نظرهم، فإذا كان حكم العادة هذا في النظري القطعي، فما الظن بالنظري الظني الذي لا يُفْرض فيه قطع!
فإذا تقرر أنَّ اطراد الاعتياد يُحيل اجتماعَهم على (فنٍّ في الظن) (١)، فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم (لا يرجمون) (٢) فيه رأيًا، ولا يرددون قولًا - فيعلم قطعًا أنهم أسندوا الحكم إلى شيءٍ سمعي قطعي عندهم، ثم لا يبعد سقوط النقل فيه.
والصورة الثانية: إذا أجمعوا (٣) على حكمٍ وأسندوه إلى الظن وصَرَّحُوا به - فهذا أيضًا حجة قاطعة، والدليل عليه أنا وجدنا العصبة الماضين والأئمة المنقرضين متفقين على تبكيت مَنْ يخالف إجماع علماء الدهر، فلم يزالوا ينسبون المخالفَ إلى المروق، والمحادَّة والعقوق، ولا
стр. 2382
يَعُدُّون ذلك أمرًا هينًا، بل يرون الاستجراء على مخالفة العلماء ضلالًا بيّنًا، وإجماعهم هذا مع الإنصاف كالقطع في محل الظن عند نظر العقل، فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعًا في حكمٍ مظنون قَطَع به المُجْمِعون من غير ترديدِ ظنٍّ - فليكن الإجماعُ على تبكيت المخالف وتعنيفه مستندَ قاطعٍ شرعي، ولا يبعد أن يكون ذلك بعضَ الأخبار التي ذكرناها، تَلَقَّاها مَنْ تلقاها مِنْ فَلْق في رسول الله ﷺ (١) وعلم (٢) بقرائن الأحوال قَصْدَ النبي ﷺ في انتصاب الإجماع حجةً، ثم عَلِموا ذلك وعَمِلوا به واستَجْرُوا (٣) على القطع بموجبه، ولم يهتموا (بنقلِ سببِ) (٤) قطعهم، فقد تقرر انتصابُ الإجماع دليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا" (٥).
هذا كلام إمام الحرمين، وحاصله أنه يقول: اتفاق الجمع العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن لا يكون لدلالة أو أمارة (٦)، فإن كان لدلالةٍ كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدليل، وحينئذ يجب اتباع الإجماع؛ لأن مخالفته تكون مخالفة لذلك الدليل. وإن كان لأمارةٍ فقد رأينا الأولين
стр. 2383
قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعُهم على قاطعٍ يمنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع - لاستحال اتفاقُهم على المنع مِنْ مخالفته.
قال الإمام: "وهذه الدلالة ضعيفة جدًا؛ لاحتمال أن يقال: (إنهم اتفقوا) (١) على الحكم لا لدلالة (ولا لأمارة) (٢)، بل لشبهة، وكم مِنَ المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم شرقًا وغربًا قد اتفقت كلمتُهم لأجل الشبهة.
سلَّمنا الحصر، فَلِمَ لا يجوز أن يكون لأمارةٍ تفيد الظن!
قوله: رأينا السلف مجمعين (٣) على المنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع (وهذا يدل على اطلاعهم على قاطع مانع من مخالفة هذا الإجماع) (٤).
قلنا: لا نسلِّم اتفاق السلف على ذلك.
سلمناه، لكنك لَمَّا جَوَّزتَ حصولَ الإجماع لأجل الأمارة - فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع الصادر عن الأمارة لأمارةٍ أخرى.
فإنْ قلت: إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة، وقد تعصبوا في هذا الإجماع، فدل على أنَّ هذا الإجماع لم يكن عن أمارة.
قلت: إذا سلمتَ أنهم لا يتعصَّبون في الإجماع الصادر عن أمارة -
стр. 2384
فقد بطل قولُك: إنهم منعوا من (١) مخالفة هذا الإجماع (٢) " (٣).
هذا اعتراض الإمام، وهو واضح والنظر فيه يطول.
والذي يظهر لي وهو مُعْتَمَدي فيما بيني وبين الله تعالى: أنّ الظنون الناشئةَ عن الأمارات المزدحمة إذا تعاضدت مع كثرتها تؤدي إلى القطع، وأنَّ على الإجماع آياتٍ كثيرةً من الكتاب، وأحاديثَ عديدةً من السنة، وأماراتٍ قويةً من المعقول، أنتج المجموعُ مِنْ ذلك أنَّ الأمة لا تجتمع على خطأ، وَحَصَل القطعُ به من المجموع، لا من واحدٍ بعينه (٤).
قال: (والشيعة عَوَّلوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم).
