← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

التقدير (١). والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا) اعترض على حدِّ القياس هذا (٢)، بأنَّه غير جامع، لأنَّه ينتقض بقياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره لافتراقهما في علّة الحكم (٣)، وقياس التلازم (٤)، والمقدمتين

стр. 2487

والنتيجة (١). أمّا قياس العكس، فكقول الحنفي (٢): لو لم يكن الصوم شرطًا لصحّة الاعتكاف مطلقًا، لم يصرْ شرطًا بالنَّذر؛ قياسًا على الصلاة، فإنها لمَّا لم تكن شرطًا لصحّة الاعتكاف في الأصل، لم تكن (٣) شرطًا له بالنّذر؛ إذ لو نَذَرَ أنْ يعتكف مصليًا لم يلزمه الجمع، بخلاف ما لو نذر أنْ يعتكف صائمًا، والثابت في الأصل نفي كون الصّلاة شرطًا لها، وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطًا لها، فحكم (٤) الفرع ليس حكم الأصل، بل يقتضيه (٥).

стр. 2488

ونظير هذا المثال أيضًا من مذهبنا قولنا: إنّ المفوضة (١) يجب لها المهر بالوطء على أصحّ القولين (٢)، والقول الآخر: أنَّه يجب بالعقد (٣)، واتفق

стр. 2489

القولان على أنّ الوطء في هذا النكاح لا بد له من مهر، إنما الخلاف في أنَّه بماذا يجب (١)؟ . وخَرَّجَ القاضي الحسين وجهًا (٢) أَنَّه لا يجب مهرٌ أصلًا كما (٣) إذا وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن ظانًا أنها تباح بالإذن، حيث لا يجب المهر في أحد القولين بجامع حصول (٤) الملك من مالك البُضع (٥). فنقول: في الدليل على أنَّه لا بد من مهر؛ ردًّا على هذا التخريج (٦). الزنا لو شرط فيه مال لم يثبت؛ لأنَّ المال لا يتعلق به شرعًا (٧) أصلًا، فلم يتعلق به شرطًا، فكذلك الوطء المحرَّم (٨) إذا نفي عنه، وجب أنْ لا ينتفي؛ لأنَّه يتعلق به المال أصلًا شرعًا (٩)، فلم ينتف عنه بالشرط، فالثابت في الأصل كون المال لا يجب أصلًا وفي الفرع

стр. 2490

الوجوب (١). والجواب: أنّ هذا في الحقيقة تمسكٌ بنظم التلازم (٢)،

стр. 2491

وإثباتٌ لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس. فإنّك تقول في المثال الأول: لو لم يكن الصوم شرطًا للاعتكاف، لم يصر شرطًا له بالنذر، فهو شرطٌ له مطلقًا، فهذا تمسك بنظم التلازم، واستثناء لنقيض اللازم لإثبات نقيض

стр. 2492

الملزوم، ثمَّ إنّك تثبت المقدمة الشرطية بالقياس، وهو أنّ ما لا يكون شرطًا للشيء في نفسه، لا يصير شرطًا له بالنّذر كما في الصلاة. وقيس عدم شرطية الصّوم بالنّذر على عدم شرطية الصلاة بالنذر، بجامع كونهما غير شرطين: أحدهما: في الواقع بالاتفاق. والثاني: على تقدير أنْ يكون الصّوم ليس شرطًا في الواقع. فوَضُحَ أنّ هذا قياس الطرد (١) لا قياس العكس، وظهر دخوله في الحدِّ (٢). وهذا الجواب هو المَعْنِيُ بقوله: "قلنا تلازم" إلى آخره. وأمّا قوله: "والتلازم والاقتراني لا نسميهما (٣) قياسًا"، فهو جواب عن سؤال مقدر، وهو ما أشرنا إليه من أَنَّه ينتقض بقياس التلازم والمقدمتين والنتيجة. وتقريره: أمَّا قياس التلازم، وهو القياس الاستثنائي (٤)، فهو كقولنا:

