صور الوجود المقتضي لعدم العلية وهو تخلف (١) الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض الذي هو دلالة ماهية الدوران على العليّة إذ الغرض ماهية الدوران لا يدل (٢) على العليّة فلا تعارض، وهذا بخلاف ما لو دلّت ماهية الدوران على العليّة (٣) إذا كانت تعارض التخلف لاقتضائه عدم العليّة فوضح أنّ عليّة بعض المدارات مع التخلف لا يجتمع مع عدم علية بعضها. لكنّ الأوّل وهو عليّة بعض المدارات مع التخلف في صورة من صوره ثابت.
فإنّ تناول السقمونيا (٤) علّة للإسهال مع تخلفه عنه بالنسبة إلى بعض (٥) الأشخاص في بعض الأوقات فينتفي الثاني وهو عدم عليّة بعض المدارات للدائر، ويلزم من انتفائه ثبوت عليّة جميع المدارات للدائر وهو المطلوب.
وإنّما قيّد المصنف عليّة بعض المدارات بالتخلف المذكور ليحتج به على عدم عليّة تلك على التقدير الثاني وهو عدم دلالة ماهية الدوران على العلية.
قوله: "وعورض"، أي عورض هذا الدليل الثاني بمثله.
стр. 2697
وتقرير المعارضة: أنْ يقال: عليّة بعض المدارات مع التخلف في شيء من صوره مع عدم عليّة البعض مما لا يجتمعان؛ لأنَّ ماهية الدوران وإنْ دلت على العليّة لزم عليّة ذلك البعض المفروض عدم عليّته كما تقدم. وإنْ لم يدلْ لزم عدم عليّة البعض المفروض كونه علّة كما عرفت. لكن الثاني ثابت وهو عدم عليّة البعض؛ لأنَّ الأبُوةَ مع البنوة والعلمَ مع المعلوم، والجزء الأخير من العلّة المركبة مع المعلول ونظائرها من الأشياء المتلازمة تدور وجودًا أو عدمًا ولا علّة ولا معلول، وإذا ثبت الثاني انتفى الأوّل وهو عليّة البعض ويلزم منه عدم عليّة جميع المدارات للتنافي بين عليّة البعض وعدم عليّة البعض الآخر وذلك هو المطلوب.
وأجاب: عن هذه المعارضة بأنّ غاية ما يلزم مما ادعيناه من عليّة جميع المدارات للدائر (١) مع التخلف في بعض الصّور أنْ يوجد الدليل بدون المدلول وهذا أمر لا بدع فيه فإنّ المدلول (٢) قد يتخلف لمانع وأمّا ما قلتموه من عدم عليّة المدارات فيلزم منه أنْ يوجد المدلول بدون الدليل وهو محال.
قال: (قيل الطرد لا يؤثر والعكس لم يعتبر.
قلنا: يكون للمجموع ما ليس لأجزائه).
هذه شبهة لمن منع الدوران، وتقريرها (٣) أنَّه مركب من الطّرد وهو:
стр. 2698
ترتُب وجود الشيء على وجود غيره والعكس، وهو ترتب عدمه على عدم غيره وكلّ منهما لا يدل على العليّة.
أما الطرد؛ فلأن حاصله يرجع إلى سلامة الوصف عن النّقص وسلامته عن مفسد واحد لا يوجب سلامته عن كلّ مفسد، ولو سلم عن كلّ مفسد لم يلزم من ذلك صحته، فإنّه كما يعتبر عدم المفسد يعتبر وجود المقتضي للعليّة.
والطرد من حيث هو طرد لا يشعر بالعلية، بل بعدم النقص (١)، فلا يفيد العليّة، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية فمجموعها أيضًا كذلك.
وأجاب: بأنّه لا يلزم من عدم دلالة كلِّ واحدٍ منهما على الانفراد عدم دلالة المجموع، فإنّه يجوز أنْ يكون للهيئة الاجتماعية ما ليس لكلّ واحدٍ من الأجزاء. ألا ترى أنّ كلّ واحد من أجزاء العلّة ليس بعلّة مع أنّ المجموع علّة؟ .
وهذا ما أجاب به إمام الحرمين في البرهان بعد أنْ ذكر أنّ الشبهة المذكورة من فنّ التشدق والتفيهق (٢) الذي يستدل به من لا يعدّ من الراسخين (٣).
стр. 2699
وقال: من زعم أنّ مجموعهما لا يغلب على الظنّ انتصاب ما اطرد وانعكس علمًا، فقد انتسب إلى العناد (١).
قال: (السابع: التقسيم الحاصر كقولنا: ولاية الإجبار، إمّا ألا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصّغر أو غيرهما والكلّ باطل سوى الثاني فالأوّل والرابع للإجماع والثالث لقوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها".
والسبر غير الحاصر مثل أن يقول علّة حرمة الربا إمّا الطعم أو الكيل أو القوت.
فإن قيل: لا علّة لها أو العلّة غيرها.
