← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

بالمصالح لا بطريق الوجوب ولا الجواز، وهو اللائق بأصولهم، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة جماهير المتكلمين؟ والمسألة من مسائل علمهم وقد قالوا لا يجوز أنْ تعلل أفعال الله تعالى؛ لأنَّ (١) من فعل فعلًا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان ذلك الغرص يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه مستكملًا في غيره ويتعالى الله سبحانه عن ذلك (٢). قال: (وإن لم يعتبر فهو (٣) المناسب المرسل اعتبره مالك). تقدم الكلام في المناسب إذا اعتبره الشارع، وإن لم يعتبره فوراء ذلك حالتان:

стр. 2662

إحداهما: أنْ لا يعلم أنّ الشارع اعتبره ولا ألغاه، وفيها كلام المصنف، وذلك هو المناسب المرسل وقد قال به مالك بن أنس ﵀ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى مبسوطًا في الكتاب الخامس فإنّ صاحب الكتاب هناك ذكره (١). والثانية: أنْ يلغيه الشارع ولم يذكرها المصنف، فهذا لا يجوز التعليل به باتفاق القياسيين ومثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان عليك صوم شهرين متتابعين (٢)، فلما أنكره (٣) عليه حيث لم يأمره (٤) بالإعتاق مع اتساع ماله، قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه، واستحقر عتق رقبة في قضاء شهوته، فكانت المصلحة عندي في إيجاب الصوم لينزجر، فهذا قول باطل (٥)، ومخالف لنص الكتاب بما

стр. 2663

اعتقده مصلحةً (١) وفتحُ هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصه، بسبب (٢) تغير الأحوال، ثمّ إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم يحصل الثّقة بقولهم للمستفتين ويظنّ الظانّ أنّ فتياهم بتحريف من جهتهم بالرأي. فإن قلت: قولكم آنفًا هذه الحالة لم يذكرها المصنف مدخول؛ لأنّها داخلة في عموم قوله: وإن لم يعتبر، ولا يقال: هي وإنْ دخلت في كلامه فلم يردها؛ لعدم الاختلاف في بطلانها؛ لأنَّ ابن الحاجب قد جعل المرسل هو ما لم يعتبر سواءً علم إلغاؤه أم لا (٣). ونقل بعضهم القول بالمرسل عن مالك فتركب من ذلك إنْ كان مالكًا يخالف فيما علم إلغاؤه أيضًا. قلت: هذا التركيب غير صحيح؛ لأنَّ الذي نقَلَ عن مالك أنَّه اعتبر المرسل، لم يقل: إنّ المرسل ما لم يعتبر سواءً عُلِم إلغاؤه أم لا؟ . ومن قال: إنّ المرسل أعمّ مما علم إلغاؤه كابن (٤) الحاجب صرّح بوقوع الاتفاق على

стр. 2664

ما علم إلغاؤه (١). وقد قال إمام الحرمين: في باب ترجيح الأقيسة من كتاب الترجيح ولا نرى التعليق عندنا بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء. قال: ومن ظنّ ذلك بمالك فقد أخطأ (٢) انتهى. فإذا كان مالك لا يرى التعليق بكلّ مصلحة مع أنّ من حملة ذلك ما لم يعلم إلغاؤه فكيف يقول بما علم إلغاؤه؟ . قال: (والغريب: ما أثّر هو فيه، ولم يؤثر جنسه في جنسه كالطعم في الربا (٣). والملائم: ما أثّر جنسه في جنسه (٤) أيضًا. والمؤثر: ما أثّر جنسه فيه). هذا تقسيم (٥) للضرب الأوّل من المناسب وهو ما علم أنّ الشارع اعتبره وقد قسّمه المصنف إلى غريب (٦). . . . . . . . . . . .

стр. 2665

وملائم (١) ومؤثر (٢). وعبارات المصنفين في التعبير عن هذه الأقسام مضطربة، والأمر فيه قريب لكونه أمرًا اصطلاحيًا، ونحن نأتي بما ذكره المصنف ونشير إلى قليل من كلام غيره. فنقول: الوصف إمّا أنْ يؤثر نوعه في نوع الحكم ولا يؤثر جنسه في جنسه أو لا يكون كذلك. والأول: هو الغريب وهو مقبول عند جماهير القياسيين وسمي بذلك؛ لأنّه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره، وذلك كالطعم في الربا فإنّ كلّ واحدٍ من نوع الطعم يؤثر في نوع من الأحكام، وهو حرمة الربا إذا بيع ذلك النوع بمثله كالبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر،

стр. 2666

ولا يؤثر جنس هذه الأنواع وهو الطعم في جنس الربا وهو زيادة أحد العوضين على الآخر، بدليل جواز بيع بعض الأنواع كالشعير مثلًا ببعض آخر كالبر مثلًا متفاضلًا مع وجود الطعم فيهما. والثاني: أنْ لا يكون كذلك، فإمّا أنْ يكون أثر نوعه (١) في نوع الحكم وجنسه أيضًا في جنس الحكم أو لَا. والأول الملائم وقد اتفق القياسيون على قبوله كالقتل العمد العدوان في وجوب القصاص، إذا أثّر نوعه في وجوب القصاص الذي هو نوع من الحكم، وكذلك جنسه وهي الجناية التي هي أعمّ من القتل، حيث أثّرت في جنس المؤاخذة (٢) وجوبًا أو جوازًا وذلك أعمّ من وجوب القصاص. والثاني أنْ يكون جنسه مؤثرًا في نوع الحكم لا غير كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط قضاء الصّلاة على ما تقدم بيانه، وكقياس الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر على الجمع في السفر بجامع الحرج فإنّ جنس الحرج مؤثر في نوع الحكم وهو إباحة الجمع، وكقياس من شذّ من أصحابنا وجوّز الجمع للمرض (٣)، فهو المؤثر

