← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فالجمهور على جواز وقوع الإجماع بعده، وخالف أبو بكر الصيرفيُّ، كما اقتضاه إطلاق الإمام وشيعته (١). والثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة. وفيه مسألتان: إحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين - فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاقُ على أحد القولين، والمنعُ من المصير إلى القول الآخر؟ فيه خلافٌ ينبني على اشتراط انقراض العصر في الإجماع، فإن اشترطناه جاز بلا نظر (٢). وإلا ففيه مذاهب: أحدها: وهو اختيار الإمام أنه لا يجوز مطلقًا (٣).

стр. 2417

والثاني: وهو اختيار الآمديّ - عكسه (١). والثالث: يجوز إن كان مستندُ اتفاقِهم على الخلاف القياسُ والاجتهاد، لا دليلٌ قاطع (٢).

стр. 2418

المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين ومضوا على ذلك - فهل يُتَصَوَّر انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر؟ ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ، وأحمد بن حنبل، والصيرفيُّ، وإمام الحرمين، والغزاليُّ - إلى امتناعه. واختاره الآمديّ (١). وذهب الجمهور إلى الجواز (٢)، وتبعهم ابن الحاجب (٣).

стр. 2419

إذا عرفت ذلك فاستدل المصنف على جواز وقوع الإجماع بعد الاختلاف باتفاق الصحابة على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، وهو دليل على المسألة الأولى (١). ومثله الاستدلال بإجماعهم على دفنه ﷺ في بيت عائشة بعد اختلافهم. ولك أن تمنع أنّ كلًا منهم (٢) كان جازمًا بمقالته، وتقول (٣): إنما كان اختلافهم على سبيل المشورة، ولم يستقر لأحدٍ منهم الجزمُ بشيء (٤). واسْتُدِل للمسألة الثانية: باتفاق التابعين على المنع مِنْ بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه (٥). قوله: "وله: ما سبق"، أي: وللصيرفيِّ ما سبق في مَنْع إحداث قولٍ ثالث. وتقريره: أنَّ اختلافهم إجماعٌ على جواز الأخذ بأيِّ

стр. 2420

قولٍ كان، فلو انعقد الإجماع الثاني لامتنع الأخذ بما أجمعوا على جواز الأخذ به، فلزم رفع الإجامع بالإجماع. وجوابه: ما سبق أنهم إنما جوزوا بشَرْط أن لا يحصل إجماع. والله أعلم. وأنتَ إذا انتهى بك التفهمُ فيما أوردناه إلى هنا - علمت أنَّ المسألة في كلام صاحب الكتاب غير مختصة بما إذا أجمع أهل ذلك العصر الذين أجمعوا بعينهم، بل هي أعم من المسألتين، ولم تَغْتَرِرْ بتخصيص بَعض الشارحين لها بالمسألة الأولى (١)، مغترًا باقتصار المصنف في (٢) الدليل على مثالٍ وَقَع الإجماع في صورته (٣) بعد الاختلاف - ممن (٤) حصل منهم الاختلاف (٥) (٦).

стр. 2421

قال: (الرابعة: الاتفاق على أحدِ قولي الأولين ، كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد، والمتعة - إجماعٌ، خلافًا لبعض المتكلمين والفقهاء. لنا: سبيل المؤمنين. قيل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أوجب الردَّ إلى الله. قلنا: زال الشرط. قيل: "أصحابي كالنجوم". قلنا: الخطاب مع العوام الذين في عصرهم. قيل: اختلافهم إجماع على التخيير. قلنا: (زال لزوال شرطه) (١)). مضى الكلام في تصور وقوع الإجماع بعد الاختلاف، والنظر الآن في أنه إذا وقع هل يكون حجة؟ ولوقوعه حالتان: إحداهما: أن يقع من أهل العصر الثاني الإجماعُ على إحدى مقالتي أهل العصر الأول، كوقوع الإجماع على مَنْع بيع أمِّ الولد من التابعين (٢) بعد اختلاف الصحابة فيها (٣)، وعلى أنَّ نكاح المتعة باطل مع أن ابن عباس ﵁ كان يفتي بالجواز (٤).

