← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

إلا على رأي مَنْ يشترط في الإجماع انقراضَ المجمعين (١). وإن لم نكفره - فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه؛ لكونه من أهل الحل والعقد، ومن الداخلين في مفهوم لفظ "الأمة" (٢). وقيل: ينعقد دونه (٣). وقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع مَنْ عداه، ولا يجوز ذلك لغيره (٤). وفيه نظر؛ فإنه إذا تعذَّر انعقاد الإجماع مِنْ وجهٍ

стр. 2452

- لم ينعقد من وجه، وسيأتي - إن شاء الله - كلامُ إمام الحرمين فيه. وأما الفسقة مِنْ أهل القبلة البالغون في العلم مبلغ المجتهدين: فذهب معظم الأصوليين - كما ذكر إمام الحرمين - إلى أنه لا يُعتبر وِفاقهم ولا خِلافهم (١). والمختار خلاف ذلك؛ لأنَّ المعصية لا تزيل اسم الإيمان، فيكون قولُ مَنْ عداهم قولَ بعض المؤمنين لا كُلِّهم، فلا يكون حجة (٢). وهذا ما مال إليه إمام الحرمين فقال: "الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلِّد غيرَه، بل يلزمه (٣) أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده، وليس له أن يُقَلِّد غيرَه، فكيف ينعقد الإجماعُ عليه في حقِّه، واجتهادُه مخالفٌ (٤) اجتهادَ مَنْ سواه! "، قال: "وإذا بَعُد انعقادُ الإجماع مِنْ وجهٍ لم ينعقد مِنْ وجه"، قال: "فإن قيل: هو عالمٌ في حقِّ نفسه باجتهاده، مُصَدَّق (٥) عليه بينه وبين ربه، وهو مكَذَّب (٦) في حق غيره، فلا يمتنع لانقسامِ أمره على هذا الوجه

стр. 2453

أنْ يَنْقسم حكمُ الإجماع. قلنا: هذا محال؛ فإن الفاسقَ غيرُ مقطوعٍ بصدقه ولا كذبه، فهو كالعالم في غيبته (١)، فإن تاب فهو كما لو آب (٢) الغائب (٣) " (٤). واعلم أنَّ الأولين اختلفوا في تعليل عدمِ اعتبارِ قول الفاسق على وجهين: أحدهما: وعليه يقوم هذا السؤال، أنَّ إخباره عن نفسه لا يُوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوِفاق وهو مُخالِفٌ، أو بالخِلاف وهو موافِقٌ، فلما تعذَّر الوصول إلى معرفة قوله - سقط أثره. وشَبَّه بعضُ المتأخرين ذلك بسقوط أثر قول الخَضِر ﵇ على القول بأنه حيٌّ؛ لتعذر الوصول إليه (٥). والثاني: أنَّ العدالة ركنٌ في الاجتهاد كالعلم (٦)، فإذا فاتت العدالة

стр. 2454

فاتت أهلية الاجتهاد (١). وهذا فيه نظرٌ؛ إذْ أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدِّمات، إلى غير ذلك - مما لا تعلق لها بالديانة أصلًا. فإنْ قلتَ: فهذا يَرِد عليكم في الكافر؛ فإنه قد يجري على علوم الشرع والاجتهاد، و (٢) لا تعلق له بالديانة. قلتُ: الكافر لا يَرِد؛ فإنَّ الحجة في إجماع المسلمين، والفاسق منهم دون الكافر. ويتفرع على هذين التعليلين: أنَّ الفاسق إذا أداه اجتهادُه في مسألة إلى حكمٍ هل يأخذُ بقوله مَنْ عَلِم صدقَه في فتواه بقرائن (٣)؟ وإذا ثبت اشتراطُ قولِ جميع المجتهدين في الاجماع قال صاحب الكتاب: فلو خالف واحدٌ لم يكن قولُ غيرِه إجماعًا؛ لأن قوله: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتناول الكلَّ، وليسوا دون الواحدِ كلَّ المؤمنين. هذا مذهب الجمهور (٤).