تقدم أنَّ الشيعة أنكروا كون الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة - حجة. واعلم أنهم مع ذلك عَوَّلُوا عليه، واحتجوا به، ولكن لا لكونه قول المجتهدين من الأمة، وإلا لتناقض قولُهم، بل لكونه مشتملًا على قول الإمام المعصوم؛ إذ عندهم أن كل زمان لا يخلو عن إمامٍ معصوم
стр. 2385
يجب نَصْبُه (١). وعلى التقدير فمتى اتفق المجتهدون فلا بد مِنْ موافقة الإمام لهم، وإلا لم يوجد اتفاق أهل الحل والعقد، وإذا وجد اتفاقٌ قولُ الإمام معهم كان حجة لا من حيث هو بل بواسطة قول الإمام المعصوم.
ولما كان مذهبُهم في أنَّ كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبُه - ظاهرَ السخافة، واضحَ الفساد، والاشتغال بتبيين بُطلانه من وظائف علم الكلام - لم يشتغل صاحب الكتاب بردِّه (٢).
قال: (الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة ؛ لقوله ﵊: "إنَّ المدينة لتنفي خَبَثَها" وهو ضعيف).
ذهب الأكثرون إلى أنَّ البقاع لا تُؤثِّر في كون الأقوال حجة، وذهب مالك بن أنس ﵀ إلى أنَّ إجماع أهل المدينة حجة، فمنهم مَنْ قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم (٣).
ومنهم مَنْ قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله ﷺ (٤).
وقال ابن الحاجب: الصحابةَ والتابعين (٥).
стр. 2386
وقيل: محمول على المنقولات المُشْتَهَرة (١) كالأذان والإقامة دون غيرها (٢)، وذهب إلى الحمل على هذا القرافي في شرح "المنتخب" (٣). وقرر (٤) الإمام مذهبَ مالكٍ وقال: "ليس يُسْتبعد كما اعتقده جمهورُ أهل الأصول" (٥).
قلت: ولا ينبغي أن يُخالَف مالك (٦) في ذلك إنْ أراد به ترجيحَ روايتهم على رواية غيرهم وكانوا من الصحابة؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، ولا ريب في أنهم أخَبْرُ بأحوال النبي ﷺ ، وهذا ضرب من الترجيح لا يُدْفع. ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أنَّ مالكًا ﵁ يقول بإجماع أهل المدينة لذاتها في كل زمان، وإنما هي من زمان رسول الله ﷺ إلى زمان (٧)
стр. 2387
مالكٍ لم تبرح دارَ العلم، وآثارُ النبي ﷺ بها أكثر، وأهلُها بها أعرف. إذا (١) عُرِف هذا فقد اسْتُدِل على حجية إجماع (٢) أهل المدينة بما صح وثبت من قوله ﷺ : "إنما المدينة كالكير تَنْفي خَبَثَها وتَنْصَعُ طَيِّبَها" (٣)، والاستدلال بهذا كما ذكره المصنف ضعيف؛ لأن الحمل على الخطأ متعذر؛ لأنا نشاهد صدورَ الخطأ من بعض سكانها، وكونها من أشرف البقاع لا يُوجب عصمةَ ساكنيها (٤).
стр. 2388
وإذا تقرر أنه لا أثر للبقاع عُلم أنَّ إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمِصْرين البصرة والكوفة - غيرُ حجة، خِلافًا لمَنْ زَعَم ذلك من المنتمين إلى الأصول (١).
قال القاضي في "مختصر التقريب": "وإنما (٢) صاروا إلى ذلك لاعتقادهم تخصيصَ الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد موطن الصحابة، ما خرج منها إلا الشذوذُ منهم" (٣). انتهى. فلا يظنن الظانُّ أن القائل بذلك قال به في كل عصر (٤).
قال: (الرابعة: قالت الشيعة: إجماع العِتْرة حجةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهم علي وفاطمة وابناهما ﵃؛ لأنها لما نزلت لَفَّ ﵇ عليهم كساء، وقال: "هؤلاء أهل بيتي"؛ ولقوله ﵇: "إني تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا كتابَ الله وعِتْرَتي").
стр. 2389
قالت الشيعة: إجماع أهل البيت حجة. وقالوا أيضًا كما نقله الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": قول عليٍّ وحْدَه حجة.
واستدلوا على الأول بالكتاب، والسنة، والمعنى.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١)، فقد نفى عنهم الرجس، والخطأ رجسٌ، فيكون منفيًا عنهم، وأهل البيت هم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين ﵃؛ لأنه كما رَوَى الترمذي: لما نزلت هذه الآية لَفَّ النبيُّ ﷺ عليهم كِساء، وقال: "هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطَهِّرهم تطهيرا" (٢).