стр. 2493

إنْ كان هذا إنسانًا، فهو حيوان، لكنّه إنسان، فهو حيوان، لكنّه ليس بحيوان فليس بإنسان، وأمّا المقدمتان والنتيجة وهو القياس الاقتراني (١) فكقولنا: كلُّ جسم مؤلف وكلّ مؤلف محدث، وكلّ جسم محدث فحكم النتيجة ليس حكم المقدمتين. وأجاب: بأن ما ذكرتموه من الاستثنائي والاقتراني لا نسميهما قياسًا في اصطلاحنا، وإن كان المنطقيون يسمونهما قياسًا (٢). وإنّما لا نسميهما قياسًا؛ لأنَّ القياس التسوية؛ وهى لا تحصل إلا عند تشبيه صورة بصورة، وليس الأمر كذلك في التلازم وفي المقدمتين والنتيجة. فإن قلت: بل هي حاصلة في هذين الموضوعين؛ لأنَّ الحكم في كلِّ واحدة من المقدمتين معلومٌ، وفي النتيجة مجهول، فاستلزام المطلوب من هاتين المقدمتين يوجب صيرورة الحكم المطلوب مساويًا للحكم في المقدمتين (٣) في الصّفة المعلومية.

стр. 2494

قلت: لو كفى هذا الوجه في إطلاق اسم القياس، لوجب أنْ يسمَّى كلُّ دليلٍ قياسًا؛ لأنَّ التّمسك بالنّصِّ جَعَلَ مطلُوبَه (١) مساويًا لذلك النّص في المعلومية، فَلَوْ صَحَّ ذلك لامتنع (٢) أنْ يقال: ثبت الحكم في محل النّص بالنّص لا بالقياس، والله أعلم. قال الإمام: فإن أردنا أن نذكر عبارة في تعريف القياس شاملة لجميع هذه الصُّوَّر، نقول القياس: قول مؤلف من أقوال (٣) إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر. وقد تمّ شرح التعريف المذكور في الكتاب للقياس المصطلح وما أورد عليه مما أشار إليه صاحب الكتاب. ولقائل أنْ يقول: يَرِدُ عليه أمران: أحدهما: قياس الشبه (٤)، فإنّه خارج عنه؛ إذ لا علّة فيه معينة لا سيما الشبه الصوري عند من اعتبره. وثانيهما: قياس لا فارق (٥)؛ فإنه ليس فيه علّة عند المجتهد. وأورد الآمدي (٦) اعتراضًا: وقال إنّه مشكل لا محيص عنه، وهو أنّ

стр. 2495

الحكم في الفرع متفرع على القياس، وليس ركنًا في القياس؛ لأنَّ نتيجة الدليل لا تكون ركنًا (١) في الدليل لما فيه من الدَّور، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم في الفرع في حدِّ القياس أن يكون ركنا في القياس وهو دور (٢). قال الهندي: وهذا الإشكال ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المأخوذ في حدِّ القياس إنَّما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه، ونتيجة القياس (٣) وهو الثبوت لا الإثبات (٤). قلت وهذا حقّ (٥). والعجب من الآمدي أنَّه لما ذكر حدّ القاضي وهو قوله (٦): القياس: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما

стр. 2496

بأمر جامع بينهما من إثبات حكمٍ أو صفةٍ لهما أو نفيهما عنهما (١). قال: حمل الفرع على الأصل معناه التشريك في الحكم (٢). ثم اعترض بهذا الإشكال الذي فخَّم أمره، وقال: المختار في حدِّه أن يقال: إنَّه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في حكم الأصل بناءً على جامع بينهما في نظر المجتهد (٣). قال: وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض، عَرِية عمّا يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها (٤). ونحن نقول: إنْ كان الاستواء هو التسوية، والتسوية هي الحمل فهى موافقة لحدِّ القاضي، سواء من غير فرق وقد تقدم قوله، فإنّ قوله: في إثبات حكم لهما إلى آخره شرح لمعنى الحمل، وكذا هو شرح لمعنى الاستواء؛ إذ هو مستلزم لثبوت الحكم في الفرع، فلم يخرج بذلك عن كونه جعل حكم الفرع ركنًا في القياس فيَرِدُ عليه ما أورده وإن كان الاستواء غير التسوية فيرِدُ عليه ما ذكرناه مع اختلاف التسوية والاستواء في المعنى. فالعجب منه اختياره لهذا الحدّ بعد اعتراضه على الأوّل بما زعم أنَّه لا محيص عنه وهو لازم له، إنْ كان ما أورده

стр. 2497

صحيحًا، وينفرد ما قاله هو بأنَّه جعل الاستواء موضع التسوية وهما غيران (١).

стр. 2498

الباب الأول: بيان حجية القياس

стр. 2499

قال: (وفيه بابان: الباب الأول: في بيان كونه حجة. وفيه مسائل: الأولى: في الدليل عليه. يجب العمل به شرعًا. وقال القفال والبصري: عقلًا. والقاساني والنهرواني: حيث العلةُ منصوصة، أو الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف. وداود: أنكر التعبد به. وأحاله الشيعة والنظَّام) يجوز التعبد (١) بالقياس في الشرعيات عقلًا ويجب العمل به شرعًا (٢)،

стр. 2500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2501

وبه قال السلف وجمهور الخلف (١)، وزاد القفَّال من أصحابنا وأبو الحسين البصري (٢)، فزعما أن العقل موجب لورود التعبد بالقياس، ووافقهما أبو بكر الدّقاق (٣) من أصحابنا، كما نقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللّمع (٤)، ومن النّاس من أنكر التعبد به، وقد نقله في الكتاب عن داود (٥) وهو قضية نقل غيره، ونقل الإمام عن

стр. 2502

داود أنَّه أحاله عقلًا (١) وفي كل من النقلين نظر. فقد قال أبو محمد ابن حزم (٢) والآمدي: إن داود يقول بالقياس إذا كانت العلة منصوصةً كمذهب القاساني (٣) والنهرواني (٤) الآتي ذكره إن شاء الله تعالى (٥). قال ابن حزم وأما نحن فلا نقول بشيء من القياس (٦).

стр. 2503

وأمَّا النّظّام والشيعة (١) فأحالوه عقلا كذا نقل المصنف (٢). والنقل عن النّظّام ليس بجيد؛ لأنَّه خصّص النع من التعبد بشرعتنا خاصة. قال: لأنَّ مبناها على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من التعبد بالقياس. وأما ما ذكره المصنف بعدُ من أنّ القياس الجلي لم ينكره أحد فمدخول، ولو صحَّ لكان وجهًا يرد عليه هنا (٣). وأما القاشاني والنهرواني فقالا: يجب العمل بالقياس في صورتين: إحداهما: أن تكون العلّة منصوصة. قالا: وذلك إما بصريح اللفظ أو بإيمائه كذا نقله عنهما القاضي في مختصر التقريب، وإمام الحرمين والغزالي

стр. 2504

والإمام والآمدي وغيرهم (١). والثانية: أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، ومثّل له في الكتاب بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وقد سبق منه أنّ هذا من باب المفهوم وسيأتي النظر في أنّ ذلك هل هو متناف؟ إن شاء الله تعالى. وهذا إيضاح (٢) ما في الكتاب مما يتعلق بمذهب القاشاني والنهرواني، وهو في النقل عنهما تابع لأصحابه، وقد نقل عنهما الآمدي أنَّهما لم يقضيا بوقوع القياس، إلا فيما كانت علّته منصوصة أو مُومأً إليها فقط (٣)، والذي نقله الغزالي أنهما خصّصاه بموضعين: أحدهما: النّص والإيماء كما عرفت. والثاني: الأحكام المعلقة بالأسباب كرجم ماعز (٤) لزناه (٥)، . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2505