стр. 2422

قال بعض الشارحين: وفي المثالين نظر: أما الأول: فلمخالفة بعض الشيعة، (وكونه قولًا للشافعي. ولك أن تقول: أما مخالفة بعض الشيعة) (١) فلا اعتداد بها، وأما كونه قولًا للشافعيّ فليس كذلك؛ إذْ لم يَنُصَّ على ذلك لا في القديم ولا في الجديد، وإنما قيل: إنَّ في كلامه ميلًا إليه. وذهب معظم الأصحاب إلى أنه ليس فيه اختلاف قول (٢). قال: وأما الثاني: فلبقاء المخالفة فيه من زفر (٣) (٤).

стр. 2423

ولك (أن تقول) (١): إنْ صَحَّ عنه فلا اعتداد بخلافه (بعد قيام الإجماع قبله، وبعد ابن عباس على خلافه) (٢). وفي شرح الجابرديّ أنَّ مراد المصنف بالمتعة التمتع، وشَرَحَه بأنَّ عثمان كان يَنْهى عنه، ثم صار إجماعًا أنه جائز (٣) (٤). إذا عرفت ذلك فهذه الحالة (٥) هي مسألة الكتاب، والذي عليه المصنف تبعًا للإمام والجمهور: أنه إجماع تقوم به الحجة، وتحرم مخالفته. وذهب كثيرٌ من الشافعية ومن المتكلمين والحنفية إلى خلافه (٦).

стр. 2424

لنا: أن ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين، فيجب اتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). احتجوا بثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) أَوْجب الرد إلى كتاب الله والرسول عند التنازع، فيجب أَنْ يُرد إليهما دون الإجماع. وأجيب بوجهين: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب، أنَّ وجوب الرد مشروطٌ بالتنازع، والتنازع قد زال بحصول (٣) الإجماع، فزال وجوبُ الرد؛ لزوال شرطه وهو النزاع. ولك أن تقول: لا خفاء في وجود النزاع قبل حصول الإجماع، فكان يجب رده ولا يجوز الإجماع. والثاني: وهو حسن، أن الرد إلى الإجماع رَدٌّ إلى الله والرسول ﷺ . وثانيها: ما رُوي مِنْ قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم

стр. 2425

اهتديتم"، جَوَّز الأخذ بقول كلٍّ منهم، ولم يَفْصل بين ما يكون بعده إجماعٌ أوْ لا، فلو وجب الأخذ بقول أهل الإجماع للزم التخصيص. واعلم أن هذا الحديث رواه ابن منده في "أماليه" فروينا بإسنادنا إلى أبي عمرو عبد الوهاب بن منده (١) أنا أبي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٢)، أنا (٣) أبو الحسين عمر بن الحسن بن (٤) (علي، حدثنا

стр. 2426

عبد الله بن رَوْح المدايني (١)، حدثنا سلام بن سليمان (٢)، حدثنا الحارث ابن) (٣) غصين (٤)، عن الأعمش (٥)، عن أبي سفيان (٦)، عن جابر بن

стр. 2427

عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ أصحابي في أمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وروى نعيم بن حماد الخزاعي (١) عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّيِّ (٢) عن أبيه (٣) عن سعيد بن المسيَّب عن عمر مرفوعًا: "سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي مِن بعدي، فأُوحي إليَّ: يا محمد إنَّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمَنْ أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم - عِنْدي على هدى". وهذا حديث قال فيه أحمد: لا يصح ثم إنه منقطع، فإن ابن المسيب لم يسمع مِنْ عمر شيئًا. وأجاب: بأن الخطاب ليس لجميع الصحابة ولا للمجتهدين (٤) منهم؛

стр. 2428

إذ ليس اتباعُ واحدٍ منهم للآخر أولى من العكس، فتعيَّن أن يكون الخطاب مشافهةً للعوام الذين في عصر الصحابة (١)، وإذا كان كذلك وقد انقرضوا فعوامُّ العصر الثاني وخواصُّهم غير مخاطبين بهذا الحديث. ولم يذكر الإمام هذا الجواب، (بل أجاب بتخصيص الحديث بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال) (٢)، مع عدم جواز الاقتداء في ذلك بعد انعقاد الإجماع، فوجب تخصيص محل النزاع (٣) عنه، والجامع بينهما تصحيح الإجماع المنعقد أخيرًا (٤). ولك أن تقول على جواب المصنف: خطابُ المشافهة يعم كلَّ العوام، (وإلا لزم أن لا يكونوا مخاطبين) (٥)، وليس كذلك (٦). وعلى جواب الإمام: أنه إذا خُصَّ من العموم صورة لا يلزم تخصيصُ غيرها. وهذا ذكره القرافي (٧).

