← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

طوائف منهم من غيرِ إنكارٍ، وكلّما كان كذلك كان إجماعًا؛ لما تقدم في كتاب الإجماع. وأما صدوره عن طوائف منهم: فلِما روي أنّ أفضل الصحابة الصديق ﵁ قال حين سئل عن الكلالة (١): "أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمنَ الله، وإنْ يكنْ خطأً، فمنِّي ومن الشيطان" (٢)، والرأي هو القياس؛ لأنَّه يقال: أقُلْتَ هذا برأيك أم بالنص؟ فدلت مقابلته للنّص على أنَّه للاستدلال. وادّعى المصنّف في ذلك الإجماع، وكذلك (٣) ادّعى صفي الدّين الهندي في النِّهاية، واستدل عليه بأنّ أصحابنا روَوْا عن السلف كلامًا كثيرًا

стр. 2522

أنَّهم عملوا بالرأي، وقالوا: الرأيُ (١) هو القياس. وروى الخصوم كلامًا كثيرًا في ذمِّ الرأي وقالوا: هو القياس، وساعدناهم على ذلك، فدلّ على أنّ الرأي هو القياس وفاقًا (٢). فإن قلت: هل ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل؟ قلت: الأظهر أنَّه بطريق النقل، مع أنَّ ذلك مما لا حاجة (٣) لنا إليه مع ثبوت (٤) ما ذكرناه. وأمر عمر ﵁ أبا موسى في عهده بالقياس، حيث قال: "واعرف الأشباه والنظائر ثمَّ قايِس بين الأمور" (٥) وقد تقدم هذا. وقال عمر أيضًا في الجد: أقضي برأيي. فقال عثمان لعمر: إن اتبعتَ رأيك فسديد، وإن تتبع رأي من قبلك يعني أبا بكر فنعم الرأي (٦).

стр. 2523

وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (١) على أنْ لا يُبَعْنَ، وقد رأيت الآن بيعهن (٢). وقاس ابن عباس الجدّ على ابن الابن في حجب (٣) الإخوة، وقال: ألا يتقي الله ابن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبَا الأب أبًا (٤). فثبت

стр. 2524

صدور القياس بما قلناه وبغيره من الآثار الكثيرة التي لا ينكرها إلا معاند، وقد تواتر القدر المشترك منها (١). قال القاضي في كتاب التقريب والإرشاد: وقد صار تمسكهم بالرأي وتسويغهم التعلق بطريق الاجتهاد مدركًا ضرورةً (٢)، كما أدرك اختلافهم على الجملة ضرورة، وإن كانت صورة الاختلاف نقلت آحادًا (٣). واعترض الخصم على هذا الدليل، بأنه معارض بمثله، فإنه نقل عن الصحابة ﵃ أنَّهم ذموه أيضًا، وأنكروه كما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: "أيُّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي" (٤). وقوله: تظلني أي توقع عليَّ ظلًا، وتقلني معناها تحملني (٥).

стр. 2525

وعن عمر ﵁: "إيَّاكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين" (١). وعن علي ﵁: "لو كان الدِّين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره" (٢) إلى غير ذلك من آثار كثيرة (٣). والجواب: أنّ معارضة هذا الذّمّ لما ذكرناه أيضًا عنهم من العمل به إنْ ثبتت، فالجمع بين الدليلين أولى، فيحمل هذا على ما إذا كان القياس غيرَ مستجمع لشرائطه، وذلك على القياس المستجمع لشرائطه توفيقًا بين الدليلين، وهذا (٤) ما ذكره في الكتاب وهو جواب إجمالي. وقد قيل: إن المعارضة غير ثابتة. وأجيب: بوجه تفصيلي؛ أمَّا ما نُقِلَ عن أبي بكر فإنّما أراد به قوله

стр. 2526

في تفسير القرآن، ونحن نسلم أنَّه لا مجال للرأي في ذلك؛ لكونه مستنِدًا إلى محض السمع عن النبي ﷺ وأهل اللغة بخلاف الفروع الشرعية. وأما قول عمر ﵁ فإنّما (١) قصد به ذمّ من ترك الموجود من الأحاديث وعدل إلى الرَّأيِ، مع أنّ العمل به مشروطٌ بعدمِ النّصوص، ولذلك سمّاهم بأصحاب الرأي، وإلا فمن قال بالكتاب والسنّة والرأي، لا يقال له صاحب الرأي؛ لأنَّه لم يتمحض قوله بالرأي. وأما قول علي ﵁ لو كان الدِّين بالقياس إلى آخره، فيجب حمله على أنَّه لو كان جميع الدّين بالقياس، ويكون المقصود منه، أنَّه ليس كلّ ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس (٢). قال (الرابع: إنّ ظنّ تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع ، يوجب ظنّ الحكم في الفرع. والنقيضان لا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما. والعمل بالمرجوح ممنوع، فيبقى الراجح). هذا وجه عقلي (٣) وتقريره: أنّ المجتهد إذا ظن أنّ الحكم في الأصل

