Полный текст (3 260 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الشافعي في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: وليس يُنْسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثْبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبْلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة. انتهى. وظاهر هذه العبارة أنه لا يقع النسخ إلا ببدل، وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل، وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبَّه عليه أبو بكر الصيرفي في "شرح الرسالة": أنه يُنقل من حظرٍ إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر أو تخيير، على حسب أحوال الفروض. قال: ومَثَل ذلك مَثَلُ المناجاة: كان يُناجى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فَرَض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاؤوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإن شاؤوا ناجَوْه من غير صدقة. قال: فهذا معنى قول الشافعي: "فرضٌ مكان فرض" فتفهَّمه. انتهى. وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون، فإنهم يقولون: إذا نُسخ الأمر بقوله: رفعتُ الوجوب، أو التحريم، مثلًا عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهو حكم أيضًا" (١).
الإحالات العلمية
سبق وأن ذكرنا أن التاج كان آية في زمانه في شتى الفنون، وقد ساعده على ذلك بيئته العلمية وتقلبه بين يدي العلماء المبرزين، زد على ذلك ما ورثه عن أبيه من مكتبة زاخرة بالمصادر والمراجع في علوم مختلفة. ولذا فإحالاته كثيرة سواء على مصادر أخذ منها منسوبة لغيره، أو مصادر له من تأليفه.
_________
(١) ينظر: ص ١٦٧٤ - ١٦٧٥.
стр. 282
أما مؤلفاته فقد أحال على كتاب الأشباه والنظائر مرارًا في شرحه، وعبارته تكررت كثيرًا فمنها على سبيل المثال:
مثال: "وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة في أكثر منه" (١).
مثال: "ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب" (٢).
مثال: "وهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله" (٣).
مثال: "وينعرج هذا إلى أنَّه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقصيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى" (٤).
مثال: "وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحققها من سرد فروعها ما تقرّ الأعين فعليك به" (٥).
مثال: "وقد قال أبو العباس ابن القاص لا يستثنى عن هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيترك اليقين فيها بمجرد الشك، وقد سردناها في
_________
(١) ينظر: ص ٢٣٧٣.
(٢) ينظر: ص ٢٤٩١.
(٣) ينظر: ص ٢٥٦٥.
(٤) ينظر: ص ٢٥٦٦.
(٥) ينظر: ص ٢٦١٩.
стр. 283
الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري والتحرير في كلّ ذلك فلا نطول بذكره هنا" (١).
مثال: "ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر كمّله الله تعالى" (٢).
وأما الإحالات إلى الكتب الأخرى، فقد أحال على مؤلفات شتى مثال ذلك إحالته على كتب أبيه. يقول مثلًا: "والمسألة في شرح المنهاج لوالدي مبسوطة" (٣).
مثال آخر: ". . . وتفاصيل هذه المسألة وحجج الأصحاب فيها مبسوطة في الكتب الكلامية، والمصنف أحال في ذلك على كتابه مصباح الأرواح" (٤).
وهناك إحالات من نوع آخر وهي الإحالات في نفس الشرح، إحالات بين الأبواب والفصول، لاحقة أو سابقة.
مثال: "وتحقيق هذا يتلقى من فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح وسننتهي إليه إن شاء الله" (٥).
مثال آخر: "قلت وهذا الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب
_________
(١) ينظر: ص ٢٦٢٠.
(٢) ينظر: ص ٢٥٦٥.
(٣) ينظر: ص ٤٢٠.
(٤) ينظر: ص ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٥) ينظر: ص ٧٧٥.
стр. 284
القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله" (١).
مثال آخر: "تقدم في كتاب القياس أن المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه، أو يجهل حاله، وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين، والنظر هنا في الثالث، وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة" (٢).
وبهذا القدر من الأمثلة، لعلنا أن نكون قد وفقنا في إظهار بعض جوانب هذه النقطة من المنهج.
الاستدلال بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والإجماع، وآراء الصحابة وأشعار العرب وأقوال أهل اللغة، والأدلة العقلية .
شأن كلّ أصوليٍّ وفقيه، الاستدلال بالأدلة، والبحث عن الدليل للمسألة التي يبحثها، وعملًا بحديث معاذ ﵁ المشهور حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فذكر تدرجه في الأدلة، ابتداء بالكتاب فالسنة إلى آخر الأدلة، وعلى هذا مشى كل من جاء بعده، فالتاج ليس بدعًا من العلماء، فلم يشذ عن هذه الطريقة، بل التزم بهذا المنهج، فيبحث عن الأدلة في الكتاب فإن لم يجد ففي السنة، ثم الإجماع ثم القياس، ثم أقوال الصحابة، ومن تبعهم، ثم بقية الأدلة العقلية. بالإضافة للأدلة التي يستأنس بها من أشعار العرب، وأقوال لأهل اللغة، وحتى نتبين ذلك مليًا، نذكر له بعض الأمثلة من شرحه كما هو المتبع في بقية النقاط في ذكر منهجه.
_________
(١) ينظر: ص ٥٥١.
(٢) ينظر: ص ٢٦٣٣.
стр. 285
مثال للاستدلال من الكتاب والسنة والإجماع، والدليل العقلي واللغة:
" أما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع.
وأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة والعبور تقول عبرت عليه وعبرت النهر.
وأما الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به. . . . .
الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على حجيّة القياس السنة، وتلك في قصتين: قصة معاذ وقصة أبي موسى. . . .
الوجه الثالث: مما يدلّ على أنّ القياس حجّة، وهو معتمد الجمهور: الإجماع. . . . . .
هذا وجه عقلي وتقريره: أنّ المجتهد إذا ظن أنّ الحكم في الأصل معلّل بعلّة موجودة في الفرع، حصل له ظنّ ثبوتِ الحكمِ في الفرعِ، والظنُّ بوجودِ الشيءِ يستلزم الوهمَ بعدمِه؛ لعدمِ انفكاك كلٍّ من الظنّ أو الوهم عن الآخر" (٢).
مثال آخر: "واستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات:
_________
(١) سورة الحشر: الآية ٢.
(٢) ينظر: ص ٢١٩٠ - ٢١٩١، ٢١٩٥، ٢١٩٩، ٢٢٠٦ - ٢٢٠٧.
стр. 286
الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) واللام تقتضي التّخصيص بجهة الانتفاع، فيكون الانتفاع بجميع ما في الأرض جائزًا إلّا الخارج بدليل.
والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢) أنكر على من حرّم زينته، فوجب أن لا يثبت حرمتها ولا حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة.
والثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) واللام في لكم للاختصاص على جهة الانتفاع كما عرفت، وليس المراد بالطيبات الحلال، وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيبه النفوس.
واستدل على أنّ الأصل في المضارّ التّحريم:
بما روى الدارقطني من قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤).
مثال آخر: "فقد احتج المصنف على أنّ قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا بثلاثة أوجه:
أولها: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ أمر بالاعتبار وذلك ينافي التقليد كذا قرره الإمام. . .
_________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٩.
(٢) سورة الأعراف: الآية ٣٢.
(٣) سورة المائدة: الآية ٥.
(٤) ينظر: ص ٢٦٠٠ - ٢٦٠١.
стр. 287
والثاني: أنّ الصحابة أجمعوا على مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة. . . . .
والثالث: قياس الفروع التي هي محل الخلاف على الأصول لامتناع كون قولهم حجّة فيها على غيرهم من المجتهدين اتفاقًا والجامع كون المجتهد متمكنًا من إدراك الحكم بطريقه" (١).
مثال آخر: "أقول: القياس في اللغة: التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة أي قدرتها بها والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه، قال الشاعر:
خِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالَ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا
وبهذا المعنى يطلق على القياس المصطلح؛ لأنَّ الفرع يساوي الأصل في الحكم" (٢).
ذكر وجه الدلالة من النصوص
مثاله: "قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾ (٣) أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به" (٤).
_________
(١) ينظر: ص ٢٦٧٧، ٢٦٧٨، ٢٦٧٩.
(٢) ينظر: ص ٢١٥٧ - ٢١٥٨.
(٣) سورة الحشر: الآية ٢.
(٤) ينظر: ص ٢١٩١.
стр. 288
مثال آخر: "قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة.
وأيضًا فالقياس إنّما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣) أي ولا تتبع ما لا تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤). يقتضي الاستغناء عن القياس" (٥).
مثال: "ومنها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) مع قوله في آية أخرى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٧) فظاهر الأولى وضع السيف فيهم حيث يثقفون، وظاهر الآية الثانية يقتضي جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير فصل.
وقال ﷺ : "خذوا من كل حالم دينارًا" وقال: "أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث، وظاهر هذا أنّ الجزية لا تؤخذ
_________
(١) سورة الحجرات: الآية ١.
(٢) سورة الأعراف: الآية ٣٣.
(٣) سورة الإسراء: الآية ٣٦.
(٤) سورة الأنعام: الآية ٥٩.
(٥) ينظر: ص ٢٢٠٩.
(٦) سورة التوبة: الآية ٥.
(٧) سورة التوبة: الآية ٢٩.
стр. 289
وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإسلام فيجمع بين الظاهرين ويأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس مستمسكًا بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل" (١).
إيراد أدلة الخصوم وشبههم ومناقشتها وبيان وجه الضعف فيها
مثال: ". . . شُبَه الخصوم ستة: أولها: ما تعلقوا به من الكتاب وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة.
وأيضًا فالقياس إنما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٤) أي ولا تتبع ما لا تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥) يقتضي الاستغناء عن القياس.
وأيضًا قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٦).
_________
(١) ينظر: ص ٢٧٣٤ - ٢٧٣٥.
(٢) سورة الحجرات: الآية ١.
(٣) سورة الأعراف: الآية ٣٣.
(٤) سورة الإسراء: الآية ٣٦.
(٥) سورة الأنعام: ٥٩.
(٦) سورة النجم: الآية ٢٨.
стр. 290
وأجاب: في الكتاب بأن الحكم مقطوع به لا مظنون، والظنّ وقع في طريقه كما تقرر في أول الكتاب.
فإنْ قلت: هذا يشعر بأنه سلم أنّ الظنّ مذموم، لكنه وقع في طريق الحكم لا فيه، وعلى هذا يكون الطريق مذمومًا، ويكون الحكم كذلك؛ لأنّه مستفاد من الطريق. . . . واعلم أنّ هذا الذي أجاب به المصنف ليس شاملا للآية الأولى ولا للآية الرابعة.
والجواب عن الآية الأولى، أنّا لا نسلم أنّ العمل بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله؛ لأنّه ثبت بالكتاب والسنة كما تقدم.
وعن الرابعة بأنّه عام مخصوص؛ لعدم اشتمال الكتاب على جميع الجزئيات" (١).
مثال آخر: "الشبهة الثانية للخصوم: ما روي من قوله ﷺ : "تعمل هذه الأمة برهة - أي قطعة - من الزمان بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ﷺ ، ثمّ تعمل برهة بالرأي، فإذا قالوا بالرأي، فقد ضلّوا وأضلّوا".
الثالثة: الإجماع فإنّه قد نقل عن بعض الصحابة ذمّ الرأي من غير نكير، فكان إجماعًا.
والجواب عن هذين الدليلين بأنّهما معارضان بمثليهما سنّة وإجماعًا، كما سلف فيجب الجمع بين الدليلين، بأنْ يحمل الذمّ على القياس الفاسد
_________
(١) ينظر: ص ٢٢٠٩ - ٢٢١٠، ٢٢١١.
стр. 291
دون الصحيح كما سبق. هذا ما في الكتاب.
والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ رواية جبارة بن المغلس وهو ضعيف، عن حماد بن يحيى الأبح، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء.
قال ابن عدي: وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا.
فإن قلت: سلمنا ضعفَ الحديث ومعارضتَه لما تقدم، ومعارضةَ الإجماع أيضًا، وأنّه يجب التوفيق بينهما" (١).
وبهذين المثالين يمكن أن نحكم على بقية الشرح، ونتعرف على منهجه في الباقي.
تعامله مع القضايا الفقهية
حين ترجمنا للتاج السبكي، قلنا: إنه يعد من فقهاء الشافعية، فقد كالن متضلعًا في المذهب، بل يختار أحيانًا ويرجح بين الأقوال داخل المذهب. كما أن له مؤلفات فقهية ذكرناها في الترجمة. ومن هذه المعطيات كان يتعامل مع القضايا الفقهية تعامل الرجل الممارس للفقه، صاحب الملكة الفقهية، المطلع على المذهب، العارف بخباياه، ونظرة سريعة على المصادر التي استعملها أثناء الشرح، تعطيك انطباعًا واضحًا على مدى
_________
(١) ينظر: ص ٢٢١٣ - ٢٢١٥.
стр. 292
رسوخه في مذهبه. ولذلك ينحو في شرحه منحى تخريج الفروع على الأصول خاصة في كتاب التعادل والتراجيح فقد أكثر الأمثلة من الفروع الفقهية. وبذكر الأمثلة تتضح الصورة أكثر وتبدو ناصعة.