стр. 2429

وقد يقول مَنْ ينصر الإمام: إذ خُصَّت صورةٌ لمعنىً وُجِد في صورةٍ أخرى - قيست على المخصوصة، وأُخْرِجت من العموم. ويُفَرِّق مَنْ يَعضد القرافي: بأن الاقتداء بهم في (التوقف مُخِلٌّ بمقصود التكليف؛ فلذلك امتنع، بخلاف الاقتداء بهم في) (١) القول الآخر. وثالثها: وإليه الإشارة بقوله: "إجماعٌ على التخيير"، أنَّ في ضِمْن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاقَ على جواز الأخذ بأيهما أُريد، فلو انعقد الإجماع الثاني لتدافع الإجماعان. وأجاب: بأنَّ إجماعهم على التخيير بين القولين مشروطٌ بأن لا يحدث إجماع، فلما زال الشرط بحصول (٢) الإجماع زال المشروط وهو التخيير (٣). الحالة الثانية: وليست في الكتاب، أن يختلف أهل العصر ثم يقع الرجوع منهم بأعيانهم. فقيل: ليس بحجة. وقيل: حجة يحرم مخالفته وهو مختار الإمام (٤)؛ ولقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 2430

الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وعليك باعتبار الأوجه (٢) المتقدمة، وأجوبتها هنا. قال: (الخامسة: (إذا اختلفت الأمة) (٣) على قولين فماتت إحدى الطائفتين - يصير قول الباقين حجة؛ لأنهم كل الأمة) . إذا اختلفت الأمة على قولين، ثم ماتت إحدى الطائفتين أو كفرت، قال الإمام وأتباعه: يصير القول الآخر مجمعًا عليه (٤)؛ لأنه عند الموت أو الكفر (٥) يتبين اندراج قول تلك الطائفة الأخرى تحت أدلة الإجماع؛ لصيرورتهم حينئذ كلَّ الأمة. وإنما قلت: عند الموت، ولم أقل: بالموت؛ لسؤال يُورَد فيقال: يلزم أن يكون قولُ الباقين حجةً لأجل موت أولئك، وليس موتهم مناسبًا لكون قول الباقين حجة (٦).

стр. 2431

وجوابه: أن قولهم صار حجة عند الموت؛ لأنه إذ ذاك قول كلِّ المؤمنين، لا بالموت (١). وقال الآمديّ: إنه لا يكون إجماعًا (٢). ذَكَره في آخر المسألة الثانية

стр. 2432

والعشرين (١). قال: (السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون - فليس بإجماعٍ ولا حجة . وقال أبو علي: إجماعٌ بعدهم. وقال ابنه (٢): هو حجة. لنا: ربما سكت لتوقفٍ أو خوفٍ أو تصويبِ كلِّ مجتهد. قيل: يتمسك بالقول المنتشِر ما لم يُعرف له مُخَالِفًا. وجوابه: المنع وأنه إثبات الشيء بنفسه). إذا قال بعض المجتهدين قولًا في المسائل التكليفية الاجتهادية، وعَرَفه الباقون وسكتوا (٣) عن الإنكار (٤) - فإن ظهرت عليهم أمارات الرضا بما ذهبوا إليه: فهو إجماع بلا خلاف (٥). قاله القاضي عبد الوهاب من المالكية، والقاضي الرُّويانيُّ من أصحابنا (٦).