стр. 2527

معلّل بعلّة موجودة في الفرع، حصل له ظنّ ثبوتِ الحكمِ في الفرعِ، والظنُّ بوجودِ الشيءِ يستلزم الوهمَ بعدمِه؛ لعدمِ انفكاك كلٍّ من الظنِّ أو الوهمِ عن الآخرِ، والعملُ بهما أو التركُ لهما يستلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، والعملُ بالوهمِ المرجوح خلاف المعقول والمشروع، فتعين العمل بالراجح؛ لأنَّا استقرينا أمور الشرع كلّها جزئية وكلية، فوجدنا الراجع (١) يجب العمل به (٢)؛ لقوله ﷺ : "نحنُ نحكمُ بالظاهر" (٣)، وما أشبه ذلك، وهذا معنى قولنا يتعين العمل بالراجح،

стр. 2528

وليس المراد منه أنّ كونه راجحًا صفة يقتضي الثواب على فعله، والعقاب على تركه، حتّى يقال عليه: الأحكام عندنا، إنّما هي من جهة الشّرع دون العقل، وإنّما المراد بتعينه أنّ الشرع تقرر منه ذلك، فالعقل أدرك كونه راجحًا، والشّرع حكم بالعمل بالراجح، وللعقل أهلية الإدراك بلا نزاع بين العقلاء، وقد قيل: إنّ في (١) هذا الدليل نظرًا؛ لجواز ارتفاعهما بارتفاع محل الحكم، وذلك بألَّا يكون في الواقعة حكم شرعي البتّة، ويكون الأمر فيها محالًا على البراءة الأصلية، بناءً على أنَّه (٢) لا يجب أنْ يكون في كلّ حادثة حكم شرعي.

стр. 2529

قال: (احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْفُ﴾، ﴿وَلَا رَطْبٍ﴾، ﴿إِنَّ الظَّنَّ﴾. قلنا الحكم مقطوع والظن في طريقه) ذكر من شُبَهِ الخصوم ستة: أولها: ما تعلقوا به من الكتاب وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة. وأيضًا فالقياس إنَّما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣) أي ولا تتبع ما لا (٤) تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥) يقتضي الاستغناء عن القياس. وأيضًا قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٦).

стр. 2530

وأجاب: في الكتاب بأن الحكم مقطوع به لا مظنون، والظنّ وقع في طريقه كما تقرر في أول الكتاب. فإنْ قلت: هذا يشعر بأنه سلَّم أنّ الظنّ مذموم، لكنَّه وقع في طريق الحكم لا فيه، وعلى هذا يكون الطريق مذمومًا، ويكون الحكم (١) كذلك؛ لأنّه مستفاد من الطريق المذموم. قلت: حاصل جوابه، أنَّه منع كون الحكم مظنونًا حتَّى لا يستدل الخصم عليه بما استدل، ولا يلزم من هذا المنع تسليم أنَّ الظنّ مذموم، ولا إشعار له به، ولو سلمنا أنَّه يشعر بذلك. فقال الشيرازي (٢) شارح هذا الكتاب (٣) لا نسلم أنّ المستفاد من المذموم مذموم ألا ترى إلى جواز كذب المقدمتين مع صدق النتيجة، مثل قولك: كل إنسان حجر، وكلّ حجر حيوان، ينتج كل إنسان حيوان، وهو صحيح مع كذب

