قالت: "دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقلت: إنا خَبَّأنا لك حَيْسًا. فقال: أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قَرِّبيه". أسنده عنه هكذا الشافعي ﵁ (١). ورواه شيخ يقال له محمد بن عمرو بن العباس الباهلي عن سفيان وزاد فيه: "وأصوم يومًا مكانه" (٢).
قال أحمد: هذه لفظةٌ كان ابن عيينة زادها في الحديث آخِرَ عمره لا يُدْرَى أهي محفوظة، أو شيء وقع في لفظه.
وقال الشافعي: سمعت سفيان عامةَ مجالسه لا يذكر فيه: "سأصوم يومًا مكانه" (٣)، ثم عرضهُ عليه قبل موته بسنة، فأجاب فيه: "سأصوم
стр. 2347
يومًا مكانه" آخر كتاب السنة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (١).
стр. 2348
الكتاب الثالث: الإجماع
стр. 2349
قال: ﵀ (١): (الكتاب الثالث: في الإجماع .
وهو: اتفاق أهل الحَلِّ والعقد من أمة محمدٍ ﷺ على أمرٍ من الأمور).
الإجماع: لغة: العزم، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل" (٣). والاتفاق أيضًا، يقال: أجْمَعوا على كذا، أي: صاروا ذا جمعٍ، كما يقال (٤): ألبن وأتمر، إذا صار ذا (٥) لبنٍ وتمر (٦)(٧).
وفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف.
فقوله: "اتفاق" (٨) جنس، والمراد به: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الكل.
وقولُه: "أهلِ الحَلِّ والعقد" والمراد به المجتهدين - فصلٌ يخرج منه مَن ليس كذلك، كالعوام؛ إذ لا عبرة بوِفاقهم ولا خِلافهم. ويخرج أيضًا
стр. 2350
اتفاق بعض (١) أهل الحل والعقد (٢).
وقوله: "من أمة محمد ﷺ " احتراز عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة، فإنه وإنْ قيل بأن إجماعهم حجةٌ كما هو أحد المذهبَيْن للأُصوليين (٣)، واختيارُ الأستاذ أبي إسحاق، كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" (٤) - فليس الكلام إلا في الإجماع الذي هو دليل شرعي يجب العمل به الآن، وذلك (٥) وإنْ وجب العمل به فيما مَضَى على مَنْ مَضَى لكن انتسخ حكمُه منذ مَبْعث النبي ﷺ .
وقوله: "على أمرٍ من الأمور" يشمل الأحكام الشرعية: كحل النكاح، وحرمة قتل النفس بغير حق. واللغوية: ككون الفاء للتعقيب. ولا نزاع في هذين (٦).
ويشمل أيضًا العقليات: كحَدَث العالَم. وهو كذلك، خلافًا لإمام الحرمين (٧).
стр. 2351
وخلافًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي في كليات أصول الدين (١) كحدث العالم وإثبات النبوة، لا جزئياته (٢) كجواز الرؤية، فإنه وافق على أنَّ الإجماع في مثلها حجة (٣).
ويشمل الدنيويات أيضًا: كالآراء، والحروب، وتدبير أمور الرعية. وفيه مذهبان: المختار منهما وجوب العمل فيه بالإجماع (٤).
стр. 2352
وفي التعريف نظر: من جهة إشعاره بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، (فإن أمة محمد ﷺ جملةُ مَنِ اتبعه إلى يوم القيامة) (١)، ولم يقل بذلك أحدٌ من المُعْتَرِفين بالإجماع (٢)، فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار.
ومن جهةِ أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدٌ واحدٌ - فقولُه إجماعٌ (٣)، وتعبير المصنف بالاتفاق ينفي ذلك؛ إذ حقيقة الاتفاق أن يكون من اثنين فصاعًا.
ولعل المصنف يختار أنَّ ذلك ليس بإجماع، وهو مذهب مشهور منقدح (٤)؛ لأن الأدلة إنما دلت على عصمة الأمة فيما أجمعوا عليه، فلا بد
стр. 2353
مِنْ صِدْق الإجماع، والإجماع هو الاتفاق، والاتفاق لا بد أن يكون من اثنين (١).
стр. 2354
الباب الأول: بيان حجية الإجماع
стр. 2355
قال: (وفيه ثلاثة (١) أبواب: الباب الأول: في بيان كونه حجة .
وفيه مسائل:
الأولى: قيل: محال كاجتماع الناس في وقتٍ واحد على مأكولٍ واحد (٢). وأجيب: بأن الدواعي مختلفة ثَمَّ (٣). وقيل: يتعذر الوقوف عليه؛ لانتشارهم؛ وجواز خَفاء واحدٍ وخُموله؛ (وكذبه خوفًا) (٤)؛ ورجوعه قبل فتوى الآخر. وأجيب: بأنه (لا يتعذر) (٥) في أيام الصحابة فإنهم كانوا محصورين قليلين).
