← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ناظرًا إلى جهة الجهل والعلم دون الإفراد، إذ (١) يكون الشخص فيه مقصودًا فإتيان المصنف بصيغة الإفراد أحسن، إذ يلزم من ثبوته فيه ثبوته في تلك الصورة بطريق أولى. وهكذا فعل الآمدي (٢). وقد اعترض الخصم على هذا الدليل بأنّ دلالةَ الترتيب على العليّة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في جميع الصور؛ لأنَّ المثال الجزئي لا يدل على القاعدة الكليّة، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لخصوصية هذه الصورة. وأجاب: بأنَّه إذا ثبت في هذه الصورة لزم في جميع الصور، وإلا يلزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب. ولقائل أنْ يقول: الترتيب تركيب والمركب غير موضوع عنده فأين لزوم الاشتراك؟ . سلمنا: أنّه موضوع، ولكن (٣) إنّما يلزم الاشتراك أنْ لو قلنا: إنّه يدل في غير هذه الصورة على غير العليّة ونحن نقول: لا يدلّ في غير هذه الصّورة على (٤) شيء وفرْق بين الدلالة على العدم وعدم الدلالة، والاشتراك لازم على الأول الممنوع دون الثاني المسلم ولا يقال: الترتيب الدّال في هذه الصورة لا بد أنْ يدل على شيء في غيرها؛ لأن ذلك مجرد دعوى.

стр. 2627

قال: الثاني: (أنْ يحكم (١) عقيب علمه بصفة المحكوم عليه كقول الأعرابي: واقعت يا رسول الله. فقال: "أعتق رقبة" (٢)؛ لأنَّ صلاحيةَ جوابه تغلب ظنّ كونه جوابًا والسؤال معاد فيه تقديرًا فالتحق بالأول). الثاني: من أنواع الإيماء أنْ يحكم الرسول (٣) ﷺ بحكم في محلّ عند علمه بصفة فيه، فيغلب على الظنّ أنّ تلك الصفة علّةٌ لذلك الحكم، مثاله: ما روي "أنّ أعرابيا جاء إلى النّبي ﷺ فقال هلكت وأهلكت، واقعتُ أهلي في نهار رمضان عامدًا فقال: أعتق رقبة" (٤). وأصل الحديث في الكتب الستّة كلّها، لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذه الصيغة في سنن ابن ماجه (٥).

стр. 2628

فيظنّ أنّ الوقاع في نهار رمضان سببٌ لوجوب عتق الرقبة؛ لأنَّ ما ذكره الرسول ﷺ من الكلام يصلح أنْ يكون جوابًا لهذا السؤال وصلاحيته لذلك تغلب على الظنّ كونه جوابًا؛ لأنَّ الاستقراء يدل على أنّ الغالبَ فيما يصلح (١) للجواب أنْ يكون جوابًا. فإن قلت: يحتمل أنْ يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام، أو زجرًا له عن الكلام كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك. قلت: غلبة الظنّ توجب إلحاق (٢) هذا الفرد بالأعمّ والأغلب، ولأنّه لو لم يكن جوابًا خلا السؤال عن الجواب، ولزم تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣)، وما يقال عليه لعله ﷺ عرّف أنَّه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو احتمال مرجوح لكونه نادرًا إذ الغالب من (٤) السؤال كونه وقت الحاجة، وإذا كان ما ذكره الرسول ﷺ جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فيصير تقدير الكلام إذا واقعت فأعتق، فيرجع إلى نوع ترتيب الحكم على الوصف بالفاء،

стр. 2629

لكنه أضعف منه؛ لأنَّ الفاء وإعادة السؤال مقدرٌ فيه والمقدّر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت، فلا يساويه في القوّة وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجّة أيضًا؛ لأنَّ معرفة كون الكلام المذكور جوابًا عنه أو ليس جوابًا لا يحتاج إلى دقيق نظر، وظاهر حال الراوي العدل لا سيما العارف أنْ لا يجزم بكونه جوابًا إلا وقد تيقن ذلك. قال: (الثالث أنْ يذكر وصفًا لو لم يؤثر لم يفد مثل: "إنّها من الطوافين عليكم والطوافات"، "ثمرةٌ طيبة وماءٌ طهور"، وقوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ فقال: نعم فقال: فلا إذًا"، وقوله لعمر وقد سأل عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "). إذا ذكر الشارع وصفًا لو لم يؤثر في الحكم أي لو لم يكن علّة فيه لم يكن لذكره فائدة دلّ على عليته إيماء وإلا كان ذكره عبثًا ولغوًا ينزّه هذا المنصب الشريف عنه (١) وهو على أربعة أقسام: الأول: أنْ يدفع السؤال في صورة الإشكال بذكر الوصف كما روي أنَّه ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل: إنّك تدخل على بني فلان وعندهم هرّة فقال ﷺ : "إنّها ليست بنجسة إنّها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢) رواه الأربعة أصحاب السنن فلو لم يكن لكونها من الطوافات أثر في طهارتها لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.