قلنا: قد بينا أنّ الغالب على الأحكام تعليلها والأصل عدم غيرها)
من طرق العلّة التقسيم الحاصر والتقسيم الذي ليس بحاصر، ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم (٢)؛ لأنَّ النّاظر في العلّة يقسّم الصّفات ويختبر
стр. 2700
صلاحية كلِّ واحدة (١) منهما للعليّة.
والسبر في اللغة: الاختبار (٢)، ثمّ التقسيم (٣) إما أنْ يكون دائرًا بين النفي والإثبات، وهو التقسيم المنحصر أو لا يكون كذلك وهو التقسيم المنتشر (٤) وإليه أشار المصنف بقوله: "والسبر غير الحاصر".
стр. 2701
أمّا الأول؛ فهو لإفادته العلمَ حجةٌ في العمليات والعلميات (١) من (٢) غير اختلاف إن كان الدليل الدّال على نفي عليّة (٣) ما عدا الوصف المعيّن فيه قطعيًا أيضًا وإلا فهو، والقسم الثاني حجّة في العمليات لإفادته الظنّ دون العلميات (٤).
وطريق إيراد النّوع الأوّل أنْ يقال: الحكم إمّا أنْ يكون معللا بعلّة أو لا، والثاني باطل فتعيّن الأوّل وتلك العلّة إمّا الوصف الفلاني أو غيره والثاني باطل.
ونذكر على ذلك دليلًا قاطعًا وحصول هذا القسم في (٥) الشرعيات عَسِرٌ جدًّا.
ومثّل المصنف للتقسيم الحاصر في الشرعيات بقولنا: ولاية الإجبار على النّكاح إمّا أنْ لا تعلل أو تعلل، وحينئذ فإمّا أنْ تكون العلّة البكارةَ أو الصغرَ أو غيرَهما، وما عدا القسم الثاني من الأقسام باطلٌ، أمّا الأوّل وهو عدمُ تعليلها مطلقًا والرابع وهو تعليلها بغير (٦) البكارة والصغر فبالإجماع. وأما الثالث فلأنّها لو عللت بالصغر لثبت على الثيّب الصغيرة لوجود
стр. 2702
الصغر فيها وهو باطل لقوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها" أخرجه مسلم (١)، ولفظه الأيِّم (٢).
ومثّل للتقسيم المنتشر وهو الذي ليس بحاصر بقولنا: علّة حرمة الربا فيما عدا النقدين من الربويات إمّا الطّعم أو الكيل أو القوت، والثاني والثالث باطلان فتعيّن أنْ تكون العلّة الطُعمَ. والدليلُ على بطلان الثاني والثالث أنَّه ﷺ علّق الحكم باسم الطعام في قوله: "الطعام بالطعام" (٣) وهو مشتق من الطُعم والحكم المعلّق بالاسم المشتق (٤) معلل بما منه الاشتقاق، وهذا دليل على أنّ غير الطُعم ليس بعلّة وهو صالحٌ لأنْ يكون دليلًا أصليًا على عليّة الطعم من غير نظر إلى طريقة السبر والتقسيم.
فإن قيل: في الإيراد على الاستدلال بالتقسيم المنتشر لا نسلم أنّ تحريم الربا معللٌ ولئن سلمنا أنَّه معلل فلا نسلم انحصار العلّة فيما ذكرتم؛ لجواز
стр. 2703
أنْ تكون العلّة غيرَ هذه الثلاثة.
وأجاب المصنف عن الأول: بأنّا بيّنا فيما سبق (١) أنّ الغالب أنّ أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد تفضلًا منه وإحسانًا، فيلحق هذا الحكم بالغالب. وعن الثاني بأنّ الأصل عدم علّة أخرى غير الأمور المذكورة، واستصحابُ هذا الأصل كافٍ في حصول الظنّ بعليّة أحدها، وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب (٢) بأن السبر والتقسيم لا يحتج به إلا إنْ قام الدليل على أنّ الحكم معلل، وأنّ العلّة منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة، ثمّ يبطل ما عدا الوصف المدّعى علّة فيثبت حينئذ عليّة ذلك الوصف، وهذا هو المختار (٣).
قال: (الثامن الطرد وهو أن يثبت معه الحكم فيما عدا المتنازع فيه، فيثبت فيه (٤) إلحاقًا للفرد (٥) بالأعمّ الأغلب.
وقد (٦) قيل: يكفي مقارنته في صورة وهو ضعيف)
الطرد (٧) هو: الحكم الذي لم يعلم كونه مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب
стр. 2704
إذا كان الحكم حاصلًا مع (١) الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، فإنّ النّزاع (٢) في حصوله فيه (٣).
стр. 2705
هذا هو المراد من الاطراد على قول الأكثر (١).
واختلف من قال بحجية الدوران في حجية الطرد فذهب المعتبرون من النّظار إلى أنّ التّمسك به باطل (٢).
قال إمام الحرمين: وتناهى القاضي في التغليظ على من يعتقد ربط أحكام (٣) الله تعالى به (٤).
وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه حجّة وإليه مال الإمام وجزم به المصنف (٥).