إنما بدأ بالكلام على (٦) إمكانه، وإمكان الاطلاع عليه؛ لتوقف الاحتجاج به على ذلك. وقد ذهب بعضهم (٧) إلى أن الإجماع محال (٨)؛
стр. 2356
لأن اجتماع الخلق على شيء واحد يمتنع (١) عادةً (٢)، كما يمتنع عادةً (٣) اجتماعُهم على مأكولٍ واحدٍ في وقتٍ واحد. وربما قال بعضهم: كما أن اختلاف العلماء في الضروريات محال، كذلك اتفاقهم في النظريات محال.
والجواب: أن الدواعي مختلفة ثمة (٤)، أي: في المواكيل (٥)، بخلاف الأحكام؛ لإمكان اجتماعهم على معرفةِ برهانٍ أو أمارة (٦).
وذهبت طائفة من المعترفين بإمكان الإجماع إلى تعذر الاطلاع عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد، حكاها الآمدي وغيرُه (٧). وقيل: إنما استبعد
стр. 2357
وقوعَه ولم يَقُل بتعذر الاطلاع عليه (١).
واحتجوا: بانتشار العلماء مَشْرقًا ومغربًا، قالوا: فكيف يُعْرف موافقة مَنْ في أقاصي المشرق لمن (٢) في أطراف المغرب. قالوا: وأيضًا يجوز خفاء واحدٍ وخمولُ ذِكْره بحيث لا يُعرف أنه مجتهد.
قالوا: ويحتمل أيضًا كذبه مخافةً مِنْ سلطانٍ جائرٍ، أو مجتهدٍ ذي منصبٍ وبَطْشٍ أفتى بخلاف مُعْتَقَده.
قالوا: ويحتمل أيضًا أن يرجع قبل فتوى الآخَر، فلا يبرحان مختلِفَيْن، فلا يقع الاتفاق.
قالوا: فاحتمال الخفاء والخمول ينفي معرفةَ أعيانهم ولا بد منها. واحتمال الكذب ينفي معرفة ما غَلَب على ظنه ولا بد منه. والاحتمال الأخير ينفي معرفة اجتماعهم في وقتٍ واحدٍ ولا بد منه أيضًا.
وأجاب في الكتاب: بأن ذلك لا يتعذر في أيام الصحابة، فإنهم كانوا
стр. 2358
محصورين قليلين.
وقضية هذا الجواب أنه لا طريق إلى معرفته في زمن غيرهم. قال الإمام: وهو الإنصاف (١).
ومنهم من أجاب (٢): بأنهم وإنْ كانوا كثيرين بحيث لا يمكن الواحد أن يعرفهم بأعيانهم فإنه يَعْرف بمشافهة بعضهم، والنقل المتواتر عن الباقين بأن يَنْقُل من أهل كل قطر مَنْ يحصل التواتر بقولهم - عمن فيه من المجتهدينَ مذاهبَهم، وخمولُ المجتهد بحيث لا يَعْرفه أهلُ بلدته مستحيل عادةً (٣). فوضح إمكان الاطلاع على إجماع مَنْ عدا الصحابة، و (حكم إجماع مَنْ عدا الصحابة) (٤) حكم إجماع الصحابة في كونه حجة. هذا قول الجمهور.
وقالت الظاهرية: إن الإجماع مختصٌ بالصحابة (٥)، وهو رواية عن
стр. 2359
أحمد (١).
قال: (الثانية: أنه حجة خلافًا للنَّظَّام والشيعة والخوارج. لنا وجوه:
الأول: أنه تعالى جمع بين مشاقَّةِ الرسول واتباعِ غيرِ سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ (٢) الآية، فتكون مُحَرَّمة (٣)، فيجب اتباع سبيلهم إذْ لا مَخْرج عنهما (٤).
قيل: رتَّب الوعيدَ على الكل.
قلنا: لا بل على كل واحدٍ (٥) وإلا لَغَى ذِكْر المخالفة.
стр. 2360
قيل: الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف.
قلنا: لا، وإن سُلِّم لم يضر؛ لأن الهُدى دليل التوحيد والنبوة.
قيل: لا يُوجب تحريمَ كلِّ ما غاير.
قلنا: يقتضي لجواز الاستثناء.
قيل: السبيل دليل الإجماع.
قلنا: حَمْلُه على الإجماع أولى لعمومه.
قيل: يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين.
قلنا: حينئذ تكون المخالفة المشاقة.
قيل: بترك (١) الاتباع رأسًا.
قلنا: الترك غير سبيلهم.
قيل: لا يجب اتباعهم في فعل المباح.
قلنا: كاتباع الرسول ﷺ .
قيل: المجمعون أثبتوا (٢) بالدليل.
قلنا: خص النص فيه.
قيل: كل المؤمنين الموجودين (٣) إلى يوم القيامة.
стр. 2361
قلنا: بل في كل عصر؛ لأن المقصود العمل، ولا عمل في القيامة).
اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجةٌ شرعية يجب العمل به على كل مسلم، وخالف في ذلك الشيعة والخوارج والنَّظَّام (١). ونقل ابن الحاجب أنَّ النظام يُحيل الإجماع (٢)، وهو خلاف نقل الجمهور عنه (٣)، وقد صرح الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" بأنه لا يُحيله (٤)، وهو أصح النقلين.