مثال: "وأما تحقيق المناط: فهو أنْ يتفق على عليّة وصف بنص أو إجماع، ويجتهد في وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام بعدما علم من إيجاب نصب الإمام، وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيرات، وتقدير الكفاية في نفقة القريب. وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وطلب المثل في جزاء الصيد، فإنّ مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم بالنّص" (١).
مثال آخر: "ومنها الجنين يضمن بالغرّة ويستوي فيه الذكر والأنثى. ومنها المقدرات الشرعية في الشجاج كالموضحة مع اختلافها في الصغر والكبر. ومنها جزاء الصيد فليس من شرط الضمان أنْ يكون بالمثل أو القيمة من النقدين ولا من شرط المثل أنْ يضمن بالمثل والعدول في الأمور التي لا تنضبط إلى شيء مقدر لا يختلف من محاسن الشريعة قطعًا للتشاجر والتخاصم. والتمر كان أغلب أقواتهم كما أنّ الإبل غالب أموالهم" (٢).
مثال آخر: "مثاله قولنا: رقّ الأمّ علّة رقّ الولد، فيكون هذا الولد رقيقًا، فإنْ نقض بولد المغرور، بحرية الجارية حيث كان رقّ الأمّ موجودًا مع انعقاد الولد حرًّا.
_________
(١) ينظر: ص ٢٣٩٩.
(٢) ينظر: ص ٢٤٣٦ - ٢٤٣٧.
стр. 293
قلنا: رقّ الولد موجود تقديرًا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته، إذ لا قيمة في الحرّ، ولذلك حكي وجه: أنَّه ينعقد رقيقًا ثمّ يعتق على المغرور، حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه" (١).
مثال آخر: "وأيضًا، فلعل أبا بكر ﵁ نهى زيدًا عن الحكم فيما يخالفه فيه، وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها. وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولَّى الإمام رجلًا، وقال: لا تحكم في قتل المسلمِ [بـ] الكافرِ والحرِّ [بـ] العبْدَ، جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث. وواقعة زيد واقعة عين، لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال" (٢).
مثال آخر: "قال الرافعي: فالقياس أنّا إنْ أوجبنا تقليدَ الأعلم، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده وإلا فلا أثر له. قال النووي: وهذا ليس بشيء بل الوجه الجزم بأنّه لا يلزمه شيء ولا أثرَ لقولِ الثاني" (٣).
مثال آخر: "وحاصل هذا أنَّه لا عموم وخصوص في هذه الصورة وليس للشافعي إلزام الحنفي بها؛ لأنَّ الضمان إذا ثبت لا يستقر على المكره، وهو كلام صحيح، إلا أنّ المذهب الصحيح المشهور في الجديد أنّ قرار الضمان في مسألة التغرير على الآكل دون المضيف، والصحيح في
_________
(١) ينظر: ص ٢٤٥٥ - ٢٤٥٦.
(٢) ينظر: ص ٢٩٢٨ - ٢٩٢٩.
(٣) ينظر: ص ٢٩٣٣.
стр. 294
مسألة الإكراه استقرار الضمان على المكْرِه بكسر الراء على خلاف ما قاله فيهما" (١).
مثال آخر: "فهذا الخبر يقتضي ثبوت رمضان بشهادة الواحد، ويترتب عليه وجوب الصوم، وحلول الدّين المؤجل، ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به، وهو معارض للقياس، فإنّه يقتضي عدم ثبوته بقول الواحد، كما في سائر الشهور ويترتب على عدم ثبوته عدم ترتب شيء مما ذكرناه، فيحمل الأوّل على وجوب الصوم، والقياس على عدم حلول الأجل والطلاق والعتاق، وهذا قد صرح به القاضي الحسين والبغوي، لكن قال الرافعي: لو قال قائل: هلا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج إلى الفرق.
والذي سبق أنا إذا قلنا بالقول الصحيح، وصُمْنَا بقول الواحد، ولم نر الهلال بعد ثلاثين أفطرنا على أحد الوجهين وإن كنّا لا نفطر بقول واحد ابتداء ولا يثبت به هلال شوال على المذهب الصحيح؛ وذلك لأنّه لا يجوز أنْ يثبت الشيء ضمنا بما لا يثبت به أصلًا ومقصودًا، ألا ترى أنّ النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضِمنًا للولادة إذا شهدن عليها.
وفرق ابن الرفعة بأن النّسب والميراث وكذا الإفطار عقيب الثلاثين لازم للمشهود فلا يتعقل ولادة منفكة عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يومًا بوصف كونها رمضان منفكة عن الفطر بعدها، والدّين
_________
(١) ينظر: ص ٢٤٨٧.
стр. 295
والطلاق والعتاق ليس يلزم استهلال الشهر ويعقل انفكاكه عنه. قال: وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ" (١).
نكتفي بهذا القدر من الأمثلة، ويمكن لمن أراد المزيد أن يطالع شرحه، فهو مليء بهذه الفروع، مما يدل على أن الرجل ليس بهين في هذا المضمار، وسيصل كل من طالع شرحه إلى نتيجة حتمية وهي: أنه فارس هذا الميدان، بل حاز قصب السبق فيه.
موقفه من آراء العلماء
يمكن أن نوضح موقفه من العلماء من وجهين اثنين، لأنه أحيانا يتحدث عن الآراء الجماعية للعلماء، وأحيانا يتحدث عن الآراء الفردية لكل عالم من علماء الأصول، وبناء عليه فسأفرد لكل جانب عنوانًا خاصًا.
الآراء الفردية:
يذكر تارة الرأي منسوبًا لصاحبه، ويصدره بقوله: قال أبو الحسين مثلًا، قال إمام الحرمين، قال الغزالي، قال الرازي، قال صفي الدين الهندي، إلى غير ذلك (٢)
وقد يعبر بلفظ: صرح بكذا، أو مقتضى كلام. مثاله: "وقد صرح الآمدي بما ذكرناه، وقال: احتمال تأخر التشديد أظهر، وتبعه ابن الحاجب
_________
(١) ينظر: ص ٢٧٣٠ - ٢٧٣٢.
(٢) ينظر: على سبيل المثال الصفحات التالية: ٢١٧٢، ٢١٩٣، ٢٢٠٤، ٢٢٧٥، ٢٢٧٦، ٢٤٧٨، ٢٤٧٩، ٢٥٤٦، ٢٦٦٢.
стр. 296
والإمام" (١).