стр. 2455

وقال الإمام الجليل محمد بن جرير (١)، وأبو الحسين بن أبي عمرو الخياط المعتزليّ (٢)، وأبو بكر الرازيّ (٣)، وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (٤): ينعقد إجماعُ الأكثر مع مخالفة الأقل. كذا أَطْلق النقلَ عنهم الآمديّ (٥)، وهو قضية إيراد المصنف، وخَصَّص الإمام النقلَ عنهم بالواحد والاثنين (٦).

стр. 2456

قال الآمديّ: "وذهب قومٌ إلى أنَّ عدد الأقل إنْ بلغ عدد التواتر لم يُعتد بالإجماع دونه، وإلا اعتد به" (١). قلت: وهذا ما ذكره (٢) القاضي في "مختصر التقريب" أنه الذي يصح عن ابن جرير (٣). وقال أبو عبد الله الجرجانيّ (٤): إنْ سَوَّغتِ الجماعةُ الاجتهادَ في مذهب المخالِف كان خلافُه معتدًا به، وإلا فلا (٥). ومنهم مَنْ قال: اتباع الأكثر أولى، ويجوز خلافه (٦). وهو مذهبٌ لا تحرير فيه؛ لأنا نسلِّم أنه إذا تعادل الرأيان، وكان القائلون بأحدهما أكثر - رُجِّح جانب الكثرة، وإنما الكلام في التحتم.

стр. 2457

ومنهم مَنْ قال: هو حجة وليس بإجماع. ورجَّحه ابن الحاجب، فإنه قال: "لو ندر (١) المخالِف مع كثرة المجمِعين - لم يكن إجماعًا قطعًا"، قال: "والظاهر أنه حجة؛ لبُعد أن يكون الراجح مُتَمَسَّك المخالِف" (٢). قال صفي الدين الهندي: "والظاهر أنَّ مَنْ قال إنه إجماع فإنما يجعله إجماعًا ظنيًا لا قطعيًا، وبه يُشْعر إيراد بعضهم" (٣). لنا: أنَّ الصحابة أجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة إلا أبو بكر ﵁، ولم يقل أحدٌ إنَّ خلافَه غيرُ معتدٍّ به، بل رجعوا إليه حين المناظرة. واحتج ابن جرير ورفقتُه بوجهين ذكرهما في الكتاب: أحدهما: أنَّ لفظي "المؤمنين" و"الأُمة" يصدق على الأكثر، كما يقال على البقرة: إنها سوداء، وإن كان فيها شعرات بيض، وللزنجي: إنه أسود، مع بياض حَدَقته وأسنانه. والجواب: أنَّ صِدْق إطلاق ألفاظ العموم على الأكثر إنما هو على سبيل المجاز، وليس حقيقة؛ لأنه يجوز أن يقال لمن عدا الواحد من الأمة ليسوا كل الأمة، ويصح استثناؤه منهم. وهذا واضح. والثاني: قوله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم" (٤) أمر باتباع

стр. 2458

السواد الأعظم، وهم الأكثر، فيكون قولهم حجة. والجواب: أنَّ السواد الأعظم هم (١) كلُّ الأمة؛ لأنَّ مَنْ عدا الكل فالكل أعظم منه، ولو لم يقصد هذا بل ما صدق أنه أعظم مِنْ غيره - لدخل تحته النصفُ الزائد بفردٍ واحدٍ على (النصفِ) (٢) الآخر (٣). وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "مخالفة الثُّلُث" وهو بضم الثاء واللام، أي: حَمْله على ما صَدَق عليه أنه أعظم يُوجِبُ عدمَ الالتفاتِ إلى ثُلُث الأمة إذا خالفوا الثلثين. وقد قرره الجاربرديُّ (٤) والإسفرايينيُّ على أنَّ الثاء مفتوحةٌ، وأنَّ المراد "الثلاث" اسمُ العددِ الخاصّ، وأنَّ ابن جرير ورفقتَه يسلِّمون أنَّ مخالفة الثلاثة قادحة، وهذا ماشٍ على ما اقتضاه إيراد الإمام كما سبق، وما ذكرناه من التقرير أحسن وأسلم (٥). واعلم أنَّ السواد الأعظم وقع مفسَّرًا في الحديث على خلاف ما استدل به الخصم فروى ابن ماجه من حديث مُعَان (٦) بن