واعلم أن النظام المذكور هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام كان يَنْظِم الخرز (٥) بسوق البصرة، وكان يُظهِر الاعتزال، وهو الذي تُنسب إليه
стр. 2362
الفرقة النظامية من المعتزلة، لكنه كان زنديقًا، وإنما أنكر الإجماع لقَصْده الطعن في الشريعة. وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حدِّ الحَصْر، هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم، فأعجب لهذا الخِذْلان (١)! وأنكر القياس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكل ذلك زندقة، لعنه الله. وله كتاب في نصر التثليث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع، وله فضائح عديدة، وأكثرها طعن في الشريعة المطهَّرة، وليس هذا موضع بسطها (٢).
واستدل المصنف على حجية الإجماع من ثلاثة أوجه:
الأول: الآية، وأول مَنْ تمسك بها إمامنا الشافعي ﵁ (٣). قال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": "رُوي أن الشافعي قرأ القرآن ثلاث مرات حتى وجد هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) " (٥).
стр. 2363
وجه الحجة: أنه تعالى جمع بين مشاقَّة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، فيلزم تحريم اتباع غير سبيلِ المؤمنين؛ لأنه لو لم يكن محرمًا لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول ﷺ ؛ إذ الجمع بين الحرام (١) ونقيضه لا يحسن في وعيد، ولأجله يُستقبح: إنْ زنيتَ وشربتَ الماء عاقبتُك، فدل على حرمة اتباع غير سبيلهم، وإذا حُرِّم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم؛ (لأنه لا مَخْرج (٢) عنهما) (٣) (أي: لا واسطة بينهما، وإنْ لزم اتباع سبيلهم) (٤) ثبتت (٥) حجية الإجماع؛ لأن سبيل الشخص ما يختار مِنْ قولٍ أو فعل أو اعتقاد.
وقد اعترض الخصم على هذا الدليل بوجوه:
الأول: أنه رَتَّب الوعيد على الكل، أي: على المجموع فليست متابعةُ سبيلِ غير المؤمنين محرمةً على الإطلاق، بل كونها محرمةً مشروطةٌ بمشاقة الرسول ﷺ ، وخرج عن هذا مِثْل: إنْ زنيتَ وشربتَ الماء عاقبتُك؛ لأنَّ شُرْب الماء غير محظور لا مطلقًا ولا بشرط الزنا.
وجوابه: أنَّ الوعيد إنما رُتِّب على كلِّ واحدٍ منهما كما ادعيناه
стр. 2364
وإلا يلزم أن يكون ذِكْرُ المخالفةِ وهو قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) لغوًا؛ لأمرين:
أحدهما: المشاقةُ مستلزمةٌ لمخالفة (٢) سبيل المؤمنين، وحينئذ فلا يُحتاج إلى المخالفة.
والثاني: أنْ المشاقَّةَ وحدها مستقلةٌ في ترتيب الوعيد، واللغو محال في كلام الله .
الوجه الثاني: سلمنا أن الآية تقتضي المنع من اتباع غيرِ سبيل المؤمنين لا بشرْط (٣) المشاقة، لكن لا بد فيها من شَرْطٍ آخر وهو تَبَيُّنُ الهدى؛ لأنه تعالى شرط في مشاقة الرسول تَبَيُّنَ الهدى، ثم عطف عليها متابعة غيرِ سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تَبَيُّنُ الهدى شرطًا فيها أيضًا؛ لأنَّ ما كان شرطًا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطًا في المعطوف، والألف واللام في الهُدى للعموم، فيلزم أن لا يحصل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى، ومِنْ جملة أنواع الهدى دليلُ الإجماع، وعلى هذا التقدير (لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة) (٤)؛ إذ يُستغنى بحصول دليل الإجماع عن الإجماع.
стр. 2365
وجوابه: مَنْعُ كونِ جميع ما كان شرطًا في المعطوف عليه شرطًا في المعطوف، والعَطْف إنما يقتضي التشريك في بعض الأحكام دون بعض.
ولو سلمنا أنَّ الشرط في المعطوف عليه شرطٌ في المعطوف لم يضر؛ لأن الهُدى المشروط في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدالُّ على التوحيد والنبوة، لا أدلة الأحكام الفرعية (١)، وإذا لم يُشترط تَبَيُّنُ دلائل المسائل الفرعية في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول لم يُشترط في لحوقه على اتباع غير سبيل المؤمنين، وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بما شُرِط في الأولى، بل بشرطٍ لم يدل عليه الدليل أصلًا.
الوجه الثالث: سلمنا حرمة المخالفة في الجملة، لكن لا نسلم أنَّ قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُوجب تحريمَ جميع ما غاير سبيلهم، بل يُوجب حرمةَ البعض. ودليل ذلك أن كلًا مِنْ لفظِ ﴿غَيْرَ﴾، ولفظ ﴿سَبِيلِ﴾ - مفردٌ لا عموم له، ولا يلزم من حرمةِ بعضِ ما يُغاير سبيلَهم حجيةُ الإجماع؛ لجواز أن يكون ذلك البعض (٢) هو الإيمان وشِبْهُهُ مما لا خلاف في حُرمة المُخَالَفَةِ فيه.