стр. 2667

عند صاحب الكتاب (١) وسماه غيره بالملائم. وقال قوم المؤثر: هو ما دلّ نص أو إجماع على عليته سواء كان مناسبًا كما تقدم من الأمثلة أو غير مناسب كالمني؛ لإيجاب الغسل واللّمس لنقض الوضوء، وقالوا: إنّما سُمِّي بذلك؛ لأنّه ظهر تأثيره فلم يحتج مع ذلك إلى المناسبة. وأمّا الإمام ﵁ فإنّه قال في تعريف الغريب الملائم ما قاله المصنف، وقال في المؤثر عكس مقالته، فجعله ما يكون الوصف فيه مؤثرًا في جنس الحكم دون غيره (٢)، كامتزاج النسبين مع تقديم الأخ من الأبوين، وكالبلوغ فإنّه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفعه عن النكاح دون النيابة، فإنّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحكم ثم قال الإمام: إنّ ذلك إنّما يتمّ بالمناسبة (٣) أو السبر (٤). قال: (مسألة المناسب: لا تبطل المعارضة؛ لأنَّ الفعل وإن تضمّن ضررًا أزيَدَ من نفعه لا يصير نفعه غير نفع، لكن يندفع مقتضاه). إذا تضمّن الوصف المشتمل على مصلحة مقتضية لمناسبة مفسدة هل يكون تضمنه لها موجبًا لبطلان مناسبته (٥)؟ فيه مذهبان: -

стр. 2668

أحدهما: واختاره صفي الدّين الهندي وابن الحاجب نعم (١). والثاني: وبه جزم في الكتاب تبعًا للإمام أنّها لا تبطل (٢). واحتج عليه بأنّ الفعل إذا تضمن مصلحة ومفسدة (٣)، فإمّا أن تترجح مصلحته على مفسدته، فالرّاجح لا يَبْطُل بالمرجوح، أو تكون مساوية لها فيلزم الترجيح من غير مرجح، أو أنقص منها، فالفعل وإنْ تضمن ضررًا أزيد من نفعه، لا يصير نفعه بذلك التّضمن غير نفع، ولا يخرج عن حقيقته، وغاية الأمر أنّ مقتضاه لا يترتب عليه، وذلك غير قادحٍ في المناسبة؛ لأنَّ انتفاء (٤) المانع شرط في ترتب المقتضى، والمانع هنا موجود (٥). وقد اقتصر المصنف على هذا القسم الثالث؛ لأنَّ المناسبة إذا لم تبطل فيه بمعارضة المفسدة الراجحة لم تبطل في غيره بطريق أولى. واعترض على هذا الدليل: بأنّا على تقدير كونها مساويةً

стр. 2669

لها لا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجّح، وهذا لأنَّ إبطال مناسبة المصلحة بإعمالِ مناسبة المفسدة أولى؛ لأنَّ دفع المفاسد مقدّم (١) على جلب المصالح، ولقائل أنْ يقول تقديم درء المفاسد على جلب المصالح (٢) عند التعارض، إنّما هو فيما إذا تساويا من حيث المصلحةُ والمفسدةُ، أمّا لو ترجح جانب المصلحة مثل إنْ عظم وقعها (٣) وجلّ خطبها على جانب المفسدة (٤)، فإنْ حقر أمرها وقلّ، فلا نسلم هنا أنّ درءَ هذه المفسدة أولى من جلب تلك المصلحة (٥)، ولعلّ هذه الحالةَ هي المرادة بالمساواة في الدليل وإلا فعلى تقدير مطلق كونها مصلحة مع كونها مفسدة أين المساواة؟ مع ترجح درء المفاسد. واعترض عليه أيضًا (٦): بأنّ العقلاء يَعُدُّون فعل ما فيه مفسدة مساوية للمصلحة عبثًا وسفهًا، فإنّ من سلك مسلكًا يفوت درهمًا ويحصّل آخر مثله، أو أقلّ منه عدّ عابثًا وسفيهًا. واعلم أنّ كلّ من قال بتخصيص العلّة (٧) يقول ببقاءِ المناسبتين

стр. 2670

للمصلحة والمفسدة؛ لأنَّ القول بإحالة انتفاء الحكم على تحقق المانع مع وجود المقتضى، إمّا أنْ يكون مناسبته راجحة أو مساوية أو مرجوحة، فإنْ كان الأولَّ أو الثاني فقد لزم منه تحقيق مناسبة المقتضى المرجوحة أو المساوية، وإلّا فقد كان الحكم منتفيًا؛ لانتفاء المقتضى لا لوجود المانع، فإنّ المقتضى إذا لم يكن مناسبًا لم يكن مقتضيًا، فكان الانتفاء مضافًا إليه؛ لأن إضافةَ انتفاء الحكم إلى عدم المقتضى أولى من إضافة انتفائه إلى وجود المانع، لكنّه خلفٌ، إذ التقدير أن انتفاء الحكم إنما هو لوجود المانع، وإن كان الثالث؛ فلأنّه لا بد أن يكون المانع مناسبًا لانتفاء الحكم إذ لو جاز انتفاء الحكم بما ليس بمناسب للانتفاء لجاز ثبوته بما ليس مناسبًا للثبوت مع عدمِ جهة أخرى للعليّة، ويلزم من ذلك القول ببقاء المناسبة المرجوحة مع المعارضة إذ الفرض أنّ مفسدة المانع مرجوحة، وأمّا من لم يقل بتخصيص العلّة فهم المختلفون في المسألة (١).