والمعلّق باسمٍ مشتقٍ (١) كالسارق والسارقة. قال الغزالي: وكأنَّهما يعنيان بهذا القسم تنقيح المناط (٢)

стр. 2506

ويعترفان (١) به (٢). وكلام إمام الحرمين في البرهان قريب من ذلك فإنه قال: المقبول عندهما من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان: أحدهما: ما دلّ من كلام الشارع على التعليل به، ولهذا صيغ: منها: ربطه الحكمَ بالأسماء المشتقة كالزانية والزاني، ومن هذا القبيل: سها فسجد (٣)، زنى ماعز فرجم، فالفاء تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك

стр. 2507

مشعر بالتعليل. قال وربما يلحقون به الفحوى في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١). والأمر الثاني: ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه كقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد" (٢) قالا: لو جمع جامع بولًا في وعاء وصبه في الماء الراكد كان في معنى البول في الماء انتهى (٣). وكذلك كلامه في مختصر التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر وقال: إنَّ القياسيين اختلفوا؛ فذهب قومٌ إلى أنَّ ما صاروا إليه ليس قولًا بالقياس، وإنَّما هو تتبع منهما للنّص. وقال آخرون - وهو الحق - هو قول ببعض القياس (٤).

стр. 2508

وقال إمام الحرمين في البرهان: إن أبا هاشم قال بهذين الوجهين وزاد ثالثا، وهو ما إذا طولب المكلف بشيء واعتاص (١) عليه الوصول إليه يقينا فيتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنّ، ومثَّل أبو هاشم هذا بوجوب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها انتهى (٢). وهذا من أبي هاشم يحتمل أنْ يكون منعًا (٣) من القياس إلَّا في هذه الأماكن الثلاثة، ويكون حينئذ مذهبًا آخر في القياس لم يتقدم له ذكر، ويحتمل أنْ يكون منعًا من العمل بالظنّ مطلقًا إلا فيها. وفي الباب مذهب آخر ذهب إليه أبو الفضل بن عبدان (٤) من أصحابنا أنّ مِنْ شَرْطِ صحّةِ القياسِ حدوثُ حادثةٍ تؤدي الضرورة إلى معرفة حكمها (٥).

стр. 2509

تنبيه: ذهب الأكثرون إلى أنّ دلالة الدليل السمعي عليه قطعية، وقال بعضهم: بل ظنية. قال (استدل أصحابنا بوجوه: الأول: أنَّه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار وهو مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ قيل: المراد الاتعاظ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية. قلنا: المراد قدر مشترك. قيل: الدّال على الكلي لا يدل على الجزئي. قلنا: بلي، ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم. قيل: الدَّلالة ظنية. قلنا: المقصود العمل فيكفي الظن). استدل أصحابنا على حجية القياس بوجوه أربعة (١):

стр. 2510

أحدها: أنّ القياس مجاوزة ، والمجاوزة اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به (١). أما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع. وأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة والعبور. تقول: عبرت عليه وعبرت النهر (٢).

стр. 2511

وأما الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) أمر بماهية الاعتبار، وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به (٢). واعترض الخصم أولًا: بأنَّا لا نسلم أنّ الاعتبار المجاوزة، بل المراد من المأمور به الاتعاظ، ودليل ذلك أنّ القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فإنّه لا يقال بعد ذلك فقيسوا الذّرة على البُر؛ إذ (٤) هو حينئذ ركيك من الكلام ولا يليق بالشرع. وأجاب عنه: بأن المراد بالاعتبار، القدرُ المشتركُ بين الاتعاظ والقياس وهو المجاوزة إذ في كلٍّ منهما معناهما (٥)، بخلاف ما لو جعلناه مختصًا بالاتعاظ فإنّه يلزم (٦) إما الاشتراك أو المجاز، وهما على خلاف الأصل، وإذا حملنا الاعتبار على مطلق المجاوزة لا يلزم الركاكة (٧)؛ لأنها إنما تلزم أن لو خصصنا الاعتبار بالقياس الشرعي وليس كذلك.