وأما السنة: فما روى الترمذي، وأخرج مسلم في صحيحه معناه، من قوله ﷺ : "إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتابَ الله
стр. 2390
وعِتْرتي (١) " (٢).
وأما المعنى ولم يذكره المصنف: فإنَّ أهل البيت مَهْبِط الوحي والنبي ﷺ منهم وفيهم، فالخطأ عليهم أبعد.
ولم يذكر المصنف الجوابَ عما استدلوا به:
والجواب عن الآية: أنَّا وإنْ سلمنا انتفاء الرجس في الدنيا فلا نسلم أن الخطأ رِجسٌ.
ومنهم مَنْ أجاب: بأنَّ ظاهر الآية في أزواجه ﵈؛ لأنَّ ما قبلها وما بعدها خطاب معهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣). قال الإمام: "ويجري هذا (مجرى قولِ) (٤) الواحد لابنه: تعَلَّم وأطعني إنما أريد لك الخير. ومعلومٌ أنَّ هذا
стр. 2391
القول إنما يتناول ابنه، فكذلك ها هنا" (١).
وهذا الجواب وإن اتضح مِنْ جهة المعنى، واعتضد بما في "المحصول" و"الإحكام" وغيرهما من كتب الأصول (٢) من أن (٣) أم سلمة قالت للنبي ﷺ : "ألستُ مِنْ أهل البيت؟ فقال: بلى إن شاء الله" (٤) - فيُبْعِدُه من جهة الخبر ما في صحيح مسلم من أنَّ أم سلمة قالت وقد لَفَّ النبي (٥) ﷺ عليهم الكساء: فأنا (٦) معهم يا رسول الله؟ قال: "إنكِ إلى خير"، وفي الترمذي
стр. 2392
قال: "أنتِ على مكانِكِ وأنتِ إلى خير" (١)(٢)، ومن المعنى أنَّ الكاف والميم (٣) لا تكون إلا للمذكر (٤).
والجواب عن الحديث: أنه من باب الآحاد، ولا يجوز عندهم العمل بها في الفروع فضلًا عن الأصول، ولو كان قطعيًا فإنما يقتضي وجوبَ التمسك بمجموع الكتاب والعترة، لا بقول العترة وحدهم.
стр. 2393
والجواب عن المعنى: أنه باطل بزوجاته ﵇، فإنهنَّ شاهَدْن أكثرَ أحواله مع أنَّ قولَهنَّ وحْدَه غيرُ حجة. والله أعلم.
وقد يقال: قَدَّم المصنفُ أنَّ الشيعة مِنْ منكري الإجماع، (ثم نقل عنهم هنا أن إجماع العترة حجة، ومَنِ اعترف بشيءٍ من الإجماع) (١) لا يقال: أنكر أصل الإجماع.
والجواب: أنَّ الإجماع المصطلح أنكروه مِنْ أصله، وما اعترفوا به ليس منه، وإنْ حصل وِفاقُ بقية الأمة لأهل البيت احتجوا به، لا لوفاق بقية الأمة، بل لأجل العترة، فما قلناه لم يعترفوا بشيء منه، وما قالوه لم نوافقهم عليهم، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في قوله: "والشيعة عَوَّلوا عليه" (٢).
قال: (الخامسة: قال القاضي أبو خازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة ؛ لقوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين مِنْ بعدي". وقيل: إجماع الشيخين حجة؛ لقوله: "اقتدوا باللذَيْن مِنْ بَعدي أبي بكرٍ وعمر").
ذهب القاضي أبو خازم من الحنفية (٣) - بالخاء المعجمة - وكذا أحمد
стр. 2394
ابن حنبل في إحدى الروايتين: إلى أنَّ إجماع الخلفاء الأربعة أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ - حجةٌ (١)، مُسْتَدِلَّيْن بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الترمذيُّ والحاكم في "المستدرك" وقال: على شرطهما - من قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين مِنْ بعدي تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ" الحديث (٢).
فإنْ قيل: هذا عامٌّ في كلِّ الخلفاء الراشدين. قيل: المراد الأربعة؛ لقوله
стр. 2395
عليه الصلاة والسلام: "الخلافة مِنْ بعدي ثلاثون سنّة ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا (١) " (٢) وكانت مدة الأربعة هذه، كذا قيل. والصحيح أن المُكَمِّل لهذه المدة (٣) الحسن بن علي ﵃، وكانت مدة خلافته ستة أشهر بها تكملت الثلاثون، ولكن الحسن ﵁ لم تتسع مُهْلَتُه، ولم تبرز أوامره، ولا عُرِفت طريقتُه؛ لقلة المدة.
