← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قال: (الباب الثاني: في أركانه . إذا ثبت الحكم في صورة لمشترك بينها (١) وبين غيرها تسمى الأولى أصلًا والثانية فرعًا والمشترك علّةً وجامعًا. وجعل المتكلمون دليل الحكم في الأصل أصلًا. والإمام: الحكم في الأولى (٢) أصلًا والعلّة فرعًا وفي الثانية بالعكس وبيان ذلك في فصلين) أركان (٣) القياس أربعة: الأصل، والفرع، والجامع بينهما، وحكم الأصل، وأما حكم الفرع فهو حكم الأصل بالحقيقة، وإن كان غيره باعتبار المحل، لذلك لم تكن الأركان خمسة. وقول الآمدي: حكم الفرع، ثمرة القياس وليس ركنًا منه؛ لأنَّ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنًا منه لتوقف على نفسه (٤)، مدخول؛ فإنَّ المتوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس، لا نفس حكم الفرع،

стр. 2592

ثمّ إنّ المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أوّل الكتاب عن إعادته هنا. وقد اختلف اصطلاح الأئمة في الأركان الثلاثة فذهب الفقهاء والنظّار إلى ما صدّر المصنف كلامه فقالوا: إذا ثبت الحكم في صورة كالذُرة مثلًا لأمر مشترك بينها وبين البُرِّ وهو الطُعم، سميت الأولى وهي البر أصلًا، والثانية وهي الذُّرَة فرعًا والمشترك وهو الطُعْم علّةً وجامعًا. وزعم الآمدي أنّ هذه المقالة هي الأشبه (١). قال المتكلمون: الأصل هو دليل الحكم أي النّص الدّال (٢) على ثبوت أنّ (٣) البرَّ ربوي مثلًا، وضعف الإمام هاتين المقالتين (٤). أما الأولى؛ فلأنّ أصل الشيء ما تفرع عليه غيره، والحكم المطلوب إثباته في الذُّرَة لا يتفرع على البر؛ لأنَّ البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم، وهو تحريم الربا لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذُّرة عليه، ولو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر، أمكن تفريع الذرة عليه، فإذن الحكم المطلوب إثباته غير متفرع (٥) على البر بل على الحكم الحاصل فيه،

стр. 2593

فلا يكون البُّر أصلًا للحكم المطلوب. وأما الثانية: فمن هذا الوجه؛ لأنَّا لو قدرنا كوننا عالمين حرمة الربا في البر بالضرورة أو بالدليل العقلي، لأمكن تفريع الذُّرة عليه، ولو قدرنا أنّ النّص لم يدل على حرمة الربا في صورة خاصة، لم يكن تفريع الذُّرة عليه تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن تفريعًا نصيًّا. ثمّ ذهب الإمام إلى رأي ثالث فقال: الحكم أصلٌ في محل الوفاق، فرعٌ في محل الخلاف، والعلّة فرعٌ في محل الوفاق أصلٌ في محل الخلاف (١)، فتحريم الربا في البر أصل وعلّته (٢)، وهي الطُعم فيه فرعٌ، وفي الصورة الثانية وهي الذُّرةُ بالعكس، فصار القياس عنده مشتملًا على أصلين وفرعين باعتبار الصورتين المحل المقيس والمقاس عليه. قال الإمام: ولقول المتكلمين وجه؛ لأنَّ الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل كما وضح، والنّص أصل لذلك الحكم، فكان أصلًا للأصل، فحسُنت لذلك تسميته بالأصل (٣). ولك أنْ تقول: الكلام فيما هو أصل بالذات من غير وساطة (٤) شيء لا فيما هو أصل بالعرض، ولقول الفقهاء وجه؛ لأنَّ النّص والحكم

стр. 2594

يتوقف (١) على حصول المحل ضرورة، وحصول المحل لا يتوقف عليهما. قال النقشواني: وقول الإمام في الردّ عليهم البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم لم يمكن (٢) تفريع الذرة عليه: ممنوع؛ لأنَّ المجتهد إذا تأمل حال البر والذّرة قبل ورود النّص بتحريم الربا في شيء منهما ووجدهما مشتركين في الطعم، وأنّهما مما يتوقف البقاء عليهما، وأنّ بيع بعضه ببعض متفاضلًا فيه مفسدة، فتلك المفسدة إن كانت موجبة (٣) لربا الفضل وجب حرمة ربا الفضل فيهما، وإلا فلا؛ لعدم الفرق بينهما في هذا المعنى فقياسه قبل العلم بالنّص، وثبوت الحكم في أحدهما (٤).