стр. 2706
وقال الكرخي: هو مقبول جدلًا ولا يسوغ التعويل عليه عملًا ولا الفتوى به (١).
وبالغ قوم وقالوا: يفي في عليّة الوصف الطردي أنْ يكون الحكم مقارنًا له ولو في صورة واحدة قال صاحب الكتاب: وهو ضعيف وسنبين وجه ذلك إن شاء الله تعالى.
واحتج المصنف على أنَّه حجةٌ بأنّ الحكم إذا ثبت فيما عدا صورة النزاع مع الوصف ووجد الوصف في صورة النّزاع لزم ثبوت الحكم معه فيه إلحاقًا للفرد بالأعمّ الأغلب، فإنّ الاستقراء يدلّ على إلحاق النّادر بالغالب. وهذا معتصم ضعيف، فإنّه إنْ أريد بالاستقراء إلحاق كلّ نادر بالغالب في جميع الأشياء (٢)، فهو ممنوع؛ لما يرد عليه من النقوض الكثيرة؛ ولأنّ من جملة تلك الصّور محل النزاع ولو ثبت هذا الحكم في محل النزاع لاستغنى عن هذه المقدمة، وإن أريد به أنَّه في بعض الصّور كذلك، فلا يلزم (٣) من تسليمه شيء، وإن أريد به أنَّه كذلك فيما عدا محل النزاع فيصعب إثباته لما ذكرناه من النقوض.
ولو سلم فلقائل أنْ يقول: لم يلزم فيما نحن فيه إلحاق النادر بالغالب؟ وهل هذا إلا إثبات (٤) الطرد بالطرد؟ .
стр. 2707
ولو سلمنا أنا (١) إذا رأينا حكمًا في أغلب صور وصف يغلب على ظننا أنَّه في جميع صور الوصف كذلك. فلقائل أنْ يقول: إنّ المعلوم فيما نحن فيه في أغلب صور الوصف إنما هو مقارنة الحكم مع الوصف لا كون الحكم معللا بذلك الوصف فإنّ هذا غير معلوم لي ولا في صورة واحدة ولا يلزم من عليّة الاقتران كونه علّة للحكم، ولو لزم ذلك لما كان الوصف بكونه علّة للحكم أولى من الحكم بأنْ يكون للوصف.
واحتج من أبطله بوجوه: أوجَهها أنّ أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما تعلّق بها الصحابة إذا عدموا متعلقًا من الكتاب والسنة، فإجماعهم على ذلك ومستند العمل بالأقيسة الصحيحة كما سبق والذي تحقق لنا من مسالكهم النّظر إلى المصالح والمراشد، والاستحثاث على اعتناق محاسن الشرع.
فأمّا الاحتكام بطردٍ لا يناسب الحكم، ولا يثير شبهًا، فلم يثبت عنهم الاعتماد عليه، بل نظرهم إلى ما ذكرناه دليل على أنّهم كانوا يأبونه (٢) ولا يرونه ولو كان الطرد مناطًا لأحكام الله تعالى لما أهملوه ولا عطّلوه.
ولسنا نطيل بالردّ على القائل (٣) بالطرد ففي هذا الدليل مقنع.
وقد قال القاضي والأستاذ من طرد عن غيره فهو جاهل غبي، ومن
стр. 2708
مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهو هازئ بالشريعة مستهين بضبطها، مشير إلى أنّ الأمر إلى القائل (١) كيف أراد (٢) وإذا وضح بطلان القول بالطرد بان فساد قول من يقول يكفي ولو في صورة واحدة بطريق الأولى.
وقد قال المصنف: إنّه ضعيف مع قوله بالطّرد وهذا صحيح؛ لأنَّ القائل بالطّرد يستند إلى ضرب من الظنّ، وهو حصول التكرار والصورة الواحدة لا تكرار فيها فمن أين الظنّ؟.
وأمّا الكرخي فقد ناقض بقوله كما قال إمام الحرمين، فإنّ المناظرة مباحثة عن مأخذ أحكام الشريعة، والجدال استياقها على أحسن ترتيب وأقربِه إلى المقصود، وليس في أبواب الجدل ما يسوغ استعماله في النظر مع الاعتراف بأنّه لا يصلح أنْ يكون مناطًا لحكم.
وغاية المعترض أن يثبت ذلك فيما تمسك به خصمه فإن اعترف به فقد كفي المؤنة (٣) وعاد الكلام نكدًا وعنادًا وأضحى لجاجًا وخرج عن كونه حجاجًا (٤).
قال: (التاسع تنقيح المناط بأن يبين إلغاء الفارق، وقد يقال العلّة إما المشترك أو المميز والثاني باطل فثبت الأوّل ولا يكفي أنْ يقال محل
стр. 2709
الحكم إما المشترك أو (١) مميز الأصلي؛ لأنّه لا يلزم من ثبوت المحل ثبوت الحكم)
إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط (٢) وهو أنْ يقال لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، وذلك لا
стр. 2710
مدخل له في الحكم البتة، فيلزم اشتراكهما في الحكم لا اشتراكهما في الموجب له.