стр. 2531

مقدمتيه. ولقائل أنْ يقول (١): كل إنسان حيوان في هذا المثال صورة نتيجة لا نتيجة في نفسه، وصدقه لنفسه لا لكونه نتيجة، فلا نسلم أنّ هاتين المقدمتين ينتجان هذا القول الصادق. واعلم أنّ هذا الذي أجاب به المصنف ليس شاملا للآية الأولى ولا للآية الرابعة. والجواب عن الآية الأولى، أنَّا (٢) لا نسلم أنّ العمل بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله؛ لأنَّه ثبت بالكتاب والسنة كما تقدم. وعن الرابعة بأنَّه عام مخصوص؛ لعدم اشتمال الكتاب على جميع الجزئيات. وقد أجيب عما استدل به الخصم على المنع من الظنّ بوجهين آخرين لم يذكرهما في الكتاب: أحدهما: أنَّه حجة عليه، فإنّ القول ببطلان القياس ليس معلومًا عنده بل مظنون ضرورة أنَّه لا (٣) قاطع على فساده. والثاني: أنَّه يجب تخصيصه بالأصول دون الفروع؛ لوجوب العمل بشهادة الشهود، وحكم القاضي، وفتوى المفتي، واجتهاد المجتهد في الماء

стр. 2532

والثوب (١)، والقبلة وقت الصلاة، وهلال رمضان، وقيم المتلفات، وغلبة السلامة في ركوب البحر، وخبر الواحد والعموم، وقول المقدر في أرش (٢) الجنايات والنفقات، وجزاء الصيد، وصدق الحالف في مجلس الحكم، كلَّ ذلك مظنون، ويرفع (٣) به النَّفي في الأصل. قال: (الثاني: وقوله ﷺ : "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة (٤) بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا". الثالث: ذمَّ بعض الصحابة له من غير نكير. قلنا: معارضان بمثلهما (٥) فيجب التوفيق. الرابع: نقل الإمامية إنكاره عن العترة. قلنا: معارض (٦) بنقل الزيدية. الخامس: أَنَّه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. قلنا: الآية في الآراء والحروب لقوله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة").

стр. 2533

الشبهة الثانية للخصوم: ما روي من قوله ﷺ : "تعمل هذه الأمة برهة - أي قطعة - من الزمان بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ﷺ ، ثمّ تعمل برهة بالرأي، فإذا قالوا بالرأي، فقد ضلّوا وأضلّوا" (١). الثالثة: الإجماع فإنّه قد نقل عن بعض الصحابة ذمّ الرأي من غير نكير، فكان إجماعًا (٢). والجواب عن هذين الدليلين بأنَّهما معارضان بمثليهما سنّة وإجماعًا، كما سلف فيجب الجمع بين الدليلين، بأنْ يحمل الذمّ على القياس الفاسد دون الصحيح، كما سبق. هذا ما في الكتاب.

стр. 2534

والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجَّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ راويه جبارة بن المغلس (١) وهو ضعيف، عن حماد بن يحيى الأبح (٢)، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء (٣). قال ابن عدي (٤): وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا (٥)، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب (٦) عن أبي هريرة

стр. 2535

مرفوعًا (١) (٢). فإن قلت: سلمنا ضعفَ الحديث (٣) ومعارضتَه لما تقدم، ومعارضةَ الإجماع أيضًا، وأنَّه يجب التوفيق بينهما. ولكن لا نسلم أنّ التوفيق متعين بما ذكرت من الطرق، بل جاز أنّ بعضهم كان قائلًا بالقياس، حين كان البعض الآخر منكرًا، ثمّ لما انقلب المنكِر مقِرًّا انقلبَ المقِرُّ مُنكِرًا، وحينئذ يكون كلُّ واحدٍ منهم قائلًا بالقياس ومنكِرًا باعتبار حالتين، فلا تناقض (٤)، وتكون الروايتان صحيحتين مع أنَّه لا يحصل الإجماع على صحته، ولا على بطلانه، فلا يصحّ لك ولا لنا الاستدلال بالإجماع. قلت: ما ذكرناه من التوفيق أولى؛ لأنَّه يقتضي بقاء ما كان على ما كان من استمرار كل ذي قول على قوله، وتوفيقكم يقتضي التعبير. وأيضًا فلو وقع ما ذكرتموه لاشتهر؛ لغرابته أو كان في لفظ أحد منهم إشعار بالرجوع.

