← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

مثال الأوّل: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليات تماثل الأجزاء، والشرع لما أوجب ذلك لم ينقض هذه العلّة، إذ عليها تعويلنا في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، فهذا الاستثناء لا يبين للمجتهد فساد هذه العلّة ولا ينبغي أنْ يكلف الناظر الاحتراز عنه، حتّى نقول في علّته تماثل الأجزاء في غير المصراة، فيقتضي إيجاب المثل، لأنَّ هذا تكليف قبيح (١). ومثال الثاني: مسألة العرايا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المصنف. وثانيهما: ما لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إمّا أنْ يرد على المنصوصة أو المظنونة، فإنْ ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلّا بأن ينعطف منه قيد على العلّة، ويتبين أنّ ما ذكر لم يكن تمام العلّة. مثاله: قولنا: خارج فينقض الطهر، أخذًا من قوله: الوضوء مما خرج، ثمّ بان بأنّه لم يتوضأ من الحجامة، فيعلم أنّ العلّة ليس مطلق كونه خارجًا بل خارج عن المخرج المعتاد فكان مما ذكر بعضَ العلّة، فإنْ لم يكن كذلك، فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل، أو يراد به التعليل، لكن لا لذلك الحكم المذكور، قال

стр. 2732

الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) وليس كلّ من شاقق الله ورسوله يخرِب بيته فتكون العلّة منقوضة (٣) ولا يمكن أنْ يقال: (٤) إنّه علّة في حقّهم خاصّة؛ لأنّ هذا يعدّ تهافتًا في الكلام، فإذن الحكم المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور، بل هو لازمه أو جزؤه الأعمّ وهو كونه عذابًا ولا شك أنّ كلّ من يشاقق الله ورسولَه فإنّه معذّب إمّا بخراب البيت أو غيره. وهذا وإن كان خلافَ الظاهر وتأويلًا للنّص، لكن يتعين المصير إليه رعايةً لعدم انتقاض الكلام، وإن ورد على العلّة المظنونة، وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة إنْ كانت العلّة مخيلة أو من طريق الشبه (٥) إن كانت شبهًا. فهذا يبين أنّ ما ذكر (٦) لم يكن تمام العلّة، وانعطف قيد على العلّة من مسألة النقض به يندفع النقض. أمّا إذا كانت العلّة مخيلة (٧)، ولم ينقدح جواب مناسب، وأمكن كون النّقض دليلًا على فساد العلّة، وكونه معرفًا اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية (٨) بفصلها عن غير مجراها فهذا

стр. 2733

الاحتراز عنه مهمٌّ في الجدل للمناظر لكنَّ المجتهدَ الناظرَ ماذا عليه أن يعتقد (١) في هذه العلّة الانتقاض والفساد والتخصيص؟ . هذا عندي في محل الاجتهاد، ويتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه. ومثاله: قولنا: إنّ صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة؛ لأنَّ النّية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النّهار واجب، وأنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع، فإنّه لا يصح إلا بنيّة، ولا يتجزأ على المذهب الصحيح، ولا مبالاة بمذهب من يقول: إنّه صائمٌ بعض النّهار فيحتمل أنْ ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع ويحتمل أنْ ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنى رخصةً؛ لتكثير النوافل فإنّ الشرع قد يسامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض فالمخيل (٢) الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلًا بين مجرى العلّة وموقفها. ويكون ذلك وصفًا شَبَهيًا اعتبر في استعمال المخيل، وتمييز مجراه عن موقفه ومن أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهيِّ، فأكثر العِلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا تنقدح في تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلّة، وهذا التردد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل فإنّ مقدمّات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق من قولنا: إنّ كلَّ (٣) الصوم واجب وإنّ النّية عزم لا تنعطف على

стр. 2734

الماضي وإنّ الصّوم لا يصحّ إلا بنيّة فإنْ كانت العلّة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنها تشهد لصحتها ثبوت الحكم في موضع واحد على وِفْقها فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنها في موضع آخر، فإنّ إثبات الحكم على وِفْق المعنى إنْ دلّ على التفات الشرع إليه، فقطع الحكم أيضًا يدلّ على إعراض الشرع عنه. وقول القائل: إنّي اتبعته إلّا في محل إعراض الشّرع بالنّص ليس (١) بأولى من قول خصمه أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إيّاه (٢) بالتنصيص على الحكم. وعلى الجملة يجوز أنْ يصرح الشّرع بتخصيص العلّة واستثناء صورة عنها ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلّة أنْ يكون لفساد العلّة، وأنْ يكون لتخصيصها (٣) فإنْ كانت العلّة قطعيةً كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلّة وإن كانت مظنونة ولا مستند للظنّ إلّا إثباتُ الحكم على وفقها في موضع فينقطع هذا الظنّ بإعراض الشرع عن إثباتها في موضع وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة التبييت كان ذلك في محل الاجتهاد. الوجه الثاني: لانتفاء حكم العلّة: أنْ ينتفي لا لخلل (٤) في نفس العلّة

стр. 2735

لكن يندفع الحكم عنه بمعارضةٍ علّةٍ أخرى دافعةٍ كما سيأتي تمثيله (١) في كلام المصنف في أنّ علة رقّ الولدِ مِلك الأمّ، وتخلف في ولد المغرور فهذا لا يَرِد نقضًا؛ لأنَّ الحكم هنا كأنّه حاصل تقديرًا. الوجه الثالث: أن يكون النّقض مائلًا عن صوب جريان العلّة، ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلّة، لكن لعدم مصادفتها محلّها أو شرطها أو أهلها كقولنا: السرقة علّة القطع وقد وجد في حقّ النّباش فقيل: تبطل بسرقة الصبي، وسرقة ما دون النصاب، والسرقة من غير حرز، أو نقول والتبع علّة الملك وقد جرى فلا يثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: باطل ببيع المستولدة (٢)، والموقوف، والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت المجتهد إليه؛ لأنَّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره. أمّا المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأنّ هذا منحرف عن مقصد النظر؟ وليس البحث عن المحل والشرط فيه اختلاف بين الجدليين. والخطب فيه يسير والجدل شريعة وضعها أهلها فإليهم (٣) وضعها (٤) كيف شاءوا. أو تكليف الاحتراز أجمع لنشر الكلام وذلك بأنْ يقول: بيعٌ صَدَرَ من أهله وصادَفَ محلَه، وجميع شروطه (٥) فيفيد المِلْكَ بأنْ