стр. 2630

الثاني: أنْ يذكر وصفًا في محل حكم لا حاجة إلى ذكره ابتداءً، فتعلم أنَّه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم كما روي أنّ النبي ﷺ قال ليلة الجنّ (١) لابن مسعود "ما في إدواتك قال نبيذ قال: ثمرةٌ طيبةٌ وماء طهور" (٢) وهو حديث ضعيف (٣) رواه الترمذي وابن ماجه.

стр. 2631

قال القرافي في تعليقه على المنتخب: وهذا المثال غير مطابق؛ لأنَّ ذكره ﷺ طيب الثمرة ليس إشارةً إلى العلّة في بقاء الطهورية، بل إلى عدم المانع، والمعنى لو كانت الثمرة مستقذرة، أمكن أنْ تكون نجسة تمنع من بقاء الطهورية لكن ليست كذلك (١). الثالث: أنْ يسأل الرسول ﷺ عن شيء فيسأل ﷺ عن وصف له، فإذا أخبر عنه حكم فيه بحكم كما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وقد سئل عن اشتراء (٢) الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم، قال ﷺ : فلا إذن" (٣) رواه الأربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصحّحه ابن

стр. 2632

خزيمة (١) والحاكم، فلو لم يكن نقصانه علّة في المنع لم يكن للتقديم عليه فائدة، وهو يدل على العليّة بوجهين آخرين من حيث (الفاء) ومن قوله (إذن) فهي من صيغ التعليل وقد عدّها ابن الحاجب مما يدل بالنّص على العليّة مثل من (٢) أجل كذا وشبهه (٣). الرابع: أنْ يسأل عن حكم فيتعرض لنظيره وينبه على وجه الشبه بينه وبين المسؤول عنه، فيفيد أنّ وجه الشبه هو العلّة كما روى أبو داود والنسائي أنّ عمر ﵁ قال هششت فقبَّلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبّلت وأنا صائم قال: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس قال: فَفيمَ؟ " (٤).

стр. 2633

قال النسائي هذا الحديث منكر (١)، وقال أحمد بن حنبل ضعيف (٢). فنبه ﷺ بهذا على أنَّه لا يفسد الصوم بالمضمضة لمشابهتها للقبلة في أنّ كلًّا منهما، وإن كان مقدمة للشرب والوقاع المفسدين فلم يحصل منه (٣) المطلوب من الشرب والوقاع، وفيه إشارة إلى أركان القياس الأربعة: لأنَّه ﷺ جعل المضمضة أصلا والقبلة فرعًا وكون كل منهما مقدمة المفسد جامعًا، وعدم الإفساد حكمًا. واعترض الآمدي على التمثيل بهذا الحديث بأنّه ليس من قبيل ما نحن فيه إذ ليس فيه ما تتخيل أنْ يكون مانعًا من الإفطار بل غايته ألا يفطر قال بل هو نقض لما (٤) توهمه عمر ﵁ من إفساد مقدمة الإفساد (٥). قال الهندي: وهو ضعيف (٦)؛ لأنَّ في (٧) قوله ﷺ : "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه" تنبيهًا على

стр. 2634

الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منها (١) وهو يصلح للعليّة لعدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه (٢). قال: (الرابع أنْ يفرق الحكم بين شيئين بذكر وصف مثل: "القاتل لا يرث" وقوله: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد"). إذا فرّق الشارع بين شيئين في الحكم بذكر صفة كان إيماءً إلى عليّة الصفة، وإلا لم يكن لذكرها معنى؛ وهو ضربان: أحدهما: ألَّا يكون حكمُ أحدِهما مذكورًا في الخطاب بل في خطاب آخر مثل قوله ﷺ : "القاتل لا يرث" (٣) وقد تقدم الكلام على الحديث في الخصوص (٤) مع تقدم بيان إرث الورثة ففرق بقوله القاتل لا يرث بينه

стр. 2635

وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز جعله علّة قي نفي الإرث (١). وثانيهما: أنْ يذكر حكمهما (٢) في الخطاب وهو على خمسة أوجه اقتصر في الكتاب على الأول منها: وهو أنْ تقع التفرقة بلفظ يجري مجرى الشرط كقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وهو في صحيح مسلم: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٣) بعد نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلًا (٤). والثاني: أن تقع التفرقة بالغاية مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥). والثالث: بالاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٦).