стр. 2595

وقيل: وجد أن النّص كلّ واحدة من الصورتين صالحة لأنْ تكون أصلًا وبعده تسمى المنصوصة أصلًا؛ لأنَّ علمه بشمول هذا الحكم المعين إنما نشأ من حكم هذه الصورة بعينها فسميت أصلا بهذا الاعتبار. قوله: لو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر أمكن تفريع الذرة عليه ممنوع؛ لأنّه لو ورد الشرع بربوية الحديد لم يفرع الذّرة عليه لبعد الاشتراك في مناط الحكم. قلت: والمنع الأول حسن وأما الثاني ففيه نظر؛ لأنَّ الصورة الأخرى التي فرض الإمام وجود الحكم فيها لا بد وأن تشارك الذرة في العلّة فإن فرضنا أنّ العلّة وصف يشمل الحديد والذّرة فلا نسلم بعد الاشتراك في مناط الحكم. واعلم أنّ هذه أمور اصطلاحية لا طائل تحت المنازعة فيها (١). والذي نقوله: أنّ هناك أربعة أشياء: أحدهما: البر، والثاني: النّص الوارد بتحريم الربا فيه، والثالث: الحكم المستفاد من ذلك

стр. 2596

النّص، والرابع: العلم به. والحكم في الذُّرة ليس متفرعًا عن البر من حيث هو بُرٌّ، وهذا (١) واضح ولا عن الحكم من حيث هو حكمٌ؛ لأنَّ تحريم الربا من حيث هو هو (٢) شيء واحد، لا يختلف بالمحل، وإنّما إذا أخذ مضافًا إلى محله فيمكن أنْ يقال: إنّ الحكم في الذّرة متفرعٌ عن الحكم في البّر (٣)، ويمكن أنْ يقال إنّ الذّرة (٤) مع ثبوت الحكم فيها يتفرع عن البر مع ثبوت الحكم فيه. فالفقهاء نظروا إلى هذا، والإمام نظر إلى الأوّل، وهما متقاربان، ونظر الفقهاء أقرب إلى الاصطلاح وأوفق لمجاري (٥) الاستعمال بين (٦) الجدليين (٧)، ولقولنا القياس حمل معلوم على معلوم (٨) والمحمول المحل لا

стр. 2597

الحكم، ولقول من قال القياس (١): ردُّ فرع إلى أصل لعلّة جامعة (٢)، والفرع والأصل هما المعلومان المذكوران في الحدّ. ولو قال قائل: إنّ المتفرع هو العلم بالحكم في الذّرة على العلم بالحكم في البر لكان أولى من قول الإمام (٣) وليس مخالفًا لقول الفقهاء. وبيان الأولوية: أنّ الحكم قديم (٤) في الأصل، والفرع والنّص الوارد دال عليه، والعلم به هو الذي اقتضى تعديته من محل ورود النّص إلى الفرع وينبغي أنْ يحقق أنَّه هل يتعقل (٥) تفرع حكم الذّرة على حكم البر، وهما قديمان أو لا يعقل بل هما سواء؟ والتفرع في علمنا، والأدّلة الدّالة على ذلك هذا موضع نظر يحتاج إلى زيادة فكر. ثمّ (٦) قال الإمام: وبعد التنبيه على هذه الاصطلاحات نساعد الفقهاء على مصطلحهم لئلا يفتقر إلى تغييره (٧)، ثمّ إنّ المصنف لما بين الأركان الثلاثة على سبيل الإجمال تصدّى لتبيينها مفصلة فعقد لذلك فصلين.