стр. 2671

قال: (الخامس الشبه . قال القاضي: المقارن للحكم إن ناسبه بالذات كالسكر للحرمة فهو المناسب أو بالتبع كالطهارة لاشتراط النيّة فهو الشبه وإن لم يناسب فهو الطرد كبناء القنطرة للتطهير. وقيل: ما لم يناسب إن علم اعتبار جنسه فهو المناسب. وإلا فالطرد). اسم الشبه (١) ينطلق على كلّ قياس فإنّ الفرع يلحق بالأصل بجامع لشبَهِه (٢) فيه، فهو إذن تشبيه، ولكن اصطلح على تسمية بعض الأقيسة به (٣)، وقد اختلف في تعريف الشبه المصطلح على مقالات ذكر منها المصنف مقالتين: الأولى: مقالة القاضي أبي بكر وهي (٤): مقتضى إيراد إمام الحرمين في البرهان (٥) أنّ الوصف المقارن للحكم إمّا أنْ يناسبه بالذات فهو المناسب كالسكر للتحريم إذ السكر مناسب بالذات لتحريم المسكر أو لا.

стр. 2672

فإمّا أن يناسبه بالتبع أي بالالتزام فهو الشبه كالطهارة لاشتراط النيّة فإنّ الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النيّة لكن تناسبها من حيث إنّها عبادة والعبادة مناسبة لاشتراط النية (١). أو لا يناسبه مطلقًا فهو الطرد، وهو حكم لا يعضده معنى ولا شبه، كقول بعضهم الخلّ مائع لا تُبْنَى القنطرة على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدّهن فكأنّه علل إزالة النجاسة بالماء بأنّه تبنى القنطرة على جنسه، واحترز عن الماء القليل وإن كان لا تُبنى القنطرة عليه، لأنّه يبنى على جنسه فهذه علّة مطردة لا نقض عليها، وليس فيها خصلة سوى الاطراد، ونعلم أنّها لا تناسب الحكم ولا تستلزم ما يناسبه، فإنّا نعلم أنّ الماء جعل مزيلًا للنجاسة لخاصية (٢) وعلل وأسباب يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها، ونعلم أنّ بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها، وقد علم من هذا التقسيم أنّ الشبه هو الوصف المقارن للحكم المناسب له بالتبع، دون الذّات. وإنْ شئت قلت: المستلزم لما يناسبه وهو الذي نقلوه عن القاضي كما عرفت والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه أنّ قياس الشبه هو (٣) إلحاق فرعٍ (٤) بأصلٍ؛ لكثرة أشباهه للأصل

стр. 2673

في الأوصاف من غير أنْ يعتقد أنّ الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل علّة حكم الأصل (١). المقالة الثانية: أنّ الوصف الذي لا يناسب الحكم إنْ علم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو الشبه؛ لأنّه من حيث كونُه غير مناسب يظنّ (٢) عدم اعتباره ومن حيث إنّه عرف تأثير جنسه القريب (٣) في الجنس

стр. 2674

القريب (١) للحكم مع أنّ غيرَه من الأوصاف ليس كذلك لظنِّ أنَّه أولى بالاعتبار وتردد بين أنْ يكون معتبرًا أو لا يكون، وإن لم يعلم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب للحكم فهو الطرد (٢). وعلم من هذا التقسيم أنّ الشبه هو الوصف الذي لا يكون مناسبًا للحكم المعلوم اعتبارُ جنسه القريب في الجنس القريب للحكم. ومثال هذا: إيجاب المهر بالخلوة على القديم (٣)، فإنّ الخلوة لا تناسب وجوب المهر؛ لأنَّ وجوبه في مقابلة الوطء إلّا أنّ جنس هذا الوصف وهو كون الخلوة مظنّة للوطء معتبرًا في جنس الوجوب وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية. واعلم أنّ تعبير المصنف عمّا ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد، موافق (٤) لعبارة الإمام (٥) وأتباعه ومن قبلهم إمام الحرمين (٦)

стр. 2675

والغزالي (١) وغيرهما، وعبّر عنه الآمدي بالطردي (٢) بزيادة الياء، وهو أحسن، فإنّ الطرد (٣) عند المصنف من جملة طرق العلّة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال (واعتبر الشافعي ﵁ المشابهة في الحكم. وابن عليّة في الصورة. والإمام ما يظن استلزامه. ولم يعتبر القاضي مطلقًا). المختارُ أنّ قياس الشبه (٤) حجّة والخلاف فيه مع القاضي أبي بكر، والصيرفي، وأبي إسحاق المروزي (٥)، وأبي إسحاق الشيرازي، فإنّهم لم

стр. 2676

يعتبروه وأنكروا حجيته، ولكن هو عند القاضي صالح لأنْ يُرَجح به (١) كما ذكر في باب ترجيح العلل من التقريب (٢). ثمّ القائلون بأنّه حجّة اختلفوا في أنَّه في ماذا يعتبر؟ فاعتبر الشافعي ﵁ المشابهة في الحكم ولهذا ألحق العبد المقتول بسائر المملوكات في لزوم قيمته على القاتل، بجامع أنّ كلّ واحد منهما يباع ويشترى (٣). ومن أمثلته: أنْ نقول في الترتيب في الوضوء عبادة يبطلها الحدث فكان الترتيب فيها مستحقًا، أصله الصلاة، فالمشابهة في الحكم الذي هو البطلان بالحدث، ولا تعلق له بالترتيب وإنّما هو مجرد شبه.