стр. 2459

رِفاعة (١) عن أبي خَلَف الأعمى (٢) عن أنسٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم الحق وأهله" هذا لفظه. وأهل الحق هم جميع الأمة. ولا أعلم لهذا الحديث طريقًا غير الذي (٣) ذكرت، ومُعَان (٤) (وأبو خَلَف ضعيفان. قال: (الثانية: لا بد له من سند؛ لأن الفتوى بدونه خطأ . قيل: لو كان فهو الحجة. قلنا: يكونان (٥) دليلين. قيل: صَحَّحوا بيعَ المراضاة بلا دليل. قلنا: لا بل تُرِك اكتفاءً بالإجماع). رُبَّ مُتراشِقٍ في اللفظ (٦) يعبِّر عن المسألة: بأنَّ الإجماع لا بد فيه من توقيف. وقيل: قد يقع عن توفيق (٧).

стр. 2460

واشتراط السند في الإجماع هو الذي عليه الجماهير (١). وقال قوم (٢): يجوز أن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيفٍ على مُسْتندٍ، لكن سَلَّموا أنَّ ذلك غير واقع، كما ذكر الآمدي (٣). لنا: أن الفتوى في الدين بغير دلالة أو أمارة (٤) (٥) خطأ، فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك يقدح في الإجماع. واعترض الآمدي على هذا الدليل: بأنه إنما يكون خطأ إذا لم تتفق الأمة عليه، أما إذا اتفقت عليه فلا نسلم أنه خطأ؛ وذلك لأن مَنْ يجوِّز ذلك مع القول بعصمة الأمة عن الخطأ، يمنع أن يكون ذلك خطأ عند الاتفاق (٦).

стр. 2461

وحاول الشيخ صفي الدين الهنديُّ ردَّ هذا الاعتراض فقال: "القول في الدين بغير دليلٍ وأمارة باطل في الأصل، ولذلك (١) لو لم يحصل الإجماع عليه كان ذلك باطلًا وفاقًا، والإجماع لا يُصَيِّر الباطل حقًا، بل غاية (٢) تأثيره (أن يَصير المظنونُ حقًا) " (٣). قلت: وفيه نظر، فقد يقال: يتبين بحصول الإجماع بعد ذلك أنَّ القول في الأصل كان حقًا هذا إذا وقع قولهم مترتبًا. وإن وقع دفعةً واحدة فلم يقع إلا حقًا. ثم إنَّ القائل بغير اجتهادٍ قَبْل حصول الإجماع على قوله لا نقول: إنه مخطئ فيما قاله ولا مصيب، بل مخطئ في كونه قال بدون اجتهاد، وهذا الخطأ لا يزول بإجماعهم بعد ذلك على قوله. وأما المقول فيحتمل أنه أخطأ فيه، ويحتمل أنه أصاب. وهذا التردد يزول بالإجماع بعد ذلك على قوله، ويُعْلم أنه كان مصيبًا. فإن قلت: إذا كان كل فرد منهم أخطأ في كونه قال - فيلزم خطأ المجموع في كونهم قالوا، وهو محذور. قلت: القائل الأخير منهم الذي بقوله يحصل الاتفاق ويتكمل (٤) الإجماع ليس مخطئًا في كونه قال. وهذا إذا وقع مترتبًا، فإنْ وقع دفعةً