стр. 2433

وقضية ذلك (١): أنه إنْ ظهرت عليهم أمارات السخط لا يكون إجماعًا بلا نزاع. وكلام الإمام كالصريح في أنَّ الخلاف جارٍ وإنْ ظهرت أمارات السخط، فإنه قال: "السكوت يحتمل وجوهًا سوى الرضا"، وعَدَّ منها أن يكون في باطنه مانعٌ من إظهار القول، قال: "وقد يظهر عليه قرائن السخط" (٢). والأشبه أنَّ هذا ليس من محل الخلاف (٣) (٤). وإن لم يظهر عليهم شيءٌ سوى السكوت (٥) ففيه مذاهب:

стр. 2434

أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة. وبه قال الغزاليُّ، والإمام وأتباعه (١)، ونقله هو والآمديُّ عن الشافعيّ (٢)، لكن قال الرافعيّ: "المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتيَّ حجةٌ؛ لأنهم لو لم يساعدوه لاعترضوا عليه. وهل هو إجماع أوْ لا؟ فيه وجهان" (٣). وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح (٤) اللمع": "إنه إجماعٌ على المذهب" (٥).

стр. 2435

والثاني: أنه إجماع بعد انقراض العصر. وبه قال أبو عليٍّ الجبائي، والإمام أحمد (١)، وهو أحد الوجهين عندنا (٢)، كما نقله الرافعيّ (٣). والثالث: أنه حجة وليس إجماعًا. وذهب إليه أبو هاشم بن (٤) أبي علي (٥)، وهو المشهور عند أصحابنا كما نقل الرافعي (٦). وهل المراد بذلك

стр. 2436

أنه دليل آخر من أدلة الشرع غير الإجماع، أو أنه ليس بإجماعٍ قطعي بل ظني؟ النظر مضطرب في ذلك، ويؤيِّد الأول قولُ الماوردي: "والقول الثاني: أنه لا يكون إجماعًا. قال الشافعي: مَن نسب إلى ساكتٍ قولًا فقد كذب عليه" (١)، فاقتضى أن يكون (٢) الساكت لا يُنسب إليه قولٌ لا ظنًا ولا قطعًا. ويعضد الثاني قولُ أبي عمرو بن الحاجب في "المختصر الكبير": هو حجة وليس بإجماع قطعي (٣). والرابع: وذهب إليه أبو علي بن أبي هريرة: إنْ كان هذا القول مِنْ حاكمٍ لم يكن إجماعًا ولا حجة، وإلا فإجماع؛ لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب فلعل السكوت كان لذلك. وأيضًا فالحكم في المختلف فيه لا يُنكر ويصير (٤) مُجْمعًا عليه، بخلاف الفتيا (٥) (٦).

стр. 2437

والخامس: عكس ذلك؛ لأن الحكم إنما يصدر بعد بحث واتفاق (١) بعد الكلام مع العلماء وتصويبهم لذلك، فإذا سكتوا عن الحكم جُعل ذلك (٢) إجماعًا. وأما الفتيا فلا يُحتاط فيها كالحكم. وذهب إلى هذا (أبو إسحاق المروزي) (٣). ثم استدل صاحب الكتاب على ما ذهب إليه هو وإمامه من أنه ليس بإجماع ولا حجة: بأن السكوت يحتمل وجوهًا سوى الرضا، وهي كثيرة: أحدُها: أنه كان في مُهلة النظر. والثاني: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول وهو الخوف. والثالث: أن يعتقد أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ فلا يرى الإنكار فرضًا. وقد ذَكَر هذه الأوجه في الكتاب.

стр. 2438

والرابع: ربما رآه قولًا سائغًا (١) لمن أداه إليه اجتهاده وإن لم يكن موافقًا عليه. والخامس: ربما أراد الإنكار، ولكنه ينتهز فرصة التمكن منه، ولا يرى المبادرة إليه مصلحةً. والسادس: أنه لو أنكر لم يُلْتفت إليه. والسابع: ربما سكت لظنِّه أنَّ غيره قام مقامَه في ذلك، وإنْ كان قد غَلِط فيه. والثامن: ربما رأى ذلك الخطأ من الصغائر فلم يُنْكِر (٢). وإذا احتمل السكوت هذه الجهات كما احتملِ الرضا - علمنا أنه لا يدل على الرضا لا قطعًا (ولا ظاهرًا) (٣) وهذا معنى قول الشافعي ﵁: لا

стр. 2439

يُنسب إلى ساكتٍ قول (١) (٢). ولقائل أن يقول: أما أنها لا تدل على الرضا قطعًا فمسلم، وأما ظاهرًا فممنوعٌ؛ إذ هذه الاحتمالات مرجوحةٌ بالنسبة إلى احتمال الرضا، وذلك ظاهر (٣). ومنها ما هو ظاهر الفساد كالثامن، فإن الصغيرة يجب إنكارها كما يجب إنكار الكبيرة. قال القرافي: وقد اختلف الناس في المندوبات والمكروهات هل يدخلها الأمر والإنكار أمْ لا؟ وأما الواجبات والمحرمات صغائر كانت أم كبائر - فيدخلها الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر إجماعًا (٤).