ومثاله: قياسُ الأَمَةِ على العبد في السراية في قوله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه الباقي" (١) بأنّه لا فارق بين الأمة والعبد إلا الذكورة، وهو ملغى بالإجماع إذ (٢) لا مدخل له في العليّة، وهذا هو الذي تسميه الحنفية بالاستدلال، ويفرِّقون بينه وبين القياس بأن يخصّوا اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا الظنّ، والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه فجوزوا الزيادة على النّص به، ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد (٣).
والحقّ أنَّ تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس، وكل من القياسين أعني ما يلحق فيه بذكر الجامع وبإلغاء الفارق قد يكون ظنيًّا وهو الغالب إذ قلّما بقوم القاطع على أنّ الجامع علّة أو (٤) أنّ ما به الامتياز لا مدخل له في العليّة، وقد يكون قطعيًا بأن يوجد ذلك.
نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من القسم الآخر لكن ليس ذلك فرقًا في المعنى بل في الوقوع.
стр. 2711
واعلم أنَّه قد يقال في إيراد تنقيح المناط هذا الحكم لا بد له من علّة لما (١) تقدم وهي إمّا المشترك بين الأصل والفرع كالرّق في المثال الذي ذكرناه أو المختص بالأصل كالذكورة والثاني باطل؛ لأنَّ الفارق ملغى فتعين الأول فيلزم ثبوت الحكم في الفرع لثبوت عليته فيه.
فإن قلت: هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم.
قلت: كذا قال الإمام (٢) ولكن يمكن أن يفرق بينهما بأن السبر والتقسيم لا بد فيه (٣) من تعيين الجامع والاستدلال على العليّة، وأمّا هذا فلا يجب فيه تعيين العلّة ولكنّ ضابطه أنّه لا يحتاج إلى التّعرض للعلّة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنّه لا فارق إلّا كذا، ولا مدخل له (٤) في التأثير مثل: من أعتق شركًا له في عبد كما أوضحناه كقوله ﷺ : "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" (٥) فالمرأة في معناه وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٦)
стр. 2712
فالعبد في معناها وقوله ﷺ : "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (١) فالجارية في معناه وقوله ﷺ في موت الحيوان في السمن: "أنَّه يراق المائع ويقور ما حوالي الجامد" (٢) فإنّ العسل وكلّ جامد في معناه.
ولا يكفي أن يقال: في إيراده هذا الحكم لا بد له من محل وهو إمّا المشترك أو مميز الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأنَّ الفرق ملغى فوجب أن يكون محله المشترك ويلزم ثبوت الحكم في الفرع ضرورة حصوله في الأصل وذلك لأنّه لا يلزم من وجود المحل وجود الحال فيه. ومثاله: قول الحنفي وجوب كفارة الإفطار له محل وهو إمّا المفطر بالوقاع بخصوص الوقاع أو المفطر لا بخصوص الوقاع، والأوّل باطل؛ لأن خصوص الوقاع ملغى، كخصوص القتل بالسيف في وجوب القصاص فتعين الثاني فتجب الكفارة على من أفطر بالأكل.
فنقول: سلمنا أن المفطر بالأكل يصدق عليه أنّه مفطر لكن لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كلّ مفطر، وهذا كما أنَّه إذا صدق هذا
стр. 2713
الرجل طويل يصدق الرجل طويل (١) ضرورة كون الرجل جزءًا (٢) من هذا الرجل، واستلزم حصول المركب حصول المفرد، ولا يلزم منه صدق كل رجل طويل.
فائدة: قد اقتصر المصنف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط ونحن لا نطيب قلبًا بإخلاء هذا الشرح عن الكلام فيهما ليحصل التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط فنقول:
أمّا تنقيح المناط: فقد عرفت أنّه الاجتهاد في تعيين السبب الذي ناط الشارع (٣) الحكم به وأضافه إليه ونصبه علامة عليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار.
وأما تحقيق المناط: فهو أنْ يتفق على عليّة وصف بنص أو إجماع، ويجتهد في وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام بعد ما علم من إيجاب نصب الإمام، وكذا تعيين القضاة والولاة، وكذا في تقدير التعزيرات، وتقدير الكفاية في نفقة القريب. وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وطلب المثل في جزاء الصيد، فإنّ مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم بالنّص أمّا أن الرطل كفاية لهذا الشخص، أم لا فيدرك بقول المقومين، وهو مبني على الظنّ والتخمين وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين:
стр. 2714
أحدهما: أنَّه لا بد من الكفاية.
والثاني: أن الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أنه الواجب.
أمّا الأصل الأول فمعلوم بالنّص (١) والإجماع (٢).
وأمّا الثاني: فبالظنّ.
وكذا نقول يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣) فنقول: المثل واجب والبقرة مثل فإذن هي الواجب فالأوّل معلوم بالنّص وهي المثلية التي هي مناط الحكم أما تحقيق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة والاجتهاد.
وكذلك من أتلف على إنسان فرسًا فعليه ضمانه (٤)، والضمان هو المثل في القيمة أمّا كون مائة درهم مثلا له في القيمة، فيعرف بالاجتهاد.
ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة فإنه يجب استقبال جهتها بالنّص أمّا
стр. 2715
أنّ هذه هي جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد عند تعذر اليقين.
وكذا العدالة فإنّ كونها مناط قبول الشهادة معلوم بالإجماع وتحققها في كل واحد من الشهود مظنون وكلّما عُلم وجوبه أو جوازه من حيث الجملةُ وإنما النظر في تعينه (١) وتقديره (٢).
قال الغزالي: وهذا لا خلاف فيه بين الأمّة وهو نوع اجتهاد، قال: والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسًا؟ وكيف يكون مختلفًا فيه؟ وهو (٣) ضرورة كلّ شريعة، لأنَّ التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كلّ شخص محال، فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنّص المحيط بمجاري (٤) الحكم (٥).
وأما تخريج المناط: فهو الاجتهاد في استنباط علّة الحكم الذي دلّ النّص أو الإجماع عليه من غير تعرض لبيان علية (٦)، لا بالصراحة ولا بالإيماء نحو قوله: "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل" (٧) فإنّه ليس فيه ما
стр. 2716
يدلّ على أنّ علّة تحريم الربا الطُعم، لكن المجتهد نظر واستنبط العلّة بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها، فكأنّ المجتهد أخرج العلّة من خفاء، فلذلك سمي تخريج المناط، بخلاف تنقيح المناط فإنّه لم يستخرجه لكونه مذكورًا في النّص، بل نقّح المنصوص وأخذ منه ما يصلح للعليّة، وترك ما لا يصلح.
قال الغزالي وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم فيه الخلاف (١).
قال: (تنبيه قيل: لا دليل على عدم عليته فهو علة.
قلنا: لا دليل على عليته فليس بعلة.
قيل: لو كان علّة لتأتى القياس المأمور به.
قلنا: هو دور).
هذان طريقان ظنّ بعض الأصوليين أنّهما مفيدان للعلية فعقد المصنف هذه الجملة منبهة على فساد هذا الظنّ.
أحدهما: أنْ (٢) يقال لم يقم الدليل على أن هذا الوصف غير علّة فيكون
стр. 2717
علّة؛ لأنّه إذا انتفى الدليل على عدم عليّته ثبت كونه علّة للزوم انتفاء المدلول بانتفاء الدليل وقد اختار الأستاذ أبو إسحاق هذه الطريقة كما هو محكي في مختصر التقريب (١)(٢)
والجواب: أن يعارض هذا بمثله، ويقال: لم يقم الدليل على عليته، فليس بعلّة لما (٣) ذكرتم، وقد بالغ القاضي في مختصر التقريب في الردّ على من استدل بهذا الطريق وهذا الجواب هو حاصل ما ذكره (٤). (٥)
والثاني: أنْ يقال هذا الوصف على تقدير عليته يتأتى معه العمل بالقياس المأمور به و (٦) على تقدير عدم عليّته لا يتأتى معه ذلك، فوجب أنْ يكون علّة؛ لتمكن الإتيان معه بالمأمور به وهذا إيضاح هذا الطريق على الوجه الذي ساقه المصنف ولو قال: (إذا كان علّة) بدل قوله: (لو كان) لأحسن، فإنّ عبارته (٧) هذه توهم أنّ هذا طريق في نفي العليّة لا فى إثباتها، وقد فهم الشيرازي - شارح الكتاب هذا - ومشى عليه
стр. 2718
وليس بجيد.
وأجاب المصنف بأنّ هذا دور، لأنَّ تأتي القياس يتوقف (١) على ثبوت العلّة فلو أثبتنا العلّة به لتوقف ثبوت العلّة عليه. ولزم الدور والله أعلم.
стр. 2719
الطرف الثاني: نواقض العلة
стр. 2720
قال: (الطرف الثاني: فيما يبطل العليّة وهو ستة:
الأول: النقض وهو إبداء الوصف بدون الحكم مثل أنْ يقول لمن لم يبيّت يعرى أوّل صومه عن النيّة، فلا يصحّ فينتقض بالتطوع).
هذا مبدأ القول في الأمور المبطلة للعلية وهي ستة: النقض، وعدم التأثير، والكسر، والقلب، والقول بالموجب، والفرق (١).
стр. 2721
الأول: النقض (١): وهو عبارة عن إبداء الوصف الذي ادّعى المستدل
стр. 2722
حجّة عليته في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه فيها وربما يعبر عنه المعبرون بتخصيص العلّة،
ومثاله قولنا: من لم يبيت النّية يعرى أوّل صومه عنها، فلا يصح؛ لأنَّ الصوم عبارة عن إمساك النّهار جميعه مع النية، فيجعل العراء عن النيّة في أوّل الصّوم علّة بطلانه.
فيقول الخصم: ما ذكرت منقوض بصوم التطوع، فإنّه يصحّ من غير تبييت.
وأمثلة هذا الفصل تخرج عن حدّ الحصر، فلا نطل باستقصائها (١).
قال: (قيل: يقدح.
وقيل: لا مطلقا.