والجواب: أنهما (٣) يقتضيان العموم لما فيهما من الإضافة، وقد تَقَرَّر
стр. 2366
أنَّ المفرد المضاف يعم، ويدل عليه هنا صحة الاستثناء، فنقول: إلا سبيل كذا، وجواز الاستثناء من لوازم العام، كذا قَرَّرُوه.
ولك أن تنازع في عموم ﴿غَيْرَ﴾ وأمثالها: كـ "بعض" و"جزء" إذا أُضِفْنَ، مع تسليم أن المفرد المضاف (١) يعم؛ وذلك لأنَّ إضافة (٢) ﴿غَيْرَ﴾ ليست للتعريف. وقد يقال: إنَّ العموم تابع للتعريف، ويبعد كل البعد أن يُفهم من قول القائل: أخذتُ جزء المال أو (٣) بعضه أنه أخذ جميعَه، بل قد يقال: إن أخذه المال جميعَه يكون مناقضًا لهذا اللفظ؛ لأنّ الجزء أو (٤) البعض صريحان في خلافه، وللبحث فيما نبهنا عليه مجال (٥).
وقد أجاب الإمام بجوابين آخَرَيْن:
أحدهما: أنه لو حملنا الآية على سبيلٍ واحد. وهو غير مذكور في الآية صارت مجملةً، بخلاف ما إذا حملناه على العموم، وحمل كلام الله تعالى على ما هو أكثر فائدة أولى.
والثاني: أنَّ ترتب الحكم على الاسم مُشْعِرٌ بكون المسمَّى علةً له، فكانت علة التوعد كونه اتباعًا لغير سبيل المؤمنين، فيلزم عموم الحكم
стр. 2367
لعموم هذا المقتضِي (١).
الوجه الرابع: أن السبيلَ حقيقةٌ في الطريق الذي يحصل فيه المشي، ولا شك أنه غير مراد ها هنا، فتعيَّن حملُه على المجاز: وهو إما الدليل الذي أجمعوا على الحكم لأجله، أو نفس الإجماع. والأول أولى؛ فإنَّ بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهةً قويةً، فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق السلوك تُوصِل البدن إلى المطلوب، فكذا الحركة الذهنية في مقدِّمات ذلك الدليل تُوصِل الذهنَ إلى المطلوب، والمشابهة (٢) إحدى جهاتِ حُسْن المجاز، وإذا كان كذلك فإنما يجب الأخذ بالدليل الذي لأجله أجمعوا، لا بإجماعهم.
وجوابه: أن السبيل يُطلق على الإجماع أيضًا؛ إذ لا نزاع في أنَّ أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه من قولٍ أو عملٍ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٣) وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٤)، وإذا كان مجازًا ظاهرًا في الإجماع حُمِل عليه دون غيره مِنْ مجازاته؛ لظهوره فيه؛ ولعموم فائدة الإجماع، إذِ الإجماع يَعْمل به المجتهد والمقلِّد، والدليل إنما يعمل به المجتهد.
стр. 2368
الوجه الخامس: سلمنا دلالة الآية على وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن لا في كل شيء؛ لأن المؤمنين إذا اتفقوا على فِعْل شيء من المباحات، فلو وجب اتباع سبيلهم في كل الأمور - لزم التناقض؛ لأنه يجب عليهم فِعْلُه من حيث إنهم فعلوه، ولا يجب لحُكْمهم بعدم وجوبه، وإذا لم يكن اتباعهم واجبًا في كل شيء فإنما يجب في السبيل الذي صاروا به مؤمنين، ويدل عليه أن القائل إذا قال: اتبع سبيل الصالحين - (فُهِم منه الأمرُ باتباعهم فيما صاروا به صالحين) (١).
وجوابه: أنها تدل على اتباعهم في كل شيء؛ لجواز الاستثناء كما عرفت. وقولك: يلزم اتباعهم في فعل المباحات. قلنا: هَبْ أنَّ هذه صورةٌ خُصَّت لِمَا ذكرتَ من الضرورة، فتبقى حجةً فيما عداها، ويلزم مِنْ قولك إنما يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين أن تكون مخالفةُ سبيلِ المؤمنين هي المشاقة، فإنه لا معنى لمشاقة الرسول ﷺ إلا أن يُترك الإيمان، فلو حُمِل على ما ذكرتَ لزم التكرار.
الوجه السادس: سلمنا حَظْر اتباع غير سبيلهم لكن لا نسلم وجوبَ اتباع سبيلهم، وقولكم لا واسطة بينهما غير مسلم، فبينهما واسطة وهي ترك الاتباع أصلًا، فلا يَتَّبع لا سبيلَ غيرهم ولا سبيلَهم.
والجواب: أن ترك الاتباع أيضًا مطلقًا اتباعٌ لغير سبيلهم؛ لأن سبيلَهم الأخذُ بمقالتهم، وتَرْكُ الأخذِ غيرُ سبيلهم، فثبت حرمةُ متابعةِ غيرِ سبيل المؤمنين، ويلزم منه وجوبُ المتابعة وهو المدعى.