стр. 2440

واحتج أبو هاشم بما ذكره في الكتاب: من أنَّ الناس في كل عَصْر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يُعرف (١) له مخالف. وجوابه: أنَّ ذلك ممنوع (٢)، ولو سلِّم فالاستدلال به إنما يتم أن لو كان الإجماع السكوتي حجة؛ إذ هو عينه (٣)، فلو أثبتم الإجماع السكوتي به لأثبتم الشيء بنفسه (٤). وفي عبارة المصنف - كما قال الجاربردي - تساهل؛ لأنه إثباتٌ للشيء بفردٍ من أفراده لا بنفسه (٥). ولم يذكر المصنف حجةَ أبي عليٍّ والردَّ عليها؛ لأنه إذا بطل كونه حجةً بطل كونه إجماعًا. وهذا مِنْ حسن الاختصار ﵀ ورضي عنه. قال: (فرع: قول البعض فيما تعم به البلوى كقول البعض وسكوت الباقين). هذه المسألة فيما إذا قال بعض أهل العصر قولًا، ولم يُعلم له مخالف، ولا أنه بَلَغ جميعَ أهل العصر (٦). وليست مختصةً بعصر الصحابة، على

стр. 2441

خلاف ما صَوَّره الإمام (١). وتلك المسألة فيما إذا نُقِل أنه بَلَغ جميعهم وسكتوا عليه. وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة (٢)؛ لأنَّ الإجماع السكوتي إنما كان حجة وإجماعًا لأن بعضَهم قال الحكم وسكت الباقون مع العلم به، فلو كان ذلك الحكم خطأ لحرم عليهم السكوت عن الإنكار، فالسكوت دليل الرضا. وهنا لا يمكن حمل السكوت على الرضا؛ لاحتمال أن يكون ذلك لعدم العلم به. وثانيها: أنه كالسكوتي حتى يجري فيه الخلاف المتقدم؛ لأن الظاهر مع الاشتهار وصولُه إليهم (٣). وثالثها: وهو الحق عند الإمام وأتباعه - وبه جَزَم - منهم المصنف: أنَّ هذا القول إنْ كان فيما يعم به البلوى، كنقض الوضوء بمس الذكر - كان كالسكوتي؛ إذ لا بد لمن انتشر فيهم من قولٍ لكنه لم يَظْهر، وإلا لم

стр. 2442

يكن إجماعًا ولا حجة؛ لاحتمال ذهول البعض عنه (١). واعلم أنَّ الآمديَّ صَوَّر المسألة بما إذا ذهب واحدٌ من أهل العصر إلى حكمٍ ولم ينتشر بين أهل العصر، لكنه لم يُعْرف له مخالف. وتبعه ابن الحاجب في شرطه عدمَ الانتشار (٢). وظاهر كلام الإمام وصَرَّح به صفي الدين الهندي تصويرُ المسألة بما إذا انتشر. واعلم أنه لا مخالفة بين الكلامين؛ فإنَّ الانتشار في كلام [الإمام] (٣) (محمول على الشهرة وإن لم يُعلم أنه بلغ الجميع، والانتشار المنفي في كلام الآمدي) (٤) هو الانتشار بحيث يبلغ الجميعَ ويسكتون عنه.

стр. 2443

الباب الثالث: شرائط الإجماع

стр. 2444

قال: (الباب الثالث: في شرائطه . وفيه مسائل: الأولى: أن يكون فيه قول كلِّ عالمي ذلك الفن ؛ فإنَّ قول غيرهم بلا دليلٍ فيكون (١) خطأ. فلو خالف واحد لم يكن سبيلَ الكل. وقال (٢) الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازيّ: المؤمنون يصدق على الأكثر. قلنا: مجازًا. قالوا: عليكم بالسواد الأعظم. قك: يوجب عدمَ الالتفات إلى مخالفة الثُّلُث (٣)). يُشترط في الإجماع في كل فنٍّ من الفنون أن يكون فيه قولُ كلِّ العارفين بذلك الفنِّ في ذلك العصر، فإنَّ قول غيرهم فيه يكون بلا دليلٍ؛ لجهلهم به، فيكون خطأ. فَيُشْترط في الإجماع على المسألة الفقهية قولُ جميع الفقهاء، والأصوليةِ قولُ الأصوليين، وهكذا (٤). ولا عبرةَ بقول العوامِّ (٥) وفاقًا ولا خلافًا عند الأكثرين (٦).

