قال: (فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية أو أدون كقياس (١) البطيخ على البر في الربا).
البحث الثاني: في حكم الأصل. فثبوت حكم الأصل: إمّا أنْ يكون يقينًا، قال الإمام فيستحيل أنْ يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنَّه ليس فوق اليقين درجة (٢).
واعترض عليه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف (٣)، وهذا الاعتراض بناءً على أنّ العلوم تتفاوت.
وإنْ لم يكن يقينيًا، فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل، وذلك في (٤) النفي كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف (٥) الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ
стр. 2557
إِلَيْكَ﴾ (١) فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى، وقد يكون مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية (٢) في قوله ﷺ : "ومن أعتق شِركًا له في عبد قُوِّم عليه نصيب شريكه" (٣) إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل، وقد يكون أدون.
قال الإمام: وذلك كجميع الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم، قال: وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون فلا ينحصر (٤).
ومثَّل المصنف لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا بجامع الطعم مع احتمال كون العلّة الكيل أو القوت هذا تقرير ما ذكره الإمام وهو الذي
стр. 2558
أورده المصنف وسائر أتباع الإمام، وقد علمت به سداد كلام الإمام وأتباعه وخطأ من اعتقد تناقض كلامه حيث جعل في البحث الأول قياس الضرب على التأفيف مقدماته قطعية، وجعله هنا ظنيا كالنقشواني وغيره (١)، وسبب الخطأ توهمهم أنّ القياس إنما يكون قطعيًا (٢) إذا كان (٣) الحكم في الأصل كذلك وهذا ليس بشيء فقد تقطع بمساواة الشيء للشيء في حكمه المظنون، كما عرفت في البحث الأول، ولك أن تنظر ذلك بإجماعهم على إلحاق الخالة بالخال في الإرث، مع اختلافهم فيه.
وإذا وضح هذا فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أنْ يكون ما في العلّة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأنَّ شرطه وجود العلة بكمالها
стр. 2559
في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه.
قلت: أردنا شيئًا آخر، وهو عدم القطع بأنّ ما ظنّ عليته علّة كالطعم فإنّ القائل بعليته في الربويات ليس قاطعًا بمقالته لاحتمال أنْ تكون العلّة الكيل أو القوت، فإذا جئنا (١) إلى قياس التفاح على البر قلنا: هو مساوٍ له في الطعم وثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر؛ لأنَّ البر مكيل مقتات مطعوم فهو ربوي على كلّ الاحتمالات، والتفاح ربوي على احتمال واحد وهو كون العلّة الطعم، والثابت على كل الاحتمالات أقوى من الثابت على احتمال واحد.
قال: (قيل تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد اقتله ولا تستخف به.
قيل: لو ثبت قياسًا، لما قال به منكره.
قلنا: القطعي لم ينكر.
قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبة ولا النقير ولا القطمير.
قلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني فلأن النقل (٢) فيه ضرورة، ولا ضرورة ها هنا).
نقدِّم على الشرح ما ينبغي تقديمه؛ ثم نلتفت إليه فنقول: اتفق
стр. 2560
الأصوليون على أَنَّه لا مستند لثبوت الحكم في القسم الثالث وهو القياس الأدْوَن إلا القياس.
وأمّا القسم الثاني وهو قياس المساواة؛ فذهب أكثرهم إلى أَنَّه ثابت بالقياس أيضًا، وذهبت الحنفية إلى أَنَّه غير ثابت به الاستدلال (١) أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار، ولهذا أوجبوا على من أفطر في رمضان بالأكل والشرب الكفارة اعتبارًا بالمجامع فيه، لكن لا بطريق القياس عليه، إذِ القياس لا يجري عندهم في الكفّارات ولكن بطريق الاستدلال (٢).
وأما القسم الثالث وهو قياس الأولى وفيه كلام المصنف ففيه مذهبان:
أحدهما: أنه ثابت فيه بالدلالة اللفظية (٣)، ثمّ اختلف القائلون بذلك على مذهبين:
أحدهما: أنه من باب المنطوق (٤) وهو المشار إليه بقول صاحب
стр. 2561
الكتاب قيل: تحريم التأفيف إلى آخره.
والثاني: أَنَّه من باب مفهوم الموافقة (١)، واختاره المصنف في الفصل التاسع من الكتاب الأول (٢) وكذلك الإمام (٣).