стр. 2369
الوجه السابع: سلمنا أنه يجب اتباعهم لكن لا في كل شيء، بدليل أنه لا يجب في فعل المباح كالأكل والشرب (١)، وقد تقدم هذا لكن لا في كلام صاحب الكتاب.
والجواب: أنه كقيام الدليل على وجوب متابعة الرسول ﷺ ، فإنه كما أُخرج منه المباح يُخرج مِنْ متابعة سبيل المؤمنين أيضًا.
الوجه الثامن: الدليل على أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور أنَّ إجماعهم إنما يكون عن دليل، فسبيلهم ليس إثباته بإجماعهم، بل بذلك الدليل، وهذا واضح، فالأخذ بإجماعهم مخالفةٌ لسبيلهم، فوجب أن لا يجوز، وظهر أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور.
والجواب: أنهم لما أثبتوا الحكم بدليلٍ غير الإجماع فقد فَعلُوا أمرين: إثباتَه بالدليل، وتمسكهم بالإجماع، والآية لما (٢) دلت على وجوب المتابعة في كل الأمور - تناولت الصورتين لكن تُرِك العملُ بمقتضاها في إحدى الصورتين؛ لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهلُ الإجماع، فبقي العمل بها في الباقي.
الوجه التاسع: سلمنا وجوبَ اتباعهم في جميع الأمور ولا يلزم حجيةُ إجماع أهل العصر؛ لأن ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلُّ الموجودين إلى يوم القِيامة، بدليل
стр. 2370
أنه جَمْعٌ مُحَلَّى بالألف واللام، وحينئذٍ الحجةُ في إجماع كل المؤمنين لا مؤمني العصر الواحد.
والجواب: أنه إنما المراد مؤمنو العصر؛ لأن المقصود من الإجماع إنما هو العمل به، وإذا كان المراد كل المؤمنين إلى يوم القيامة تَعَذَّر العمل به؛ لأنه لا عمل يوم القيامة؛ لانتفاء التكليف إذ ذاك.
قال (١): (الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ عَدَّلهم فتجب عصمتهم عن الخطأ قولًا وفعلًا، كبيرةً وصغيرةً، بخلاف تعديلنا. قيل: العدالة فعل العبد، والوسط فعل الله تعالى. قلنا: الكل فعل الله على مذهبنا. قيل: عدولٌ وقتَ الشهادة. قلنا: حينئذٍ لا مزية لهم، فإن الكل يكونون كذلك).
الوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) أخبر الله (٣) تعالى بأن هذه الأمة وَسَطٌ، و (٤) الوسط مِنْ كل شيءٍ خيارُه وأعدله (٥)، فيكون الله تعالى قد عَدَّل هذه الأمة وأخبر عن خَيْرِيَّتها، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لانتفى عنهم هذا الوصف، فتجب عصمتهم عن الخطأ
стр. 2371
كبيرِه وصغيرِه في قول وفعل؛ لأنَّ تعديلهم من الله تعالى، وهو عليم بالسر والعلانية، فلو كان فيهم (١) عاصٍ لما عَدَّله، بخلاف تعديلنا، فإنه مبني على ظننا وما أدَّى إليه نظرنا، مع احتمال خلافه في نفس الأمر.
فإنْ قلت: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كلِّ واحدٍ منهم بها، وخلاف ذلك معلومٌ بالضرورة، فلا بد مِنْ حَمْلها على البعض، (ونحن نحملها) (٢) على الإمام المعصوم.
قلت: لا نسلم أنها متروكة الظاهر، قوله: لأنها تقتضي كون كلِّ واحد منهم عدلًا. قلنا: لمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراؤه على ظاهره - وجب أن يكون المرادُ امتناعَ خلو الأمة عن العدول. وقوله: نحمله على الإمام المعصوم. قلنا: قوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ صيغة جَمْع فحَمْله على الواحد خلافُ الظاهر. هذا كلام الإمام سؤالًا وجوابًا (٣).
وقد يقال: لا يجامع قولُ الإمام: لا نسلم أنها متروكة الظاهر - قولَه: لَمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره إلى آخره. وهو سؤال قوي.
ويمكن أن يقال في جوابه: إنَّ الخصم ادَّعى أن ظاهرَ الآية موضوعُ اللفظ: وهو تعديل كل واحد، وهو غير مُراد. والإمام أجاب بمنع كونها متروكةَ الظاهر، ومراد الإمام بظاهرها غيرُ مرادِ الخصم. فقوله: لا نسلم أنها متروكة الظاهر، يعني: بالمعنى الذي نعنيه نحن بالظاهر.