стр. 2636

والرابع: بلفظ يجري مجرى الاستدراك مثل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) يدل على عليّة التعقيد للمؤاخذة. والخامس: استئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر صالحة للعلية كقوله ﷺ : "للراجل سهم وللفارس سهمان" (٢). واعلم أنّ اعتماد هذين النوعين على أنَّه لا بد لتلك التفرقة من سبب ولذكر الوصف من فائدة وجعل الوصفِ سببَ التفرقة فائدة. قال: (الخامس: النهي عن مفوت الواجب مثل: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾). إذا نهى عن فعل يمنع الإتيان به حصول ما تقدم وجوبه علينا كان إيماءً إلى أنّ علّة (٣) ذلك النهي كونه مانعًا من الواجب كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٤) فإنّه لما أوجب السعي ونهى عن

стр. 2637

البيع مع علمنا بأنّه لو لم يكن النهي عنه لمنعه من السعي الواجب لما جاز ذكره في هذا الموضع؛ لكونه يخلّ بجزالة الكلام وفصاحته دلّ على إشعاره بالعليّة. وقد نَجَزَ القول في أقسام الايماء الذي هو الثاني من الطرقِ الدَّالةِ على العليّةِ، ونَعْقُبُه إنْ شاءَ الله بالثالثِ، وبالله التوفيق. قال: (الثالث الإجماع كتعليل تقديم الأخ من الأبوين في الإرث بامتزاج النسبين) إذا اجتمعت (١) الأمّة على عليّة وصف لحكم (٢) ثبتت عليّته له (٣)، كإجماعهم على أنّ العلّة في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الارث (٤) هو امتزاج النسبين (٥)، فيلحق به تقديمه في ولاية النّكاح وصلاةِ الجنازة، والحضانةِ والوصيةِ، لأقرب الأقارب، والوقفِ عليه وتحملِ الدّية، قياسًا بجامع امتزاج النسبين. فإنْ قلت: قد وقع خلاف في المذهب في أكثر هذه الصور هل يستويان

стр. 2638

أو يقدم الأخ من الأبوين كولاية النكاح وصلاة الجنازة وتحمل العقل والوصية والوقف؟ وإنّما لم يقع في الحضانة؛ لأنَّ الأنوثة في بابها أقوى من الذكورة ولذلك قال بعض الأصحاب بتساوي الأخ للأم والأخ للأب فكيف ذلك مع الإجماع؟ (١) قلت: لا يلزم من إجماعهم على علية وصف أنْ لا يقع خلاف معها؛ لجواز أنْ يكون وجودها في الأصل أو الفرع متنازعًا فيه أو يكون في حصول شرطها أو مانعها نزاع وهذا على رأي من يجوز تخصيص العلّة، وإنما لا يتصور الخلاف إذا وقع الاتفاق على ذلك كله. قال: (الرابع المناسبة . المناسب: ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررًا). عرف المناسب (٢): بأنَّه الذي يجلب للإنسان نفعًا (٣) أو يدفع عنه ضررًا (٤).

стр. 2639

وغيره قال: إنّه (١) الوصف المفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضرَرًا (٢) (٣) وهما متغايران؛ لأنَّ المصنف جعل المقاصد أنفسها أوصافًا. وهذا التعريف هو قول من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح. والنفع: عبارة عن اللذة وما كان طريقًا إليها (٤). والضرر: الألم وطريقه (٥). وقيل في حدّ اللذة: إدراك الملائم والألم إدراك المنافي (٦). قال الهندي: وهو لا يخلو من شائبة الدور، يعني لأنَّ إدراك أحدهما

стр. 2640

تتوقف معرفته على إدراك الآخر، وهذا فيه نظر، إذ قد (١) يدرك المنافي من لم يدرك الملائم ويعرفه وكذا العكس. قال الإمام: والصواب عندي أنّهما لا يحدّان لكونهما من الأمور الوجدانية (٢). أمّا من لم يعلل أفعال الله تعالى فقال المناسب: الملائم لأفعال العقلاء في العادات (٣) (٤). قال: (وهو حقيقي دنيوي ضروري كحفظ النفس بالقصاص، والدّين بالقتال والعقل بالزجر عن المسكرات والمال بالضمان والنسب بالحدّ على الزنا، ومصلحي كنصب الولي للصغير، وتحسيني كتحريم القاذورات، وأخروي كتزكية النفس، وإقناعي بظنّ مناسب فيزول بالتأمل فيه) هذا تقسيم أوّل للمناسب (٥)، المناسب إمّا حقيقي أو إقناعي.

стр. 2641

الأوّل الحقيقي: وهو إمّا لمصلحة تتعلق بالدنيا أو بالآخرة، والمتعلق بالدّنيا إمّا أن يكون في محل الضرورة، وهو الضروريّ أو في محل الحاجة وهو المصلحيّ، أو لا في محل الضرورة ولا الحاجة، بل كان مستحسنًا في العادات فهو التحسينيّ. فالضروري: ما تضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي اتفقت الملل على حفظها وهي: النّفس والدّين والعقل والمال والنسب (١). - فحفظ النفس بمشروعية القصاص قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢).