стр. 2462

واحدة فلا نسلم خطأهم في كونهم قالوا، بل نقول: إنما يخطئ مَنْ أقدم على القول وَحْده بغير مستندٍ، أما إذا حصل اتفاقٌ من الأمة على القول فلا. واحتج مَنْ قال يجوز (١) أن يُوفقوا لاختيار الصواب بأمرين: أحدهما: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستندٍ لكان ذلك المستند هو الحجة، وحينئذ فلا (٢) يبقى في الإجماع فائدة. وأجاب المصنف: بأن الإجماع وأصلَه يكونان دليلين، واجتماع دليلين على مدلولٍ واحدٍ جائزٌ حسن. والثاني: أنه وَقَع، بدليلِ إجماعهم على بيع المراضاة بلا دليل. وأجاب: بأن له دليلًا، لكن تُرِك ذِكْره لما وقع الإجماع عليه اكتفاءً بالإجماع. قلت: وقد ذكر الآمدي في أثناء المسألة أن الخلاف ليس في وقوعه، وتقدم نقلُ هذا عنه، فاحتجاج الخصم ضعيف لذلك أيضًا (٣). وأيضًا فإن أريد ببيع المراضاة المعاطاة (٤) التي يذكرها الفقهاء -

стр. 2463

فالمذهب الصحيح أنها باطلة (١) فأين الإجماع! وإنْ كان كما ذكره الشراح: أنه إذا تحقق التراضي من الجانبين فالإجماع منعقد على صحة هذا البيع، لكن اختلفوا في الدليل (٢) على التراضي: فقال الشافعي ومَنْ وافقه: لا بد من صيغة تدل عليه (٣). وقال مالك وبعض أصحاب الشافعي: يكفي المعاطاة - فهذا فيه نظر؛ إذ سند الإجماع أشهر مِنْ أن يُذكر، وأكثر من أن يُحصر. قال: (فرعان: الأول: يجوز الإجماع عن (٤) الأمارة؛ لأنها مبدأ الحكم. قيل: الإجماع على جواز مخالفتها. قلنا: قَبْل الإجماع. قيل: اختلف فيها. قلنا: منقوض بالعموم وخبر الواحد). علمتَ أن الإجماع لا بد له من مستند (٥)، ويجوز أن يكون ذلك المستند (٦) نصًا بالاتفاق، وكذلك دليلًا ظاهرًا (٧)، وهل يجوز أن يكون أمارة أي: قياسًا؟ فيه مذاهب:

стр. 2464

أحدها: أنه جائز واقع. وعليه الجمهور (١). والثاني: جائز غير واقع (٢). والثالث: أنه غير ممكن (وذهب إليه) (٣) ابن جرير الطبريّ، وكذلك داود الظاهري (٤) لكنه بناه على أصله في منع القياس. والرابع: إن كانت الأمارة جَلِيَّة (٥) جاز وإلا فلا (٦). ثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه هل يحرم مخالفته (إذا وقع، مع إطباقهم على أنه حجة؟ والحق أنه تحرم مخالفته (٧)) (٨).

стр. 2465

واستدل المصنف على جوازه: بأن الأمارة مبدأ الحكم، أي: تصلح أن تكون طريقًا للحكم، فيجوز الإجماع عليها (١) قياسًا على الدليل. ولم يتكلم في الوقوع، وقد استدل عليه الإمام: بأن الصحابة أجمعت في زمان عمر ﵁ (على أن حدَّ الشارب ثمانون، وهو بطريق الاجتهاد، لما روى أن عمر ﵁) (٢) - شاور الصحابة في ذلك، فقال علي ﵁: "أراه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وحَدُّ المفتري ثمانون" (٣). وقال عبد الرحمن (بن عوف) (٤) ﵁: "هذا حَدٌّ وأقل الحد ثمانون" (٥)