وثانيهما: أَنَّه ثابت فيه بالقياس القطعيّ، واختاره المصنف هنا تبعا للإمام (٤)، وقد نقل إمام الحرمين في البرهان القول: بأنَّه من باب المفهوم عند معظم الأصوليين وعبارته صار معظم الأصوليين أنّ هذا ليس معدودًا من أقسام الأقيسة، بل هو (٥) متلقى من مضمون اللفظ
стр. 2562
المستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه، كالمستفاد من صيغته ومبناه، ومن يسمي ذلك قياسًا فمتعلقه أَنَّه ليس مصرحًا به، والأمر في ذلك قريب (١) انتهى.
وإنما نقلنا هذه العبارة بنّصها لوقوع غلط بعض الشارحين في النقل عن البرهان، وكلامُ الغزالي نحو من كلام البرهان (٢)، لكنّه استبعد تسميته قياسًا قال: لأنَّه لا يحتاج إلى فكر واستنباط علّة، وصرح بأنه مقطوع عند من سماه قياسًا ومن لم يسمه (٣).
وقد حكى بعض الشراح (٤) قولا رابعا أَنَّه ثابت بالقياس الظنيّ وهذا وهمٌ سببه ما تقدم.
فإن قلت: هل من تناف بين ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف ثابتًا بهما جميعا؟
قلت: قد يظن ظان عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتًا عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، وهذا ما زعم صفي الدِّين الهندي أَنَّه الحقّ، وقال: الدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة ولا التضمن لا تنافي القياس (٥).
وقد يقول قائل: هما متنافيان معتضدًا بأنّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا
стр. 2563
في محل النطق، والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ البتة. وما قاله الهندي ممنوع غير أنّ هذا النوع (١) إنْ كان قياسًا فهو من الأقيسة الظاهرة التي لا تحتاج إلى فكر واستنباط، ولكونه كذلك ظنّ الخصم خروجه من أبواب القياس وألحقه بالمفاهيم وهو - لعمري - مصيب ولكن مستند المصنف وإمامه في (٢) جعله قياسًا ما (٣) فيه من الأصل والفرع والعلّة الجامعة (٤).
جئنا إلى كلام المصنف فنقول: احتج القائل بأن تحريم التأفيف يدل لفظًا على تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٥) وإن كان موضوعًا في اللغة للمنع من التكلم بلفظ (٦) أف، ولكن نقل عرفًا إلى المنع من أنواع الأذى؛ لتبادر الفهم إليه، فيدل بالعرف على تحريم أنواع الأذى.
قال المصنف في الجواب: ويكذب ذلك قولُ الملك للجلاد حيث أمره بقتل عدوه: اقتله ولا تستخف به، ولو دلّ نفي الأدنى على نفي الأعلى عرفًا للزم من قوله: ولا تستَخِفَّ به النهي عن قتله، وذلك مناقض لصريح قوله.
стр. 2564
ولقائل أنْ يقول: إن كان بقتله من ذوي الأنفة والأنفس الأبية، فالاستخفاف عنده أشدّ وقعًا من القتل، ولذلك (١) قتل كثير من الملوك أنفسهم، حيث أيقنوا بالأسر في يد العدو مخافةَ الاستخفاف، فهو حينئذ ناهٍ عن الأعلى آمرٍ بالأدنى.
سلمنا ذلك، ولكنّ النهي عن الاستخفاف إنما يدل على النهي عن القتل عرفًا إذا لم يتقدم ما يناقضه كما في محل النزاع، وهو صورة التأفيف وجاز أنْ يتقدم التصريح بخلاف الظاهر، فقد وضح بطلان هذا الجواب.
وأجيب أيضًا: بأن النقل خلاف الياصل، وضعفه النقشواني معتلًا بأنَّه إذا ثبت كثرة الاستعمال والتبادر إلى الفهم، فلا يفيد التمسك بهذا الأصل (٢).
الوجه الثاني: أَنَّه لو كان مستفادًا من القياس لما وافق عليه منكر القياس.
وأجاب: بأن هذا قياس جلي، ومن أنكر القياس إنما أنكر الخفي، وهو جواب ضعيف، فإن بعضهم أنكر القياس مطلقًا؛ جليًا كان أم خفيًا كما تقدم أوّل الباب، بل الجواب الصحيح أنْ يقال: إنما قال به منكر القياس؛
стр. 2565
لكونه عنده مفهوم موافقة لا لكونه قياسًا.
الثالث: أنّ نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبّة، فإنه يدلّ على أنَّه لا يملك أكثر منها، وكذا قولهم لا يملك النقير والقطمير يدل على أنَّه لا يملك شيئًا البتة من غير نظر إلى القياس، فكذا نفي التأفيف.