стр. 2536

الرابعة: نقل الإمامية (١) من الشيعة (٢) إجماع العِترة (٣) على أنَّه لا يجوز

стр. 2537

العمل بالقياس. والجواب: أنَّ ذلك معارض بنقل الزيدية (١) منهم، حيث نقلوا إجماع العترة على وجوب العمل به مع أنّ إجماع العترة غير حجة كما سبق (٢). الخامس: أنّ القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة، وكلّ ما كان كذلك فهو منهي عنه. أما الصغرى (٣)؛ فلأن القياس مبني على الظنّ، وهو مختلف باختلاف القياسين. أما بيان الكبرى (٤)؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ (٥) نهى عن النزاع، فاستلزم ذلك النهي عمّا يُفضي إليه. والجواب: أنّ الآية إنّما وردت في مصالح الحروب؛ لقرينة قوله: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٦) أو أنَّها محمولة على النزاع فيما يتعين فيه

стр. 2538

الحق كمسائل الأصول. وأما التنازع فيما عدا ذلك فجائز لما روي من قوله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة" فيحمل الحديث على ما عدا ذلك. واعلم أنّ الحديث المشار إليه غير معروف، ولم أقف له على سند، ولا رأيت أحدًا من الحفاظ ذكره، إلا البيهقي ﵀ في رسالته إلى الشيخ العميد عميد الملك (١) بسبب الأشعري، وقد ساقها الحافظ ابن عساكر (٢)

стр. 2539

في التبيين (١) إلا أنّ البيهقي لم يذكر له إسنادًا، بل قال: روى عن النبي ﷺ كذا ولو لم يكن له أصل لما ذكره البيهقي، ثمّ قال البيهقي: سمعت الإمام ناصر العمري (٢) يقول: سمعت القفال المروزي (٣) يقول معناه اختلاف هممهم، فهمة واحد في الفقه وآخر في الكلام كاختلاف همم أصحاب الحِرَفِ في حِرَفِهم بما فيه مصالح العباد. قلت: وهذا تأويل حسن، وهو أحسن مما نقله إمام الحرمين في النهاية (٤) عن الحليمي (٥) من أنّ معناه اختلافهم في الدرجات والمراتب

стр. 2540

والمناصب، وكلا التأويلين على أنَّه ليس المراد اختلافهم في الحلال والحرام. قال والدي أيده الله: والقرآن دالٌ (١) على أنّ الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ (٣) وكذا (٤) السنة قال ﷺ "إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" (٥)، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة. والاختلاف على ثلاثة أقسام: أحدها: في الأصول وهو المشار إليه في القرآن ولا شك أنَّه بدعة وضلال. والثاني: في الآراء والحروب، وهو حرام أيضًا لما فيه من تضييع المصالح.

стр. 2541

والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلّ والحرمة ونحوهما. قال والدي أيده الله (١): والذي يظهر لنا ويكاد أنْ يقطع به أنّ الاتفاق فيه خير من الاختلاف، لكن هل نقول الاختلاف ضلال كالقسمين المذكورين، أو لا؟ . كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن منع التقليد يقتضي أَنَّه مثلهما (٢). وأمّا نحن فإنّا نجوّز التقليدَ للجاهل، والأخذَ بالرخصة (٣) من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص (٤). ومن هذا الوجه يصحّ أنْ يقال الاختلاف رحمة إذ الرخص رحمة. قال: (السادس: الشارع فضّل بين الأزمنة والأمكنة في الشّرف، والصلاة في القصر، وجمع بين الماء والتراب في التطهير، وأوجب التعفف على الحرّة الشوهاء دون الأمة الحسناء، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد في الزنا وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر،

стр. 2542

وذلك ينافي القياس. قلنا: القياس حيث عرف المعنى) الوجه السادس: وعليه اعتمد النظام أنّ مدار شرعنا على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، فإنّه فرّق بين الأزمنة في الشرف كليلة القدر وليلة الإسراء وليلة الجمعة ويومها وشهر رمضان والأشهر الحرم ويومي العيدين ويوم عرفة، وكذلك بين الأمكنة كمكة والمدينة والمسجد الأقصى مع الاستواء في الحقيقة، وفرّق بين الصلوات في القصر (١) فرخّص في قصر الرباعيات دون الثنائية (٢) والثلاثية، وجمع بين الماء والتراب في استباحة الصلاة بهما مع أنّ الماء ينظف والتراب بضدّه، وجعل الحرّة الشّوهاء تحصّن، ويحرم النّظر إليها، دون الجارية الحسناء. وعبارة المصنف أوجبت التعفف على الحرّة الشوهاء، فيحتمل (٣) أن يريد ما ذكرناه، وأن يريد أَنَّه أوجب عليها الستر دون الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها. وقطع سارق القليل ما لم ينقص عن ربع دينار، دون غاصب الكثير مع أنّ غاصب الكثير (٤) أبلغ في الفحش؛ لأنَّه يأخذ المال جهرًا على تغلب، والسارق يأخذه سرًّا على تخوف، وأعظم في الأذى لكثرته.