وتارة يقول: ذكره فلان من العلماء وهو مقتضى كلام فلان كما في المثال: "كذا ذكره صفي الدّين الهندي وغيره، وهو مقتضى كلام الآمدي" (٢).
وتارة يذكر الرأي في المسألة ثم يعقب عليه بلفظ نصّ عليه فلان، مثاله: "قال إمام الحرمين في البرهان: والشافعي نصّ على هذا في الكثير" (٣).
وتارة يقول: جزم به فلان، مثاله: "وبه جزم المصنف واختاره الإمام، وأكثر الأشاعرة" (٤).
وتارة يقول واختاره فلان. مثاله: "والرابع: واختاره الآمدي وابن الحاجب أنّها الباعث" (٥).
وتارة أوردها فلان: "وهذه الأقسام الأربعة أوردها الغزالي كما ذكرناها" (٦).
بالإضافة إلى هذا فقد كان كثير الاقتباس والنقل - كما سبق وأن
_________
(١) ينظر: ص ٢٧٩٩.
(٢) ينظر: ص ٢٥١٠.
(٣) ينظر: ص ٢٣٣١.
(٤) ينظر: ص ٢٢٨٤.
(٥) ينظر: ص ٢٢٨٦.
(٦) ينظر: ص ٢٦١١.
стр. 297
أشرت - ويأتي صفي الدين في الطليعة ثم إمام الحرمين في البرهان والتلخيص والغزالي في المستصفى والإمام الرازي في المحصول، والشيرازي في اللمع، وهلم جرًّا، ثم شروح المنهاج كالعبري والجاربردي، وغيرهم.
الآراء الجماعية:
عبر التاج بعبارات عدّة عن الآراء الجماعية للأصوليين،
فكان تارة يقول: ذهب الجمهور، أو الأكثر، أو البعض، أو المحققون، ومن الأمثلة على ذلك.
مثال: "وقد قال الجمهور: لا يعتمد قوله هذا منسوخ ولا عمله بخلاف ما رواه؛ لاحتمال ذلك" (١).
مثال آخر: "وأما قوله: أمر رسول الله ﷺ بكذا فالأكثرون على اعتماده والعمل به" (٢).
مثال آخر: "وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة واختاره الآمدي ومن تبعه أنَّه لا يفيد الأمر بالقياس" (٣).
وأحيانًا يذكر بعضًا من علماء الأصول على وجه الخصوص بعد ذكرهم.
_________
(١) ينظر: ص ٢٣٠٩.
(٢) ينظر: ص ٢٣٠٩.
(٣) ينظر: ص ٢٢٢٤.
стр. 298
مثاله: "المسألة الخامسة: أطبق النّاس كافةً على صحة العلّة القاصرة، وهي المقصورة على محل النّصّ المنحصرة فيه التي لا تتعداه إذا كانت منصوصةً أو مجمعًا عليها، كما نقله جماعة ومنهم القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد" (١).
وبالاستقراء وجدناه يكرر ذلك مع المصنف، فيقول ومنهم المصنف.
مثال ذلك: "تنبيه: قد عرفت نقل الأكثرين عن النظَّام ومنهم صاحب الكتاب" (٢).
"وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر" (٣).
وكان يشير أيضًا إلى متابعة البيضاوي إلى غيره من الأصوليين في مواضع شتى.
مثاله: "وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه" (٤).
"وثانيا: مخالف لما في المحصول فإنّه جعله جوابًا لشبهة أخرى لهم غير هذه، ولكن صاحب الحاصل ترك ذكر تلك الشبهة ونقل جوابها إلى هذه الشبهة التي أوردها صاحب الكتاب فتبعه المصنف على ذلك" (٥).
_________
(١) ينظر: ص ٢٥٤٠ - ٢٥٤١.
(٢) ينظر: ص ٢٢٢٥.
(٣) ينظر: ص ٢٢٢٤ وينظر الصفحات التالية: ٢٢٢٤، ٢٣٩١، ٢٤٧٤ وغيرها.
(٤) ينظر: ص ٢٨٥٥.
(٥) ينظر: ص ٢٥٥٤.
стр. 299
"واحتج عليه المصنف تبعا للإمام بأنّ العلية أمر نسبي بين العلّة والحكم" (١).
"وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل" (٢).
"واعلم أنّ تعبير المصنف عمّا ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد، موافق لعبارة الإمام وأتباعه ومن قبلهم إمام الحرمين والغزالي وغيرهما" (٣).
تِلْكُم أمثلة لا ندعي فيها الحصر، فقد أغفلنا الكثير منها، وهي بحاجة إلى استقراء تام، وتتبع شامل، لكن ارتأينا الاكتفاء بالقليل لأنه دال على الكثير. فما ذكر قليله فكثيره يأخذ الحكم نفسه.
تعامله مع القضايا اللغوية والنحوية والأدبية .
القضايا اللغوية والنحوية تعدّ رافدًا هاما من روافد علم أصول الفقه، بل هي مرتكزه، فمعظم مباحثه تقوم على فهم هذه اللغة التي نزل بها الوحي بشقيه جليه وخفيه، لذا لا يمكن لأي شخص أراد أن يركب عباب هذا البحر دون أن يعد له العدّة، وعدته اللغة العربية، فهي سفينة النجاة التي توصله إلى برِّ الأمان، وبذلك يسهل عليه فهم المسائل العويصة في
_________
(١) ينظر: ص ٢٥٥٥.
(٢) ينظر: ص ٢٦٢١.
(٣) ينظر: ص ٢٣٦٠ - ٢٣٦١.
стр. 300
أصول الفقه. وصاحبنا لا يخفى على كل ذي لب أنه الإمام في هذا الميدان، فكتابه الأشباه والنظائر، خصص فيه المسائل ذات الصلة باللغة العربية وتم فيها تخريج الفروع على الأصول، وكذلك في كتابه الطبقات الزاخر بمواد دسمة من الأدب واللغة والنحو والصرف، ولم يخل كتابه الإبهاج من نكت في العربية وعلومها، فقد اهتم ﵀ بالقضايا اللغوية والنحوية والأدبية، تمثيلًا واستشهادًا، وكان ذلك واضحًا في مباحث الألفاظ، والمباحث المتعلقة بالحروف، حيث كثر النقل عنهم، وبذكرنا للأمثلة تتضح الفكرة أكثر فأكثر:
مثال: "إجماع النحاة. قال أبو علي الفارسي: أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق. وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعًا من كتابه أنّها للجمع المطلق. . . وقد سبق النقل عن الفراء، ولكذلك قال شيخنا أبو حيان في الارتشاف: ما نقله السهيلي والسيرافي إجماع النحويين كوفيهم وبصريهم على ذلك. ." (١).