وأجاب: بأنّ دلالة ذلك في كل المثالين إنما هو لأمر خارجي؛ أما الأوّل فلأن الحبة جزء للأعلى، ونفى الجزء يستلزم نفي الكلّ.
ولك أنْ تقول: إنْ كانت الحبّة اسما للواحد مما يزرع فليست جزءا لكل ما هو أعلى منها، وأما الثاني فإنّا نعلم ضرورة أنَّه ليس المراد نفي النقير والقطمير، بل نفي ما له قيمة فدعوى النقل فيهما ضرورية، وأما فيما نحن فيه فلا ضرورة بنا إلى ذلك؛ لجواز الحمل على المعنى اللغوي. ولك أن تقول: ما بك ضرورة إلى النقل مع جواز أن يكون نفي ما عدا النقير والقطمير من فحوى الخطاب.
تنبيه: النقير: النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير: ما في شقّ النواة (١). كذا قاله في المحصول (٢).
стр. 2566
والمعروف - وهو الذي في الصحاح - أنّ القشرة الرقيقة هي القطمير وما في شقّ النواة الفتيل اهـ. (١)(٢).
قال: (الرابع: القياس يجري في الشرعيات حتّى الحدود والكفَّارات)
هذه المسألة معقودة لبيان ما يجري فيه القياس وما لا يجري (٣)،
стр. 2567
وفيها (١) أبحاث: -
الأول: أنَّه يجري في الشرعيات بمعنى: أنَّه موجود فيها، ويصح ذلك بوجوده في بعضها وتكون الألف واللام (٢) في قول المصنف الشّرعيات
стр. 2568
للجنس (١) دون العموم (٢).
قال الغزالي: فكل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه (٣)، وليس المراد أنَّه يجوز إثبات جميع الشرعيات به، فإن ذلك ممتنع خلافًا لبعض الشّاذين (٤).
لنا أنّ القياس لا يتحقق إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، فحكم
стр. 2569
الأصل إن كان بغير القياس صحّ المدعى، وهو أنَّها لم تثبت كلّها بالقياس، وإن كان بالقياس فالكلام فيه كالأول ويلزم إما الدور وإما (١) التسلسل، وأنّه ثبت من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية (٢) على العاقلة (٣)، والقياس فرع يعقل (٤) المعنى.
قالوا: الأحكام متماثلة لدخولها تحت الحكم الشرعي، فيجب تساويها فيما جاز على بعضها من القياس.
قلنا: قد يمتنع أو يجوز في بعض أفراد النوع أمر لأجل أمر اختص بذلك البعض، ويكون المشترك بين جميع الأفراد بخلاف ذلك البعض في امتناع ذلك الأمر وجوازه.
فرع: قال الجبائي والكرخي ومن تبعهما لا يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، وبنوا عليه أنَّه لا يجوز الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس (٥).
стр. 2570
والحقّ خلافه (١).
البحث الثاني: أنَّه يجري في الحدود والكفَّارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة (٢).
لنا أنّ أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، ويخص المسألة ما روي أنّ الصحابة اجتهدوا في حدّ شارب الخمر فقال علي: "أراه ثمانين؛ لأنّه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون"، وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعًا (٣)(٤).
стр. 2571
إن قلت: إن أردتم أنَّ أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا سواءً أوجدت الأركان والشرائط أو لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد.
وإن قلتم: إن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الشرائط فمسلم، لكن لا نسلم إن كان حصولها فيما نحن فيه؛ سلمناه لكن لا يتم حصولها فيما نحن فيه؛ لأنَّ الحدود والكفارات والتقدير أمورٌ مقدّرة لا يهتدي العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها، فلا نعقل فيها العلّة، والقياس فرع تعقل العلّة، وأمّا الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن (١) مواردها.
والجواب: أنا نريد جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط.
قوله: لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه.
قلنا: الدليل عليه أنّ صريح العقل حاكم (٢) بأنّه لا امتناع في أنَّ (٣) شرع الشارع الحدّ أو الكفارة (٤) في صورة الأمر مناسب (٥)، ثمّ إنّه يوجد ذلك المناسب في صورة أخرى فليس وضع الحدّ والكفارة منافيًا (٦) لهذا المعنى حتّى يمتنع لأجله.
стр. 2572
قوله: سلمنا الإمكان لكن لا نسلم حصوله.