стр. 2642

- وأمّا الدّين فبقتال الكفار وعليه نبه قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). - وأمّا العقل فبتحريم المسكرات، وعليه نبه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ (٢). - وأما حفظ المال فبالضمان على الغاصب والاختلاس والسرقة. - وأما النسب: فبوجوب الحدّ على الزاني فهذه الخمسة هي الضرورية. ويلتحق بها ما كان مكملا لها كتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة الداعي إليها وفي تحريم شرب القليل من المسكر ووجوب الحدّ فيه وفي حفظ النسب بتحريم النظر والمس وترتيب التعزير على ذلك. وأما المصلحيّ (٣) فكنصب الولي للصغير فيمَكَّن من تزويج الصغيرة؛ لأنَّ مصالح النكاح غير ضرورية، ولكن واقعةٌ في محل الحاجة، فإنّها داعية إلى الكفء الموافق، وهو لا يوجد في كل وقت، فلو (٤) لم يقيّد بالنّكاح

стр. 2643

لأوشك فواته لا إلى بدل، ومثله تجويز الإجارة فإنّها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنّةِ مالكها ببذلها عارية. قال إمام الحرمين: فمن قال الإجارةُ خارجة عن مقتضى القياس فليس على بصيرة من قوله، فإنّها إن خرجت فخروجها عن الاستصلاح (١)، فهي خارجة على مقتضى الحاجة، والحاجة أصل والاستصلاح بالإضافة إليه فرع (٢) انتهى. ومراده بالاستصلاح كما نبه هو عليه: الحملى على الأصلح والأرشد كاشتراط مقابلة الموجود بالموجود فليست (٣) الإجارة من الأقيسة الجزئية التي هي الاستصلاح لأنها (٤) مقابلة موجودٍ بمعدومٍ. قال إمام الحرمين: وليس المراد بكونه قياسًا جزئيًا جريانه في شخص أو جزء، ولكن الأصل الذي لا بد من رعايته الضرورةُ ثمّ الحاجةُ والاستصلاحُ في الوجوه الخاصة في حكم الجزء عند النظر في المصالح والضوابط الكلية (٥) انتهى. وكالإجارة المساقاة (٦) لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره

стр. 2644

والقراض (١) وذكر بعضهم البيع في هذا القسم. وقال إمام الحرمين: تصحيح البيع آيل إلى الضرورة؛ فإنّ النّاس لو لم يباذلوا ما بأيديهم لجرَّ ذلك ضرورة ظاهرة (٢)، فيلتحق بمشروعية القصاص (٣). واعلم أنَّه قد تتناهى بعض جزئيات هذا القسم فيخرج عنه إلى حدّ الضرورة كتمكين (٤) الوليّ من شراء الطعام والملبوس للصغير الذي في معرض التلف من الجوع والبرد، واستئجار المرضعة له. ويلتحق بقسم المصلحيّ ما كان مكمِّلًا له، كرعاية الكفاءة ومهر المثل في التزويج؛ فإنّه أفضى إلى دوام النكاح، وتكميل مقاصده، وإن حصلت أصل الحاجة بدون ذلك. - وأمّا التحسينيّ (٥) فقسمان:

стр. 2645

أحدهما: وعلى ذكره اقتصر المصنّف ما يقع على (١) غير معارضة (٢) قاعدة معتبرة كتحريم القاذورات، فإنّ نفرة الطباع عنها لقذارتها معنىً يناسب حرمة تناولها حثًّا على مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَّم؛ ومن هذا إزالة النجاسات فإنّها متقذرة في الجبلات واجتنابها أهمّ في المكارم والمروءات، ولهذا يحرم على الصحيح أنْ يتضّمّخ المرء بالنجاسة من غير حاجة. قال إمام الحرمين في البرهان: والشافعي نصّ على هذا في الكثير (٣). ثمّ إنّه في النهاية عند الكلام في وطء المرأة في دبرها قال: لا يحرِّم (٤)، ويحرم أيضًا على الصحيح لبس جلد (٥) الميتة، ولا يجوز أنْ يلبس دابته جلد الكلب أو الخنزير، وقال بعض الأصحاب يمنع الاستصباح بالدّهن النجس، وأما إيجاب الوضوء فليس ينكر العاقل ما فيه من إفادة النظافة، والأمر بالنظافة على استغراق الأوقات يعسر الوفاء به، فوظف الشرع الوضوء في أوقات، وبنى الأمر على إفادته المقصود وعَلِمَ الشارع أنَّ أرباب العقول لا يعتمدون نقل الأوساخ والأدران إلى