وذهب بعضهم إلى أنَّ إجماع الشيخين وحدهما حجة (٤)؛ لقوله عليه
стр. 2396
السلام: "اقتدوا باللذَيْن مِنْ بعدي أبي بكرٍ وعمر" رواه أحمد بن حنبل، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن. وذكره ابن حبان في صحيحه (١).
وأجاب الإمام (وغيره) (٢) عن الخبرين: بالمعارضة بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٣)، وهو حديث ضعيف.
وأجاب الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": بأن ابن عباس خالف جميع الصحابة في خَمْس مسائل انفرد بها، وابن مسعود انفرد بأربع مسائل، ولم يَحْتجَّ عليهم أحدٌ بإجماع الأربعة (٤)(٥).
قال: (السادسة: يُستدل بالإجماع لما لا يَتَوَقَّفُ عليه (كحدوث العالم ووحدة الصانع) (٦)، لا كإثباته).
стр. 2397
الإجماع وإن كان حجة لكن لا يستدل به على جميع الأحكام ، بل علي بعضها: وهو ما لا يتوقف ثبوتُ حجيةِ الإجماع على ثبوته، (سواء كان من الفروع أو الأصول. أما ما يتوقف) (١) (ثبوت الإجماع على ثبوته) (٢) فلا يستدل بالإجماع عليه، وإلا فيلزم الدور.
وقد مَثَّل صاحب الكتاب للأول (٣) بحدوث العالَم، ووَحْدة الصانع، أي: أنَّ ثبوت الإجماع لا يتوقف على هذين؛ لجواز معرفة الإجماع قبل معرفة حدوث العالم، ووحدة الصانع (٤)(٥).
وقد قال الإسفراييني وغيره من الشُّرَّاح: (إنَّ المثال غير صحيح؛ لأن) (٦) كون الإجماع المصطلح حجةً متوقِّفٌ على وجود المُجْمِعين الذين هم المجتهدون من الأمة المحمدية، ولا يصير الشخص من هذه الأمة إلا بعد معرفة وحدة الصانع وحدوث العالم، فوضح أنَّ الإجماع
стр. 2398
متوقِّف على معرفة هذين.
ولك أن تمنع توقُّفَ حجية الاجتماع على وجود المُجْمِعين؛ إذ هو حجة وإن لم يُجمعوا.
ومثال الثاني: وإليه الإشارة لقوله: "لا كإثباته"، إثبات الصانع، وإثبات كونه متكلمًا، والنبوة، فإنَّ الإجماع يتوقف على ذلك؛ إذ ثبوته بالكتاب والسنة، وصحةُ الاستدلال بهما موقوفة على وجود الصانع، وعلى كونه متكلمًا، وعلى النبوة، فلو أثبتنا وجودَ الصانع والنبوةَ بالإجماع - لزم الدور؛ لتوقف ثبوتِ المدلول على ثبوت الدليل (١).
стр. 2399
الباب الثاني: أنواع الإجماع
стр. 2400
قال: (الباب الثاني: في أنواع الإجماع .
وفيه مسائل:
الأولى: إذا اختلفوا على قولين فهل لمَنْ بعدهم إحداث ثالث ؟ والحق أن الثالث إن لم يرفع مُجْمعًا عليه جاز وإلا فلا. مثاله: ما (١) قيل في الجد مع الأخ: الميراثُ للجَدّ. وقيل: لهما. فلا سبيل إلى حرمانه).
لك ها هنا (٢) مناقشتان:
إحداهما: كان من حُسْن (٣) الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده، وهو الثالث في شرائط الإجماع.
والثانية: أنَّ الإجماع شيءٌ واحدٌ ليس تحته أنواع، لكنه أراد بالأنواع ما لا يكون إجماعًا عند طائفة دون آخرين، وما هو إجماع بالاتفاق.
ثم غرض الفصل: أنه إذا اختلف أهلُ العصر في مسألةٍ على قولين هل يجوز لمَنْ بعدهم إحداثُ قولٍ ثالث؟ وفيه ثلاثة مذاهب:
الأول: المنع مطلقًا. وعليه الجمهور (٤).
стр. 2401
والثاني: الجواز مطلقًا. وعليه طائفة من الحنفية، والشيعة، وأهل الظاهر (١).
والثالث: وهو الحق عند المتأخرين، وعليه الإمام وأتباعه والآمدي (٢): أنَّ الثالثَ إنْ لَزِم منه رفْعُ ما أجمعوا عليه لم يَجُز إحداثه وإلا جاز.