قلنا: حينئذ ارتفع النزاع الأصولي ويكون الامتناع إنما هو لعدم حصول الشرائط والأركان، ونحن لا نجوز القياس في شيء بدون حصول شرائطه وأركانه. فأمّا ادعاؤكم بعد ذلك عدم حصوله فيها، فذلك إنما يثبت بعد البحث والاستقراء عن كلّ واحدة من مسائلها، فإن وجدت العلّة صحّ القياس فيها، وإلا فلا كغيرها من المسائل فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وغيره من هذا الوجه، فيجب التسوية في جريان القياس.
قوله: الرخص منحٌ من الله تعالى.
قلنا: قال إمام الحرمين هذا هذيان، فإنَّ كلّ ما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ، ولا يختص هذا بالرّخص (١) بل يعمّ الشرائع بأسرها، فكان ينبغي ألا يجري القياس في شيء من أحكامها.
واعلم أنّ الشافعي ﵁ ذكر مناقضاتهم في هذا الباب، فقال: أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتّى عدوها إلى الاستحسان، فأوجبوا الرّجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل، وأما الكفارات، فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامدا (٢).
فإن قالوا: إنما أثبتنا بالاستدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق (٣).
стр. 2573
قلنا: فالاستدلال قياس إذ يجب فيه أن يقال حكم الأصل إما غير معلل أو معلل بالفارق أو المشترك، والأولان باطلان (١) وهذا هو القياس (٢)، واستخراج العلّة بالتقسيم.
وأمّا المقدرات فهو كتقدير النصب في (٣) الزكاة والمواقيت في الصلاة، فقد قاسوا فيها أيضًا كما في تقديراتهم في الدلو والبئر، حيث قالوا: إذا ماتت الدجاجة في البئر تنزح كذا، وفي الفأرة كذا (٤)، وليس هذا التقدير
стр. 2574
عن نصّ ولا إجماع ولا أثر، فيكون عن قياس، ولو صحّ في البعض منها أثرٌ كما يزعمه القوم، فلا شك في أنّ ذلك لم يصحّ في جميع مسائلها فيكون القول بذلك في البعض الآخر قياسًا.
وأمّا الرّخص فبالغوا في القياس فيها (١)، بأنّ الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرّخص، ثمّ حكموا بذلك في كلّ النجاسات، وانتهوا فيها إلى إيجاب استعمال الأحجار، وقاسوا العاصي بسفره على المطيع مع أنّ القياس ينفي ترخصه إذ الرخصة إعانة والمعصية غير مناسبة لها.
قال: (وفي العقليات عند أكثر المتكلمين)
البحث الثالث: في (٢) القياس في العقليات، وقد ذهب إلى صحته أكثر المتكلمين (٣) وأنكره طائفة (٤)، ومنه نوع يسمَّى إلحاقَ الغائب بالشاهد وبناءَ الغائب على الشاهد وما يجري مجراهما، واتفق القائلون به على أنَّه لا بد فيه من جامع عقليّ وإلا لكان الجمع تحكمًا محضًا ثم حصروا
стр. 2575
الجامع في العلّة والحقيقةِ (١) والشرطِ والدليلِ (٢).
فالأوّل: كقول أصحابنا كون الشيء يصحّ أنْ يكون مرئيا في الشاهد معللا بالوجود، فكذا، في الغائب ومثل إمام الحرمين والإمام (٣) له بقول أصحابنا: إذا كانت العالمية شاهدًا فيمن له العلمُ معلّلة بالعلم، كانت في الغائب كذلك (٤)، وهو غير مطابق؛ لأنَّ هذا جمع بالمعلول لا بالعلّة فإنّه جمع فيه بين الشاهد والغائب بكونه عالمًا وهو معلول العلم لا علته (٥).
والثاني: كقولهم حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فكذا في الغائب (٦).
стр. 2576
والثالث: كقول المعتزلة شرط صحة (١) كون الشيء مرئيًا في الشاهد أنْ يكون مقابلًا أو في حكم المقابل، فكذا في الغائب، ومثل له إمام الحرمين والإمام بقولنا: العلم مشروط بالحياة شاهدًا، فكذا في الغائب (٢)، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا (٣) جمع بالمشروط لا بالشرط فإنّ كونه عالما، وهو الذي وقع به الجمع مشروط لا شرط (٤).