стр. 2598

الفصل الأول: العلَّة

стр. 2599

قال: (الفصل الأول: في العلّة . وهي المعرّف للحكم. قيل: المستنبطة، عرفت به فيدور. قلنا: تعريفه في الأصل، وتعريفها في الفرع فلا دور). إنما أفرد بيان العلّة (١) بفصل مقدّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما (٢)، لكثرة تشعب الآراء عندها وعِظَم موقعها، ولتشتت (٣) المباحث فيها، قد اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب (٤):

стр. 2600

الأول: وبه جزم المصنف واختاره الإمام (١) وأكثر الأشاعرة أنّها المعرِّف للحكم ، وقد يقال: العلامة، والأمارة. واعترض على هذا: بأن المستنبطة لم تعرف إلا من الحكم (٢)؛ لأنَّ معرفة كونها علّة للحكم تتوقف (٣) على معرفة الحكم

стр. 2601

ضرورة فلو عرف الحكم بها لتوقف العلم بالحكم عليها وهو دور، وإنّما قيدنا السؤال بالمستنبطة؛ لعدم توقف معرفة العلّة المنصوصة على معرفة الحكم؛ لكونها معروفة من النّص. وأجاب: بأن تعريف الحكم للعلّة بالنسبة إلى الأصل؛ وتعريف العلّة للحكم بالنسبة إلى الفرع (١) فلا دور؛ لاختلاف المحل، وقضية هذا القول أنْ تكون العلّة عبارةً عن معرفة حكم الفرع فقط، ولا مدخل لها في تعريف حكم الأصل؛ لكونه حينئذ معلومًا بالنّص أو دليلٍ آخر وبهذا اعترض عليه صفي الدين الهندي. وقال: يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا من أنْ حكم الأصل معلل بالعلّة المشتركة بينها وبين الفرع مع كونه على هذا القول غير معرّف بها (٢). و المذهب الثاني: أنها الموجب لا لذاته بل بجعل الشارع إياه موجبا للأحكام وهو رأي الغزالي (٣). وقال صفي الدين الهندي: هو قريب لا بأس به (٤). و الثالث: وهو قول المعتزلة أنّها المؤثر في الحكم بذاته ، وهو باطل؛ لأنه مبني على التحسين والتقبيح؛ ولأنّ الحكم قديم والوصف حادث فيستحيل تعليله (٥).

стр. 2602

و الرابع: واختاره الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) أنّها الباعث ، أي مشتملة على حكمة صالحة أنْ تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وهو ضعيف؛ لاستحالته في حق الله تعالى؛ لأنَّ من فعل فعلًا لغرض فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان حصول الغرض أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفًا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية (٣) لله تعالى متوقفة على الغير، فتكون ممكنة غير واجبة لذاته، ضرورة توقفها على الغير فيكون كماله تعالى ممكنًا غير واجب لذاته وهو باطل (٤). لا يقال: حصول ذلك الغرض ولا حصوله، وإن كان مستويا بالنسبة إليه فمتفاوت بالنسبة إلى غيره؛ لأنَّ حصوله لهم أولى فيفعله تعالى لا لغرضه بل لغرضهم، وحينئذ لا يلزم منه استكمال (٥) ذاته تعالى بصفة ممكنة؛ لأنّا نقول: فعله لذلك الفعل لتحصيل غرضهم إن كان أولى له من لا فعله جاء حديث الاستكمال وإن لم يكن فتحصيل الغرض إن كان لتحصيل غرض آخر لهم كان الكلام فيه كالأوّل

стр. 2603

وتسلسل، وإن لم يكن لغرض آخر لهم (١) مع أنَّه ليس فيه أولويّة استحال أنْ يكون غرضًا (٢). وقد نجز من القول في هذه المسألة ما لا يحتمل هذا الشرح أطول منه، وبقي سؤال يورده الشيوخ، وهو أنّ المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل، وأنّ العلّة بمعنى الباعث، وتوهم كثير منهم منها (٣) أنَّها باعثة للشارع على الحكم كما هو مذهبٌ قد بينا بطلانه، فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين. وما زال الشيخ الإمام (٤) الوالد والدي أطال الله عمره (٥) يستشكل الجمع بين كلاميهما إلى أن جاء ببديع من القول فقال: في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه (ورد العلل في فهم العلل) ولا تناقض بين الكلامين؛ لأنَّ المراد أنّ العلّة باعثة على فعل المكلف مثاله: حفظ النفوس فإنّه علّة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع فحكم الشرع لا علّة له ولا باعث عليه؛ لأنّه قادرٌ أنْ يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس وهو مقصود في