مثال: "وأما ورودها [أي الباء] للتبعيض فقد ذكره ابن مالك، ومن شواهده:
شرب النزيف ببَرد ماء الحَشْرَج
أي: من برد، وقال ذلك في التذكرة الفارسي، وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقتبي في قوله: شربن بماء البحر، وتأوله ابن مالك
_________
(١) ينظر: ص ٨٧١، ٨٧٣.
стр. 301
على التضمين، أي روين بماء البحر. . . . احتج من زعم أنها ليست للتبعيض بأن أبا الفتح ابنَ جني من أئمة اللغة. . . . وقد وافق ابن جني على ذلك صاحب البسيط فقال: لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض" (١).
مثال: "ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَنٌ أي: في قولهم حَسَنٌ بَسَنٌ، فقال: لا أدري ما هو. والتحقيق أن التابع يفيد التقوية، فإن العرب لا تضعه سُدًى، وجَهْل أبي حاتم بمعناه لا يضره، بل مقتضى قوله: إنه لا يدري معناه: أن له معنى وهو لا يعرفه" (٢).
مثال: "وقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة والعربية، وسنن العرب وكلامها، ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب، وهذا الكتاب كتب منه ابن الصلاح نكتًا منها هذه، وعلقت أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه. . ." (٣).
مثال: "واعلم أن (من) قد تدخل لابتداء الغاية. . . . وبهذا قال ابن بابشاذ وابن النحاس، وعبد الدائم القيرواني، وابن مالك. . . . وقد زعم الأحفش الصغير والمبرد وابن السراج، والسهيلي وطائفة: أن (من) لا تكون إلا لابتداء الغاية، وصححه ابن عصفور" (٤).
_________
(١) ينظر: ص ٩٠٨ - ٩٠٩، ٩١٠.
(٢) ينظر: ص ٦١٧.
(٣) ينظر: ص ٦١٩ - ٦٢٠.
(٤) ينظر: ص ٨٩٧ - ٨٩٨، ٨٩٩ - ٩٠٠.
стр. 302
مثال: "قلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كلَّ، وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون" (١).
هذا باختصار ما أورده من آراء لأهل اللغة والنحاة، أمّا الأدب، فقد حلّى شرحه بكثير من الشواهد الشعرية، وأقوال العرب، وضبط الكلمات العربية، لكن الذي يلاحظه المتصفح لشرح الإمام تاج الدين السبكي، هو أنه لم يكن شرحه على وتيرة واحدة، جافًا كما هو دأب الأصوليين، فالمعروف أن أصول الفقه أوّل ما دونه الإمام الشافعي ﵀ ألفه في ثوب أدبي رفيع، وقد نبه إلى ذلك محققه أحمد شاكر، ثم ما فتئ يتناقص، ودخلت عليه الألفاظ الاصطلاحية، والتعابير الكلامية والمنطقية، فذهب رونقه، وصار كجلمود صخر حطه السيل من عل، حتى أضحى مستعصيًا على أهل الفن، نهيك عن المتطفلين على هذا العلم. لذا فإن الشيخ حكى شيخ مذهبه الإمام المطلبي، فلا يترك فرصة سانحة ليوشح هذا الشرح بعبارة أدبية إلى وفعل، فكان كريشة فنان، أو أداة من أدوات النحاتين، فوضع فسيفساء من العبارات الأدبية الرفيعة على جدران هذا العلم، ورسم على الزجاج المعشق، أشكالا وألوانا من الأدب الرقيق. وخاصة إذا كان أسلوبه مقتبسًا من كتاب الله فيزيده رونقا وتألقًا، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك.
المثال الأول: نأخذه من ديباجته التي دبج بها شرحه وهي وإن كانت طويلة بعض الشيء إلا أنها معبرة، وتعطي الصورة الحقيقية التي وسمتها به
_________
(١) ينظر: ص ١٢٤٣.
стр. 303
فانظر إليه حين يقول: ". . . وتخلص فتخلص قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيًا، دائمة ما افتقر فرع إلى أصله، واحتاج المجادل إلى تجويد نصه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله، باقية لا ينعكس طردها، ولا يشتبه محكمها بترهات الملحد وزخرف قوله. ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان المقتفين آثارهم الحسان، وخص بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هدي النبوة الذي لا يرام ولا يراع. الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة حتى لا ينفك أو يشان ويشاع، لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصل وأنشأ، وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجلة وهو أمامه على مهل يتمشى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى، وقدس أرواح أصحابه الذين زينوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب، وهاموا باتباع مذهبه المذهب وللناس فيما يعشقون مذاهب. وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله، والعلوم عطايا من الله ومواهب رضا يتكفل بنجاة كل منهم ونجاحه ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رياحه، ويفخر عقد الجوزاء إذا كان درة في وشاحه.
أما بعد، فإن العلوم وإن كانت تتعالى شرفًا وتطلع في أفق الفخار من كواكبها شُرَفا فلا مرية في أن الفقه نتيجة مقدماتها، وغاية نهاياتها وواسطة عقدها، ورابطة حلها وعقدها، به يعرف الحرام من الحلال، وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال وهيهات أن يتوصل طالب، وإن
стр. 304
جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعياء والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه فإنه صفته، وكيف يفارق الموصوف الصفة، وقد نظرنا فلم نر مختصرًا أعذب لفظًا وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب "منهاج الوصول إلى علم الأصول" للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وروض تربته بغمام الغفران حتى يأتي يوم القيامة وما ثلم جانبه ولا فض فوه؛ فإنه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين وليس له منها من هاج بعبارة أعذب من ماء السحاب وألعب من ابنة الكرم بعقول أولى الألباب، آل فضل البلاغة إليه، وآلى فضل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه، وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فعد مقالهم في الألغاز قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها، وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير، إذا أنصف من نفسه لا يرضاها، فشروحهم تحتاج إلى من يشرحها وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم توضحها.