стр. 2372
وقوله: لَمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره، (يعني: ظاهره) (١) الذي عَنَيْتموه أنتم، وظاهرها عند الإمام: أنَّ الأمة لَا تخلو عن العدول، وهو غير موضوع اللفظ، وظاهرها عند الخصم موضوع اللفظ. وهذا أقصى ما يقال في الجواب. وقد قيل مثله في آيات الصفات فادَّعى بعض المباحثين المأَوِّلين (٢) من أهل السنة أن ظاهرها هو المعنى الذي أُوِّلت عليه؛ لأنه لَمَّا ثبت أنَّ إجراء اللفظ على موضوعه ممتنع - وجب حمله على ذلك المعنى، فكان (٣) هو الظاهر. ومَثَّل هذا بقول الملك المتغلب في حال قهره وسطوته على عدوه الخسيس: أنا فوقَك ويدي عليك. قال: فإن ظاهر هذا اللفظ المتبادِر إلى الفهم غير ما هو موضوعه، فليس كلُّ ما هو موضوع اللفظ يكون هو ظاهره. وكذلك قولك: رأيت أسدًا يرمي بالنشاب ليس ظاهره إلا المجاز، وهو غير الموضوع الحقيقي. فقد تقرر كلام الإمام.
فإنْ قلت: سَلَّمنا أن الآية ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أنَّ الوسط من كل شيء خياره، ويدل عليه وجهان:
الأول: أن العدالة مِنْ فعل العبد، إذ هي عبارة عن أداء الواجبات واجتناب الموبقات. وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم وسطًا، فاقتضى أنَّ كونهم وَسَطًا مِنْ فعل الله تعالى، فظهر أن العدالة غيرُ الوسط.
стр. 2373
والثاني: سلمنا أنه تعالى عَدَّلهم، لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة، فيلزم (وجوبُ تَحَقُّق) (١) عدالتهم يومئذ؛ لأن عدالة الشهود إنما تُعتبر حالةَ الأداءِ لا حالةَ التحمل، وذلك مما لا نزاع فيه، فإن الأمة تصير معصومةً في الآخرة، وأما في الدنيا فَلِمَ قلتم إنها (٢) كذلك!
قلت: أما أنَّ الوَسَط مِنْ كل شيء خيارُه فقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ (٣)، أي: أعدلهم (٤). وقال ﵇: "خير الأمور أوسطها" (٥)، أي: أعدلها. وقال أهل اللغة: الوسط:
стр. 2374
العدل (١). قال الجوهري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي: عدولًا (٢).
وأما ما ذكرتموه فالجواب عن الأول: أنه باطل على مذهبنا، بل الكل مِنْ فعل الله تعالى. قلت: ثم إنَّ العدالة كما مَرَّ في تعريفها ليست عبارةً عما ذَكَر، بل هي مَلَكَةٌ في النفس، وما ذَكَر تتحقق تلك الملكةُ به، والمَلَكة مِنْ فعل الله تعالى.
وعن الثاني: وإليه أشار في الكتاب بقوله (٣): "قلنا: حينئذٍ لا مزية لهم": أن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلو كان المراد صيرورتهم عدولًا في الآخرة - لم يبق في هذه الآية تخصيص لأمة محمد ﷺ بهذه المزية والفضيلة، وأيضًا فكان يقول: سيجعلكم (٤)، لا ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾.
وقد عَرَض للاعتراض كلامان:
стр. 2375
أحدهما: لا نسلم أنه يلزم من عدم صدور المحظور عنهم كونُ قولهم حجةً، فربَّ صالحٍ لا يرتكب معصية، جاهل لا يُمنع بقوله في الشريعة ولا يُعطى.
والثاني: أن العدالة لا تنافي صدور الخطأ غلطًا.
وقد يُردُّ هذا: بأن العدالة التي لا تنافي صدورَ الخطأ غلطًا هي تعديلنا، أما العدالة من الله تعالى فتنافي ذلك (١). والله أعلم.
قال: (الثالث: قال ﵇: "لا تجتمع أمتي على الخطأ (٢) "، ونظائره، فإنها وإن لم تتواتر آحادها (٣) لكن القدر (٤) المشترك بينها (٥) متواتر).
هذا الدليل ساقط من (٦) كثير من النسخ، ولذلك لا تجده مشروحًا في
стр. 2376
بعض الشروح (١)، وهو اعتمادٌ على السنة. وقد قال الآمدي: "السنة أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع قاطعًا" (٢).
وتقريره: أنه رُوي أن النبي ﷺ قال: "لا تجتمع أمتي على الخطأ (٣) "، وأنه قال: "لا تجتمع على ضلالة"، وهذان اللفظان لا تجدهما عند المحدِّثين، نعم رَوَى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعريّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أجاركم من ثلاثِ خلالٍ: أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهلُ الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة" (٤) وسنده جيد (٥).
وروى مُعَان (٦) بن رِفاعة عن أبي خلفٍ الأعمى عن أنسٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" الحديث أخرجه ابن ماجه (٧)، . . . . . . . . . . .
стр. 2377
ومُعَان (١) ضَعَّفه ابن معين وغيره. وقال السعدي وأبو حاتم الرازي: ليس بحجة. وقال ابن حبان: استحق الترك. وقال الأزدي: لا يُحتج بحديثه ولا يكتب (٢).
وأما أبو خلف فكذبه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ليس بالقوي (٣).
ورُوي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَجْمع اللهُ هذه الأمةَ على ضلالةٍ أبدًا" الحديث (٤) رواه الترمذي وقال: غريب من هذا الوجه (٥).
قلتُ: وفي إسناده سليمان بن سفيان، وهو ضعيف عند المحدثين (٦).