стр. 2445

وقال الأقَلُّون: يُعتبر قولهم؛ لأن قول الأمة إنما كان حجةً لعصمتها عن الخطأ، ولا يمتنع (١) أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية مِنَ الخاصة والعامة، وحينئذٍ لا يلزم مِنْ ثبوت العصمة للكل ثبوتُها للبعض الآخر (٢). وهذا ما اختاره الآمديّ (٣)، وهو مشهورٌ عن القاضي (نقله الإمام وغيره (٤). وينبغي أن يُتمهل في هذه المسألة، فإنَّ الَّذي قاله القاضي) (٥) في "مختصر التقريب" ما نَصُّه: "الاعتبار في الإجماع بعلماء الأمة، حتى لو خالف واحدٌ من العوام ما عليه العلماء لم يُكترث بخلافه، وهذا ثابت اتفاقًا وإطباقًا؛ إذ لو قلنا: إنَّ خلاف العوام يقدح في الإجماع، مع أنَّ قولهم ليس إلا عن جهلٍ - أفضى هذا إلى اعتبار خلاف مَنْ يُعلم أنه قال عن غير أصلٍ. على أنَّ الأمة أجمعت علماؤها وعوامُّها أن خلاف العوامِّ لا مُعْتَبر به، وقد مَرَّ على هذا الإجماع عُصُر، فثبت بما قلناه أن لا مُعتبر بخلاف العوام" انتهى (٦) (٧).

стр. 2446

فقد صَرَّح القاضي بقيام الإجماع على عدم الاعتبار بخلاف العوام. وقال في هذا الكتاب في الكلام على الخبر المرسَل: "لا عبرة بقول العوامِّ وفاقًا ولا خلافًا" (١). انتهى. فإنْ قلت: فما هذا الخلاف المَحْكِي في (٢) أنَّ قول العوام هل يُعتبر في الإجماع؟ قلت: هو اختلاف في أنَّ المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق: أجمعت الأمة، ويُحكم بدخول العوام معهم تبعًا؟ وهو خلاف لفظي في الحقيقة، وليس خلافًا في أنَّ مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع، وكلام القاضي في "مختصر التقريب" ناطقٌ بذلك، فإنه حكى هذا الخلاف بعد كلامه المتقدم فقال ما نصه: "فإنْ قال قائل: فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام فهل تُطْلِقون (٣) القول بأن الأمة مُجْمِعَةٌ عليه؟ قلنا: من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاصِّ والعامّ، نحو وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم، وغيرها مِنْ أصول الشريعة، فما هذا سبيله فيطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه. وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تَشُذُّ (٤) عن العوام

стр. 2447

- فقد اختلف أصحابنا في ذلك: فقال بعضهم: العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام - فقد عرفوا على الجملة أنَّ ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو حق مقطوع به، فهذا مساهمةٌ منهم في الإجماع وإن لم يعلموا مواقعه على التفصيل. ومِنْ أصحابنا مَنْ زعم: أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع؛ فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من أهل الإجماع. واعلم أنَّ هذا اختلافٌ يَهُون أمرُه، ويؤول إلى عبارة محضة (١)، والجملة فيه: أنَّا إذا أدرجنا العوام في حكم الإجماع فيطلق القول بإجماع الأمة. وإن لم ندرجهم في حكم الإجماع، أو بَدَر من بعض طوائفِ العوامِّ خلافٌ - فلا يُطلق القولُ بإجماع الأمة؛ فإنَّ العوامَّ معظمُ الأمة وكثيرُها، بل إجماع (٢) علماء الأمة (٣) ". انتهى كلام القاضي (٤). وكلام الغزاليِّ في "المستصفى" (٥) لا ينافيه، فلْيُتأمل ولْيُضْبط ذلك،