وقد كان والدي أطال الله عمره شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم، وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم عديد شهب لائحه ورسل سحب سائحه وسماء علم يهتدى بكوكبه، وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر، ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته، ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات وقد
стр. 305
رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار بل أضرب عنه صفحًا بعد لأي قريب وتركه طرحًا وهو الدر اليتيم بين إخوانه كالغريب، وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة، وأحاديث النفس كثيرة وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها، ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت للقلم أين تذهب، وللفكر أين تجول، أطنب لسانك أم أسهب، ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت وجرت على تيارها منادية أئت بما أمرتك بما استطعت وتوارى اللسان وما توارت فلما تعارض المانع والمقتضي، وعلمت أن الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته ومُضيٌّ أي مضيٍّ أعملت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح، وشرعت فيه وقلت لعل الغرض يتم ببركته، وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلا وقد سئم من النشاط، ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط، ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول، ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول، وأعملنا هذه الهمة في مدلهم الديجور، وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها وأرخت نقابها معدودة ساعاتها ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها، إلى أن انهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدمًا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مبتكر، وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر، وجاء كتابًا ساطعًا نور شمسه وشمس السماء في غروب، طالعًا في أفق الفخار
стр. 306
على أحسن أسلوب جائزًا لما يراد منه في كل طريقه جائزًا حقًا على مقالات المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمن مجازه حقيقة، فأسأل الله تعالى أن يعم النفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم موجبًا للفوز لديه، وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق العين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه" (١).
والحقيقة أنها هذه المقدمة لا تحتاج مني إلى تعليق بل أترك كل ذي ذوق أن يتمعنها، وينظر في سبك أسلوبها الآخاذ.
مثال آخر: "أمّا الدليل على العلم في الأولى؛ فإنّه كلما زاد المجتهد علمًا وتدقيقًا، وكان نظره أتمّ تنقيحًا وتحقيقًا ووقوفه على الأدلة المزدحمة مستقيمًا، وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيمًا، تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه.
وأمّا في الدّين؛ فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمّم على مقالته الأولى، ولا قام بنصرتها وشال بضبعها حتى ينادي أولى لك فأولى، بل صرّح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر" (٢).
وهناك عبارات صغيرة، يذكرها الفينة بعد الأخرى، وكلما سنحت له الفرصة، فيقول مثلًا: "ذهبت شرذمة قليلون إلى امتناع
_________
(١) ينظر: ص ٢٩٣ - ٣٠١.
(٢) ينظر: ص ٢٧٠٨ - ٢٧٠٩.
стр. 307
التخصيص. ." (١)، أو يقول: "رب متراشق في اللفظ يعبر عن المسألة" (٢).
تعامله مع الصناعة الحديثية
تحدثت في ترجمته عن مشاركة التاج في علم الحديث، وقلت: إنه كان إمامًا في الحديث، ويكفيه فخرًا أنه تربى في أحضان محدثي عصره آنذاك، أمثال المزي والذهبي، وغيرهما. فلذا لا يستغرب تعقبه على من سبقوه حين يكون الأمر أشدّ التصاقًا بالصناعة الحديثية. لذلك نجده في غالب الأحيان إذا مرّ حديث أثناء الاستدلال للمسائل الأصولية، لا بد وأن يخرجه من الكتب المعتمدة، فإن وجده في الصحيحين اكتفى بهما دون ذكر السنن أو المسانيد والمستخرجات، والمستدركات. أو يصرح بعدم معرفة الحديث أحيانًا. ولا يكتفي أحيانًا بتخريج الحديث فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك، فيدرس سنده دراسة حديثية، فيذكر أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال السند، بين موثق ومجرح، وقد يستدعي الأمر إلى السؤال عن الحديث أو عن الرجل مشافهة فيسأل شيخه الذهبي، ليصل في الأخير إلى الحكم على الحديث. وأحيانًا قليلة يذكر الحديث دون تخريج أو دراسة لسند، وهذا في غالب الأحيان إذا كان من الأحاديث المشهورة، وبالمثال يتضح المقال، أو كما يقال.
مثال: "وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي ﵁ احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا. قال: والحديث مدّون في الصّحاح
_________
(١) ينظر: ص ١٣١٧.
(٢) ينظر: ص ٢١٣٦.
стр. 308
متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل.
قلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصحّ هذا الحديث، وقال الترمذي ليس إسناده عندي بمتصل" (١).
مثال: "والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ رواية جبارة بن المغلس وهو ضعيف عن حماد بن يحيى الأبح، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء. قال ابن عدي: وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا" (٢).
مثال: "كقوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" رواه البخاري ومسلم وقوله: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا" رواه مسلم وأبو داود والنسائي" (٣).
مثال: "ما روي "أنّ أعرابيا جاء إلى النّبي ﷺ فقال هلكت وأهلكت، واقعتُ أهلي في نهار رمضان عامدًا فقال: أعتق رقبة" وأصل الحديث في الكتب الستّة كلّها، لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذه الصيغة في
_________
(١) ينظر: ص ٢١٩٦.
(٢) ينظر: ص ٢٢١٤ - ٢٢١٥.
(٣) ينظر: ص ٢٢٩٦.
стр. 309
سنن ابن ماجه" (١)
مثال: "فقال ﷺ : "إنّها ليست بنجسة، إنّها من الطوافين عليكم والطوافات" رواه الأربعة أصحاب السنن. . . . كما روي أنّ النبي ﷺ قال ليلة الجنّ لابن مسعود: "ما في إدواتك قال نبيذ قال: ثمرةٌ طيبةٌ وماء طهور" وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وابن ماجه. . . . كما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وقد سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم، قال ﷺ : فلا إذن" رواه الأربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصحّحه ابن خزيمة والحاكم. . . . . كما روى أبو داود والنسائي أنّ عمر ﵁ قال هششت فقبَّلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبّلت وأنا صائم قال: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس قال: فَفيمَ؟ " قال النسائي هذا الحديث منكر، وقال أحمد بن حنبل ضعيف" (٢).
مثال: لتعقبه الغزالي وإمام الحرمين والقاضي الباقلاني في قلة بضاعتهم في الحديث.
"وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين، فإنه قال: هذا لم يصححه أهل الحديث، وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب: هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح، وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في
_________
(١) ينظر: ص ٢٣١٣.
(٢) ينظر: ص ٢٣١٥ - ٢٣١٦، ٢٣١٧.
стр. 310
البخاري ومسلم" (١).
مثال: "بما روى الدارقطني من قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". قال النووي في الأذكار حديث حسن" (٢).
مثال على الأحاديث التي لا يعرفها: "واستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله ﷺ : "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" وهو حديث لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه" (٣).
مثال آخر: "وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين" وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه" (٤).
مثال آخر: "ما روي من قوله ﷺ : "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" وهو حديث لا أعرفه" (٥).
مثال: "وروى المصنف من قوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أنْ يستشهد". وهذا اللفظ لا أعرفه ولكن في الصحيحين عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إنّ من بعدهم قومًا يشهدون ولا
_________
(١) ينظر: ص ٩٧٦.
(٢) ينظر: ص ٢٦٠١ - ٢٦٠٢.
(٣) ينظر: ص ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤.