стр. 2604

نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود (١) للشرع، وأجرى الله تعالى العادة أنّ القصاص سبب للفظ فإذا فعل المكلَف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقادَ إليه القاتل امتثالًا لأمر الله به ووسيلةً إلى حفظ النفوس كان لهم أجران أجرٌ على القصاص وأجرٌ على حفظ النفوس، وكلاهما مأمورٌ به من جهة الله تعالى. أحدهما: بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢). والثاني: إما بالاستنباط وإما بالإيماء في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٣) وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان: أحدهما: ذلك المعنى، والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه، وأمر المكلف أنّ يفعل ذلك الفعل قاصدا به ذلك المعنى، فالمعنى باعث له لا للشارع، ومن هنا يعلم أنّ الحكم المعقول المعنى أكثر أجرًا من الحكم التعبدي. نعم التّعبدي فيه معنى آخر، وهو أنّ النّفس لاحظ لها فيه، فقد يكون أجر (٤) الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي، ويعرف أيضًا أن العلّة القاصرة سواءً كانت منصوصة أم مستنبطة فيها فائدة، وقد ذكر النّاس لها فوائدَ وما ذكرناه فائدةٌ زائدةٌ، وهي قصد

стр. 2605

المكلف فعله لأجلها فيزداد أجره فانظر هذه الفائدة الجليلة واستعمل في كلّ مسألة ترِد عليك هذا الطريق وميّز بين المراتب الثلاث، وهي حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس وهو باعث على الثاني لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة وحفظ العقل باجتناب المسكر فشدّ يديك بهذا الجواب.

стр. 2606

الطرف الأول: مسالك العلة

стр. 2607

قال: (والنظر في أطراف: الأول في الطرق الدالة على العلية. الأول: النص القاطع كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ ، وقوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وقوله: "إنما نهيتكم عن لحم الأضاحي لأجل الدّافة"). المراد بالنّص (١) (٢) كما قال الإمام وغيره: ما كانت دلالته ظاهرةً

стр. 2608

سواء كانت قاطعة أم محتملة (١)، وتقسيم المصنف النّص إلى قاطع وظاهر يخالف ما تقدم منه في تقسيم الألفاظ من جعل الظاهر قسيمًا (٢) للنّص لا قسما (٣) منه (٤) (٥).

стр. 2609

وحاصل ما ذكره هنا: أنّ النَّص على قسمين: الأول: القاطع وعبّر عنه الآمدي والهندي وغيرهما بالصريح (١) وله ألفاظ منها (٢): - (كي) كقوله تعالى في الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٣) أي إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم، فلا يحصل للفقراء شيء (٤).

стр. 2610

- ومنها (لأجل كذا) أو من أجل كذا كقوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" رواه البخاري ومسلم (١)، وقوله: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا" (٢) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق والدّافة: القافلة السائرة (٣).

стр. 2611

- ومنها (لعلّة كذا أو لسبب أو لمؤثر أو لموجب) وأهمل المصنف ذلك لكونه في معنى الأجل. قال: (والظاهر اللام كقوله تعالى لدلوك الشمس فإن أئمة اللغة قالوا اللام للتعليل. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ وقول الشاعر: لدّوا للموت وابنوا للخراب للعاقبة مجازا، وإنّ: مثل "ولا تقربوه طيبا فإنّه يحشر يوم القيامة ملبيا" والباء مثل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾). الثاني: من قسمي النّص: الظاهر (١) وهو اللام، وإنّ، والباء. أمّا (اللام): فكما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢) فإنّ أهلَ اللغة نصّوا على أنَّه للتعليل، وإنما لم يكن صريحًا لاحتمال الاختصاص، أو المِلك وغير ذلك (٣).

стр. 2612

قوله: وفي قوله هذا جواب عن سؤال مقدَّر تقديره اللام ليست للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (١) فإنّ ذلك ليس غرضًا بالإجماع، فإنّ النّاس على قولين: منهم من لم يعلل أفعال الله لشيء أصلًا، ومنهم من يعللها بالمصالح، فأمّا تعليلها بالمضار والعقوبات فلم يقل به عاقل. ولقول الشاعر: لَهُ مَلِكٌ يُنَادِي كلّ يومِ ... لِدُوا لِلمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ (٢) وذلك ليس للعلية (٣) إذ الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب. وجوابه: أنّ اللام في هذه الأماكن مستعملة على جهة التجوز للعاقبة، فإنّ عاقبة كثير من المخلوقات جهنّم، وعاقبة الولادة الموت، والبناء للخراب (٤)، والعلاقة بين العلّة والعاقبة، أنّ عاقبةَ الشيءِ