وقيل: في المنصوصة.
وقيل: حيث مانع وهو المختار قياسا على التخصيص. والجامع جمع الدليلين؛ ولأنَّ الظنّ باق بخلاف ما لم يكن مانع).
стр. 2723
الكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في تهذيبه فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع.
فنقول: اعلم أولًا أنّ الصور (١) في النقض تسع؛ لأنَّ العلّة إمّا منصوصة قطعًا أو ظنًّا أو مستنبطة، وتخلف الحكم؛ إمّا لمانع أو فوات شرط أو دونهما، فصارت تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة (٢)، فالقائل بأنّ النقض قادحٌ مطلقًا قائل به في التسع، ومقابله مانع في جميع ذلك ولنذكر صورها:
الأولى: القطعية المتخلف (٣) الحكمِ عنها لوجود مانع.
الثانية: القطعية المتخلف الحكم عنها (٤) لفوات شرط.
الثالثة: القطعية المتخلف الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرط، وإنّما يكون ذلك بعض تعبدي (٥) أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط.
стр. 2724
الرابعة والخامسة والسادسة الظنيّة كذلك (١).
السابعة والثامنة والتاسعة: المستنبطة كذلك (٢).
وعلى الفقيه طلب أمثلتها وسنذكر في أثناء الفصل من أمثلتها الكثير إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف النّاس في النّقض هل يكون قادحًا في العليّة على (٣) مذاهب (٤):
стр. 2725
أحدها: أنَّه يقدح مطلقًا (١) وهو اختيار أبي الحسين البصري، والإمام وإليه ذهب أكثر أصحابنا (٢).
والثاني: لا يقدح مطلقًا وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد (٣).
стр. 2726
والثالث: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا في صورها الستّ، ويقدح في المستنبطة مطلقًا في صورها الثلاث (١)(٢).
والرابع: واختاره المصنف لا يقدح حيث وجدَ مانعٌ مطلقًا سواءً كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح مطلقًا (٣).
وإلى المذهبين الأخيرين (٤) أشار بقوله: "وقيل: في المنصوصة، وقيل: حيث مانع" وتقديره وقيل: لا يقدح في المنصوصة وقيل:
стр. 2727
لا يقدح حيث مانع ولم يصرح بالنّفي؛ لأنّه معطوف على منفي.
وحكى القاضي أبو بكر في التلخيص الذي اختصره إمام الحرمين من كتابه التقريب والإرشاد مذهبا خامسا عن بعض المعتزله أنّه يجوز تخصيص علّة الحلّ والوجوب ونحوهما مما لا يكون حظرًا.
قال: وحملهم على ذلك قولهم لا تصح التوبة عن قبيح مع الإصرار على قبيح ويصح الإقدام على عبادة مع ترك أخرى (١).
وحكى ابن الحاجب مذهبًا سادسا أنّه لا يقدح في المستنبطة، ويقدح في المنصوصة عكس الثالث (٢).
واختار مذهبًا سابعا وهو أنّه يجوز في المستنبطة في صورتين فلا يقدح فيهما وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرطٍ ولا يجوز في صورةٍ واحدةٍ، ويقدح فيها وهي ما إذا كان التخلف دونهما. وأما المنصوصة فإذا كان النّص ظنيًّا وقدر مانع أو فوات شرط جاز، ولا يجوز في القطعيّ في صوره الثلاث أي لا يمكن وقوعه؛ لأنَّ الحكم لو تخلف لتخلف الدليل وهو لا يمكن أنْ يكون قطعيًا؛ لاستحالة تعارض القطعيين إلا أنْ يكون أحدهما ناسخًا ولا ظنيًّا لأنَّ الظنيَّ لا يعارض القطعي (٣). وهذا الذي اختاره ابن الحاجب نحو ما اختاره الآمدي (٤).
стр. 2728
والمنعُ في النّصِ القطعيِّ إذا لم يكن مانعٌ ولا فواتُ شرط ظاهر. وأمّا إذا كان مانعٌ أو فواتُ (١) شرط فلا وجه للمنع، إذا كان ذلك المانع أو الشرط عليه دليل؛ لأنّه حينئذ يكون ذلك الدليل مخصصًا للنّص القطعيّ اللهمّ إلّا أن تقدّر دلالة النّص على جميع الأفراد قطعيةً، فيصحّ ما قاله؛ لأنّه حينئذ لا يمكن التّخلف.
وحاصله أنَّه في النّص القطعي لا يمكن ورود النّقض وفي الظنيّ يمكن. وقال: إنّه يقدّر مانع، ولا حاجة إلى ذلك، فقد يكون تعبديًا بالدليل الدال على التخصيص من غير ظهور معنى، فيمكن النّقض ولا يكون قادحًا، وفي المستنبطة يجوز حيث مانعٌ، أو فقدانُ شرطٍ ولا يجوز فيما سواهما، ففيما سواهما يكون قادحًا، ولا يكون النّقض قادحًا في شيء من المواضع إلا في هذا المكان وهو إذا استنبطت علّة وتخلفَ الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرطٍ، فيستدل حينئذ بالتّخلف على فسادها. فينبغي أن يختصرَ الكلام، ويقالَ: النّقض يقدح في العليّة إذا كانت مستنبطة ولم يكن (٢) مانع ولا فوات شرط ولا يقدح فيما سواه.