والرابع: مثل الإتقان والتخصيص يدلان على العلم والارادة في (٥) الشاهد، فكذا في الغائب. وادعى إمام الحرمين: أنَّه باطل؛ لأنَّ الجمع بالعلّة والحقيقة أقوى من الآخرين وهما باطلان؛ لأنَّ الجمع بهما مبنيّ على القول بالحال، فإن القائل به يقول كلّ صفة قامت بمحل، فإنها توجب له حالا، والحال صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم، فيجعلون الصفة القائمة بالمحل علّة للحال (٦)، والقول بالحال باطل عند جماهير أصحابنا والمعتزلة، ووافقنا على بطلانه إمام الحرمين أخيرًا، وبسط ذلك في كتب الكلام (٧).
стр. 2577
ثمّ المحققون على أنّ هذا القياس ظنيّ، قال الإمام: الجمع بالعلّة أقوى وهو غير مفيد للقطع؛ لأنَّ إفادته للقطع تتوقف على حصول القطع بأن علة الحكم في الأصل موجودة بتمامها في الفرع وهو صعب (١)، فإن الموجود في الفرع مع الموجود في الأصل لا بد وأن يتغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا عين ذاك وذاك عين هذا، فيكون كلّ واحدٍ منهما عين الآخر، فالاثنان واحد، هذا خلف وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية، فلعل ذلك التعينَ في أحد الجانبين جزءُ العلّة أو شرط العلّة وفي الجانب الآخر يكون مانعًا من العلية، ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع (٢).
نعم لو دلّ القاطع على أنّ ما به الامتياز لا مدخل له في اقتضاء العلّة للحكم، حصل القطع بثبوت الحكم، لكن لا يكاد يوجد ذلك في العقليات الحقيقية التي لا تختلف باختلاف تفسير اللفظ، مثل العالم شاهدًا من له العلم فكذا غائبًا لأنَّا لا نعني بالعالم إلَّا من له العلم، وهذا لا يختلف موجبه بحسب الواجب والممكن.
قال: (واللغات عند أكثر الأدباء)
البحث الرابع: القياس في اللغات (٣)، وقد أثبته القاضي أبو بكر وابن
стр. 2578
سريج وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشيرازي والإمام وكثير من فقهائنا وأهل العربية كالمازني (١) والفارسي (٢)(٣) وابن جني (٤)، وذهب إمام الحرمين (٥) والغزالي (٦) ومعظم أصحابنا والحنفية إلى
стр. 2579
امتناعه (١)، وتبعهم الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣)، واتفق الكلّ على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام؛ لأنها غير معقولة المعاني ولا هي دائرة بدوران وصف في محالّها، والقياس فرعهما فهي كحكم تعبدي لا يعقل معناه.
فإن قلت: قد شاع قولهم في العرف هذا سيبويه (٤) وهذا جالينوس (٥)، وليس إلا بطريق القياس وإلا لم يحصل المدح بذلك.
قلت: جاز أنْ يكون ذلك بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير حافظ كتاب سيبويه، وعلم جالينوس.
واتفقوا على امتناعه أيضًا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء
стр. 2580
الصفات (١) كالعالم والقادر (٢)؛ لأنها واجبة الاطراد نظرًا إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ العالم من قام به العلم، فإطلاقه على كلّ من قام به العلم بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتمثلين في المسمّى على الآخر بأولى من العكس، وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودًا وعدمًا كالخمر؛ فإنّها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائرٌ مع الإسكار وجودًا وعدمًا فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار؟ (٣) وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء (٤) في أخذ المال على سبيل الخفية (٥)،
стр. 2581
واسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج.
واحتج المجوزون بدوران تسمية المعتصر من العنب بالخمر مع الشدّة المطربة، فإنّه يفيد ظن عليتها له، فالعلم بوجودها في النبيذ يفيد ظنّ كونه مسمّى بالخمر، وحينئذ يلزم أنْ يثبت (١) للنبيذ من الأحكام ما ثبت للخمر.
والجواب: أنّ إفادة الدوران للعلّة إنّما هو بمعنى الأمارة والعلامة لا بمعنى الداعي؛ إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمّى، وحينئذ لا يخلو الدوران عن المزاحم؛ لأنّه كما دار مع ما ذكرتم من الوصف، فكذا مع خصوصية إسكار المعتصر من العنب، والدوران لا يفيد الظنّ مع معارضة المزاحم.
стр. 2582
فإن قلت: لو كان لا يفيد مع معارضته مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضًا لعدم خلوه عنه.
قلت (١): القاطع دلّ على جواز القياس في الشرعيات، فعلمنا بذلك أنّ تلك الخصوصيات لا مدخل لها في إثبات تلك الأحكام، ولا قاطع في اللّغات يدلّ على جريان القياس فيها، ولئن سلمنا أنَّه يفيد ظنّ العلية فما يجعله العبد علّة لا (٢) يفيد الحكم أينما وجد كقول القائل أعتقت غانمًا لسواده لا يطرد في عبيده السود، فلعل الواضع هو العبد.