стр. 2543

وجلد في القذف بالزنا بخلاف القذف في الكفر مع كونه أبلغ، وشرط فيه شهادة أربعة، واكتفى في الشهادة على القتيل والكفر باثنين. وإذا ثبت هذا وجب أنْ لا يصحّ القياس لأنَّ (١) مبناه على أنّ (٢) الصورتين لما اشتركا في الحكمة وجب اشتراكهما في الحكم، وهو باطل (٣). والجواب: أنّ القياس إنما يجوز حيث عرف أنّ الحكم في الأصل معلل بعلة معلومة موجودة في الفرع، وامتناع القياس في صور معدودة لا يقتضي امتناعه من أصله (٤). واعلم أنّ ما ذكره النظام من أنّ الشريعة مبنية على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات كذب وافتراء، وإنّما حمله على ذلك زندقته وقصده الطعن في الشريعة المطهرة، وقد كان زنديقا يبطن الكفر ويُظْهِر الاعتزالَ، صنَّف كتابًا في ترجيحِ التثليثِ على التوحيدِ لعنه الله، وقد نبهنا على ذلك في أوَّل كتاب الإجماع (٥).

стр. 2544

وما ذكره من الصُّوَرِ، وكذلك ما يناسبها لها معان يعلمها الشارع لا نَطَّلِعُ عليها، وحِكَمٌ خفيةٌ لا نُدْرِكُهَا، على أنّ الصور المذكورة قد ذكرت معانيها. قال: (الثانية: قال النظام والبصري وبعض الفقهاء التنصيص على العلّة أمر بالقياس، وفرَّق أبو عبد الله بين الفعل والترك) . النّص على علّة الحكم هل يفيد الأمر بالقياس (١)؟ فيه مذاهب (٢): أحدها: وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة واختاره الآمدي ومن تبعه: أنَّه لا يفيد الأمر بالقياس سواء كان في الفعل مثل أكرم زيدًا لعلمه، أم الترك مثل الخمر حرام لإسكارها (٣). والثاني: أنَّه يفيده وبه قال أحمد بن حنبل، والرازي أي أبو بكر (٤)، والكرخي والقاشاني (٥) والنهرواني وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الحسين

стр. 2545

البصري ونقله الأكثرون عن النظام (١). والثالث: قاله أبو عبد الله البصري إن كانت العلّة علّة للتحريم وترك الفعل كان التنصيص عليها كافيًا في ترك الفعل بها أين وجدت، وإن كان علةً لوجوب الفعل (٢) أو ندبيته لم يكن ذلك كافيا في إيجابه ولا ندبيته ما لم يرد التعبد بالقياس من خارج (٣). تنبيه: قد عرفت نقل الأكثرين عن النظَّام، ومنهم صاحب الكتاب وكلام الغزالي في النقل عنه صريح في أنَّه يرى تعميم الحكم في جميع موارد العلَّة بطريق اللفظ والعموم (٤)، وبه صرّح الآمدي في أثناء المسألة (٥)، وهو مناف لنقل الأكثر، فإنّ التعميم بالقياس لا يجامع التّعميم باللفظ، فحينئذ لا يكون أمرًا بالقياس عنده، وإنْ ثبت الحكم عنده في غير الصورة (٦) المنصوص عليها. فإن قلت: ما الجامع بين إنكار النّظام التّعبد بالقياس وبين مقالته التي نقلتموها عنه هنا؟ . قلت: أما على ما نقله الغزالي فواضح؛ لأنَّه جعله من باب العموم،

стр. 2546

وقال الغزالي: قد ظنّ النظام أنَّه منكر للقياس، وقد زاد علينا؛ إذ قاس حيث لا نقيس، لكنه أنكر اسم القياس (١). وأمَّا على ما (٢) نقله الأكثرون، فإنّه هنا يقول: إذا وقع التنصيص على العلّة كان مدلولُ اللفظ الأمرَ بالقياس ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره بل لمدلوله لغة وهناك أحال وروده من الشارع فعنده حينئذ أنّ الشّارع لا يقع منه التّنصيص على العلّة لاستحالة القياس عنده ووقوع التنصيص على العلّة (٣) من حيث هو مدلوله ما ذكرناه، فافهم هذا فإنّ بعض الشراح (٤) ظنَّ مناقضته في (٥) مقالته، وذلك سوء فهم (٦)، فإنّ الكلام في مدلول اللفظ إن ورد، غير الكلام في أنَّه

стр. 2547

هل يرد (١)؟ . قال: (لنا أنَّه لو (٢) قال حرمت الخمر؛ لإسكارها يحتمل علّة الإسكار مطلقا وعلّة إسكارها (٣). قيل: الأغلب عدم التقيد. قلنا: فالتنصيص وحده لا يفيد. قيل: لو قال علة الحرمة الإسكار لاندفع (٤) الاحتمال. قلنا: ثبت الحكم في كل الصور بالنّص).