стр. 2677

ومنها: الأخ لا يستحق النفقة (١) على أخيه؛ لأنّه لا تحرمُ منكوحة أحدهما على الآخر، فلا يستحق النفقة كقرابة بني العمّ. واعتبر ابن علية (٢) المشابهة في الصورة دون الحكم ومقتضى ذلك قتل الحرّ بالعبد وهذا ما نقله إمام الحرمين في البرهان عن أبي حنيفة في إلحاقه التّشهد الثاني بالأوّل في عدم الوجوب حيث قال: تشهد فلا يجب كالتّشهد الأوّل (٣) فكذلك قوله: يقتل الحرِّ بعبد (٤) الغير (٥). وعن أحمد أيضا في إلحاقه الجلوس الأوّل بالثاني في الوجوب، حيث قال: أحد الجلوسين في الصلاتين فيجب كالجلوس الأخير (٦). وقال الإمام: المعتبر حصول المشابهة فيما يظنّ أنَّه مستلزم لعلّة الحكم

стр. 2678

أو علة (١) للحكم فمتى كان كذلك صحّ القياس سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى (٢). واعلم أنّ صاحب الكتاب لم يصرّح بذكر قياس عليّة الأشباه، وهو أنْ يكون الفرع مترددًا بين أصلين لمشابهته لهما، فيلحق بأحدهما لمشابهته له في أكثر (٣) صفات مناط الحكم، ولعله ظنّه قسمًا من قياس الشبه، أو هو هو، وهو ظنّ صحيح، فالنّاس فيه على هذين الاصطلاحين ولم يقل أحدٌ إنّه قسيم للشبه، بل إمّا قسم منه أو هو هو، وحينئذ يكون قضية كلام المصنف بقوله: ولم يعتبر القاضي مطلقًا أنّ الخلاف جار فيه. وهذا الذي اقتضاه كلام المؤلف صحيح (٤)

стр. 2679

واقتضاه كلام غيره وقد صرّح به القاضي في مختصر التقريب والإرشاد لإمام الحرمين (١). والذي تحصّل لي من كلامه في هذا الكتاب: أنّ في قياس الشبه مذاهب: أحدها: بطلانه. والثاني: اعتباره. ثمّ قال: إنّ ذلك يؤثر عن الشافعي ﵁ ولا يكاد يصحّ عنه مع علو رتبته في الأصول (٢). وهذا الذي قاله القاضي قاله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، وقال: كلام الشافعي متأولٌ محمولٌ على قياس العلّة، فإنّه ترجح بكثرة الأشباه، ويجوز ترجيح العلل بكثرة الأشباه (٣). ثم قال القاضي: وأجمع القائلون بقياس الشبه على أنَّه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلّة. والثالث: أنّه لا يعمل بالشبه إلا بشرطين. أحدهما: ما ذكرناه من عدم إمكان المصير إلى قياس العلّة. والثاني: أنْ يجتذب الفرع أصلان، فيلحق بأحدهما

стр. 2680

بعليّة الأشباه. قال: وممّا اختلفوا فيه أنْ قال بعضهم الأشباه الحُكْمية أولى، ثمّ الأشباه الراجعة إلى الصيغة (١). وذهب (٢) آخرون: إلى أنَّه لا فرق بينهما (٣). وهذان مذهبان لم يتقدم لهما حكاية؛ لأنَّ الذي تقدّم أنّ الشافعي يعتبر الحكم وغيره الصورة، والإمام ما يظنّ استلزامه. وهذان القولان متفقان (٤) على اعتبار الحكم والصفة، وإنّما الخلاف عند القائلين بهما في أنّ الحكم أولى أو أنّهما مستويان. وبهما (٥) يحصل في (٦) قياس الشبه سبعةُ مذاهب: - أحدها: بطلانه. والثاني: اعتباره في الحكم ثم الصورة. والثالث: اعتباره فيهما على حد سواء. والرابع: اعتباره في الحكم فقط. والخامس: اعتباره في الصورة فقط. والسادس: فيمّا يظن استلزامه للعلّة.