стр. 2378
وقد اختلف أصحابنا في كيفية التمسك بالسنة على الإجماع:
فقالت طائفة: هذه الأخبار وإن لم يتواتر واحدٌ منها لكن القدر المشترك منها متواتر، وهو عصمة الأمة عن الخطأ. وهذه طريقة المصنف.
والإمام استبعد ادعاء التواتر المعنوي من هذا الخبر، وقال: "لا نسلِّم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حدِّ التواتر، ولو سُلِّم فالتواتر إنما وقع في مطلق تعظيم هذه الأمة، لا في تعظيم ينافي الإقدام على الخطأ" (١).
وما ذكره الإمام أوَّلًا صحيح، وهو الذي ارتضاه القاضي في "مختصر التقريب"، فقال: "ادعاء الاضطرار في هذه المسألة يقربك من الحَيْد عن الإنصاف، ويُوَسِّع دعوى الضرورة في كثير من المعاني".
وأما قوله: التواتر إنما وقع في مطلق التعظيم (لا في التعظيم) (٢) الخاص - فلقائل أن يقول: مَنْ تأمَّل الأحاديث واحدًا واحدًا عَرَف أنَّ كلًّا منها يدل على هذا التعظيم الخاص (٣)، وأنها كلها مشتركة في المتن مختلفة الأسانيد (٤).
стр. 2379
وسلكت طائفةٌ طريقةً أخرى، قال القاضي: "وهي الأَوْلى: وهي أنَّا قد علمنا قطعًا (وانتشارًا احتجاجَ) (١) السلف في الحث على (٢) موافقة الأمة واتباعها، والزجرِ عن مخالفتها، بهذه الأخبار التي ذكرناها"، قال القاضي: "وما أبدع مُبْدِعٌ في العُصُر الخالية بدعةً إلا وبَّخه علماءُ عصره على ترك الاتباع وإيثار الابتداع (٣)، واحتجوا عليه بالألفاظ التي قدمناها"، قال: "وهذا ما لا سبيل إلى جَحْده، وقد تحقق ذلك في زمن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، ولم يُظْهِرْ أحدٌ قبل النَّظَّام مَطْعنًا في الأحاديث، فلولا أنهم علموا قطعًا صِدْقَ الرواة - لوجب في مُسْتَقَر العادة أن يُبدوا ضربًا من المطاعن في الأخبار" (٤). هذا كلام القاضي.
ولقائل أن يقول: أما أن السلف كانوا يُوَبِّخون على ترك الاتباع وإيثار الابتداع - فمسلَّم، وأما أنهم كانوا يحتجون على ذلك بالألفاظ المتقدمة - فغير مسلَّم، فلم (٥) تكن هذه الطريقة سالمةً عن الاعتراض.
وقال الإمام: "لم يقل أحدٌ: إنَّ الإجماع المنعقد بصريح القول دليلٌ ظني، بل منهم مَنْ نفى كونه دليلًا بالأصالة، ومنهم مَنْ جعله قاطعًا" (٦).
стр. 2380
وأما إمام الحرمين فقد اعترف بأنه ليس في السمعيات قاطع على أن الإجماع واجب الاتباع، وسلك طريقًا آخر عقليًا فقال: "الطريق القاطع على أنه حجة قاطعة أنا نقول: للإجماع صورتان نذكرهما، ونذكر السبيل المَرْضِي في إثبات الإجماع في كل واحدةٍ منهما:
إحداهما: أن يُصادف (١) علماء العصر على توافرهم في أطراف الخُطَّة وأوساطها مُجْمِعون (٢) على حكمٍ مظنون (والرأي فيه مضطَرِب) (٣)، فيُعْلم والحالة هذه أن اتفاقهم إنْ وقع فلا يُحمل على وفاق اعتقاداتهم وجريانها على منهاج واحد (٤)، فإنَّ ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل (٥)، بل يستحيل اجتماع العقلاء على معقولٍ مقطوعٍ به في أساليب العقول إذا كان لا يُتطرق إليه إلا (٦) بانضمام (٧) نَظَرٍ وسَبْرِ (٨) فكرٍ؛ وذلك لاختلاف الناظرين في
стр. 2381
نظرهم، فإذا كان حكم العادة هذا في النظري القطعي، فما الظن بالنظري الظني الذي لا يُفْرض فيه قطع!
فإذا تقرر أنَّ اطراد الاعتياد يُحيل اجتماعَهم على (فنٍّ في الظن) (١)، فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم (لا يرجمون) (٢) فيه رأيًا، ولا يرددون قولًا - فيعلم قطعًا أنهم أسندوا الحكم إلى شيءٍ سمعي قطعي عندهم، ثم لا يبعد سقوط النقل فيه.