стр. 2548

استدل صاحب الكتاب على المذهب المختار (١) بأن قوله: حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة محتمل لأنْ تكون العلّةُ مطلقَ الاسكارِ، ولا تكون العلّةُ إسكارَها، وهذا لأنَّ لله تعالى أنْ يجعل إسكار الخمر بخصوصه هو العلّة لما يعلم فيه من المفسدة الخاصة به (٢) التي لا وجود لها في غيره، وإذا احتمل واحتمل لم يجز التعبد به إلا بأمر مستأنف بالقياس، وإذا وضح هذا في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق أولى (٣).

стр. 2549

فإن قلت: مقتضى (١) ما قررتم بعينه امتناع القياس عند النَّص على العلّة مع ورود الأمر به أيضًا. قلت: لعلّ ورود الأمر بالقياس قبل النّص على علّة حكم قرينة تقضي (٢) بترجيح أحد الاحتمالين، وهو مطلق الإسكار في المثال الذي ذكرناه. واعترض الخصم من وجهين (٣): أحدهما: أنّ الأغلب على الظنّ عدم كون خصوص المحل قيدًا في العلّة، وإلا لما صحّ قياسٌ أصلًا، ويحتمل أن يريد (٤) أنّ الأغلب في العلل التَّعْدِيَة. والجواب: أنَّه حينئذ لا يكون النَّص على العلّة وحده هو المقيد للأمر بالقياس، بل التنصيص مع كون الأغلب عدم التقيد، والنّزاع إنما هو في أنّ التّنصيص وحده هل هو كافٍ؟ . وثانيهما: أنَّه لو قال الشارع علّة الحكم الإسكار، لاندفع الاحتمال وثبت الحكم في كلِّ الصّور التي يوجد فيها (٥) الإسكار.

стр. 2550

وأجاب: بأن الحرمة حينئذ تثبت في كلِّ الصّور لا (١) بالقياس بل بالنّص أي بطريق الاستدلال من النّص حيث إنه جعل مطلق الإسكار علّة تحريم الخمر، وهو حاصل في كلّ مسكر، فيلزم ثبوت الحرمة في كل مسكر. وعبارة التحصيل: لو قال ذلك لم يكن قياسًا إذ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول أي من غير أنْ يتأخر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر فلم يتميز الأصل عن الفرع حتّى يقاس أحدهما على الآخر (٢)، وهذه العبارة نحو عبارة الإمام (٣). وعبارةُ صاحب الكتاب قريبة منهما، إلا أنَّه لم يقل علّة حرمة الخمر بل علّة الحرمة، وهو واحد فإن المقصود حرمة الخمر، إذ ليس الإسكار علّة لكل حُرْمَة، وهذا واضح، ولم يصرح الإمام وسراج الدين بأنّ ذلك بالنّص، ولكن بطريق العلم بالعلّة وهو الاستدلال بالنّص (٤) وإيّاه أراد المصنف ﵀، وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف، فإنه قال: يكون التحريم ثابتا في كل الصور بجهة العموم (٥). ولقائل أنْ يقول: لا نسلم أنّ ذلك ليس بقياس، وقولكم: لم يتميز

стр. 2551

الأصل عن الفرع مندفع، فإنه إذا قال: علّة حرمة الخمر الإسكار، فالحرمة في الخمر أصل، وحصل العلم بها حال ورود النّص، ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر، وكل ما كان غير الخمر يكون فرعًا والعلم بحرمته متأخر عن العلم بحرمة الخمر، وربما لا يعلم كون الشيء مسكرًا إلا بعد حين، فلا يعلم حرمته، فإذا جُرِّبَ ووُجِدَ مسْكرًا عُلِم تحريمه فكيف لا يكون العلم به متأخرا؟ (١). فإن قلت: نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كلّ مسكر حكمًا كليًّا لا (٢) العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة، فإنّها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة (٣) الجزئيات المخصوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخمر بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مسكر، والعلم بهذه المقدمة لا يتأخر. قلت: لا نسلم أنّ العلم بها غير متأخر، لأنَّا لا نعلم أولًا حرمة الخمر، ثمّ كون الإسكار علّة بتنصيص الشارع، ثمّ نحكم بتحريم كلّ مسكر حكمًا مترتبًا على هذا العلم بالعلية، والحكم في كلّ قياس كذلك، فإن المجتهد يعلم حكم الأصل، ثمّ يستنبط العلّة، ثمّ يحكم بمقدمة كلية شاملة لجميع صور تلك العلَّة. هذا شرح ما في الكتاب.