وأمّا إمام الحرمين فذهب إلى رأي ثامن فقال: في المستنبطة إن انقدح من جهة المعنى فرّق بين ما وَرَد نقضًا وبين ما نصبه المستنبِط (٣) علّة بطلت علته (٤)؛ لأنّه يتبين بهذا أنّه ذكر في الابتداء بعض
стр. 2729
العلّة وأظهر أنّه علّة مستقلة وإن لم ينقدح فرْق فإنْ لم يكن الحكم فيها مجمعًا عليه أو ثابتًا بمسلك قاطع سمعي بطلت (١) علته أيضًا فإنه مناقض بها وتارك للوفاء بحكم العلّة فإذا لم يف بحقّ طردها فكيف يُلزم الخصمَ حقّ طردها في موضع قصده، وإن طرد مسألة إجماعية لا فرق بينها وبين محل العلّة فهذه موضع الأناة (٢) والاتئاد، فإنْ كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علّة المعلل (٣) معللًا بعلّة معنوية جارية فورودها ينقض العلّة من جهة أنّها منعت العلّة من الجريان (٤) وعارضتها بفقه.
وإن كانت (٥) المسألة قاطعة للطرد ولا فرق وكان لا يتأتى تعليلُ الحكم فيها على المناقضة بعلّة فقيهة، فهذا موضع التّوقف، هذا رأيه في المستنبطة (٦).
وحاصله أنّ النّقض قادحٌ فيما إذا انقدح فرق، أو لم يمكن الحكم في الصورة مجمعًا عليه أو لم يكن ثابتًا بقطعيٍّ، أو كان ثابتًا بإجماع وفي محل النّقض معنىً يعارض العلّة التي ذكرها المستدل، ويمنعها من الجريان وإنْ لم يكن كذلك فالتّوقف.
وأمّا المنصوصة فإن كان بنصٍّ ظاهر فيظهر بما أورده المعترض أنّ
стр. 2730
الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك من مقتضى لفظه. وتخصيص الظواهر ليس بِدْعًا وإن كان بنص لا يقبل التأويل فإن عمّم (١) بصيغة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض الصور التي تطرد العلّة فيها فلا مطمَع في تخصيصها لقيام القطع على العليّة، وجريانها على اطراد ونصُّ الشارع لا يصادم، وإن نصّ الشارع على شيء وعلى تخصيصه في كونه علّة لمسائل معدودة، فلا يمتنع ذلك (٢) ولا معترض عليه في تنصيصه وتخصيصه ولو نصّ على نصب علّة على وجه لا يقبل أصل النّصب تأويلًا، ولم يجر في لفظ الشارع بتنصيص على التّعميم على وجه لا يؤول (٣) ولا على التخصيص بمواقع مخصوصة فهذا عام، ولا يمتنع فيه تخصيص العلّة (٤).
وأمّا حجّة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة يفرض (٥) على ثلاثة أوجه: الأول أنْ يعرض في صوب جريان العلّة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمّى نقضا وهو قسمان:
أحدهما: ما يظهر أنَّه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس، فلا يفسد العلّة بل يخصصها بما وراء المستثنى، ويكون علّة في غير محل الاستثناء، ولا فرق بين (٦) أنْ يرِد ذلك على علّة مقطوعة أو مظنونة.
стр. 2731
مثال الأوّل: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليات تماثل الأجزاء، والشرع لما أوجب ذلك لم ينقض هذه العلّة، إذ عليها تعويلنا في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، فهذا الاستثناء لا يبين للمجتهد فساد هذه العلّة ولا ينبغي أنْ يكلف الناظر الاحتراز عنه، حتّى نقول في علّته تماثل الأجزاء في غير المصراة، فيقتضي إيجاب المثل، لأنَّ هذا تكليف قبيح (١).
ومثال الثاني: مسألة العرايا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المصنف.
وثانيهما: ما لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إمّا أنْ يرد على المنصوصة أو المظنونة، فإنْ ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلّا بأن ينعطف منه قيد على العلّة، ويتبين أنّ ما ذكر لم يكن تمام العلّة.
مثاله: قولنا: خارج فينقض الطهر، أخذًا من قوله: الوضوء مما خرج، ثمّ بان بأنّه لم يتوضأ من الحجامة، فيعلم أنّ العلّة ليس مطلق كونه خارجًا بل خارج عن المخرج المعتاد فكان مما ذكر بعضَ العلّة، فإنْ لم يكن كذلك، فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل، أو يراد به التعليل، لكن لا لذلك الحكم المذكور، قال
стр. 2732
الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) وليس كلّ من شاقق الله ورسوله يخرِب بيته فتكون العلّة منقوضة (٣) ولا يمكن أنْ يقال: (٤) إنّه علّة في حقّهم خاصّة؛ لأنّ هذا يعدّ تهافتًا في الكلام، فإذن الحكم المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور، بل هو لازمه أو جزؤه الأعمّ وهو كونه عذابًا ولا شك أنّ كلّ من يشاقق الله ورسولَه فإنّه معذّب إمّا بخراب البيت أو غيره.