стр. 2613

مترتبةٌ عليه في الحصول كترتبِ العلّةِ الغائبةِ على معلولها، واستعمالُها على جهة المجاز لا ينفي كونها ظاهرة في (١) التعليل الذي هو حقيقتها. فإن قلت: استعمالُها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرةً فيه، لو ثبت كونها حقيقةً له لكن لم يثبت بعد فإنّكم إنّما استدللتم عليه بالاستعمال وعارضناه (٢) بمثله فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على حقيتها في التعليل أولى من العكس. قلت: الاستدلال بما ذكرنا من الاستعمال أولى لموافقته (٣) قول أهل اللغة أنّها للتعليل ولكونه أسبق إلى الفهم. وأما (إنّ) فكقوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (٤) أخرجاه في الصحيحين.

стр. 2614

وفي هذا الحديث جهتان تدلان على التعليل [بـ] (١) (إنّ) لما تقرر. من ترتيب (٢) الحكم على الوصف كما سيأتي في كلام المصنف إن شاء الله تعالى (٣). وأما (الباء) ففي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٤). فإن قلت: أصل الباء للإلصاق (٥)، فلم قلتم بأنها ظاهرة في التعليل؟ . قلت: قال الإمام: ذات العلّة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك فحسن استعماله فيه مجازًا (٦)، لكن قال صفي الدين الهندي: هذا مخالف لما ذكره غيره، ولما أشعر به كلامه أيضًا، إذ صرح بأنَّ دلالة اللام، وإنّ، والباء على التعليل ظاهرة من غير تفرقة بينها، ثم إنّه صرّح بأنّ دلالةَ اللامِ حقيقةٌ، فأشعر بالتسوية في الدلالة؛ ولأنّ دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق غلبة الاستعمال أو القرينة، فكان يجب عليه أنْ يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع (٧) (٨).

стр. 2615

قال: (الثاني الإيماء: وهو خمسة أنواع: الأول ترتيب الحكم على الوصف بالفاء، ويكون في الوصف (١) أو الحكم وفي لفظ الشارع أو الراوي مثاله: السارق والسارقة، لا تقربوه طيبًا، زنى ماعز فرجم). الثاني: من الطرق الدالة على العليّة: الإيماء والتنبيه (٢). قال الآمدي، وصفيّ الدّين الهندي: دلالته على العليّة بالالتزام (٣):

стр. 2616

لأنّه يفهم التعليل فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ (١). قال الهندي: إذ اللفظ (٢) لو كان موضوعًا لها لم يكن دلالته من قبيل الإيماء، بل كان صريحًا (٣). وهذا الذي قالاه فيه نظر، سنذكره. وهو أنواع: الأول: أنْ يَذْكُرَ (٤) حكمًا ووصفًا وتدخل الفاء على أحدهما وهو أقسام أربعة (٥): أولها: دخول الفاء على الوصف في كلام الشارع (٦) كقوله ﷺ : "فإنّه يبعث يوم القيامة ملبيا" (٧). الثاني: دخولها في كلام الراوي ولم يمثل له المصنف (٨).

стр. 2617

الثالث: دخول الفاء على الحكم في كلام الشارع مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) الرابع: دخولها عليه في كلام الراوي مثل: "زنى ماعز فرجم" (٢) وقد تقدم الكلام على حديث: زنى ماعز في (٣) التخصيص (٤)، وليس فيه وقوع هذا اللفظ في كلام الراوي ومثاله أيضًا: "سها رسول الله ﷺ فسجد" (٥).