стр. 2552

وأمّا الدّليل على أنّ التّنصيص على العلّة لا يفيد الحكم في جميع الصور باللفظ خلاف (١) ما نقله الغزالي، والآمدي عن النظام فإنّا نعلم بالضرورة من اللغة أنّ قوله: حرّمت الخمر؛ لإسكارها لا يدل على تحريم كلّ مسكر كدلالة (٢) قوله: حرّمت كلّ مسكر، وأنَّه غير موضوع لذلك بل موضوع لتحريم الخمر لعلّة إسكاره، وحرمة ما عدا الخمر من المسكرات ليس جزءًا من هذا المفهوم ضرورةً، فيجب ألا (٣) يكون دلالته على تحريم كلّ مسكر لفظية؛ لأنَّ الدلالة منحصرة في هذين النوعين عند قوم وفي دلالة المطابقة عند آخرين، ولهذا لو قال الرجل: أعتقت غانما لسواده، لم يعتق من عدا (٤) من عبيده السود، ولو قام ذلك مقام عتقت عبيدي السود لعتقوا عليه من غير اعتبار نية، ولا علم، بمقصده، وكذا لو قال: لوكيله بع سالمًا؛ لسوء خلقه. واحتج أبو عبد الله على مذهبه بأن من ترك أكل رمّانة حامضة؛ لحموضتها وجب عليه أنْ يترك أكْلَ كلِّ رمّانة حامضة بخلاف من أكلها لحموضتها (٥). وأجيب: بأنَّا لا نسلم أَنَّه يجب عليه ترك الكلّ، وذلك لاحتمال أن

стр. 2553

يكون الدّاعي لا مطلق حموضة الرّمانة بل حموضة هذه الرمانة الخاصة. سلمناه، ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك، وإنما لم يجب أكل كلّ رمّانة حامضة على من أكل رمانة حامضة؛ لأنَّه لم يأكلها لمجرد حموضتها، بل لحموضتها مع قيام الاشتهاء الصادق لها، وخلاء المعدة عن (١) الرّمان وعلمه أو ظنّه بعدم تضرره بها، وهذه القيود غير موجودة في أكل الرّمانة الثانية. وهذا ما ذكره الإمام (٢). ولقائل أنْ يقول: التفرقة بين الفعل والترك ثابتة فإنّ جانب النهي يدل على كون المشترك مفسدة مطلوبة العدم، ولا يحصل هذا الغرض إلا بالامتناع عن كل الأفراد، وأما في طرف الفعل فالغرض متعلق بالمصلحة المشتركة بين الأفراد وذلك يحصل بأي فرد كان. كذا ذكره النقشواني (٣) وهو حسن، وهو وجه التفرقة بين اقتضاء النهي التكرار دون الأمر كما قررناه في موضعه. قال: وقول الإمام مع (٤) الاشتهاء الصادق

стр. 2554

وخلاء المعدة عين (١) الفرق (٢). قال: (الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني) هذه المسألة تشتمل على بحثين: الأول: أنّ القياس ينقسم إلى قطعي وظني (٣). الأوّل القطعي: وهو الذي يتوقف على العلم بعلّة الحكم في الأصل، ثمّ العلم بحصول مثل تلك العلّة في الفرع، فإذا علمها المجتهد (٤) تيقَّن إلحاق ذلك الفرع بالأصل في حكمه ومساواته له، وهذا القياس قطعي كما قال المصنف، وإليه أشار الإمام في المحصول بقوله: قد يكون ظاهرًا جليًا (٥)، ثمَّ

стр. 2555

صرَّح من بعد في أثناء المسألة بأنه يقيني (١). وأما حكمه فقد يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا. ومثال ذلك: من (٢) الظني قياس التأفيف على الضرب؛ لأنَّا نعلم أنّ العلّة الأذى، فيعلم وجودها في الضرب مع أنّ ثبوت الحكم في التأفيف ظني؛ لأنَّه مستفاد من دلالة اللفظ وقد قرر الإمام أنّ الإنصاف أَنَّه لا سبيل إلى استفادة اليقين منها؛ لتوقفها على الاحتمالات العشرة وهيهات أنْ توجد ذلك (٣). والثاني الظنيّ: كما إذا كانت إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس التفاح على البر في الربا، فإنّ الحكم بأنَّ الطُعم هو العلّة ليس قطعيا؛ لاحتمال أنْ يكون الكيل أو القوت (٤).