стр. 2448

فهو مكانٌ حسنٌ، ولا ينبغي أن يُعتقد أنَّ مخالفة العوام تقدح، وموافقتهم تفتقر الحجةُ إليها، وكيف ذلك وهم يقولون لا عن دليل، فيكون قولهم خطأ، والخطأ لا يفتقر قيامُ الحجة إليه (١). وإنْ شَبَّب مُشَبِّب (٢) بما سَلَف من أنَّ العصمة إنما تثبت لمجموع الأمة؟ قلنا: فماذا تقول في البُلْه والأطفال، أليس هم من الأمة! وهذا إلزامٌ لا محيص له عنه. هذا في العوام، وقد قلنا: إن الخلاف فيهم لفظي. ويمكن أن يقال: ينبني عليه (٣) إذا لم يكن في العصر إلا مجتهدٌ واحد، فإن قلنا: العوام داخلون تبعًا (٤) فهم داخلون معه فيكون إجماعًا، وإلا فلا يكون قوله إجماعًا؛ لما قدمناه في أول كتاب الإجماع مِنْ أنَّ الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدًا. وأما الأصوليُّ الماهر المتصرِّف في الفقه:

стр. 2449

فذهب القاضي إلى أنَّ خلافه معتبرٌ (١). قال الإمام: "وهو الحق" (٢). وذهب معظم الأصوليين إلى خلافه (٣)؛ لأنه ليس من المفتين، ولو وقعت له واقعة للزمه أنَّ يستفتيَ المفتي فيها. واحتج القاضي: بأنه مِنْ أهل التصرف في الشريعة، يُسْتضاء برأيه، ويُستهدَى بنصحه، ويحضر مجلس الاشتوار (٤)، وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجهٍ من الرأي مُعْتبر، وإذا ظهر اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتباره في الوفاق (٥). واستبعد إمام الحرمين مذهب القاضي وقال: "إذا أجمع المفتون وسكت المتصرِّفون - فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم، فإن الذين لا (٦) يستقلون بأنفسهم في جواب مسألةٍ، ويتعيَّن عليهم تقليدُ غيرهم - مِنَ المُحَالِ وجوبُ مراجعتِهم. وإنْ فُرض أنهم أبدوا وجهًا في التصرف فإنْ كان سالمًا فهو محمولٌ على إرشادهم وتهديتهم إلى سواء السبيل، وإنْ أبدوا قولهم إبداء مَن يراغم الإجماع فالإنكار يشتد عليهم"،

стр. 2450

قال: "والقول المغني في ذلك أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين، وليس بين من يقلَّد ومن يُقَلِّد مرتبةٌ ثالثة"، ثم قال: "والنظر السديد يتخطى كلامَ القاضي وعَصْرَه، ويترقى إلى العصر المتقدم ويُفْضي إلى مَدْرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف. والتحقيقُ - خَالفَ القاضي أَوْ وافق - أنَّ المجتهدين إذا أطبقوا لم يُعَدّ خلاف (١) المتصرِّفين مذهبًا مُحْتَفلًا به، فإنَّ المذهب لأهل الفتوى. فإنْ شَبَّب بأنَّ المتصرِّف الذي ذكره منْ أهل الفتوى - فالقولُ فيه يُشْرح في كتاب الفتوى، والكلام الكافي في ذلك أنه إنْ كان مفتيًا اعتُبِر خلافه" (٢). وأما المبتدع: (فإنْ كَفَّرناه) (٣) ببدعته - فلا خلاف في أنه غير داخلٍ في الإجماع؛ لعدم دخوله في مسمى الأمة الشهود لهم بالعصمة، وإن لم يَعْلم هو كُفْرَ نفسِه (٤). وعلى هذا (فلو خالف) (٥) في مسألة وبقي مُصِرًّا على المخالفة حتى تاب عن بدعته - فلا أثر لمخالفته؛ لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه، كما لو أسلم ثم خالف،

стр. 2451

إلا على رأي مَنْ يشترط في الإجماع انقراضَ المجمعين (١). وإن لم نكفره - فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه؛ لكونه من أهل الحل والعقد، ومن الداخلين في مفهوم لفظ "الأمة" (٢). وقيل: ينعقد دونه (٣). وقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع مَنْ عداه، ولا يجوز ذلك لغيره (٤). وفيه نظر؛ فإنه إذا تعذَّر انعقاد الإجماع مِنْ وجهٍ