стр. 2466

. . . . (١). وهذا تصريح (٢) منهم بأنهم إنما أثبتوا الحكم بالاجتهاد وضَرْبٍ من القياس؛ لأنه مع وُجدان النص لا يُتعلَّق بمثله. ومِنْ هذا يُعرف اندفاعُ ما يُورَد مِنْ أنه لعلهم أجمعوا عليه لنصٍّ لكنه لم يُنقل؛ استغناءً بالإجماع. واستدل عليه قوم أيضًا: بإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسًا علي لحمه، وعلى إراقة الشَّيْرج (٣) والدِّبْس (٤) السَّيَّال (٥) إذا وقعت فيه فأرة وماتت قياسًا على السمن (٦). واستدل المانعون بوجهين: أحدهما: أن الإجماع قائمٌ على جواز مخالفة الأمارة والحكمِ الصادر

стр. 2467

عن الاجتهاد، فلو صدر إجماع عنها لكان يجوز مخالفته، وذلك ممتنع. والجواب: أن مخالفتها إنما تجوز إذا لم يُجْمع على الحكم المُثْبت بها، أما بعد الإجماع فلا يجوز مخالفتها. والثاني: أن الأمارة مُخْتَلَف فيها، إذ مِنَ الأمة مَنْ يعتقد بطلان الحكم بها، وذلك يصرفه عن الحكم بها. والجواب: أن ذلك منقوض بالعموم وخبر الواحد؛ إذ وقع الخلاف فيهما كما مَرّ، ويجوز صدورُ الإجماع عنهما اتفاقًا. قال: (الثاني: الموافق لحديث لا يجب أن يكون عنه (١) خلافًا لأبي عبد الله لجواز اجتماع دليلين). الإجماع الموافق لمقتضى دليلٍ إذا لم يُعلم له دليل آخر (لا يجب أن يكون مُسْتَنِدًا إلى ذلك الدليل؛ لاحتمال أن يكون له دليل آخر) (٢) وهو مُسْتَنَدُه، ولم يُنقل إلينا استغناءً بالإجماع. هذا رأي الجماهير (٣). وقال أبو عبد الله البصري: إنه يكون مُسْتَنِدًا إليه (٤).

стр. 2468

والإنصاف أن أبا عبد الله إنْ أراد أنه كذلك على سبيل غَلَبات الظنون فهو حقٌّ؛ إذ الأصل عَدَمُ دليلٍ غيره، والاستصحابُ حجة (١). وينبغي أن يُحمل على ذلك ما نقله ابن بَرْهان عن الشافعي ﵁ مِنْ موافقة مذهبه لرأي أبي عبد الله البصريّ (٢). وقد فَصَّل أبو الحسين في "المعتمد" فقال: "إنْ كان الخبر نَصًّا متواترًا لا يُحتاج معه إلى استدلالٍ طويلٍ واجتهاد فيُعلم أنهم أجمعوا لأجله، وإن احتاج في الاستدلال به إلى استدلال طويل وبَحْثٍ لم يجب أن يكون هو (٣) المُسْتَنَد. وكذلك إنْ كان مِنْ أخبار الآحاد ولم يُرْوَ لنا أنه ظهر فيهم، أو روى أنه ظهر فيهم لكن بخبر واحد أيضًا (٤). وإنْ رُوي بالتواتر وجب أن يكون عنه (٥).

стр. 2469

قال: (الثالثة: لا يُشترط انقراض المُجْمِعين ؛ لأن الدليل قام بدونه. قيل: وافق الصحابةَ عليٌّ في (١) منع بَيْع المستولَدة ثم رجع ورُدَّ بالمنع). (اختلفوا في انقراض العصر هل هو شرطٌ في اعتبار الإجماع (٢)) (٣)؟ على مذاهب: أحدها: وعليه أكثر الشافعية والحنفية (٤)، أنه لا يُشترط. واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب (٥). والثاني: يُشترط وهو رأي أحمد (٦)

стр. 2470

وابن فُورك (١) والثالث: أنه يشترط في السكوتيِّ دون القولي. وهو مذهب الأستاذ، واختاره الآمديّ (٢). والرابع: نقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين، إنْ كان عن قياس اشْتُرِط وإلا فلا (٣). والذي قاله في "البرهان" ما ملخصه: "إنَّ المَرْضِيَّ عنده أن الإجماع ينقسم إلى: مقطوع به وإنْ كان في مَظِنَّةِ الظن (٤): فلا يُشترط فيه