وقول الإمام: هنا (٣) بيّنا أنّ اللّغات توقيفية مدخول باختياره التوقف (٤).
واحتجوا أيضًا: بعموم قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٥).
وأجاب صفي الدين الهندي: بأنَّه يقتضي وجوب القياس في اللغات، ولا قائل به، إنّما الاختلاف في الجواز (٦) وفيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت الجواز وجاء تحريم الخمر مثلا لزم من يقول بالقياس في اللغة أنّ النبيذ داخل تحت هذا المسمّى فيجب عليه أنْ يعمّمها بالحكم الواحد الوارد على
стр. 2583
لفظ الخمر وبذلك صرح الإمام بقوله: يلزم أنْ يثبت للنبيذ من الأحكام ما يثبت للخمر (١).
قال: (دون الأسباب والعادات كأقلّ الحيض وأكثره)
البحث الخامس: القياس في الأسباب وفيه مذهبان (٢):
أحدهما: وهو الذي زعم الإمام أنَّه المشهور (٣) وجزم (٤) به صاحب
стр. 2584
الكتاب واختاره الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) أنَّه لا يجري القياس فيها.
والثاني: وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها (٣) ومثاله: قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحدّ بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرمٌ شرعًا، مشتهى طبعًا، فجعل (٤) اللواط سببًا وإن كان لا يسمى زنا (٥).
واحتج الأولون بأن قياس الشيء على الشيء يقتضي أنْ يكون بينهما وصف مشترك وهو العلّة فلو قسنا اللواط مثلًا على الزنا فلا بد بينهما من وصف مشترك هو علّة للموجبية والسببية وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك، لا ذلك الزنا على سبيل الخصوصية،
стр. 2585
فلا يكون كل واحد من الزنا واللواط موجبًا وسببًا؛ لأنَّ الحكم باستناده (١) إلى المشترك بينهما استحال أنْ يكون معه مستندًا إلى خصوصية كل واحد منهما.
ومن شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل؛ لأنَّ المقيس عليه حينئذ يخرج أنْ يكون مقيسا عليه فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضي أنْ لا يكون السبب الذي هو أصلٌ سببًا.
هذا خلف ولا ينتقض هذا بالقياس في الأحكام؛ لأنَّ الأصل فيه غير موجب للحكم فإضافة الموجب إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه أصلًا بخلاف السبب فإنّه موجب للحكم، فإضافة الموجب (٢) إلى القدر المشترك لا بجامع الإضافة إلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية.
فإن قلت: الجامع بين الموضعين لا يكون له تأثير في الحكم بل في علية الوصف، وأمّا الحكم فإنما يحصل من الوصف.
قلت: ما صلح لعلية العلّة كان صالحًا لعلّة الحكم، فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة.
وقد أجاب النقشواني: عن هذا الاحتجاج بما تقريره (٣): أنْ يقال العلة الحقيقة هي الحكمة والحاجة كما هو مقرر في مكانه لكنها لما كانت
стр. 2586
غير مضبوطة وغير مقدرة في ذاتها جعل الوصف علّة بمعنى أنَّه يُعرِّف العلّة المؤثرة، فصلاحية الوصف للضبط وتعريف (١) العلّة المؤثرة بهذا المحض هي العلَّة في جعله علّة وبهذا لا تصلح الحكمة لعلية الحكم من غير واسطة الحكم والوصف معًا (٢).
ويظهر حينئذ قوةُ السؤال الذي أورده (٣) وضعف الجواب، فيقال: نقيس اللواط على الزنا ونقول إنّ الزنا إنّما أوجب الحدّ للوصف المشترك بينهما، فنعدي (٤) الموجبية من الزنا إلى اللواط، وذلك لأنَّ الزنا إنّما صار موجبًا وعلّة لكونه معرفًا للحكمة الموجبة للحدّ وهي الحاجة المناسبة إلى شرعيته واللواط يشارك الزنا في هذا المعنى، فيلزم من كون الزنا علّة معرفة كون اللواط كذلك.
وقوله: على هذا التقدير يكون الموجب للحد إنّما هو المشترك.