стр. 2618

وهنا كلمات: إحداها (١): قال الإمام: يشبه أنْ يكون تقدم العلّة على الحكم أقوى في الإشعار بالعليّة من الثاني؛ لأنَّ إشعار العلّة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلّة؛ لأنَّ الطرد واجب في العلل دون العكس (٢)، وعكس النقشواني الأمر معترضًا على الإمام بأنّه إذا تقدم الحكم لطلب نفس السامع العلّة، فإذا سمع وصفًا معقبًا بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أنَّ ذلك هو العلّة، وأمّا إذا تقدّم معنى لم يعلم بعد حكمه مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ فالنفس تطلب الحكم فإذا صار الحكم مذكورًا فبعد ذلك قد يكتفى في العلّة بما سبق إن كان شديدَ المناسبة، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وقد لا يكتفى بل يطلب العلّة بعد ذلك (٣) بطريق آخر، بأن يقول: إذا أقمتم الصلاة (٤) فاغسلوا وجوهكم تعظيمًا للمعبود، وأما فيما إذا تأخر ذكر العلّة فلا يجوز ذكر علّة أخرى. قال ولو ذكر علّة (٥) عدَّ مناقضًا فكان الإشعار بالعليّة على عكس ما قاله الإمام (٦). . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2619

. (١)، كيف، وترتيب (٢) الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلّة وإن لم يكن مناسبا؟ ويلزمه أنْ يقول إشعار قول القائل: أما الطِّوَال فأكرموهم بالعلّة (٣) أقوى من أكرموا هؤلاء فإنّهم طوال (٤)، وليس كذلك؛ لإمكان قول القائل: في الأول لم أجعل الإكرام علّة دون الثاني، وأمّا قول الإمام إشعار العلّة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى (٥) إلا في شيء عرف كونه علّةً قبل الكلام أو قبل الحكم. أمّا ما كانت العلّة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ذكر (٦) (٧).

стр. 2620

الثانية: ما ورد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ فهو أقوى دلالة على العليّة من (١) كلام الراوي لتطرق احتمال الخطأ إليه دون الله ورسوله. وجعل الآمدي الوارد في كلام الله أقوى من الوارد في كلام رسوله ﷺ (٢).

стр. 2621

والحقّ مساواتهما؛ لعدم احتمال تطرق الخطأ. قاله الهندي (١)، وهو صحيح (٢)، وما كان من (٣) كلام الراوي الفقيه أقوى مما هو من (٤) كلام من ليس بفقيه (٥). الثالثة: استدل الآمدي على إفادة هذا النوع من الإيماء العلية بأنّ الفاء للتعقيب، ودخولها على الحكم بعد الوصف يقتضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، ويلزم كون الوصف سببًا، إذ لا معنى لسببيته إلا ثبوت الحكم عقيبه (٦). وقد ذكر الهندي هذا التعليل واعترض عليه بأنّا نسلم أنّ كلّ سبب يعقبه الحكم، لكن لا نسلم أنّ كلّ ما يعقبه الحكم سبب، فإن القضية الكلية (٧). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2622

لا تنعكس كنفسها (١) (٢)، وهو اعتراض صحيحٌ (٣)، ثم هذا الدليل (٤) على ضعفه يختص بدخولها على الحكم بعد الوصف دون عكسه. وقد جعل ابن الحاجب دلالةَ الأقسام التي ذكرناها في هذا القسم (٥) من باب الصريح دون الإيماء (٦). والحق عندي (٧): في هذا أنْ يقال ترتيب الحكم على الوصف يفيد العليّة بوضع اللغة، ولم تضع العرب ذلك دالًا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، ولا بدع في مثل هذا الوضع. وإنّما نجعله من باب الصريح لتخلفه في بعض محاله عن أنْ يكون إيماءً وهو حيث تكون الفاء، بمعنى الواو، فكانت دلالته أضعف، وإذا وضح هذا علمت أن دلالته ليست التزامية كما زعم الآمدي والهندي، وهذا هو النظر الذي أشرنا إليه أوّل الفصل (٨)، وإنها ليست صريحة على خلاف ما ظنَّ ابن