(٤) ينظر: ص ٢٧٠٤.
(٥) ينظر: ص ٢٨١٩.
стр. 311
يستشهدون" الحديث" (١).
مثال: "من أمثلته أنّ عبادة بن الصامت روى أنه ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهو مدون في الصحاح متفق على رفعه دال على أن المأموم يقرأ خلف الإمام، فإن احتج الخصم بما روى يحيى بن سلام قال ثنا مالك بن أنس ثنا وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أنّ النبي ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا أنْ تكون وراء الإمام".
قلنا: لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام وهو في الموطأ موقوف.
وقد قيل: وَهِمَ يحيى بن سلام عن مالك في رفعه، ولم يتابع عليه، ويحيى كثير الوهم" (٢).
وهناك أحاديث يمر عليها دون تخريج، ولا يشير إلى أنه قد سبق تخريجها.
ذكره للفوائد
لعله لن يكون من نافلة القول لو أشرت في هذا الصدد إلى أن التاج أثناء شرحه يذكر بعض التنبيهات وبعض الفوائد، من باب الاستطراد جريًا على عادتهم في ذلك القرن.
فمثلًا: "فائدة: الصحيح عن جمهور العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ واحتجوا بأمور كلها ظاهرة قطعية واستنبط والدي ﵁ من القرآن
_________
(١) ينظر: ص ٢٧٣٢ - ٢٧٣٣.
(٢) ينظر: ص ٢٧٨٧ - ٢٧٨٨.
стр. 312
دليلًا على ذلك يقارب القطع، أو يقتضي القطع بذلك، لم يسبقه إليه أحد وهو أن البشارة التي وقعت لإبراهيم ﵇ بالولد من الله تعالى كانت مرتين، مرة في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١). فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢).
فقد صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق ولم يكن سؤال من إبراهيم ﵇ بل قالت امرأته إنها عجوز وإنه شيخ وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره، وأمّا البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين؛ أحدهما بغير سؤال وهو إسحاق صريحًا والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح، ولا يرد على هذا قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (٣).
ووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء؛ لأنا نقول: لما ذكر لوطًا
_________
(١) سورة الصافات: الآيات ١٠٠ - ١٠٢.
(٢) سورة هود: الآيات ٧١ - ٧٢.
(٣) سورة الأنبياء: الآيات ٧٠ - ٧١.
стр. 313
وإسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب والبشارة الأولى، ولم يكن للوط فيها ذكر والله أعلم" (١).
فائدة أخرى: "فإن التعمق في المعاني يضر المبتدي، ومن آداب المعلم أن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره" (٢).
فائدة: "قال القرافي: المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان. قال: ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور، وقال: إنه بناء على أنَّ وزنه أفعل وأصله أبين صيغة مبالغة في الظهور الذي هو البيان، والإبانة فيقول: هذا أبين من هذا أي: أظهر منه وأوضح، فلوحظ أصله مع العلمية التي فيه فلم يصرف" (٣).
قال: "تنبيه النقير: النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير: ما في النواة كذا قاله في المحصول، والمعروف - وهو الذي في الصحاح - أن القشرة الرقيقة هي القطمير، وما شقّ النواة الفتيل اهـ" (٤).
قال: "تنبيه: الضرر ألم القلب، كذا قاله الأصوليون، واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضررًا، وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف، فجعل اللفظ اسمًا للمشترك بين هذه الأمور، وهو ألم القلب دفعًا للاشتراك،
_________
(١) ينظر: ص ١٦٦٨ - ١٦٧١.
(٢) ينظر: ص ١١٨٠.
(٣) ينظر: ص ١٤٧٦.
(٤) ينظر: ص ٢٢٤٥ - ٢٢٤٦.
стр. 314
والذي قاله أهل اللغة أن الضرر خلاف الشفع وهو أعم من هذه المقالة" (١).
قال: "فائدة: قد علمت قول الجماهير أنّ الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول الأموال من جملة المنافع، والظاهر أنّ الأصل فيها التحريم لقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم. . ." الحديث وهو أخصّ من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون قاضيًا عليها إلّا أنَّه أصل طارئ على أصل سابق فإنّ المال من حيث كونُه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة، ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث" (٢).
نقاط أخرى في المنهج
وهناك نقاط إضافية في المنهج يمكن ذكرها مجملة دون تفصيل، مع ذكر مثال أو مثالين لكل نقطة نجملها فيما يلي:
التعريف ببعض الأعلام أثناء الشرح
مثاله: "واعلم أن النظام المذكور هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام كان ينظم الخرز بسوق البصرة، وكان يظهر الاعتزال، وهو الذي تنسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة، لكنه كان زنديقًا، وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حد الحصر. هذا مع قوله بأن الخبر الواحد قد يفيد العلم،
_________
(١) ينظر: ص ٢٦٠٢.
(٢) ينظر: ص ٢٦٠٧.
стр. 315
فأعجب لهذا الخذلان! وأنكر القياس كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكل ذلك زندقة لعنه الله. وله كتاب نصر التثليث على التوحيد. وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع وله فضائح عديدة وأكثرها طعن في الشريعة المطهرة وليس هذا موضع بسطها" (١).
مثال آخر: "ابن الزبعرى بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت بعدها وقد تكسر أيضًا بعدها عين مهملة ساكنة ثم راء مهملة مفتوحة كان من أشد الناس على الإسلام وأكثرهم أذى بلسانه فحشًا وهجاءً، وبنفسه مكايدة وعنادًا ثم أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه، وهذا المذكور عنه مشهور في كتب التفسير والسير وروى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٢) قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله قوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (٣).
قال فنزلت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٤)، وهذا سند صحيح لكن ليس فيه ذكر ابن الزبعرى بخصوصه" (٥).
_________
(١) ينظر: ص ٢٠٣٥ - ٢٠٣٦.
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.
(٣) سورة الأنبياء: الآية ٩٩.
(٤) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.
(٥) ينظر: ص ١٦١٦، ١٦١٧.
стр. 316
عدم عزو أبيات الشعر إلا في النادر والقليل
مثاله: ما ورد في صفحة ٩٠٧، ٩١١، ٩١٢، ٩١٦.