والصورة الثانية: إذا أجمعوا (٣) على حكمٍ وأسندوه إلى الظن وصَرَّحُوا به - فهذا أيضًا حجة قاطعة، والدليل عليه أنا وجدنا العصبة الماضين والأئمة المنقرضين متفقين على تبكيت مَنْ يخالف إجماع علماء الدهر، فلم يزالوا ينسبون المخالفَ إلى المروق، والمحادَّة والعقوق، ولا
стр. 2382
يَعُدُّون ذلك أمرًا هينًا، بل يرون الاستجراء على مخالفة العلماء ضلالًا بيّنًا، وإجماعهم هذا مع الإنصاف كالقطع في محل الظن عند نظر العقل، فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعًا في حكمٍ مظنون قَطَع به المُجْمِعون من غير ترديدِ ظنٍّ - فليكن الإجماعُ على تبكيت المخالف وتعنيفه مستندَ قاطعٍ شرعي، ولا يبعد أن يكون ذلك بعضَ الأخبار التي ذكرناها، تَلَقَّاها مَنْ تلقاها مِنْ فَلْق في رسول الله ﷺ (١) وعلم (٢) بقرائن الأحوال قَصْدَ النبي ﷺ في انتصاب الإجماع حجةً، ثم عَلِموا ذلك وعَمِلوا به واستَجْرُوا (٣) على القطع بموجبه، ولم يهتموا (بنقلِ سببِ) (٤) قطعهم، فقد تقرر انتصابُ الإجماع دليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا" (٥).
هذا كلام إمام الحرمين، وحاصله أنه يقول: اتفاق الجمع العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن لا يكون لدلالة أو أمارة (٦)، فإن كان لدلالةٍ كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدليل، وحينئذ يجب اتباع الإجماع؛ لأن مخالفته تكون مخالفة لذلك الدليل. وإن كان لأمارةٍ فقد رأينا الأولين
стр. 2383
قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعُهم على قاطعٍ يمنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع - لاستحال اتفاقُهم على المنع مِنْ مخالفته.
قال الإمام: "وهذه الدلالة ضعيفة جدًا؛ لاحتمال أن يقال: (إنهم اتفقوا) (١) على الحكم لا لدلالة (ولا لأمارة) (٢)، بل لشبهة، وكم مِنَ المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم شرقًا وغربًا قد اتفقت كلمتُهم لأجل الشبهة.
سلَّمنا الحصر، فَلِمَ لا يجوز أن يكون لأمارةٍ تفيد الظن!
قوله: رأينا السلف مجمعين (٣) على المنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع (وهذا يدل على اطلاعهم على قاطع مانع من مخالفة هذا الإجماع) (٤).
قلنا: لا نسلِّم اتفاق السلف على ذلك.
سلمناه، لكنك لَمَّا جَوَّزتَ حصولَ الإجماع لأجل الأمارة - فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع الصادر عن الأمارة لأمارةٍ أخرى.
فإنْ قلت: إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة، وقد تعصبوا في هذا الإجماع، فدل على أنَّ هذا الإجماع لم يكن عن أمارة.
قلت: إذا سلمتَ أنهم لا يتعصَّبون في الإجماع الصادر عن أمارة -
стр. 2384
فقد بطل قولُك: إنهم منعوا من (١) مخالفة هذا الإجماع (٢) " (٣).
هذا اعتراض الإمام، وهو واضح والنظر فيه يطول.
والذي يظهر لي وهو مُعْتَمَدي فيما بيني وبين الله تعالى: أنّ الظنون الناشئةَ عن الأمارات المزدحمة إذا تعاضدت مع كثرتها تؤدي إلى القطع، وأنَّ على الإجماع آياتٍ كثيرةً من الكتاب، وأحاديثَ عديدةً من السنة، وأماراتٍ قويةً من المعقول، أنتج المجموعُ مِنْ ذلك أنَّ الأمة لا تجتمع على خطأ، وَحَصَل القطعُ به من المجموع، لا من واحدٍ بعينه (٤).
قال: (والشيعة عَوَّلوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم).
تقدم أنَّ الشيعة أنكروا كون الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة - حجة. واعلم أنهم مع ذلك عَوَّلُوا عليه، واحتجوا به، ولكن لا لكونه قول المجتهدين من الأمة، وإلا لتناقض قولُهم، بل لكونه مشتملًا على قول الإمام المعصوم؛ إذ عندهم أن كل زمان لا يخلو عن إمامٍ معصوم
стр. 2385
يجب نَصْبُه (١). وعلى التقدير فمتى اتفق المجتهدون فلا بد مِنْ موافقة الإمام لهم، وإلا لم يوجد اتفاق أهل الحل والعقد، وإذا وجد اتفاقٌ قولُ الإمام معهم كان حجة لا من حيث هو بل بواسطة قول الإمام المعصوم.
ولما كان مذهبُهم في أنَّ كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبُه - ظاهرَ السخافة، واضحَ الفساد، والاشتغال بتبيين بُطلانه من وظائف علم الكلام - لم يشتغل صاحب الكتاب بردِّه (٢).
قال: (الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة ؛ لقوله ﵊: "إنَّ المدينة لتنفي خَبَثَها" وهو ضعيف).
ذهب الأكثرون إلى أنَّ البقاع لا تُؤثِّر في كون الأقوال حجة، وذهب مالك بن أنس ﵀ إلى أنَّ إجماع أهل المدينة حجة، فمنهم مَنْ قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم (٣).
ومنهم مَنْ قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله ﷺ (٤).
وقال ابن الحاجب: الصحابةَ والتابعين (٥).