стр. 2623

الحاجب. الرابعة: قد يقال كيف يعتمد قول الراوي هنا مع جواز أنْ يكون ترتيبه (١) للحكم على الوصف لفهمه أو ظنّه ما ليس بعلّةٍ علّةً (٢). وقد قال الجمهور: لا يعتمد قوله: هذا منسوخ، ولا عمله بخلاف ما رواه؛ لاحتمال ذلك، ولا قوله: أمر رسول الله ﷺ عند بعض الأصوليين، وقد يقال: يعتمد قوله في فهم مدلولات الألفاظ كالرواية بالمعنى. ويجاب: بأنّ العمل بقوله هذا منسوخ، يلزم منه رفع دليل ثابت بقول جاز أنْ يقوله عن اجتهاد لا نراه، بخلاف مثل قوله: "سها فسجد" فإنه لا يلزم من إثبات هذا الحكم الذي جاء به رفع ثابت بالدليل (٣) وكذا الآخذ بما رآه دون ما رواه. وأما قوله: أمر رسول الله ﷺ بكذا فالأكثرون على اعتماده والعمل به، ومن لم يعتمده مستنده احتمال أنّ الحكمَ كان غيرَ دائمٍ وظنَّه دائمًا أو مختصًا بواحد وظنّ عدم اختصاصه لا من جهة ظنّه ما ليس بأمر أمرًا، فإن ذلك بعيد من العربي. وحاصل هذا كلِّه أنّ الرّاوي يرجع إليه في مدلولات الألفاظ لا في الاجتهاد.

стр. 2624

والحق عندي (١) في هذا أنْ يقال: إن كان الراوي صحابيًا اعتمد فهمه؛ لأنَّ الصحابة ﵃ كلّهم فقهاء ومن صميم العرب وإن كان غيرَ صحابيّ، فالظاهر أيضًا اعتماده إذا كان كذلك، وإن كان ممن قد يخفى عليه أنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة فلا يعتمد (٢). قال: (فرع (٣): ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية وقيل: إذا كان مناسبًا. لنا: لو قيل أكرم الجاهل وأهن العالم قَبُحَ، وليس لمجرد الأمر فإنه قد يحسن فهو لسبق التعليل. قيل: الدلالة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل. قلنا: يجب دفعًا للاشتراك). اختلفوا في اشتراط المناسبة (٤) في الوصفِ المومَى إليه، فذهب

стр. 2625

الأكثرون إلى عدمِ اشتراطه. وقيل: يشترط، وتوجيه تفريع هذا الفرع على ما قبله أنْ يقال: إذا ثبت أنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة فهل يشترط مناسبة الوصف؟ واستدل المصنف على أنَّه لا يشترط بأنّ القائل لو قال: أكرم الجاهل وأَهِنِ العالم استقبح هذا الكلام منه عرفًا، وليس الاستقباح لمجرد الأمر بذلك، فإنّ الجاهل قد يحسن إكرامه في الجملة لنسب (١) أو دِين أو غير ذلك. والعالم قد يحسن إهانته لفسق أو بخل أو غيره، فثبت أنّ (٢) استقباح ذلك إنما هو لسبق الفهم إلى تعليل إكرام الجاهل بالجهل، وإهانة العالم بالعلم؛ لأنَّ الأصل عدم غيره، فيكون حقيقة في أنّ ترتيب الحكم على الوصف يقتضي العليّة مطلقًا. واعلم أنّ عبارة الإمام: أَكْرِمِ الجُهَّال وأهن العلماء (٣)، وفهم عليّة الوصفين (٤) في هذه الصورة أسبق إلى الذهن من فهمه في قولنا: أكرم الجاهل وأهن العالم؛ لأنّه قد يقال: إنّه في حالة الجمع يكون

стр. 2626

ناظرًا إلى جهة الجهل والعلم دون الإفراد، إذ (١) يكون الشخص فيه مقصودًا فإتيان المصنف بصيغة الإفراد أحسن، إذ يلزم من ثبوته فيه ثبوته في تلك الصورة بطريق أولى. وهكذا فعل الآمدي (٢). وقد اعترض الخصم على هذا الدليل بأنّ دلالةَ الترتيب على العليّة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في جميع الصور؛ لأنَّ المثال الجزئي لا يدل على القاعدة الكليّة، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لخصوصية هذه الصورة. وأجاب: بأنَّه إذا ثبت في هذه الصورة لزم في جميع الصور، وإلا يلزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب. ولقائل أنْ يقول: الترتيب تركيب والمركب غير موضوع عنده فأين لزوم الاشتراك؟ . سلمنا: أنّه موضوع، ولكن (٣) إنّما يلزم الاشتراك أنْ لو قلنا: إنّه يدل في غير هذه الصورة على غير العليّة ونحن نقول: لا يدلّ في غير هذه الصّورة على (٤) شيء وفرْق بين الدلالة على العدم وعدم الدلالة، والاشتراك لازم على الأول الممنوع دون الثاني المسلم ولا يقال: الترتيب الدّال في هذه الصورة لا بد أنْ يدل على شيء في غيرها؛ لأن ذلك مجرد دعوى.