стр. 2681

والسابع اعتبار قياس عليّة الأشباه دون غيره. ورأيت نصّ الشافعي ﵁ في الأمّ في باب اجتهاد الحاكم وهو بعد باب الأقضية (١) وقبل باب التثبيت في الحكم وغيره، قال ﵁ ما نصه: والقياس قياسان: أحدهما يكون في معنى الأصل (٢)، فذاك الذي لا يحلّ لأحد خلافه، ثمّ قياس أنْ يشَبّه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيرُه، فيشبه هذا بهذا (٣) الأصل ويشبه غيره بالأصل غيره. قال الشافعي: وموضع الصواب فيه عندنا - والله أعلم - أنْ ينظر فأيّهما كان أولى بشبهه صيّره إليه إنْ أشبه أحدهما في خصلتين والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين انتهى هذا لفظه بحروفه. وهذا الباب في مجلد ثامن من الأمّ من أجزاء تسعة (٤). واعلم أنّ القاضي بنى قياس الشبه على أنّ المصيب واحد من المجتهدين أو كلّ مجتهد مصيب، وقال: إن كنت تذّب عن القول بأنّ المصيب واحد من المجتهدين، فالأولى بك إبطال قياس الشبه. وإن قلنا: بتصويبهم فلو غلب على ظنّ المجتهد حكم من قضية اعتبار الأشباه، فهو مأمور به قطعًا عند الله تعالى (٥).

стр. 2682

قال إمام الحرمين: وأومأ، يعني القاضي إلى أنّ (١) ردّ قياس الشبه والقول به، لا يبلغ إلى القطع وهو من مسائل الاحتمال (٢). قال: وهذا فيه (٣) نظر عندنا، فإنّ (٤) الأليق بما مهّده من الأصول أن يقال: كلّما آل إلى إثبات دليل من الأدلة فيطلب فيه القطع. قال: على أنّ ما قاله من أنّ المجتهد مأمورٌ بما غلب على ظنّه سديد فيما رامه فإنّا (٥) ربما نقول: إنّ المجتهد المتمسك بضرب من القياس إذا غلب على ظنّه شيء وفي الحادثة نص لم يبلغه، فهو مأمور قطعًا بما أدّى إليه اجتهاده وإنْ كان القياس في مخالفة النّص مردود انتهى (٦). قلت: وحاصل هذا أنّ إمام الحرمين لم يوافق القاضي على أنّ المسألة ظنية، ووافقه على البناء على مسألة تصويب المجتهدين على تقدير ثبوت كونها ظنية. وفي هذا البناء على (٧) هذا التقدير أيضًا نظر، فإنّ قياس الشبه إنْ كان باطلًا، فكيف يغلب على ظنّ المجتهد حكم مستند إليه مع

стр. 2683

كونه عنده باطلًا؟ ، وكيف يجوز له العمل بما هو مبني على باطل؟ ، وإن فرض حصول ظنّ مستند إليه، فلا عبرة به لبنائه على فاسد، وإنْ كان قياس الشبه صحيحًا، فهو معمول به كسائر الأدلة من غير تعلق بتصويب المجتهدين. وقول إمام الحرمين: "إذا غلب على ظنه شيء وفي الحادثة نصّ لم يبلغه فهو مأمور به، وإن كان القياس في مقابلة النّص مردودًا" من غير ما نحن فيه؛ لأنَّ الذي غلب على ظنّه حكم مستند إلى اجتهاده، ولم يبلغه النص فغلب على ظنّه أنّ الاجتهاد الذي جاء به دليل يجب عليه العمل به بخلاف قياس الشبه، فإنّه يظنّ بطلانه فكيف يستند إليه أو يبني اجتهاده عليه؟ . قال: (لنا أنَّه يفيد ظنّ وجود العلية فيثبت الحكم. قالوا: ما ليس بمناسب فهو مردود بالإجماع. قلنا: ممنوع). احتجّ على أنّ قياس الشبه حجّة؛ بأنّه يفيد (١) ظنّ وجود العليّة: إمّا على التفسير المنقول عن القاضي؛ فلأنه مستلزم للمناسب. وإمّا على الثاني؛ فلأنه لما أثّر جنس الوصف في جنس الحكم دون غيره من الأوصاف أفاد ظنّ إسماد الحكم إليه، وإذا ثبت كونه مفيدًا للظنّ وجب العمل به.

стр. 2684

واحتج القاضي بأن الشبه ليس مناسبًا وغيرُ المناسب مردود بالإجماع، فلا يعتبر (١). وأجاب: بالمنع، فإنّ ما ليس بمناسب ينقسم إلى الشبه (٢) وغيره، والشبه غير مردود بالإجماع، وهو محل النزاع. وذكر القاضي من وجوه إلاحتجاج القائلين ببطلان الشبه: إن الأشباه التي ألحق الفرع بها إن كانت علّة في الأصل فذاك إذن، قياس (٣) علّة لا شبه، وإن لم يكن فما وجه إلحاق الفرع بأشباه لم تجب لها في الأصل؟ ولو ساغ ذلك لساغ أنْ يجمع بينهما من غير وصف أصلًا (٤). فروع: الأول: الظهار (٥) لفظ محرّم، وهو كلمة زور، فيدور بين القذف

стр. 2685

والطلاق: ويبنى على هذا مسائل: منها: لو قال: عيْنُك طالق، طلقت، كَيَدُك وجِسْمُك وجميع الأجزاء، ولو قال لرجل زنت عينك وما أشبه ذلك من الأعضاء دون الفرج، فإنّه في (١) هذا الباب (٢). فالمذهب أنَّه كناية وقيل: صريح أيضًا. ولو قال لامرأته: أنتِ عليَّ كعيْنِ أمي، فإن أراد الكرامة فليس بظهارٍ وإن أراد الظهارَ فظهارٌ على المذهب. وإن أطلق فعلى أيّهما يحمل؟ وجهان: أرجحهما أنَّه يحمل على الإكرام. ويتجه أنْ يقال إنما جرى الوجهان هنا في حالة الإطلاق؛ لتردد الظهار بين مشابهة الطلاق والقذف فقضية مشابهته (٣) للطلاق (٤) أنْ يحمل الإطلاق هنا على الظهار، ومقتضى مشابهته للقذف أنْ يحمل على الإكرام ولا يجعل صريحًا في الظهار. والثاني: زكاة الفطر تتردد بين المؤنة (٥) والقربة (٦).