стр. 2471

الانقراض، ولا طولُ المُكْث بعد قوله. وإلى حكم مُطْلق يُسنده المجمِعون إلى الظن بزعمهم (١): فلا بد فيه من أن يطول عليه الزمن، فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحدٍ منهم خلافٌ - فهذا يلتحق بقاعدة الإجماع؛ فإنَّ امتداد الأيام يبين (٢) التحاقَهم بالمجمِعين، وتَرَفُّعَهم عن رتبة المترددين. فالمعتبر ظهورُ الإصرار بتطاول الزمان، حتى لو قالوا عن ظنٍّ ثم ماتوا على الفور". قال: "فلستُ أرى ذلك (٣) إجماعًا مِنْ جهة أنهم أبدوا وجهًا من الظن ثم لم يتضح إصرارُهم عليه". انتهى (٤). وعرفتَ مِنْ كلامه أنَّ الانقراض في نفسه عنده غير مشروط، ولا معتبرٌ في حالةٍ من الأحوال، وهو خلاف (٥) مقتضى نقل ابن الحاجب عنه. والخامس: أنه إذا لم يبق من المجمِعين إلا عددٌ ينقصون (٦) عن أقلِّ عدد التواتر فلا يُكْترث ببقائهم ويُحكم بانعقاد الإجماع. حكاه

стр. 2472

القاضي في "مختصر التقريب" (١) وأشار إليه ابن بَرْهان في "الوجيز" (٢). واستدل المصنف على ما اختاره: بأنَّ دليل الإجماع ليس مقيدًا بالانقراض، فلا يكون شرطًا فيه (٣). واحتج الخصم: بأنَّ عليًا ﵁ سُئِل عن بيع أمهات الأولاد، فقال: "كان رأيي ورأي عمر أن لا يُبَعْن، وقد رأيتُ الآن بَيْعهن". فقال له عَبِيدة السَّلْمانيّ (٤): "رأيُك في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدك" (٥). فدلَّ قولُ عَبِيدة على أنَّ الإجماع كان حاصلًا مع أنَّ عليًا ﵁ خالفه.

стр. 2473

والجواب: مَنْع ثبوت الإجماع قبل الرجوع، فإنَّ قول عبيدة: "رأيك في الجماعة" يدل على أنَّ المنع من بيعهن كان رأي الجماعة، ولا يدل على أنه كان رأيَ كلِّ الأمة، وإنما أراد أن ينضم قولُ عليٍّ إلى قول عمر؛ لأنه رجَّح قولَ الأكثر على الأقل (١). هذا تقرير قوله: "ورُدَّ بالمنع". وقد يقال: المراد الردُّ بمنعِ رجوعِ عليٍّ (٢)، والتقرير الأول هو الذي في "المحصول" (٣). قال: (الرابعة: لا يُشترط التواتر في نقله كالسنة) . الإجماع المرويُّ بطريق الآحاد حجةٌ (٤) عند الإمام والآمديِّ

стр. 2474

وأتباعِهما (١)؛ لأن الإجماع دليلٌ من الأدلة، فلا يُشترط التواتر في نقله (قياسًا على السنة. وخالف أكثر الناس فاشترطوا التواتر في نقله (٢)) (٣).

стр. 2475

قاله الآمديّ: "والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعًا به، وعلى عدم (اشتراطه (١). فمن اشترط القطع مَنَع أن يكون خبر الواحد مفيدًا في) (٢) نقل الإجماع (٣)، ومن (لم يشترط) (٤) لم يمنع" (٥). وكلام الإمام يُشعر بأن الخلاف ليس مبنيًا على هذا الأصل، بل هو جارٍ مع القول بأنَّ أصل (٦) الإجماع (ظني، فإنه استدل: بأنا بَيَّنَّا أنَّ أصل الإجماع) قاعدة ظنية، قال: فكيف القول في تفاصيله (٧). قال: (الخامسة: إذا عارضه (٨) نصٌّ أُوِّل القابلُ له (٩)، وإلا تساقطا (١٠)). إذا عارض الإجماعَ نصٌّ من كتابٍ أو سنةٍ:

стр. 2476

فإنْ قَبِل أحدُهما التأويلَ أُوِّل، سواءٌ كان القابلُ الإجماعَ أم النصَّ؛ توفيقًا بين الدليلين، ولا يختص التأويلُ بالنصِّ، على خلاف ما فهم الجاربرديّ (١). وإن لم يقبل أحدُهما التأويلَ تساقطا؛ لأنَّ العمل بهما غير ممكن، والعمل بواحد دون الآخر ترجيح من غير مرجِّح (٢). (وبتمام هذه المسألة نَجَز كتاب الإجماع. والله الموفق (للصواب وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٣) (٤).

стр. 2477

دَوْلة الإمَارَات العَربيّة المُتَّحِدة حُكومَة دُبي سلسلة الدِّراسات الأصوليَّة "١٧" الإِبْهَاجُ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ شرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُوْلِ إِلَى عِلْمِ الأُصُولِ لِلْقَاضِي البَيْضَاويِّ المُتَوفى سنة ٦٨٥ هـ تَأْلِيفُ شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السُّبكي المُتَوفى سنة ٧٥٦ هـ وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المُتَوفى سنة ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدُّكْتُوْرُ أَحْمَدَ جَمَال الزَّمْزَمِي الدُّكْتُوْرُ نُورُ الدِّينِ عَبْدِ الجَبَّارِ صَغِيري الجُزْء السّادس دَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإِسْلَامِيَّةِ وَإِحْيَاء التُّرَاثْ

стр. 2478

الكتاب الرابع: القياس

стр. 2479

قال: (الكتاب الرابع: في القياس (١). وهو إثباتُ حكمِ معلومٍ في معلومٍ آخرَ لاشتراكهما في علّةِ الحكمِ عندَ المثبتِ). أقول: القياس في اللغة: التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة أي قدرتها بها، والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه (٢)، قال الشاعر: خِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا (٣)

стр. 2480

وبهذا المعنى يطلق على القياس المصطلح؛ لأنَّ الفرع يساوي الأصل في الحكم. وأمَّا تعريفه في الاصطلاح (١) بين العلماء فقد ذكروا فيه أمورًا أقربها ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم (٢)، وهو: إثباتُ مثلِ حكمِ معلومٍ في معلومٍ آخرَ لاشتراكهما في علَّة الحكمِ عندَ

стр. 2481

المثبتِ (١). قال الإمام: ونعني بالإثبات: القدرَ المشترك بين العلم والاعتقاد والظنِّ، سواءٌ أَتَعَلَّقَتْ (٢) هذه الثلاثة بثبوت الحكمِ أمْ بعَدَمِه (٣). وأمَّا المِثْل (٤): فبديهي (٥) التصور (٦)؛ لأنَّ كلّ عاقل يعرف بالضرورة كون الحار مثلا للحارّ (٧) في كونه حارًا ومخالفًا للبارد في ذلك (٨). وإنّما قلنا: "إثباتُ مثلِ حكم" ولم نقل: "إثباتُ حكم"؛ لأنَّ عين الحكم الثابت في الأصل ليس هو عين الثابت في الفرع بل مثله (٩).

стр. 2482

وأمّا "الحكم" فسبق تفسيره في أوّل الأصول (١). وأما "المعلوم" فلسنا نعني به مطلق متعلق العلم (٢) فقط، بل ومتعلق الاعتقاد والظنّ، والفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور (٣).