стр. 2587
قلنا: ممنوع، فإنّ هذا المشترك الذي ذكرنا يصلح أنْ يكون علّة لعلية الوصف لكن لا يصلح أنْ يكون علّة للحكم على ما وضّح، ولأنا سلمنا أنّ ذلك المشترك (١) يكون علّة للحكم، لكنْ لِمَ (٢) لا يجوز أنْ يكون علّة لعلية الوصف أيضًا؟ فإنّها تكون علّة مؤثرة للحكم وعلَّة مؤثرة لصيرورة الوصف علّة مُعَرّفة (٣) ويكون الحكم مستندًا إلى ذلك المشترك استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرف له ولا يمتنع ذلك بل هو الواقع في سائر الأحكام، فإنّ الحكم مستند إلى الحاجة استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرّف (٤).
واعلم أنّ الحِجَاج في هذه المسألة طويل لا يحتمله هذا الشرح، لا سيما وصاحب الكتاب أومأ إلى الاختصار حيث اقتصر فيها على مجرد الدعوى.
والحق عندي جريان القياس فيها إنْ قلنَا برجوع السببية (٥) إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب (٦)، فإنّه حينئذ
стр. 2588
يشملها دلائل العمل بالقياس في الأحكام ثمّ إنْ اعترف الخصوم بإمكان معرفة العلّة وتعديتها ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم كمن يقول: نجري القياس في حكم الضمان لا في حكم القصاص وفي البيع لا في النكاح، وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك؟ (١)
فإن قلت: الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع؛ لأنَّه لا يتيقن للأسباب علّة مستقيمة تتعدى (٢).
قلت: الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلّة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس (٣) حيث أمكن معرفة العلّة وتعديتها فارتفع الخلاف وهذا ذكره الغزالي فذكرناه هنا (٤)، وأمّا إن لم نقل برجوع السببية إلى الأحكام فعندي توقف.
البحث السادس: القياس في الأمور العادية والخِلْقِية كأقلّ الحيض وأكثره وكذا الحمل والنفاس (٥).
стр. 2589
فقال المصنف لا يجري فيه القياس، ونقله الإمام عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والذي قاله الشيخ في شرح اللمع إنّما طريقة العادة إن كانت عليه أمارة جاز إثباته بالقياس (١).
قال: وذلك كالشَّعْرِ هل يحلّ فيه الروح؟ والحامل هل تحيض؟ فإنّا نستدل في مسألة الشّعر والعظمِ بالنّماء والاتصال، ونقيس على سائر الأعضاء. والخصم يقيس على أغصان الشجرة من حيث إنّه لا يحسّ ولا يألم، وفي مسألة الحامل بأن الحمل لو منع دم الحيض لمنع دم الاستحاضة، ألا ترى أنّ الصِّغَر لما منع أحدهما منع الآخر فكذا الكبر، والخصم يقول: لو كان دم الحيض، لانقضت به العدّة، وحرم الطلاق، وإنْ لم يكن عليه أمارة كأقلّ الحيض وأكثره فلا يجوز إثباته بالقياس كما نقله الإمام؛ لأنَّ أشباهها غير معلومة لا قطعًا ولا ظاهرًا فوجب الرجوع فيها إلى قول الصادق. قال الشيخ أبو إسحاق: ومن استدل في هذا بالقياس عالمًا به فقد كذب على دين الله وفسق بذلك (٢).
стр. 2590
الباب الثاني: أركان القياس
стр. 2591
قال: (الباب الثاني: في أركانه .
إذا ثبت الحكم في صورة لمشترك بينها (١) وبين غيرها تسمى الأولى أصلًا والثانية فرعًا والمشترك علّةً وجامعًا.
وجعل المتكلمون دليل الحكم في الأصل أصلًا.
والإمام: الحكم في الأولى (٢) أصلًا والعلّة فرعًا وفي الثانية بالعكس وبيان ذلك في فصلين)
أركان (٣) القياس أربعة: الأصل، والفرع، والجامع بينهما، وحكم الأصل، وأما حكم الفرع فهو حكم الأصل بالحقيقة، وإن كان غيره باعتبار المحل، لذلك لم تكن الأركان خمسة.
وقول الآمدي: حكم الفرع، ثمرة القياس وليس ركنًا منه؛ لأنَّ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنًا منه لتوقف على نفسه (٤)، مدخول؛ فإنَّ المتوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس، لا نفس حكم الفرع،
стр. 2592
ثمّ إنّ المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أوّل الكتاب عن إعادته هنا.