стр. 2686

الثالث: الكفارة (١) تتردد بين العبادة والعقوبة. الرابع: الحوالة (٢) تتردد بين الاستيفاء والاعتياض. فإذا تناقض حكم الشائبتين ولم يمكن إجلاء (٣) الواقعة عن أحد الحكمين، وظهر ترجيح إحدى الشائبتين، ولم يظهر له (٤) معنى مناسب (٥) في أحد الطرفين ينبغي أنْ يحكم بالأغلب الأشبه. وأمّا ما يتفرع على تردد هذه الأبواب بين معانيها فكثير لا نطيل بذكره.

стр. 2687

وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة في أكثر منه (١). الخامس: اللعان (٢) يشبه اليمين (٣) والشهادة (٤)، ولفظهما (٥) فيه (٦)

стр. 2688

وهو مركب منهما فليس يمينا محضًا، فإنّ يمين المدعي لا تقبل والملاعن مدع وليس بشهادة محضة، فإنّ الشاهد يشهد لغيره وهو إنما يشهد لنفسه وينبني على ذلك لعان الذمّي والرقيق فإنّهما ليسا من أهل الشّهادة وإنْ صحت منهما اليمين. وقال الأصحاب: بصحة لعانهما؛ لأنّ المعروف عندهم أنّ (١) اللّعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة. وقيل: هو يمين فيها شوب (٢) الشهادة (٣). السادس: الجنين يشبه بعض أعضاء الأمّ في الحكم؛ لأنّه يتبعها في البيع المطلق، والهبة ونحوها ويشبه إنسانًا منفردًا في الصورة؛ لأنّه مستقل بالحياة والموت، فإذا قال: بعتك هذه الجارية إلا حملها، فعلى الأوّل يبطل البيع كاستثناء عضو من الأعضاء، وعلى الثاني يصحّ كما لو قال بعتك هذه الصيعان إلا هذا الصاع، والمذهب فيما إذا استثنى حملها أنَّه لا يصحّ البيع. وقيل: وجهان (٤). قال (السادس الدوران: وهو أن يحدث الحكم بحدوث وصف ينعدم بعدمه وهو يفيد ظنًّا. وقيل: قطعًا.

стр. 2689

وقيل: لا ظنًّا ولا قطعًا) عرَّف الدوران (١): بحدوث الحكم بحدوث الوصف وانعدامه بعدمه، فذلك الوصف يسمى مدارًا والحكم دائرًا. والمراد بالحكم تعلقه عند من يجعل المحلق حادثًا ومنهم المصنف. ثمّ قول المصنف: "يحدث بحدوثه وينعدم بعدمه" عبارة فيها نظر؛ لأنَّ ثبوت الحكم بثبوته هو كونه علّة فكيف تستدل به على عليّة الوصف لثبوت الحكم؟ وقد سبق الغزالي إلى هذه العبارة، وقال: هذا هو الدوران الصحيح (٢)، وأمّا ثبوته عند ثبوته وعدمه عند عدمه ففاسد واعترض عليه بما ذكرناه. والعبارة المحررة ما زعم الغزالي فسادها (٣).

стр. 2690

ثم الدوران يقع على وجهين: - أحدهما: أنْ يقع في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير؛ فإنّه لما لم يكن مسكرًا لم يكن حرامًا. فلمّا حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثمّ لما زال السكر بصيرورته خلًّا صار حلالًا، فيدل على أنّ العلّة في تحريمه السكرَ، ومثل الحبّ يجري فيه الربا وهو مأكول فإذا زرع صار قصيلًا (١) غير مطعوم لا ربا فيه، فإذا عقد الحبّ فيه صار مطعومًا وعاد الربا فيه، فيدل على أنّ عليّة الربا فيه الطعم. والثاني: أنْ يوجد في (٢) صورتين، وهو كوجوبِ الزكاةِ مع مِلك نصابٍ تامّ في صورةِ أحدِ النّقدين وعدمِهِ مع عدمِ شيءٍ منها كمَا في ثيابِ البذْلةِ والمهنة، حيث لا يجب فيها الزكاة لفقد (٣) شيء مما ذكرناه. واختلف الأصوليون في إفادة الدوران العليّة (٤).