مثال: "قال الشاعر:
خِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا" (١)
مثال آخر: "ولقول الشاعر (٢):
لَهُ مَلِكٌ يُنَادِي كلّ يومِ ... لِدُوا لِلَمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ"
منهجه في تفسير الآيات القرآنية
مثال: "الوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣)، أخبر تعالى بأن هذه الأمّة وسط والوسط من كلّ شيء خياره وأعدله، فيكون الله تعالى قد عدل هذه الأمة وأخبر عن خيريتها، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لانتفى عنهم هذا الوصف، فتجب عصمتهم عن الخطأ كبيره وصغيره، في قول وفعل؛ لأن تعديلهم من الله تعالى وهو عليم بالسر والعلانية، فلو كان فيهم عاص لما عدله بخلاف تعديلنا، فإنه مبني على ظننا، وما أدى إليه نظرنا مع احتمال خلافه في نفس الأمر" (٤).
_________
(١) ينظر: ص ٢١٥٧.
(٢) ينظر: ص ٢٢٩٨.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٤٣.
(٤) ينظر: ص ٢٠٤٤، ٢٠٤٥.
стр. 317
ذكر مجالس المذاكرة والمناظرة
مثاله: "قلت: وقد وقع في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأنّ الوسع مستثنى في لا يكلف الله نفسًا، وقد أضيف بقوله: وسعها، فيقتضي العموم بناء على أن المفرد المضاف يعم، والتقدير لا يكلف الله نفسًا بشيء إلا بكل ما تسعه فتكون كل ما تسعه مكلفة به، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله فاستحسن ذلك" (٢).
التحري في عزو الأقوال إلى أصحابها
يقول في هذا الصدد: "والمذهب الثالث: أنه يفيد التراخي، كذا أطلقه جماعة منهم المصنف، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، وإمام الحرمين في التلخيص والبرهان: إن هذا الإطلاق مدخول؛ إذ مقتضاه أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتبر به، وليس هذا معتقد أحد. هذا كلامهما، ورأيت ابن الصباغ في عدة العالم قال: إن الواقفية في هذه المسألة من قال: لا يجوز فعله على الفور، لكن قال: إن القائل بهذا خالف الإجماع قبله. وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع. ونقل ابن السمعاني في القواطع القول:
_________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.
(٢) ينظر: ص ١٤٠٧.
стр. 318
بأنه على التراخي عن أبي هريرة، وأبي بكر القفال، وابن خيران، وأبي علي الطبري صاحب الإفصاح، وصححه ثم قال: إن معنى قولنا: إنه على التراخي أنه ليس على التعجيل. قال: والجملة أن قوله: افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض للوقت" (١).
بيان وجهة نظر المصنف في ترتيب الموضوعات الأصولية .
مثال: ذكر فيه تقديم المصنف لمباحث العلة على بقية أركان القياس والتي هي الأصل وحكم الأصل والفرع، وذكر لذلك أسبابًا ثلاثة:
١ - كثرة تشعب الآراء عندها.
٢ - عظم موقعها.
٣ - تشتت المباحث فيها.
يقول التاج: "إنما أفرد بيان العلة بفصل مقدَّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما لكثرة تشعب الآراء عندها وعظم موقعها ولتشتت المباحث فيها" (٢).
وجهة نظره في عدم ذكر بعض الموضوعات الأصولية
" واعلم أنّ صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخصّ النقض من بين المفسدات بذلك؛ لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه، ونحن تابعناه على ما فعل، فإن ذلك نظر متمحض جدلًا لا تعلق له بصوب نظر المجتهد، وإنما هو تابع لشريعة الجدل
_________
(١) ينظر: ص ١١٢٧، ١١٢٨.
(٢) ينظر: ص ٢٢٨٣.
стр. 319
التي وضعها أهلها باصطلاحاتهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أنْ نشح على الأوقات أنْ نضيعها بها وبتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى محزّ الخصام؛ لئلا يذهب كلّ واحد في كلامه طولًا وعرضًا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضى، فتلك فائدة ليست من أصول الفقه، فينبغي أنْ يفرد بعلم النظر، وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم، ولكن لا ينبغي أنْ يمزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة. وبالله التوفيق" (١).
وبعد هذا التجوال بين ربوع شرحه، واستخراج بعض الفوائد منه، بقي أن نقول: إنه مهما بذلنا من جهد فلن نستطيع أن نستخرج كل كنوزه، فكما تجد في البحر كل أنواع الأسماك والنباتات البحرية، والصخور المرجانية والحلي الثمينة، كذلك في شرح الشيخ التاج، تجد جميع أنواع العلوم، وإن غلب عليه أنه كتاب أصولي، لكن ليس هناك بد مما ليس له بد، أو كما يقال، فلا يمكن الحكم له أو عليه بمجرد قراءة سطحية وفي كتاب واحد، بل ينبغي أن تقرأ كتبه التي ألفها في أصول الفقه، ابتداء بهذا الكتاب، ومرورا بشرحه على ابن الحاجب، وانتهاء بتصنيفه لمختصر جمع الجوامع، والذي جمع فيه زهاء المائة مصنف. لذا فمهما بذلنا من جهد فإنه يصعب إعطاء هذا الرجل حقه.
_________
(١) ينظر: ص ٢٥٢٤.
стр. 320
المبحث الرابع: مصادر الشارحين في الكتاب
سبق وأن قلنا إن العصر الذي عاشه السبكي، يعد عصر الموسوعات، وكان العلماء يتوسعون في المعرفة، وينهلون من جميع أنواعها وتخصصاتها، ولعل ذلك راجع لخوفهم على اندثار العلوم بعد أن فعل فيها الغزو الهمجي التتاري الأفاعيل، حينما جعل من الكتب جسورًا لعبور خيولهم ودوابهم، وبنيت بها الاصطبلات. فألزم العلماء أنفسهم بحفظ هذا الدين من أن تعبث به أيدي العابثين، فسهروا على حفظ كثير من الكتب عن ظهر قلب، وظهر ذلك في كتابتهم، فلا تكاد ترى مصنفًا في ذلك العصر إلا وقد امتلأ بسيل من المعلومات فكانت عقولهم كالشبكات المعرفية المعروفة في عصرنا بـ (الإنترنت) فأي موقع أردت أن تزوره لتعرف ما فيه من علوم ومعارف، فبمجرد ضغطة زر تنساب أمامك تلك المعلومات، وكذلك كان علماؤنا ﵏ بما حباهم الله من السيلان الذهني واستحضار المسائل مع الفارق في التشبيه، فهذه الآلات قد تخرب أو تعتريها الآفات كانقطاع التيار الكهربائي أو غيره، وأما عقول سلفنا فقد كانت محفوظة بحفظه سبحانه.
لذا فإن شيخنا الجليل الإمام تاج الدين السبكي عليه شآبيب الرحمة والغفران، كان نبوغه وتفوقه لا يكاد يخفى على أحد، فقد كان أحد
следующие страницы →