стр. 2646

أعضائهم (١) البادية منهم، فكان ذلك النهاية في الاستصلاح، ومحاولةُ الجمع بين تحصيل أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع التضييق في التّدنس والتوسخ إذا حاول المرء ذلك. قال (٢) إمام الحرمين: ولكنَّ (٣) إزالة النجاسة أظهر في هذا من النظافة الكليّة المترتبة (٤) على الوضوء من حيث إنَّ الجبلة تستقذرها، والمروءةُ تقتضي اجتنابها فهي أظهر من اجتناب الشعث والغبرات (٥). قال: ولهذا خصّ (٦) الشافعي ﵁ الوضوء بالنيّة من حيث التحق بالتعبدات العرية عن الأغراض (٧) وضاهى العبادات الدينية (٨). ومن هذا القسم التحسينيّ أيضًا سلب أهلية الشهادة عن الرقيق؛ لأجل أنّها منصب شريف والعبد نازل القدر والجمع بينهما غير ملائمٍ. وأما سلب ولايته فهو محل (٩) الحاجة؛ إذ ولاية الأطفال تستدعي

стр. 2647

استغراقًا وفراغًا، والعبد مستغرق بخدمة سيده، فتفويض أمر طفله إليه إضرارٌ بالطفل، أمّا الشهادة فتتفق أحيانًا كالرواية والفتوى (١). قال الغزالي: وقول القائل سلب منصب الشهادة لخسّة قدره، ليس كقولنا: سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، فإنّ ذلك لا يشمّ منه رائحة مناسبة أصلًا، وهذا لا ينفك عن الانتظام ولو صرح به الشارع، وليس تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك نقض (٢) على المناسب إلى أنْ يعتذر (٣) عنه. والمناسب قد يكون منقوضًا فيترك أو يحترز عنه بعذرٍ أو تعبدٍ، وكذلك تقييد النكاح بالولي فلو علل بفتور رأيها في انتقاد الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان مصلحيًا (٤) في محل الحاجة، ولكن لا يصحّ ذلك في (٥) سلب عبارتها، وفي نكاح الكفء فهو في رتبة التحسيني؛ لأنَّ

стр. 2648

الأليق بمحاسن العادات استحياء النّساء عن مباشرة العقد؛ لأنَّ ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، وذلك غير لائق بالمروءة، ففوضه الشرع (١) إلى الولي حملًا للخلق على أحسن المناهج. وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو علل بالإثبات عند النزاع لكان واقعًا في محل الحاجة ولكن سقوط الشهادة (٢) على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النّكاح وتمييزه عن السّفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة على الجملة (٣). والثاني: من قسمي التحسيني ما يقع على (٤) معارضة قاعدة معتبرة، وذلك كالكتابة فإنها من حيث كونُها مكرمة في العوائد مستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة وهي: امتناع معاملة السيد عبده وامتناع مقابلة المِلك بالمِلك على صيغة المعاوضة، ولم يجز ذلك في الضرب (٥) المتقدم، ولكن اختصّ ذلك الضرب بإيجاب الطهارة، ولا تجب الكتابة على السيد على رأي معظم العلماء (٦)، وحكى صاحب التقريب وجهًا (٧) أنّها تجب إذا طلبها العبد ووجد السيد

стр. 2649

فيها خيرًا (١)، وهذا تمام القول في المتعلق بالدّنيا. وأمّا المتعلق بالآخرة فكتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق المؤدي إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي الموصل إلى رضى الرحمن (٢). وبقي قسم ثالث: لم يورده المصنف تبعًا للإمام وهو ما يتعلق بمصالح الدارين معًا، وذلك ما يحصل برعايته بعض ما تقدم من مصالح الدّنيا والآخرة، كإيجاب الكفارات إذ يحصل بها الزجر عن تعاطي تلك الأفعال التي وجبت الكفارة بسببها ويحصل تلاقي التقصير وتكفير الذنب الكبير الذي حصل من فعلها (٣). واعلم أنّه قد يقع في كلّ قسم من هذه الأقسام ما يظهر كونه منه، وما يظهر كونه ليس منه، وما يستوي الأمران فيه (٤). أمّا الأوّل: فكوجوب (٥) القصاص بالمثقل؛ إذ يظهر أنَّه من المصالح

стр. 2650

الضرورية في حفظ النفوس؛ لأنّه لو لم يجب به القصاص لفات المقصود من حفظ النّفوس؛ لأنَّ من يريد قتل إنسان، والحالة هذه يَعْدِل عن المحدّد (١) إلى المثقل درءًا للقصاص عن نفسه، والمثقل ليست فيه زيادة مؤنة على المحدد حتّى يقال: لا يكثر به القتل (٢) بسبب تلك المؤنة كما يكثر في المحدد (٣) فعدم وجوب القصاص فيه لا يفضي إلى الهرج والمرج بل المثقل أسهل من المحدد لوجوده غالبًا من غير عوض (٤). وأما الثاني: فكإيجاب القصاص على أحد الوجهين عندنا بالقتل بغرز الإبرة في غير مقتل بحيث لا يعقب ألمًا وورمًا (٥) ظاهرًا، وكذا إبانة فلقة (٦) خفيفة من اللّحم على ما ذكره إمام الحرمين (٧) ونظائر ذلك فإنّه يظهر منه أنَّه ليس من قبيل رعاية المصالح الضرورية، إذ لا يفضي ذلك إلى الهلاك إلا نادرًا فأشبه السوط (٨) الخفيف (٩).