стр. 2691

فذهب الجمهور كإمام الحرمين وغيره (١)، ونقله عن القاضي أمما بكر بعضهم وليس بصحيح عنه إلى إفادته ظنّ العليّة بشرط عدم المزاحم (٢)، وهو اختيار الجدليين (٣) والإمام وأتباعه (٤)، ومنهم المصنف. وذهب بعض المعتزلة: إلى أنَّه يفيد يقين العلّة (٥). وذهب الباقون إلى أنَّه لا يفيد ظنّ العليّة ولا يقينها وهو اختيار

стр. 2692

الآمدي (١). قال إمام الحرمين: وذهب القاضي أبو الطيب الطبري، إلى أنَّه أعلى (٢) المسالك المظنونة (٣) وكَادَ يدّعِي إفضاءَه إلى القطع (٤). قال: (لنا أنّ الحادث له علّة وغير المدار ليس بعلّة؛ لأنّه إن وجد قبله فليس بعلّة للتخلف وإلا فالأصل عدمه. وأيضًا عليّة بعض المدارات مع التخلف في شيء من الصّور لا يجتمع مع عدم عليّة بعضها؛ لأنَّ ماهية الدوران إمّا أنْ تدل على عليّة المدار فيلزم عليّة هذه المدارات أو لا تدل فيلزم عدم علية تلك للتخلف السالم عن المعارض. والأوّل ثابت فانتفى الثاني، وعورض (٥) في مثله. وأجيب: بأن المدلول قد لا يثبت لمعارض) اسْتُدِل على عليّة الدوران بوجهين: أحدهما: أنّ الحكم لا بد له من علّة على ما تقرر فتلك العلّة إما المدار أو غيره، الثاني: باطل؛ لأنَّ ذلك الغير إنْ كان موجودًا قبل الحكم لزم

стр. 2693

تخلف الحكم عن العلّة وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجودًا قبله لم يكن علّة لذلك الحكم إذ ذاك، والأصل بقاؤه على ما كان عليه من عدم عليته، فيحصل ظنّ (١) عدم عليّته باستصحاب هذا الأصل، وبحصول هذا الظنّ يحصل ظنّ عليّة المدار إذ ليس غيره. فإن قلت: كما دار الحكم مع ذلك الوصف وجودًا وعدمًا كذلك دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل، فيحصل المزاحم حينئذ، وتمتنع الإضافة إلى الوصف أو يقال: العلّة مجموع الوصف مع التّعين والحصول في المحل عملا بالدورانين، وحينئذ لا يجوز تعديته عن (٢) ذلك المحل. قلت: التّعين والحصول في المحل أمران عدميان؛ إذ لو (٣) كانا وجوديين لزم أنْ يكون للتّعين تعين آخر، وللحصول في المحل حصول آخر، فيتسلسل (٤) ضرورةَ مشاركة التعيين حينئذ لسائر التعيينات في كونه تعينًا، وامتيازه عنها بخصوصية وكذا الحصول في المحل فإنّه (٥) حينئذ يكون له حصول في المحل، إذ ليس هو بجوهر قائم بنفسه وهو معلوم بالضرورة، فيكون له حصول في المحل (٦) فثبت أنّهما أمران عدميان، حينئذ

стр. 2694

لا يجوز أنْ يكونا جزئي علّة ولا مزاحمًا لها كذا ذكر السؤال والجواب. ولك أنْ تقول المختار عند صاحب الكتاب كصا صرح به في الطوالع (١) أنّ التّعيّن أمر وجودي فالسؤال وارد عليه وقد استدل على كونه وجوديًا أنَّه جزء من المعين الموجود إذ الموجود ليس هو الماهية الكلية بل المعينة وكل ما هو جزء الموجود فهو موجود. ولقائل: أنْ يقول إن أريد بالمعين (٢) معروض التّعين فيمنع أنّ التعين جزؤه، وإن كان المراد به المركبّ من العارض (٣) والمعروض (٤) فيمنع أنَّه موجود في الخارج على أنّ هذا العلم ليس موضع البسط في مسألة التعين. واعترض النقشواني على هذا الدليل بأوجه أخر: منها: أنَّه لا يختص بصورة الدوران بل لو قيل: ابتداء هذا (٥) الحكم لا بد له من علّة حادثة وما كان موجودًا قبل هذا الحكم لا يصلح علّة له للتّخلف المذكور فوضح أنّ العلّة التي هي غير هذا الوصف لم تكن

стр. 2695

موجودة قبل هذا الحكم فوجب بقاؤها على العدم بالاستصحاب فتعين كون هذا الوصف علّة، فهذه طريقة مستقلة لا تحتاج إلى الدوران. ومنها: أنّه يمكن معارضته بأنْ يقال: ليس هذا الوصف علّة؛ لأنّه إن (١) وجد قبل هذا الحكم لا يكون علّة للتخلف، وإن لم يوجد قبله لا يكون علّة (٢) أيضًا؛ لأنَّ الأصل استمرارُه على العدم. وهما اعتراضان صحيحان. وأجاب عنهما بعض شرَّاحِ المحصول بما لا أرتضيه (٣). الوجه الثاني: مما يدلّ على عليّة الدوران أنّ عليّة بعض المدارات للحكم (٤) الدائر مع تخلف الدائر عنه في شيء من صور الدوران لا يجتمع مع عدم عليّة بعض المدارات (٥) للدائر، وذلك لأنَّ ماهية الدوران من حيث هي إمّا أنْ تدلّ على عليّة المدار للدائر أو لا، فإن دلت لزم علية المدارات التي فرضنا عدم عليتها لوجود ماهية الدوران فيها فيكون جميع المدارات علّة لاشتراكها في وجود ماهية الدوران، وإن لم تدل لزم عدم علية البعض الذي فرضنا عليته وتخلف الدائر عنه في صورة من