стр. 2483

وإنّما قلنا: "معلوم" ولم نقل: موجود، ولا شيء لجريان القياس في المعدوم والموجود، والشيء عند الأشاعرة (١) لا يطلق على المعدوم (٢)، وإنَّما لم يذكره (٣) بدل المعلومين الأصل والفرع؛ لرفع إيهام كون الفرع والأصل وجودِيَيْن، وذلك لأنَّ الأصل ما يُتَوَلَدُ منه شيءٌ، والفرعُ ما تَوَلَدَ عن شيءٍ. وإنّما قلنا: "في معلوم آخر"؛ لأنَّ القياس كما عرفت هو التسوية بين

стр. 2484

الأمرين فيستدعي وجود المنتسبين. وإنّما قلنا: "لاشتراكهما في علَّة الحكم"؛ لأنَّ القياس لا يوجد بدون العلّة (١). وإنَّما قلنا: "عند المثبت"؛ ليشمل الصحيحَ والفاسدَ في نفس الأمر.

стр. 2485

وإنّما لم نقل (١) بدل "المثبت": المجتهد ليعمّ (٢) كلّ مثبت من مجتهد وغيره (٣) وقوله: "مِثْلُ حُكْم" كلاهما مضاف بغير تنوين أعني: "مثل" و"حكم". و"معلومٍ" مضاف (٤) إليه منون، ولهذا قال في المعالم: "إثبات مثلِ حكمِ صورةٍ لصورةٍ أخرى" (٥)، وهو أوضح (٦). قال: (قيل الحكمان غير متماثلين في قولنا: لو لم (٧) يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة. قلنا: تلازم، والقياس لبيان الملازمة، والتماثل حاصل على

стр. 2486

التقدير (١). والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا) اعترض على حدِّ القياس هذا (٢)، بأنَّه غير جامع، لأنَّه ينتقض بقياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره لافتراقهما في علّة الحكم (٣)، وقياس التلازم (٤)، والمقدمتين

стр. 2487

والنتيجة (١). أمّا قياس العكس، فكقول الحنفي (٢): لو لم يكن الصوم شرطًا لصحّة الاعتكاف مطلقًا، لم يصرْ شرطًا بالنَّذر؛ قياسًا على الصلاة، فإنها لمَّا لم تكن شرطًا لصحّة الاعتكاف في الأصل، لم تكن (٣) شرطًا له بالنّذر؛ إذ لو نَذَرَ أنْ يعتكف مصليًا لم يلزمه الجمع، بخلاف ما لو نذر أنْ يعتكف صائمًا، والثابت في الأصل نفي كون الصّلاة شرطًا لها، وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطًا لها، فحكم (٤) الفرع ليس حكم الأصل، بل يقتضيه (٥).

стр. 2488

ونظير هذا المثال أيضًا من مذهبنا قولنا: إنّ المفوضة (١) يجب لها المهر بالوطء على أصحّ القولين (٢)، والقول الآخر: أنَّه يجب بالعقد (٣)، واتفق

стр. 2489

القولان على أنّ الوطء في هذا النكاح لا بد له من مهر، إنما الخلاف في أنَّه بماذا يجب (١)؟ . وخَرَّجَ القاضي الحسين وجهًا (٢) أَنَّه لا يجب مهرٌ أصلًا كما (٣) إذا وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن ظانًا أنها تباح بالإذن، حيث لا يجب المهر في أحد القولين بجامع حصول (٤) الملك من مالك البُضع (٥). فنقول: في الدليل على أنَّه لا بد من مهر؛ ردًّا على هذا التخريج (٦). الزنا لو شرط فيه مال لم يثبت؛ لأنَّ المال لا يتعلق به شرعًا (٧) أصلًا، فلم يتعلق به شرطًا، فكذلك الوطء المحرَّم (٨) إذا نفي عنه، وجب أنْ لا ينتفي؛ لأنَّه يتعلق به المال أصلًا شرعًا (٩)، فلم ينتف عنه بالشرط، فالثابت في الأصل كون المال لا يجب أصلًا وفي الفرع

стр. 2490

الوجوب (١). والجواب: أنّ هذا في الحقيقة تمسكٌ بنظم التلازم (٢)،
следующие страницы →