стр. 2651

وأمّا الثالث: فكإيجاب القصاص على الجماعة بقتل الواحد (١) لاحتمال إلحاقه بالمصالح الضرورية؛ إذ لو لم يوجب ذلك لاستعان كلّ من أراد قتل إنسان بصديق يشاركه فتبطل فائدة شرعية القصاص، واحتمال خروجه عنه لاحتياجه إلى مشاركة غيره، والظاهر أنّ ذلك الغير لا يشاركه فلم تساوِ المصلحة هنا (٢) المصلحة في وجوب القصاص في (٣) المنفرد؛ ولنزول هذا القسم عن الأول كان في المذهب قول استنبطه أبو حفص بن الوكيل (٤) من كلام الشافعي ﵁ أنّ الجماعة لا يقتلون

стр. 2652

بالواحد (١). وقول آخر عن القديم: أنّ ولي الدم يقتل واحدًا يختاره من الجماعة، ويأخذ حصّة الآخرين، ولا يقتل الجميع (٢). ولا خلاف عندنا في وجوب القصاص بالمثقل، ولتعاليه عن الثاني كان الخلاف فيه أضعف منه في الثاني (٣)، وقد نجز القول في تقسيم الحقيقي. وأما الإقناعي: فهو الذي يظنّ مناسبته في بادئ الرأي، وإذا بحث عنه (٤) حقّ البحث وضح أنَّه غير مناسب (٥) (٦) مثل تعليل بعض أصحابنا تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها وقياس الكلب والسرقين (٧) عليها، قال لأنَّ كونه نجسًا يناسب إذلاله ومقابلته بالمال في البيع يناسب

стр. 2653

إعزازه والجمع بينهما متناقض (١). فهذا وإن تخيلت مناسبته أولًا فليس الأمر كذلك؛ لأنَّ المعنى بكونه نجسًا مع (٢) منع الصلاة معه، ولا مناسبة بين بيعه واستصحابه في الصلاة كذا ذكره الإمام (٣). ولقائل أنْ يقول: لا نسلم أنّ المعنى بكونه نجسًا منعُ الصلاة معه بل ذلك من جملة (٤) أحكام النّجس، وحينئذ فالتعليل بكون النجاسة تناسب الإذلال ليس بإقناعي. نعم مثال هذا استدلال الحنفية على قولهم: إذا باع عبدًا من عبدين أو ثلاثة يصحّ، غررٌ قليلٌ تدعو الحاجة إليه فأشبه خيار الثلاث فإن الرؤساء لا يحضرون السوق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحدًا من ثلاثة، ويختار الموكل ما يريد (٥)، فهذا وإن تخيلت مناسبته أولًا فعند التأمل يظهر أنَّه غير مناسب؛ لأنّا نقول لا حاجة إلى ذلك، لأنّه يمكنه أنْ يشتريَ ثلاثة في ثلاثة عقود بشرط الخيار فيختار منها ما يريد. قال (والمناسبة تفيد العلية إذا اعتبرها الشارع فيه كالسكر في الحرمة أو في جنسه كامتزاج النسبين في التقديم أو بالعكس كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في (٦) سقوط (٧) الصلاة، أو جنسه في جنسه

стр. 2654

كإيجاب حدّ القذف على الشارب لكون الشرب مظِنّة للقذف والمظنّة قد أقيمت مقام المظنون) هذا تقسيم ثانٍ للمناسب من جهة شهادة الشرع لاعتباره وعدم اعتباره (١).

стр. 2655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2656

فنقول المناسب: إمّا أنْ يعتبره الشارع (١) أو لا. الضرب الأول: ما علم اعتبار الشارع له والمراد بالعلم هنا ما هو أعمّ من الظنّ وبالاعتبار إيراد الحكم على وِفقه لا التنصيص عليه، ولا الإيماء إليه وإلا لم تكن العلية مستفادة من المناسبة. وهو أربعة أحوال لأنَّه إما أنْ يعتبر نوعه في نوعه (٢) أو في جنسه أو جنسه في نوعه أو جنسه. الحالة الأولى: أن يعتبر نوعه في نوعه ومثّل له المصنف: بالسكر في الحرمة أي أنّ حقيقة السكر إذا اقتضت حقيقة التحريم، فإنّ النبيذ يلحق بها؛ لأنّه لا فارق بين العلّتين وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهرًا اختلاف الحالين. ومثاله: أيضًا قياس المثقّل على الجارح في وجوب القصاص بجامع كونه قتلًا عمدًا محضًا عدوانًا وأنّه عرف تأثير نوع كونه قتلًا عمدًا عدوانًا في نوع الحكم الذي هو وجوب القصاص في النّفس في المحدد. الحالة الثانية: أن يعتبر نوعه في جنسه وإليه الإشارة بقوله أو في جنسه. الأخوة من الأب والأم لما اقتضت التقدم في الميراث قيس عليها التقدم في النكاح وما أشبهه، والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين إلا أنّ ولاية النّكاح ليست مثل ولاية الإرث، ولكن

