، وفي الآخر بها، والراوي مقبول القول؛ فقُبِلت (١). وإنْ كان المجلس متحدًا: فالذين لم يَرْوُوا الزيادة إما أن يكونوا عددًا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد، أو ليسوا كذلك: فإن كان الأول: لم تقبل الزيادة (٢). (وشرط ابن السمعاني في عدم القبول أن يقول الجماعة: إنهم لم يسمعوه. قال: "فإنهم إذا لم يقولوا ذلك - يجوز أن يكونوا رَوَوْا بعض الحديث، ولم يَرْوُوا البعض لغرضٍ لهم" (٣). قلت: وهذا هو المختار، إلا أن تكون الزيادة مما تُوَفَّرُ الدواعي على نقلها) (٤).

стр. 2340

وإن كان الثاني: فتلك الزيادة إما أن لا تغيِّر إعراب الباقي، أو تغير: فإن لم تغيِّر: قُبِلت عند المصنف والآمدي (١). وقال الإمام: تقبل إلا أن يكون المُمْسِك عن الزيادة أضبطَ من الراوي لها، وأن لا يُصَرِّح بنفيها، فإن صَرَّح وقع التعارض (٢). وقال بعضهم: لا يقبل مطلقًا (٣). وإن غَيَّرت الإعراب، كما لو رَوَى راوٍ: "في أربعين شاةً شاةٌ" (٤)،

стр. 2341

وروى الآخر: "نصفُ شاةٍ" (١): فالحق عند الجمهور منهم الإمام وأتباعه أنها لا تقبل ويتعارضان، وخالف أبو عبد الله البصري (٢). لنا: أنه حصل التعارض؛ لأن أحدهما إذا روى "شاةٌ" فقد رواه بالرفع، والآخر إذا روى "نصفُ شاةٍ" فقد رواه بالجر، والرفع والجر ضدان، فوجب المصير إلى الترجيح (٣). ونقل إمام الحرمين في "البرهان" من غير تعرض لهذه الشروط - عن الشافعي وسائر المحققين قبولَ الزيادة من الراوي الموثوق به (٤).

стр. 2342

وقال بعضهم: إن تساوى الساكت وراوي الزيادة في العدد قُبلت، وإن كان الساكت أكثر فلا. وقد سكت المصنف عما إذا لم يُعْلم هل تعدد المجلس أو اتحد؟ قال الآمدي: "وحُكْمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرًا إلى احتمال التعدد" (١). ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر في صدقة الفطر رواه جماعة من الثقاة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرج صدقة الفطر صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر" (٢). وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٣) عن عبيد الله بن عمر (٤). . . . . . . . . . . .

стр. 2343

عن نافع (١) عن ابن عمر وزاد: "أو صاعًا من قمح" (٢). وحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ شرب في إناءٍ من ذهب أو فضة فإنما يُجَرْجِرُ في جوفه نار جهنم" (٣). ثم روى يحيى بن محمد الجاري (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2344

حدثنا (١) زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع (٢) عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر، وزاد فيه: "أو إناءٍ فيه شيء من ذلك" (٣). وهذا كُلُّه فيما إذا كان راوي الزيادة ثقة، أما إذا كان ضعيفًا فذاك مردود الرواية. ثم إنَّ صاحب الكتاب ذكر فرعًا في ذيل المسألة: وهو ما (٤) إذا زاد الراوي الواحد مرةً، ولم يَرْو تلك الزيادة غيرَ تلك المرة، أي: وكان المجلس

стр. 2345

الذي أسْند إليه الزيادة والنقصان متحدًا، والإعراب متحدًا - فالاعتبار بكثرة المرات (١)؛ لأن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه. قال الإمام: "وإن تساويا (٢) قُبِلت الزيادة" (٣). ومثال الأول: أن سفيان بن عيينة روى عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله (٤) عن عمته عائشة بنت طلحة (٥) عن عائشة ﵂،

стр. 2346

قالت: "دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقلت: إنا خَبَّأنا لك حَيْسًا. فقال: أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قَرِّبيه". أسنده عنه هكذا الشافعي ﵁ (١). ورواه شيخ يقال له محمد بن عمرو بن العباس الباهلي عن سفيان وزاد فيه: "وأصوم يومًا مكانه" (٢). قال أحمد: هذه لفظةٌ كان ابن عيينة زادها في الحديث آخِرَ عمره لا يُدْرَى أهي محفوظة، أو شيء وقع في لفظه. وقال الشافعي: سمعت سفيان عامةَ مجالسه لا يذكر فيه: "سأصوم يومًا مكانه" (٣)، ثم عرضهُ عليه قبل موته بسنة، فأجاب فيه: "سأصوم

стр. 2347

يومًا مكانه" آخر كتاب السنة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (١).

стр. 2348

الكتاب الثالث: الإجماع

стр. 2349

قال: ﵀ (١): (الكتاب الثالث: في الإجماع . وهو: اتفاق أهل الحَلِّ والعقد من أمة محمدٍ ﷺ على أمرٍ من الأمور). الإجماع: لغة: العزم، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل" (٣). والاتفاق أيضًا، يقال: أجْمَعوا على كذا، أي: صاروا ذا جمعٍ، كما يقال (٤): ألبن وأتمر، إذا صار ذا (٥) لبنٍ وتمر (٦) (٧). وفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف. فقوله: "اتفاق" (٨) جنس، والمراد به: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الكل. وقولُه: "أهلِ الحَلِّ والعقد" والمراد به المجتهدين - فصلٌ يخرج منه مَن ليس كذلك، كالعوام؛ إذ لا عبرة بوِفاقهم ولا خِلافهم. ويخرج أيضًا

стр. 2350

اتفاق بعض (١) أهل الحل والعقد (٢). وقوله: "من أمة محمد ﷺ " احتراز عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة، فإنه وإنْ قيل بأن إجماعهم حجةٌ كما هو أحد المذهبَيْن للأُصوليين (٣)، واختيارُ الأستاذ أبي إسحاق، كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" (٤) - فليس الكلام إلا في الإجماع الذي هو دليل شرعي يجب العمل به الآن، وذلك (٥) وإنْ وجب العمل به فيما مَضَى على مَنْ مَضَى لكن انتسخ حكمُه منذ مَبْعث النبي ﷺ . وقوله: "على أمرٍ من الأمور" يشمل الأحكام الشرعية: كحل النكاح، وحرمة قتل النفس بغير حق. واللغوية: ككون الفاء للتعقيب. ولا نزاع في هذين (٦). ويشمل أيضًا العقليات: كحَدَث العالَم. وهو كذلك، خلافًا لإمام الحرمين (٧).
следующие страницы →