стр. 2556

قال: (فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية أو أدون كقياس (١) البطيخ على البر في الربا). البحث الثاني: في حكم الأصل. فثبوت حكم الأصل: إمّا أنْ يكون يقينًا، قال الإمام فيستحيل أنْ يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنَّه ليس فوق اليقين درجة (٢). واعترض عليه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف (٣)، وهذا الاعتراض بناءً على أنّ العلوم تتفاوت. وإنْ لم يكن يقينيًا، فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل، وذلك في (٤) النفي كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف (٥) الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ

стр. 2557

إِلَيْكَ﴾ (١) فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى، وقد يكون مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية (٢) في قوله ﷺ : "ومن أعتق شِركًا له في عبد قُوِّم عليه نصيب شريكه" (٣) إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل، وقد يكون أدون. قال الإمام: وذلك كجميع الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم، قال: وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون فلا ينحصر (٤). ومثَّل المصنف لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا بجامع الطعم مع احتمال كون العلّة الكيل أو القوت هذا تقرير ما ذكره الإمام وهو الذي

стр. 2558

أورده المصنف وسائر أتباع الإمام، وقد علمت به سداد كلام الإمام وأتباعه وخطأ من اعتقد تناقض كلامه حيث جعل في البحث الأول قياس الضرب على التأفيف مقدماته قطعية، وجعله هنا ظنيا كالنقشواني وغيره (١)، وسبب الخطأ توهمهم أنّ القياس إنما يكون قطعيًا (٢) إذا كان (٣) الحكم في الأصل كذلك وهذا ليس بشيء فقد تقطع بمساواة الشيء للشيء في حكمه المظنون، كما عرفت في البحث الأول، ولك أن تنظر ذلك بإجماعهم على إلحاق الخالة بالخال في الإرث، مع اختلافهم فيه. وإذا وضح هذا فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أنْ يكون ما في العلّة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأنَّ شرطه وجود العلة بكمالها

стр. 2559

في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه. قلت: أردنا شيئًا آخر، وهو عدم القطع بأنّ ما ظنّ عليته علّة كالطعم فإنّ القائل بعليته في الربويات ليس قاطعًا بمقالته لاحتمال أنْ تكون العلّة الكيل أو القوت، فإذا جئنا (١) إلى قياس التفاح على البر قلنا: هو مساوٍ له في الطعم وثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر؛ لأنَّ البر مكيل مقتات مطعوم فهو ربوي على كلّ الاحتمالات، والتفاح ربوي على احتمال واحد وهو كون العلّة الطعم، والثابت على كل الاحتمالات أقوى من الثابت على احتمال واحد. قال: (قيل تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد اقتله ولا تستخف به. قيل: لو ثبت قياسًا، لما قال به منكره. قلنا: القطعي لم ينكر. قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبة ولا النقير ولا القطمير. قلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني فلأن النقل (٢) فيه ضرورة، ولا ضرورة ها هنا). نقدِّم على الشرح ما ينبغي تقديمه؛ ثم نلتفت إليه فنقول: اتفق

стр. 2560

الأصوليون على أَنَّه لا مستند لثبوت الحكم في القسم الثالث وهو القياس الأدْوَن إلا القياس. وأمّا القسم الثاني وهو قياس المساواة؛ فذهب أكثرهم إلى أَنَّه ثابت بالقياس أيضًا، وذهبت الحنفية إلى أَنَّه غير ثابت به الاستدلال (١) أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار، ولهذا أوجبوا على من أفطر في رمضان بالأكل والشرب الكفارة اعتبارًا بالمجامع فيه، لكن لا بطريق القياس عليه، إذِ القياس لا يجري عندهم في الكفّارات ولكن بطريق الاستدلال (٢). وأما القسم الثالث وهو قياس الأولى وفيه كلام المصنف ففيه مذهبان: أحدهما: أنه ثابت فيه بالدلالة اللفظية (٣)، ثمّ اختلف القائلون بذلك على مذهبين: أحدهما: أنه من باب المنطوق (٤) وهو المشار إليه بقول صاحب
следующие страницы →