مثال الأول: إذا مات رَجلٌ وخَلَّف جَدًّا (٣) وإخوة ذهب بعض العلماء إلى الاشتراك، وذهب الباقون إلى سقوط الإخوة بالجد (٤)، فلو قال قائل: بإسقاط الجد بالإخوة - لم يجز؛ لأنه رافع لأمرٍ مُجْمَعِ عليه مستفادٍ من القولين المتقدمين: وهو أن الجد يرث (٥) إما منفردًا أو مشاركًا للإخوة، فإذا أسقطنا الجد فقد رَفعنا أمرًا مجمعًا عليه.
стр. 2402
وهذا المثال سبق المصنفَ بذكره الإمامُ والآمديُّ (١) وغيرُهما وهو صحيح وإنْ صَحَّ ما نقله ابن حزم الظاهري مِنْ ذهاب بعضهم إلى انفراد الأخ بالمال؛ لأن الإجماع وقع بعد ذلك على خلافه.
ومن أمثلته أيضًا: الجارية الثيب إذا وَطِئها المشتري ثم وجد بها عيبًا قديمًا. قال بعضهم: نمنع الردّ (٢). وقال آخرون بالرد مع العُقْر (٣). فالقول بالردِّ مجانًا ثالث. كذا صَوَّره الآمديُّ في الثيب، وابن الحاجب في البكر (٤).
فإن قلت: كيف قال الشافعيُّ ﵁ ومالكٌ والليثُ في الثيب (٥) بالردِّ مجانًا (٦)؟
قلت: لم يثبت تَكلُّم جميع الصحابة في المسألة، بل كان القولان ممن تكلم فيها فقط (٧). ولو فُرض كلام جميعهم فلا نسلم استقرار رأيهم على
стр. 2403
قولين (١). وهذا الفَرْض على تقدير صحة اختلاف الصحابة على هذا الوجه، فإنَّ المنقول أنَّ عمر ﵁ قال بالرد مع الأرش، وأن عليًا ﵁ قال بعدم الرد. وهذا الاختلاف ليس بين جميع الصحابة، بل قد رُوي عن زيد بن ثابت مثل قولنا (٢). ثم إنَّ المنقول عن (عمر وعلي) (٣) لم يصح. قال والدي أيده الله: "وقد وقفت على أسانيد وردت في ذلك عنهما فرأيتها كلَّها ضعيفة، وأمْثَلُها الرواية عن عليٍّ (٤) وهي منقطعة؛ لأنها من رواية علي بن الحسين وهو لم يدرك جده" (٥).
ومثال الثاني: وهو ما لم يَرْفع مجمعًا عليه، ولم يمثِّل له في الكتاب. قيل: يجوز فسخ النكاح بأحد العيوب الخمسة (٦). وقيل: لا يجوز بشيء منها (٧).
стр. 2404
فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض (١) ليس رافعًا لما أجمعوا عليه، بل هو موافق لكل من القولين في بعض مقالته.
ومثاله أيضًا: قيل: يحل أكل متروك التسمية سهوًا وعمدًا (٢)(٣). وقيل: لا يحل لا سهوًا ولا عمدًا (٤). فالقول بالحل في السهو دون العمد جائز (٥).
قال: (قيل: اتفقوا على عدم الثالث. قلنا: كان مشروطًا بعدمه فزال بزواله. قيل: وارد على الوحداني (٦). قلنا: لم يُعْتبر فيه إجماعًا).
احتج الجمهور وهم المانعون مطلقًا بوجهين:
أحدهما: أنَّ اختلافَهم على قولين إجماعٌ على أنه يجب الأخذ بأحدهما، ولا يجوز العدول عنهما. وتجويز القول الثالث مُبْطل لذلك،
стр. 2405
فكان مُبْطلًا للإجماع، وذلك باطل.
والجواب: أن اتفاقهم على وجوب الأخذ بأحد القولين، وعدمِ جواز غيرِهما - مشروطٌ بعدم حدوث ثالث، فإذا حدث ثالثٌ انتفى شرطُ الاتفاق على وجوب الأخذ بأحد القولين وامتناعِ الثالث.
واعترض الخصم على هذا الجواب بأنه واردٌ على الوَحْداني؛ إذ الشبهة قائمة بعينها فيه، فيقال: إنما أوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر الثاني، فإذا ظهر فقد زال شرطه، فيجوز القول بخلافه.
وأجيب عنه: بأن الاحتمال وإنْ كان قائمًا في الإجماع على القول الواحد لكنهم منعوا فيه مِنْ إحداث ما يخالفه، وجزموا بوجوب الأخذ به دائمًا، بخلاف ما إذا اختلفوا على قولين فلم يقطعوا بنفي الاحتمال المذكور، فليس لنا أن نحكم عليهم بالتسوية (١).
وهنا كلامان:
أحدهما: إنَّ في صحةِ وقوعِ اشتراطِ عدم إحداث الثالث في الإجماع على أحد القولين - نظرًا، ومَنْ نقل ذلك!