стр. 2512

ثم اعترض الخصم ثانيا: بأنا سلمنا أنّ الاعتبار المجاوزة، لكن لا يلزم منه الأمر بالقياس؛ لأنَّ الآية دالة على وجوب أمر كليّ وهو مطلق الاعتبار، والدّال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، وغير ملتزم له، وهو معنى قوله: الدّال على الكلي لا يدل على الجزئي. ولا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكليّ الذي هو مطلق الاعتبار. وأجيب: بأنّ (١) ما ذكر صحيح، ولكن هنا يقتضي العموم لوجهين. أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أنَّه يحسن أنْ يقول: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني، وقد بينّا في العموم أنّ الاستثناء يخرج ما لولاه لدخل، فوضح أنّ كلّ اعتبار داخلٌ تحت هذا اللفظ. والثاني: أنّ ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أنْ يكون علّة ذلك الحكم هو ذلك المسمّي، وذلك يقتضي أنّ علّة الأمر بالاعتبار كونه اعتبارًا فيلزم أنْ يكون كلّ الاعتبار مأمورًا به. ولقائل أنْ يقول على الأول: لا نسلم جواز الاستثناء إذا فسّر بالتفسير المذكور، وهو ما لولاه لوجب دخوله؛ إذ النكرة في سياق الإثبات لا تعمّ، ثمّ ولو فسّر الاستثناء بأنَّه ما لولاه لصحّ دخوله لم يتأت (٢) ما ذكر أيضًا؛ لأنَّه ينتقض بالأمر بكلّ ماهية كليّة (٣) لا يجوز فيه هذا

стр. 2513

النوع من الاستثناء نحو صلِّ إلا الصلاة الفلانية مع أنَّ الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا يحزئياتها، كذا قاله صفي الدين الهندي وهو صحيح (١). وعلى الثاني: أنّ هذا إثبات للقياس بالقياس، أو أنّ (٢) كون ترتيب الحكم على الوصف مشعرًا (٣) بالعليّة قياسٌ، فيتوقف ثبوته على ثبوت أصل القياس، فلا يثبت به أصل القياس، وإلا يلزم الدور. فإن قلت: قد قال بحجية هذا النوع من القياس بعض من أنكر أصل القياس؛ لكون العلّة فيه معلومة بالإيماء فيصح إثباته به بالنسبة إليه. قلت: صحيح، ولكن لا يصح إثباته به (٤) بالنسبة إلى منكر أصل القياس. والكلام في هذا المقام ليس إلا معه. قال صفي الدّين الهندي ﵀: ويمكن أنْ يجاب عن اعتراض الخصم بوجه ثالث: وهو أنّ الأمر بالماهية الكليّة وإنْ لم يقتض الأمر بجزئياتها، لكن يقتضي تخيير المكلف بالإتيان (٥) بكل واحد من تلك الجزئيات بدلًا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو

стр. 2514

لجميعها ثمّ التخير بينهما يقتضي جواز فعل كلِّ واحد منها ويلزم من جواز فعل القياس وجوبه؛ لأنَّ القول بجوازه مع عدم وجوبه خارق للإجماع (١). ثم اعترض الخصم ثالثًا: بأنا ولو سلمنا أنّ (٢) الآية دالة على الأمر بالقياس، لكنَّ التمسكَ بها ممتنعٌ؛ لأنَّ الاستدلال بالعموم إنما يفيد الظنّ، والتمسك بالظنّ (٣) في المسائل العلمية التي هي الأصول لا يجوز. وأجاب المصنف: بأن المقصود من حجية القياس العمل به لا مجرد اعتقاده، كأصول الدّين، والعمليات (٤) يكفي فيها الظنّ، فكذلك وسائلها، والله أعلم. ولم يجب الإمام عن هذا السؤال، بل قال: إنّه عام في كلّ (٥) السمعيات فلا تعلق له بخاصية هذه المسألة (٦). وأجاب الهندي بمنع أنْ تكون المسألة علمية وجعلها ظنيّة (٧)، وهذا واضح على أحد الرأيين (٨) اللذين حكيناهما في أوَّل البابِ.