стр. 2657

بينهما مجانسة في الحقيقة، وهذا القسم دون الأوّل، لأنَّ المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقلّ من المفارقة (١) بين نوعين مختلفين (٢). الحالة الثالثة: أنْ يعتبر جنسه في نوعه: وإليه الإشارة بقوله أو بالعكس، إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض، إذا قيس على إسقاط الركعتين الساقطتين (٣) عن المسافر في الرباعية تعليلا بالمشقة، فالمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة نوعٌ واحدٌ يشتمل على صنفين: إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض، وقد ظهر تأثيرها في هذا النوع ضرورةَ تأثيرها في

стр. 2658

إسقاط قضاء الركعتين، ولو فرض ورود النّص بسقوط قضاء الصلاة على الحرائر الحيض، وقسنا عليهنّ الإماء، لكان ذلك من الحالة الأولى؛ لظهور تأثير نوعه في نوع الحكم. ومثال هذا القسم أيضًا قولنا: قليل النبيذ حرام وإن لم يسكر قياسًا على قليل الخمر، وتعليلنا (١) قليل الخمر بأنّ ذلك يدعو إلى كثيره، فهذا مناسب لم يظهر تأثير نوعه، لكن ظهر تأثير جنسه، إذ الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمّها الشارع بتحريم الزنا، وهذا القسم والذي قبله متقاربان لكنّ ذلك أولى؛ لأنَّ الابهام في العلّة أكثر محذورا من الإبهام في المعلول. الحالة الرابعة: وإليها الإشارة بقوله: أو جنسه في جنسه اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم. مثل ما روي أنّ عليًا ﵁ أقام الشُرب مقام القذف فقال: أرى أنَّه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى (٢)، وأوجب عليه حدّ القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياسًا على الخلوة فإنّها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه في الحرمة، ولقائل أنْ يقول كان الوفاء بإقامة المظنّة مقام المظنون أنْ يوجب الحدّ بالخلوة، ولا قائل به، وبتفريع مظنة القذف على مظنّة الوطء أنْ يقال بتحريم ما هو مظنة القذف. كما هو الواقع وكما هو في الأصل ولا يوجب الحدّ فإنّ فيه زيادةً في الفرع

стр. 2659

على الأصل الذي هو (١) إلحاق الخلوة بالوطء، إذ لم يلحق به في غير الحرمة. ثمّ اعلم أنّ للجنسية مراتب فأعمّ الأوصاف كونها حكمًا، ثمّ ينقسم الحكم إلى أقسامه من تحريم وإيجاب وغيره والواجب إلى عبادة وغيرها، والعبادة إلى صلاة وغيرها، وتنقسم الصلاة إلى فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرائض أخصّ مما ظهر في الصّلاة، وهكذا. وكذا في جانب الأوصاف أعمّ أوصافه كونه وصفًا يناط به الأحكام حتّى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغيرها، وأخصّ منه المناسب الضروري وأخصّ منه ما (٢) هو كذلك في حفظ النفوس، وبالجملة فإنّما (٣) يلتفت إلى الأوصاف بعد ظنّ التفات الشرع إليها، وكلّما كان التفات الشرع (٤) إليه أكثر كان الظنّ كونه معتبرًا أقوى وكلّما كان الوصف والحكم أخصّ كان ظنّ كون ذلك الوصف معتبرًا في حقّ ذلك الحكم آكد فيكون مقدمًا على ما هو أعمّ منه. قال: (لأنَّ الاستقراء دلّ على أنّ الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلا وإحسانا فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يعلم غيره ظنّ كونه علّة).