والثاني: أنه مبني على أنه لا يجوز حدوث إجماع بعد إجماع سبق (٢) على خلافه، وقد ذهب أبو عبد الله (٣) إلى أنه يجوز
стр. 2406
لكن لا يقع (١). وقال الإمام: "إنه الأولى" (٢) كما سيأتي.
قال: (قيل: إظهاره يستلزم تخطئة الأولين. وأجيب: بأن المحذور هو التخطئة في واحد. وفيه نظر).
الوجه الثاني: أن (٣) الذهاب إلى الثالث إنما يجوز لو أمكن كونه حقًا، ولا (٤) يمكن ذلك إلا أن يكون القولان باطلين؛ ضرورةَ أنَّ الحقَّ واحدٌ، وحينئذ يلزم إجماع الأمة على الخطأ.
وأُجيب: بأنَّ المحذور هو (٥) تخطئة الأمة في حكمٍ واحد أجمعوا عليه، كثبوت حظ الجد مثلًا في الميراث، أما تخطئة كلِّ فريقٍ في حكمٍ فلا محذور فيه.
قال صاحب الكتاب: "وفيه نظر"، ووجهه: أنه إذا أخطأت كلُّ الأمة في شيئين، كلُّ شطرٍ في شيء (٦) - دخل تحت عموم قوله: "لا تجتمع أمتي على خطأ" ومَنْ خَطَّأ كلَّ فريق في قولٍ فقد خَطَّأَ كلَّ الأمة (٧).
стр. 2407
وهذا النظر له أصلٌ مُخْتَلَفٌ فيه: وهو أنه هل يجوز انقسام الأمة إلى شَطْرين كل شَطْرٍ مخطئٌ في مسألة؟ والأكثر على أنه لا يجوز، واختار الآمديُّ خلافَه (١).
واعلم أن الجواب منْ أصله لم يذكره الإمام، بل قال: "هذا الإشكال غير واردٍ على القول بأنَّ كل مجتهدٍ مصيب، فإنه لا يلزم من حَقِّيَّة أحدِ الأقسام فسَادُ الباقي. سَلَّمنا لكن لا يلزم (من (٢) الذهاب) (٣) إلى القول الثالث كونه حقًا؛ لأن المجتهد يعمل بما أداه إليه اجتهاده وإن كان خطأ في نفس الأمر" (٤).
ولك أن تقول على هذا: إذا كان الذاهب إلى الثالث يعلم انقسام الأمة إلى شطرين، والفرض علمه أن الثالث يستلزم التخطئة، وأنها ممتنعة - فقد علم أن الذهاب إلى الثالث خطأ، فلا يذهب إليه (٥).
стр. 2408
قال: (الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمَنْ بعدهم التفصيل ؟ والحق إن نصُّوا بعدم الفرق، أو اتحاد الجامع، كتوريث العمة والخالة - لم يجز؛ لأنه رَفْعُ مُجْمعٍ عليه، وإلا جاز، وإلا (١) يجب على مَنْ ساعَدَ مجتهدًا في حكمٍ مساعدتُه في جميع الأحكام).
لعلك تقول: ما الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، مع أنَّ القول بالتفصيل إحداثٌ لقولٍ ثالث؟ ويعتضد بأنَّ الآمديَّ لم يُفرد هذه المسألة بالذكر، بل ذكرها في ضمن تلك.
وحاصل ما ذكره القرافيُّ في الفرق: أنَّ هذه المسألة مخصوصةٌ بما إذا كان محلُّ الحكم (متعدّدًا، والأُولى مخصوصةٌ بما إذا كان محله (٢)) (٣) متحدًا (٤).
والشرح أنَّ أهل العصر إذا لم يفصلوا بين مسألتين بأن ذهب بعضهم إلى الحِلِّ فيهما، والآخرون إلى التحريم فيهما، وأراد مَنْ بعدهم الفصل - فهذا يقع على أوجه:
стр. 2409
أحدها: أن يَنُصُّوا على عدم الفرق بأن يقولوا: لا فَصْل بين هاتين المسألتين في كلِّ الأحكام، أو في الحكم الفلاني، فإنه لا يجوز الفصل بينهما. وكلام الكتاب يُوهم أنَّ الخلاف جارٍ فيه، وصَرَّح به الجاربرديُّ (١)، وهو صحيح (٢) وإنْ أنكره طوائف مِنْ شارحي الكتاب (٣)، فقد حكاه القاضي أبو بكر في "مختصر التقريب والإرشاد" قال: "واحتج قائله: بأنَّ الإجماع على مَنْع التفرقة ليس بإجماعٍ على حكمٍ من الأحكام فلا مُعَوَّل عليه" لكنه كما قال القاضي: "غَلَطٌ ومراغمةٌ لما قاله الأئمة (٤) صريحًا، وقوله: ليس من الأحكامِ - باطلٌ؛ لأنهم إذا أجمعوا (٥) على مَنْع الفصل فقد أجمعوا على منع التحريم في إحداهما، مع التحليل في الأخرى، أو بالعكس. وهذا تَعَرُّض لحكمٍ (٦) نفيًا وإثباتًا" (٧).