стр. 2452

- لم ينعقد من وجه، وسيأتي - إن شاء الله - كلامُ إمام الحرمين فيه. وأما الفسقة مِنْ أهل القبلة البالغون في العلم مبلغ المجتهدين: فذهب معظم الأصوليين - كما ذكر إمام الحرمين - إلى أنه لا يُعتبر وِفاقهم ولا خِلافهم (١). والمختار خلاف ذلك؛ لأنَّ المعصية لا تزيل اسم الإيمان، فيكون قولُ مَنْ عداهم قولَ بعض المؤمنين لا كُلِّهم، فلا يكون حجة (٢). وهذا ما مال إليه إمام الحرمين فقال: "الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلِّد غيرَه، بل يلزمه (٣) أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده، وليس له أن يُقَلِّد غيرَه، فكيف ينعقد الإجماعُ عليه في حقِّه، واجتهادُه مخالفٌ (٤) اجتهادَ مَنْ سواه! "، قال: "وإذا بَعُد انعقادُ الإجماع مِنْ وجهٍ لم ينعقد مِنْ وجه"، قال: "فإن قيل: هو عالمٌ في حقِّ نفسه باجتهاده، مُصَدَّق (٥) عليه بينه وبين ربه، وهو مكَذَّب (٦) في حق غيره، فلا يمتنع لانقسامِ أمره على هذا الوجه

стр. 2453

أنْ يَنْقسم حكمُ الإجماع. قلنا: هذا محال؛ فإن الفاسقَ غيرُ مقطوعٍ بصدقه ولا كذبه، فهو كالعالم في غيبته (١)، فإن تاب فهو كما لو آب (٢) الغائب (٣) " (٤). واعلم أنَّ الأولين اختلفوا في تعليل عدمِ اعتبارِ قول الفاسق على وجهين: أحدهما: وعليه يقوم هذا السؤال، أنَّ إخباره عن نفسه لا يُوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوِفاق وهو مُخالِفٌ، أو بالخِلاف وهو موافِقٌ، فلما تعذَّر الوصول إلى معرفة قوله - سقط أثره. وشَبَّه بعضُ المتأخرين ذلك بسقوط أثر قول الخَضِر ﵇ على القول بأنه حيٌّ؛ لتعذر الوصول إليه (٥). والثاني: أنَّ العدالة ركنٌ في الاجتهاد كالعلم (٦)، فإذا فاتت العدالة

стр. 2454

فاتت أهلية الاجتهاد (١). وهذا فيه نظرٌ؛ إذْ أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدِّمات، إلى غير ذلك - مما لا تعلق لها بالديانة أصلًا. فإنْ قلتَ: فهذا يَرِد عليكم في الكافر؛ فإنه قد يجري على علوم الشرع والاجتهاد، و (٢) لا تعلق له بالديانة. قلتُ: الكافر لا يَرِد؛ فإنَّ الحجة في إجماع المسلمين، والفاسق منهم دون الكافر. ويتفرع على هذين التعليلين: أنَّ الفاسق إذا أداه اجتهادُه في مسألة إلى حكمٍ هل يأخذُ بقوله مَنْ عَلِم صدقَه في فتواه بقرائن (٣)؟ وإذا ثبت اشتراطُ قولِ جميع المجتهدين في الاجماع قال صاحب الكتاب: فلو خالف واحدٌ لم يكن قولُ غيرِه إجماعًا؛ لأن قوله: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتناول الكلَّ، وليسوا دون الواحدِ كلَّ المؤمنين. هذا مذهب الجمهور (٤).

стр. 2455

وقال الإمام الجليل محمد بن جرير (١)، وأبو الحسين بن أبي عمرو الخياط المعتزليّ (٢)، وأبو بكر الرازيّ (٣)، وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (٤): ينعقد إجماعُ الأكثر مع مخالفة الأقل. كذا أَطْلق النقلَ عنهم الآمديّ (٥)، وهو قضية إيراد المصنف، وخَصَّص الإمام النقلَ عنهم بالواحد والاثنين (٦).
следующие страницы →