стр. 2515

قال (الثاني: خبر معاذ وأبي موسى . قيل: كان ذلك قبل نزول: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١). قلنا: المراد الأصول لعدم النّص على جميع الفروع). الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على حجيّة القياس السنة، وتلك في قصتين: قصة معاذ وقصة أبي موسى (٢). أما قصّة معاذ فروي عنه أنّ النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (٣). والمراد بالرأي القياس.

стр. 2516

قال إمام الحرمين: ولا يجوز أنْ يقال: أراد بالرأي الاستنباط من الكتاب والسنة، فإنّ ذلك لو كان على هذا الوجه لكان تمسكًا بالكتاب والسنّة، وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي ﵁ احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا. قال: والحديث مدون في الصّحاح متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل (١). قلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري: لا يصحّ هذا الحديث (٢). وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل (٣). وأما قصّة أبي موسى، وقد جمع في المحصول وغيره بين القصتين وجعلهما واحدة (٤)، ولا أعرف ذلك بل روى

стр. 2517

البيهقي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه كتابًا بليغًا وفيه: ثم قايس الأمور، واعرف الأمثال والأشباه. رواه البيهقي (١). وقال: هو كتاب معروف مشهور لا بد للقضاة من معرفته والعمل به (٢). وقد اعترض الخصم على هذا الدليل الثاني: فإنّه وإن دلّ على حجيّة القياس وقت تقريره ﷺ فلا يدلّ على حجيّته دائمًا في جميع الأزمنة، بل ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) فإنّ إكمال الدّين إنّما يكون بالتّنصيص على الأحكام فلمّا نزلت هذه الآية استغني عن القياس. والجواب: أنّ الأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت، وأيضًا فلم يقل أحد إنَّ القياس كان حجّةً إلى حين نزولِ هذه الآية ثمّ زال. والمراد بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) الأصول أمّا التفاريع فالآية مخصوصة بالنسبة إليها لعدم شمول النّص الصريح (٥) لجميع الجزئيات، هذا تقرير ما في الكتاب.

стр. 2518

ولك أنْ تجيب عن هذا (١) الاعتراض بما هو أحسن من هذا الجواب، فتقول: المراد من قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) بيان جميع ما يحتاج إليه في الدّين (٣)، والآية عامَّة على هذا التقدير. ثمّ البيان قد يكون بلا واسطة كما في التخصيص، وقدْ يكون بواسطة كما إذا بيَّن المدارك للأحكام (٤).

стр. 2519

فلِمَ قلتم: إنَّه لا يحصل ذلك إلا إذا كان البيان بلا واسطة؟ وحينئذ لا ينافي إكمال الدّين العمل بالقياس بل يكون من إكماله شرعية القياس (١) ولا يحتاج على هذا التقرير (٢) إلى تخصيص الآية، بل تكون باقية على عمومها. قال: (الثالث أنّ أبا بكر ﵁ قال في الكلالة: أقول برأيي ، الكلالةُ ما عدا الوالد والولد (٣)، والرأي هو القياس إجماعًا. وعمر ﵁ أمر أبا موسى في عهده بالقياس، وقال في الجدّ أقضي برأيي. وقال له عثمان: إن اتبعت رأيك فسديد. وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد. وقاس ابن عباس الجدّ على ابن الابن في الحجب ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر، قيل ذموا أيضًا قلنا: حيث فقد شرطه توفيقًا). الوجه الثالث: مما يدلّ على أنّ القياس حجّة، وهو معتمد الجمهور: الإجماع (٤).