والثاني: أن لا ينصوا على ما ذُكر (٨)، بل يُعلم اتحاد الجامع بين المسألتين، فذلك جارٍ مجرى النص على عدم الفرق.
стр. 2410
مثاله: مَنْ وَرَّث العمة ورَّث الخالة، ومَنْ منع إحداهما منع الأخرى، وإنما جمعوا بينهما مِنْ حيث إنه انتظمهما حُكْمُ ذوي الأرحام (١). قال الإمام: "فهذا مما لا يسوغ خلافهم فيه بتفريق ما جمعوا بينهما، إلا أنّ هذا الإجماع متأخرٌ عن سائر الإجماعات في القوة" (٢). وذهب بعض الناس إلى الخلاف فيه.
والثالث: وإليه الإشارة بقوله: "وإلا جاز" (٣) أن لا يكون كذلك (٤). فقيل: لا يجوز الفرقُ. والحقُّ: جوازه (٥).
وقوله: "وإلا يجب" إشارة إلى الدليل عليه، أي: لو لم يجز لكان الدليل هو أنه وافقه في مسألة، ويلزم على ذلك أنَّ مَنْ وافق مجتهدًا في مسألة لدليلٍ أن (٦) يوافقه في كلِّ المسائل، وهو باطل. ويلزم
стр. 2411
منه سَدُّ باب الاجتهاد.
فائدة:
(ظاهر كلامِ الإمام والمصنف) (١) أنَّ نحوَ قولِ بعضهم: لا يُقتل المسلم بالذميّ، ولا يصح بيع الغائب. وقولِ بعضِهم: يُقتل ويصح - جريانُ (٢) خلافٍ في أنه هل يجوز الفصل؟ فيقال: يُقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب، أو العكس (٣). وبه يُشعر إيرادُ القاضي في "مختصر التقريب" (٤). وصَرَّح الآمديُّ بنفي الخلاف
стр. 2412
في ذلك (١).
وما اقتضاه كلامُ الإمام غيرُ بعيدٍ؛ لأن التفصيل فيه يؤدي إلى تخطئة كلِّ الأمة، إذ يلزم خطأ شطرهم في جواز قتل المسلم بالذميّ، وخطأ الشطر الآخر في منع بيع الغائب. وقد تقدم أنَّ الأكثرين منعوا انقسام الأمة إلى فرقتين، كلُّ فرقةٍ خاطئة في مسألة.
وقد يقال: لا يلزم من الذهاب إلى التفصيل كونُه حقًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون في ظن المجتهد كذلك، وقد سبق هذا.
قال: (قيل: أجمعوا على الاتحاد. قلنا: عين الدعوى. قيل: قال الثوري: الجماع ناسيًا يُفطر (٢)، والأكلُ لا. قلنا: ليس بدليل).
احتج مَنْ منع الفصل (٣) مطلقًا: بأن الأمة إذا قال نصفها بالحرمة في
стр. 2413
المسألتين، وقال النصف الآخر بالحِلِّ فيهما - فقد اتفقوا على اتحاد الحكم في المسألتين، وأنه لا فصل بينهما، فيكون الفصل ردًّا للإجماع.
وجوابه: أنه إنْ عَنِيَ بقوله: "اتفقوا على أنه لا فَصْل بينهما": أنهم نصوا على استوائهما في الحكم وهما مستويان في علة الحكم - فليس كذلك؛ لأنَّ النزاع ليس في هذا. وإنْ أراد أنَّ ذلك لازمه - فليس كذلك؛ لأنه لا يلزم مِنْ عدم التعرض لتحريم التفصيل الحكمُ بتحريمه، واتحادُ الحكم. وهذا عَيْن الدعوى، وأول المسألة (١).
واحتج مَنْ أجاز الفصل مطلقًا: بأنه وقع، ألا ترى إلى ذهاب بعض العلماء إلى أن (الجماع ناسيًا والأكل ناسيًا يفطران (٢)) (٣). وقال بعضهم: لا يفطر واحدٌ منهما (٤). ثم فَرَّق سفيان الثوريُّ ﵁ فقال: الجماعِ ناسيًا يفطر، والأكل لا؛ لبُعْد النسيان في الجماع دون الأكل (٥).