وهذا وإن كان خلافَ الظاهر وتأويلًا للنّص، لكن يتعين المصير إليه رعايةً لعدم انتقاض الكلام، وإن ورد على العلّة المظنونة، وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة إنْ كانت العلّة مخيلة أو من طريق الشبه (٥) إن كانت شبهًا. فهذا يبين أنّ ما ذكر (٦) لم يكن تمام العلّة، وانعطف قيد على العلّة من مسألة النقض به يندفع النقض.
أمّا إذا كانت العلّة مخيلة (٧)، ولم ينقدح جواب مناسب، وأمكن كون النّقض دليلًا على فساد العلّة، وكونه معرفًا اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية (٨) بفصلها عن غير مجراها فهذا
стр. 2733
الاحتراز عنه مهمٌّ في الجدل للمناظر لكنَّ المجتهدَ الناظرَ ماذا عليه أن يعتقد (١) في هذه العلّة الانتقاض والفساد والتخصيص؟ .
هذا عندي في محل الاجتهاد، ويتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه.
ومثاله: قولنا: إنّ صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة؛ لأنَّ النّية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النّهار واجب، وأنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع، فإنّه لا يصح إلا بنيّة، ولا يتجزأ على المذهب الصحيح، ولا مبالاة بمذهب من يقول: إنّه صائمٌ بعض النّهار فيحتمل أنْ ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع ويحتمل أنْ ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنى رخصةً؛ لتكثير النوافل فإنّ الشرع قد يسامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض فالمخيل (٢) الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلًا بين مجرى العلّة وموقفها. ويكون ذلك وصفًا شَبَهيًا اعتبر في استعمال المخيل، وتمييز مجراه عن موقفه ومن أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهيِّ، فأكثر العِلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا تنقدح في تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلّة، وهذا التردد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل فإنّ مقدمّات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق من قولنا: إنّ كلَّ (٣) الصوم واجب وإنّ النّية عزم لا تنعطف على
стр. 2734
الماضي وإنّ الصّوم لا يصحّ إلا بنيّة فإنْ كانت العلّة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنها تشهد لصحتها ثبوت الحكم في موضع واحد على وِفْقها فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنها في موضع آخر، فإنّ إثبات الحكم على وِفْق المعنى إنْ دلّ على التفات الشرع إليه، فقطع الحكم أيضًا يدلّ على إعراض الشرع عنه.
وقول القائل: إنّي اتبعته إلّا في محل إعراض الشّرع بالنّص ليس (١) بأولى من قول خصمه أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إيّاه (٢) بالتنصيص على الحكم.
وعلى الجملة يجوز أنْ يصرح الشّرع بتخصيص العلّة واستثناء صورة عنها ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلّة أنْ يكون لفساد العلّة، وأنْ يكون لتخصيصها (٣) فإنْ كانت العلّة قطعيةً كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلّة وإن كانت مظنونة ولا مستند للظنّ إلّا إثباتُ الحكم على وفقها في موضع فينقطع هذا الظنّ بإعراض الشرع عن إثباتها في موضع وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة التبييت كان ذلك في محل الاجتهاد.
الوجه الثاني: لانتفاء حكم العلّة: أنْ ينتفي لا لخلل (٤) في نفس العلّة
стр. 2735
لكن يندفع الحكم عنه بمعارضةٍ علّةٍ أخرى دافعةٍ كما سيأتي تمثيله (١) في كلام المصنف في أنّ علة رقّ الولدِ مِلك الأمّ، وتخلف في ولد المغرور فهذا لا يَرِد نقضًا؛ لأنَّ الحكم هنا كأنّه حاصل تقديرًا.
الوجه الثالث: أن يكون النّقض مائلًا عن صوب جريان العلّة، ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلّة، لكن لعدم مصادفتها محلّها أو شرطها أو أهلها كقولنا: السرقة علّة القطع وقد وجد في حقّ النّباش فقيل: تبطل بسرقة الصبي، وسرقة ما دون النصاب، والسرقة من غير حرز، أو نقول والتبع علّة الملك وقد جرى فلا يثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: باطل ببيع المستولدة (٢)، والموقوف، والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت المجتهد إليه؛ لأنَّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره.
أمّا المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأنّ هذا منحرف عن مقصد النظر؟ وليس البحث عن المحل والشرط فيه اختلاف بين الجدليين. والخطب فيه يسير والجدل شريعة وضعها أهلها فإليهم (٣) وضعها (٤) كيف شاءوا. أو تكليف الاحتراز أجمع لنشر الكلام وذلك بأنْ يقول: بيعٌ صَدَرَ من أهله وصادَفَ محلَه، وجميع شروطه (٥) فيفيد المِلْكَ بأنْ