стр. 2627

قال: الثاني: (أنْ يحكم (١) عقيب علمه بصفة المحكوم عليه كقول الأعرابي: واقعت يا رسول الله. فقال: "أعتق رقبة" (٢)؛ لأنَّ صلاحيةَ جوابه تغلب ظنّ كونه جوابًا والسؤال معاد فيه تقديرًا فالتحق بالأول). الثاني: من أنواع الإيماء أنْ يحكم الرسول (٣) ﷺ بحكم في محلّ عند علمه بصفة فيه، فيغلب على الظنّ أنّ تلك الصفة علّةٌ لذلك الحكم، مثاله: ما روي "أنّ أعرابيا جاء إلى النّبي ﷺ فقال هلكت وأهلكت، واقعتُ أهلي في نهار رمضان عامدًا فقال: أعتق رقبة" (٤). وأصل الحديث في الكتب الستّة كلّها، لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذه الصيغة في سنن ابن ماجه (٥).

стр. 2628

فيظنّ أنّ الوقاع في نهار رمضان سببٌ لوجوب عتق الرقبة؛ لأنَّ ما ذكره الرسول ﷺ من الكلام يصلح أنْ يكون جوابًا لهذا السؤال وصلاحيته لذلك تغلب على الظنّ كونه جوابًا؛ لأنَّ الاستقراء يدل على أنّ الغالبَ فيما يصلح (١) للجواب أنْ يكون جوابًا. فإن قلت: يحتمل أنْ يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام، أو زجرًا له عن الكلام كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك. قلت: غلبة الظنّ توجب إلحاق (٢) هذا الفرد بالأعمّ والأغلب، ولأنّه لو لم يكن جوابًا خلا السؤال عن الجواب، ولزم تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣)، وما يقال عليه لعله ﷺ عرّف أنَّه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو احتمال مرجوح لكونه نادرًا إذ الغالب من (٤) السؤال كونه وقت الحاجة، وإذا كان ما ذكره الرسول ﷺ جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فيصير تقدير الكلام إذا واقعت فأعتق، فيرجع إلى نوع ترتيب الحكم على الوصف بالفاء،

стр. 2629

لكنه أضعف منه؛ لأنَّ الفاء وإعادة السؤال مقدرٌ فيه والمقدّر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت، فلا يساويه في القوّة وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجّة أيضًا؛ لأنَّ معرفة كون الكلام المذكور جوابًا عنه أو ليس جوابًا لا يحتاج إلى دقيق نظر، وظاهر حال الراوي العدل لا سيما العارف أنْ لا يجزم بكونه جوابًا إلا وقد تيقن ذلك. قال: (الثالث أنْ يذكر وصفًا لو لم يؤثر لم يفد مثل: "إنّها من الطوافين عليكم والطوافات"، "ثمرةٌ طيبة وماءٌ طهور"، وقوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ فقال: نعم فقال: فلا إذًا"، وقوله لعمر وقد سأل عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "). إذا ذكر الشارع وصفًا لو لم يؤثر في الحكم أي لو لم يكن علّة فيه لم يكن لذكره فائدة دلّ على عليته إيماء وإلا كان ذكره عبثًا ولغوًا ينزّه هذا المنصب الشريف عنه (١) وهو على أربعة أقسام: الأول: أنْ يدفع السؤال في صورة الإشكال بذكر الوصف كما روي أنَّه ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل: إنّك تدخل على بني فلان وعندهم هرّة فقال ﷺ : "إنّها ليست بنجسة إنّها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢) رواه الأربعة أصحاب السنن فلو لم يكن لكونها من الطوافات أثر في طهارتها لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.

стр. 2630

الثاني: أنْ يذكر وصفًا في محل حكم لا حاجة إلى ذكره ابتداءً، فتعلم أنَّه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم كما روي أنّ النبي ﷺ قال ليلة الجنّ (١) لابن مسعود "ما في إدواتك قال نبيذ قال: ثمرةٌ طيبةٌ وماء طهور" (٢) وهو حديث ضعيف (٣) رواه الترمذي وابن ماجه.
следующие страницы →