стр. 2414
وأضرب الإمام عن الجواب عن هذا لوضوحه، وأجاب عنه (١) المصنف: بأن قول الثوريِّ ليس حجةً علينا.
وقد يجاب أيضًا: بأنهم لم ينصوا في هذه الصورة على عدم الفرق أو اتحاد الجامع، وبأنَّ فتيا الثوري بذلك لعلها قبل استقرار المجمِعين على القولَيْن المطلقين (٢).
قال: (الثالثة: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافًا للصيرفيّ . لنا: الإجماع على الخِلافة بعد الاختلاف. وله: ما سبق).
للمسألة تشعب (في النظر) (٣)، وشفاء الغليل فيها أن يقال: هل يجوز أن يُجْمع على شيء سبق خلافه، وذلك على حالتين (٤):
الأولى: ولا تعرض في الكتاب لها، أنه هل يجوز انعقاد الإجماع بعد إجماعٍ على خلافه (٥)؟ ذهب الأكثرون إلى المنع، وذهب أبو عبد الله
стр. 2415
البصريّ إلى الجواز (١). قال الإمام: "وهو الأَوْلى؛ لأنه لا امتناع في إجماع الأمة على قولٍ بشرط أن لا يطرأ عليه إجماع آخر، ولكن لما اتفق أهل الإجماع على أن كل ما أجمعوا عليه فإنه يجب العمل به في كل الأعصار - أَمِنَّا مِنْ وقوع هذا الجائز" (٢).
الثانية: أن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة (٣) ثم يقع الإجماع على أحدهما، فللخلاف حالتان:
إحداهما: أن لا يستقر (٤) ولم يتعرض لها الآمديُّ في "الإحكام"،
стр. 2416
فالجمهور على جواز وقوع الإجماع بعده، وخالف أبو بكر الصيرفيُّ، كما اقتضاه إطلاق الإمام وشيعته (١).
والثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة. وفيه مسألتان:
إحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين - فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاقُ على أحد القولين، والمنعُ من المصير إلى القول الآخر؟
فيه خلافٌ ينبني على اشتراط انقراض العصر في الإجماع، فإن اشترطناه جاز بلا نظر (٢). وإلا ففيه مذاهب:
أحدها: وهو اختيار الإمام أنه لا يجوز مطلقًا (٣).
стр. 2417
والثاني: وهو اختيار الآمديّ - عكسه (١).
والثالث: يجوز إن كان مستندُ اتفاقِهم على الخلاف القياسُ والاجتهاد، لا دليلٌ قاطع (٢).
стр. 2418
المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين ومضوا على ذلك - فهل يُتَصَوَّر انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر؟
ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ، وأحمد بن حنبل، والصيرفيُّ، وإمام الحرمين، والغزاليُّ - إلى امتناعه. واختاره الآمديّ (١).
وذهب الجمهور إلى الجواز (٢)، وتبعهم ابن الحاجب (٣).
стр. 2419
إذا عرفت ذلك فاستدل المصنف على جواز وقوع الإجماع بعد الاختلاف باتفاق الصحابة على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، وهو دليل على المسألة الأولى (١).
ومثله الاستدلال بإجماعهم على دفنه ﷺ في بيت عائشة بعد اختلافهم.
ولك أن تمنع أنّ كلًا منهم (٢) كان جازمًا بمقالته، وتقول (٣): إنما كان اختلافهم على سبيل المشورة، ولم يستقر لأحدٍ منهم الجزمُ بشيء (٤).
واسْتُدِل للمسألة الثانية: باتفاق التابعين على المنع مِنْ بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه (٥).
قوله: "وله: ما سبق"، أي: وللصيرفيِّ ما سبق في مَنْع إحداث قولٍ ثالث. وتقريره: أنَّ اختلافهم إجماعٌ على جواز الأخذ بأيِّ
стр. 2420
قولٍ كان، فلو انعقد الإجماع الثاني لامتنع الأخذ بما أجمعوا على جواز الأخذ به، فلزم رفع الإجامع بالإجماع.
وجوابه: ما سبق أنهم إنما جوزوا بشَرْط أن لا يحصل إجماع. والله أعلم.
وأنتَ إذا انتهى بك التفهمُ فيما أوردناه إلى هنا - علمت أنَّ المسألة في كلام صاحب الكتاب غير مختصة بما إذا أجمع أهل ذلك العصر الذين أجمعوا بعينهم، بل هي أعم من المسألتين، ولم تَغْتَرِرْ بتخصيص بَعض الشارحين لها بالمسألة الأولى (١)، مغترًا باقتصار المصنف في (٢) الدليل على مثالٍ وَقَع الإجماع في صورته (٣) بعد الاختلاف - ممن (٤) حصل منهم الاختلاف (٥)(٦).