стр. 2520

وتقريره أنّ العمل بالقياس مجمعٌ عليه بين الصحابة؛ لصدوره من

стр. 2521

طوائف منهم من غيرِ إنكارٍ، وكلّما كان كذلك كان إجماعًا؛ لما تقدم في كتاب الإجماع. وأما صدوره عن طوائف منهم: فلِما روي أنّ أفضل الصحابة الصديق ﵁ قال حين سئل عن الكلالة (١): "أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمنَ الله، وإنْ يكنْ خطأً، فمنِّي ومن الشيطان" (٢)، والرأي هو القياس؛ لأنَّه يقال: أقُلْتَ هذا برأيك أم بالنص؟ فدلت مقابلته للنّص على أنَّه للاستدلال. وادّعى المصنّف في ذلك الإجماع، وكذلك (٣) ادّعى صفي الدّين الهندي في النِّهاية، واستدل عليه بأنّ أصحابنا روَوْا عن السلف كلامًا كثيرًا

стр. 2522

أنَّهم عملوا بالرأي، وقالوا: الرأيُ (١) هو القياس. وروى الخصوم كلامًا كثيرًا في ذمِّ الرأي وقالوا: هو القياس، وساعدناهم على ذلك، فدلّ على أنّ الرأي هو القياس وفاقًا (٢). فإن قلت: هل ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل؟ قلت: الأظهر أنَّه بطريق النقل، مع أنَّ ذلك مما لا حاجة (٣) لنا إليه مع ثبوت (٤) ما ذكرناه. وأمر عمر ﵁ أبا موسى في عهده بالقياس، حيث قال: "واعرف الأشباه والنظائر ثمَّ قايِس بين الأمور" (٥) وقد تقدم هذا. وقال عمر أيضًا في الجد: أقضي برأيي. فقال عثمان لعمر: إن اتبعتَ رأيك فسديد، وإن تتبع رأي من قبلك يعني أبا بكر فنعم الرأي (٦).

стр. 2523

وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (١) على أنْ لا يُبَعْنَ، وقد رأيت الآن بيعهن (٢). وقاس ابن عباس الجدّ على ابن الابن في حجب (٣) الإخوة، وقال: ألا يتقي الله ابن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبَا الأب أبًا (٤). فثبت

стр. 2524

صدور القياس بما قلناه وبغيره من الآثار الكثيرة التي لا ينكرها إلا معاند، وقد تواتر القدر المشترك منها (١). قال القاضي في كتاب التقريب والإرشاد: وقد صار تمسكهم بالرأي وتسويغهم التعلق بطريق الاجتهاد مدركًا ضرورةً (٢)، كما أدرك اختلافهم على الجملة ضرورة، وإن كانت صورة الاختلاف نقلت آحادًا (٣). واعترض الخصم على هذا الدليل، بأنه معارض بمثله، فإنه نقل عن الصحابة ﵃ أنَّهم ذموه أيضًا، وأنكروه كما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: "أيُّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي" (٤). وقوله: تظلني أي توقع عليَّ ظلًا، وتقلني معناها تحملني (٥).

стр. 2525

وعن عمر ﵁: "إيَّاكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين" (١). وعن علي ﵁: "لو كان الدِّين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره" (٢) إلى غير ذلك من آثار كثيرة (٣). والجواب: أنّ معارضة هذا الذّمّ لما ذكرناه أيضًا عنهم من العمل به إنْ ثبتت، فالجمع بين الدليلين أولى، فيحمل هذا على ما إذا كان القياس غيرَ مستجمع لشرائطه، وذلك على القياس المستجمع لشرائطه توفيقًا بين الدليلين، وهذا (٤) ما ذكره في الكتاب وهو جواب إجمالي. وقد قيل: إن المعارضة غير ثابتة. وأجيب: بوجه تفصيلي؛ أمَّا ما نُقِلَ عن أبي بكر فإنّما أراد به قوله
следующие страницы →