стр. 2696

صور الوجود المقتضي لعدم العلية وهو تخلف (١) الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض الذي هو دلالة ماهية الدوران على العليّة إذ الغرض ماهية الدوران لا يدل (٢) على العليّة فلا تعارض، وهذا بخلاف ما لو دلّت ماهية الدوران على العليّة (٣) إذا كانت تعارض التخلف لاقتضائه عدم العليّة فوضح أنّ عليّة بعض المدارات مع التخلف لا يجتمع مع عدم علية بعضها. لكنّ الأوّل وهو عليّة بعض المدارات مع التخلف في صورة من صوره ثابت. فإنّ تناول السقمونيا (٤) علّة للإسهال مع تخلفه عنه بالنسبة إلى بعض (٥) الأشخاص في بعض الأوقات فينتفي الثاني وهو عدم عليّة بعض المدارات للدائر، ويلزم من انتفائه ثبوت عليّة جميع المدارات للدائر وهو المطلوب. وإنّما قيّد المصنف عليّة بعض المدارات بالتخلف المذكور ليحتج به على عدم عليّة تلك على التقدير الثاني وهو عدم دلالة ماهية الدوران على العلية. قوله: "وعورض"، أي عورض هذا الدليل الثاني بمثله.

стр. 2697

وتقرير المعارضة: أنْ يقال: عليّة بعض المدارات مع التخلف في شيء من صوره مع عدم عليّة البعض مما لا يجتمعان؛ لأنَّ ماهية الدوران وإنْ دلت على العليّة لزم عليّة ذلك البعض المفروض عدم عليّته كما تقدم. وإنْ لم يدلْ لزم عدم عليّة البعض المفروض كونه علّة كما عرفت. لكن الثاني ثابت وهو عدم عليّة البعض؛ لأنَّ الأبُوةَ مع البنوة والعلمَ مع المعلوم، والجزء الأخير من العلّة المركبة مع المعلول ونظائرها من الأشياء المتلازمة تدور وجودًا أو عدمًا ولا علّة ولا معلول، وإذا ثبت الثاني انتفى الأوّل وهو عليّة البعض ويلزم منه عدم عليّة جميع المدارات للتنافي بين عليّة البعض وعدم عليّة البعض الآخر وذلك هو المطلوب. وأجاب: عن هذه المعارضة بأنّ غاية ما يلزم مما ادعيناه من عليّة جميع المدارات للدائر (١) مع التخلف في بعض الصّور أنْ يوجد الدليل بدون المدلول وهذا أمر لا بدع فيه فإنّ المدلول (٢) قد يتخلف لمانع وأمّا ما قلتموه من عدم عليّة المدارات فيلزم منه أنْ يوجد المدلول بدون الدليل وهو محال. قال: (قيل الطرد لا يؤثر والعكس لم يعتبر. قلنا: يكون للمجموع ما ليس لأجزائه). هذه شبهة لمن منع الدوران، وتقريرها (٣) أنَّه مركب من الطّرد وهو:

стр. 2698

ترتُب وجود الشيء على وجود غيره والعكس، وهو ترتب عدمه على عدم غيره وكلّ منهما لا يدل على العليّة. أما الطرد؛ فلأن حاصله يرجع إلى سلامة الوصف عن النّقص وسلامته عن مفسد واحد لا يوجب سلامته عن كلّ مفسد، ولو سلم عن كلّ مفسد لم يلزم من ذلك صحته، فإنّه كما يعتبر عدم المفسد يعتبر وجود المقتضي للعليّة. والطرد من حيث هو طرد لا يشعر بالعلية، بل بعدم النقص (١)، فلا يفيد العليّة، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية فمجموعها أيضًا كذلك. وأجاب: بأنّه لا يلزم من عدم دلالة كلِّ واحدٍ منهما على الانفراد عدم دلالة المجموع، فإنّه يجوز أنْ يكون للهيئة الاجتماعية ما ليس لكلّ واحدٍ من الأجزاء. ألا ترى أنّ كلّ واحد من أجزاء العلّة ليس بعلّة مع أنّ المجموع علّة؟ . وهذا ما أجاب به إمام الحرمين في البرهان بعد أنْ ذكر أنّ الشبهة المذكورة من فنّ التشدق والتفيهق (٢) الذي يستدل به من لا يعدّ من الراسخين (٣).

стр. 2699

وقال: من زعم أنّ مجموعهما لا يغلب على الظنّ انتصاب ما اطرد وانعكس علمًا، فقد انتسب إلى العناد (١). قال: (السابع: التقسيم الحاصر كقولنا: ولاية الإجبار، إمّا ألا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصّغر أو غيرهما والكلّ باطل سوى الثاني فالأوّل والرابع للإجماع والثالث لقوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها". والسبر غير الحاصر مثل أن يقول علّة حرمة الربا إمّا الطعم أو الكيل أو القوت. فإن قيل: لا علّة لها أو العلّة غيرها. قلنا: قد بينا أنّ الغالب على الأحكام تعليلها والأصل عدم غيرها) من طرق العلّة التقسيم الحاصر والتقسيم الذي ليس بحاصر، ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم (٢)؛ لأنَّ النّاظر في العلّة يقسّم الصّفات ويختبر

стр. 2700

صلاحية كلِّ واحدة (١) منهما للعليّة. والسبر في اللغة: الاختبار (٢)، ثمّ التقسيم (٣) إما أنْ يكون دائرًا بين النفي والإثبات، وهو التقسيم المنحصر أو لا يكون كذلك وهو التقسيم المنتشر (٤) وإليه أشار المصنف بقوله: "والسبر غير الحاصر".
следующие страницы →