وقد اختلف اصطلاح الأئمة في الأركان الثلاثة فذهب الفقهاء والنظّار إلى ما صدّر المصنف كلامه فقالوا: إذا ثبت الحكم في صورة كالذُرة مثلًا لأمر مشترك بينها وبين البُرِّ وهو الطُعم، سميت الأولى وهي البر أصلًا، والثانية وهي الذُّرَة فرعًا والمشترك وهو الطُعْم علّةً وجامعًا. وزعم الآمدي أنّ هذه المقالة هي الأشبه (١).
قال المتكلمون: الأصل هو دليل الحكم أي النّص الدّال (٢) على ثبوت أنّ (٣) البرَّ ربوي مثلًا، وضعف الإمام هاتين المقالتين (٤).
أما الأولى؛ فلأنّ أصل الشيء ما تفرع عليه غيره، والحكم المطلوب إثباته في الذُّرَة لا يتفرع على البر؛ لأنَّ البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم، وهو تحريم الربا لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذُّرة عليه، ولو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر، أمكن تفريع الذرة عليه، فإذن الحكم المطلوب إثباته غير متفرع (٥) على البر بل على الحكم الحاصل فيه،
стр. 2593
فلا يكون البُّر أصلًا للحكم المطلوب.
وأما الثانية: فمن هذا الوجه؛ لأنَّا لو قدرنا كوننا عالمين حرمة الربا في البر بالضرورة أو بالدليل العقلي، لأمكن تفريع الذُّرة عليه، ولو قدرنا أنّ النّص لم يدل على حرمة الربا في صورة خاصة، لم يكن تفريع الذُّرة عليه تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن تفريعًا نصيًّا.
ثمّ ذهب الإمام إلى رأي ثالث فقال: الحكم أصلٌ في محل الوفاق، فرعٌ في محل الخلاف، والعلّة فرعٌ في محل الوفاق أصلٌ في محل الخلاف (١)، فتحريم الربا في البر أصل وعلّته (٢)، وهي الطُعم فيه فرعٌ، وفي الصورة الثانية وهي الذُّرةُ بالعكس، فصار القياس عنده مشتملًا على أصلين وفرعين باعتبار الصورتين المحل المقيس والمقاس عليه.
قال الإمام: ولقول المتكلمين وجه؛ لأنَّ الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل كما وضح، والنّص أصل لذلك الحكم، فكان أصلًا للأصل، فحسُنت لذلك تسميته بالأصل (٣).
ولك أنْ تقول: الكلام فيما هو أصل بالذات من غير وساطة (٤) شيء لا فيما هو أصل بالعرض، ولقول الفقهاء وجه؛ لأنَّ النّص والحكم
стр. 2594
يتوقف (١) على حصول المحل ضرورة، وحصول المحل لا يتوقف عليهما.
قال النقشواني: وقول الإمام في الردّ عليهم البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم لم يمكن (٢) تفريع الذرة عليه: ممنوع؛ لأنَّ المجتهد إذا تأمل حال البر والذّرة قبل ورود النّص بتحريم الربا في شيء منهما ووجدهما مشتركين في الطعم، وأنّهما مما يتوقف البقاء عليهما، وأنّ بيع بعضه ببعض متفاضلًا فيه مفسدة، فتلك المفسدة إن كانت موجبة (٣) لربا الفضل وجب حرمة ربا الفضل فيهما، وإلا فلا؛ لعدم الفرق بينهما في هذا المعنى فقياسه قبل العلم بالنّص، وثبوت الحكم في أحدهما (٤).
стр. 2595
وقيل: وجد أن النّص كلّ واحدة من الصورتين صالحة لأنْ تكون أصلًا وبعده تسمى المنصوصة أصلًا؛ لأنَّ علمه بشمول هذا الحكم المعين إنما نشأ من حكم هذه الصورة بعينها فسميت أصلا بهذا الاعتبار.
قوله: لو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر أمكن تفريع الذرة عليه ممنوع؛ لأنّه لو ورد الشرع بربوية الحديد لم يفرع الذّرة عليه لبعد الاشتراك في مناط الحكم.
قلت: والمنع الأول حسن وأما الثاني ففيه نظر؛ لأنَّ الصورة الأخرى التي فرض الإمام وجود الحكم فيها لا بد وأن تشارك الذرة في العلّة فإن فرضنا أنّ العلّة وصف يشمل الحديد والذّرة فلا نسلم بعد الاشتراك في مناط الحكم.
واعلم أنّ هذه أمور اصطلاحية لا طائل تحت المنازعة فيها (١).
والذي نقوله: أنّ هناك أربعة أشياء: أحدهما: البر، والثاني: النّص الوارد بتحريم الربا فيه، والثالث: الحكم المستفاد من ذلك