стр. 2660

هذا دليل على (١) أنّ ما تقدم من المناسب يفيد العليّة، وتقريره أنّا استقرينا (٢) أحكام الشرع فوجدناها على وفق مصالح العباد، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه لا بطريق الوجوب عليه، خلافًا للمعتزلة، فحيث ثبت حكم وهناك وصف صالح لعلية ذلك الحكم ولم يوجد غيره يحصل ظنّ أنّ ذلك الوصف علّة لذلك الحكم والعمل بالظنّ واجب. وقد ادّعى بعضهم الإجماع على أنّ الأحكام مشروعة لمصالح العباد (٣)، قال: وذلك إما بطريق الوجوب عند المعتزلة أو الإحسان عند الفقهاء من أهل السنّة (٤) وهذه الدّعوى باطلة؛ لأنَّ المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام

стр. 2661

بالمصالح لا بطريق الوجوب ولا الجواز، وهو اللائق بأصولهم، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة جماهير المتكلمين؟ والمسألة من مسائل علمهم وقد قالوا لا يجوز أنْ تعلل أفعال الله تعالى؛ لأنَّ (١) من فعل فعلًا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان ذلك الغرص يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه مستكملًا في غيره ويتعالى الله سبحانه عن ذلك (٢). قال: (وإن لم يعتبر فهو (٣) المناسب المرسل اعتبره مالك). تقدم الكلام في المناسب إذا اعتبره الشارع، وإن لم يعتبره فوراء ذلك حالتان:

стр. 2662

إحداهما: أنْ لا يعلم أنّ الشارع اعتبره ولا ألغاه، وفيها كلام المصنف، وذلك هو المناسب المرسل وقد قال به مالك بن أنس ﵀ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى مبسوطًا في الكتاب الخامس فإنّ صاحب الكتاب هناك ذكره (١). والثانية: أنْ يلغيه الشارع ولم يذكرها المصنف، فهذا لا يجوز التعليل به باتفاق القياسيين ومثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان عليك صوم شهرين متتابعين (٢)، فلما أنكره (٣) عليه حيث لم يأمره (٤) بالإعتاق مع اتساع ماله، قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه، واستحقر عتق رقبة في قضاء شهوته، فكانت المصلحة عندي في إيجاب الصوم لينزجر، فهذا قول باطل (٥)، ومخالف لنص الكتاب بما

стр. 2663

اعتقده مصلحةً (١) وفتحُ هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصه، بسبب (٢) تغير الأحوال، ثمّ إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم يحصل الثّقة بقولهم للمستفتين ويظنّ الظانّ أنّ فتياهم بتحريف من جهتهم بالرأي. فإن قلت: قولكم آنفًا هذه الحالة لم يذكرها المصنف مدخول؛ لأنّها داخلة في عموم قوله: وإن لم يعتبر، ولا يقال: هي وإنْ دخلت في كلامه فلم يردها؛ لعدم الاختلاف في بطلانها؛ لأنَّ ابن الحاجب قد جعل المرسل هو ما لم يعتبر سواءً علم إلغاؤه أم لا (٣). ونقل بعضهم القول بالمرسل عن مالك فتركب من ذلك إنْ كان مالكًا يخالف فيما علم إلغاؤه أيضًا. قلت: هذا التركيب غير صحيح؛ لأنَّ الذي نقَلَ عن مالك أنَّه اعتبر المرسل، لم يقل: إنّ المرسل ما لم يعتبر سواءً عُلِم إلغاؤه أم لا؟ . ومن قال: إنّ المرسل أعمّ مما علم إلغاؤه كابن (٤) الحاجب صرّح بوقوع الاتفاق على

стр. 2664

ما علم إلغاؤه (١). وقد قال إمام الحرمين: في باب ترجيح الأقيسة من كتاب الترجيح ولا نرى التعليق عندنا بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء. قال: ومن ظنّ ذلك بمالك فقد أخطأ (٢) انتهى. فإذا كان مالك لا يرى التعليق بكلّ مصلحة مع أنّ من حملة ذلك ما لم يعلم إلغاؤه فكيف يقول بما علم إلغاؤه؟ . قال: (والغريب: ما أثّر هو فيه، ولم يؤثر جنسه في جنسه كالطعم في الربا (٣). والملائم: ما أثّر جنسه في جنسه (٤) أيضًا. والمؤثر: ما أثّر جنسه فيه). هذا تقسيم (٥) للضرب الأوّل من المناسب وهو ما علم أنّ الشارع اعتبره وقد قسّمه المصنف إلى غريب (٦). . . . . . . . . . . .

стр. 2665

وملائم (١) ومؤثر (٢). وعبارات المصنفين في التعبير عن هذه الأقسام مضطربة، والأمر فيه قريب لكونه أمرًا اصطلاحيًا، ونحن نأتي بما ذكره المصنف ونشير إلى قليل من كلام غيره. فنقول: الوصف إمّا أنْ يؤثر نوعه في نوع الحكم ولا يؤثر جنسه في جنسه أو لا يكون كذلك. والأول: هو الغريب وهو مقبول عند جماهير القياسيين وسمي بذلك؛ لأنّه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره، وذلك كالطعم في الربا فإنّ كلّ واحدٍ من نوع الطعم يؤثر في نوع من الأحكام، وهو حرمة الربا إذا بيع ذلك النوع بمثله كالبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر،
следующие страницы →