стр. 2736

سَرَقَ نصابًا كاملًا من حرز لا شبهة له فيه (١) اهـ. هذا تمام كلام الغزالي ﵁. وهو عندنا كلامٌ جيدٌ مرضيّ، فلذلك احتملنا طوله وأوردناه (٢) وفيما ذكرناه من تفاصيل المذاهب شفاء للعليل فلنلتفت إلى كلام صاحب الكتاب وقد علمت أنّ اختياره أنّ التخلف إن كان لمانع لا يقدح وإلا قدح سواء كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة. فإن قلت: كيف يتصور تخلف الحكم لا لوجود مانع، أو لفوات شرط في محل فيه وصف نصّ الشّارع قطعًا أو ظاهرًا على عليّته أو استنبط ذلك استنباطًا صحيحًا. قلت: هو لعمر الله بعيد الوجود، والمجوز لذلك إنما مستنده جواز تخصيص العلّة منصوصةً كانت أو مستنبطةً، والتّخصيص لا يكون بغير مخصص، ذلك المخصص إنْ كان حيث يوجد (٣) مانع أو يفوت (٤) شرط لم يكن صورة المسألة، وإنْ كان بدونهما (٥) أمكن وهو محتمل على بعد بأنْ يحصل نصّ على عدم الحكم في محل الوصف فيه موجود، وليس فيه معنى يدّعى أنَّه مانع أو عدمه شرط وهيهات أنْ يوجد ذلك.

стр. 2737

وإذا عرفت (١) هذا فقد استدل المصنف على ما اختاره بوجهين. أحدهما: قياس النّقض على التخصيص، حيث لا يقدح في حجية العام في الباقي على ما سبق في مكانه، والجامع الجمع بين الدليلين المتعارضين، فترتب الحكم على العلّة فيما عدا صورة وجود المانع، إذ الوصف بالنسبة إلى موارده كالعام بالنسبة إلى أفراده، والمانع المعارض للوصف كالمخصص المعارض للعام، وهذا الوجه يختص بأحد شقي المدعى، وهو أنّ التخلف إذا كان لمانع لا يقدح. والثاني: أنّ التّخلف إذا كان لمانع فظنّ عليّة الوصف باق، والعمل بالظنّ واجب بخلاف ما إذا لم يكن التخلف لمانع، فإنّ ظنّ العليّة ينتفي، وذلك لأنَّ انتفاء الحكم إذا لم يكن لمانع يتعين أنْ يكون لعدم المقتضى، فيكون التخلف لا لمانع قادحًا في العليّة. قال ﵀: (قيل: العلّة ما يستلزم الحكم، وقبل انتفاء المانع لم يستلزمه. قلنا: بل ما يغلب على ظنّه، وإن لم يخطر المانع وجودًا وعدمًا). هذه حجة من حجج القائلين بأنّ النّقض يقدح مطلقًا، وتقريرها أنّ العلّة ما تستلزم الحكم وقبل أنْ ينتفي المانع أي مع وجوده لا يستلزم الحكم، فلا تكون علّة وحينئذ يكون تخلف الحكم مع وجود المانع قادحًا

стр. 2738

في العليّة، وإذا كان كذلك كان التخلف لا لمانع قادحًا بطريق أولى. والجواب: أنّا لا نسلم كونَ العلّةِ ما تستلزم الحكم بل هي ما يغلب على الظنّ (١) وجود الحكم بمجرد النظر إليه، وإنْ لم يخطر وجود المانع أو عدمه بالبال. وهذا الجواب يستدعي تحديد (٢) العهد بالكلام في العلّة وقد بنى المصنف كلامه على المختار من أنّ العلّة المعرِّفُ. ولقائل أنْ يقول: إن قلنا: إنّ (٣) العلّة مؤثرةٌ أو باعثةٌ فلا ريب في أنّها تستلزم، وإنْ قلنا: إنّها معرِّفَة فقد (٤) نصبت أمارة فتعريفها للحكم موجب ظنّ حصوله فصار مستلزمًا لحصول الظنّ، والعمل بالظنّ واجبٌ، فهي مستلزمة على الأقوال جميعها، وإن اختلفت جهة الاستلزام وحكمها. وقال أبو الحسين في المعتمد: إنّ أقوى ما يحتج به هؤلاء أنْ يقال: تخصيص العلّة مما يمنع كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواءً ظنّ كونها جهة المصلحة أو لا يظنّ ذلك لكن ذلك باطل؛ لأنّ العلّة فائدتها كونها (٥) توجب العلم أو الظنّ، لثبوت الحكم في الفرع وإلا ففي

стр. 2739

الأصل لا حاجة إليها؛ لثبوت الحكم فيه بالنّص، وإذا لم يحصل هذا بطل كونه علّة. وبيانُ أنَّه يمنع كونها أمارة على الحكم أنّا إذا علمنا أنّ علّة حرمة التفاضل في بيع الذهب بالذهب هي كونه موزونًا، ثمّ علمنا إباحةَ بيع الرصاص بالرصاص متفاضلًا (١) مثلًا مع أنه موزون فلا يخلو إمّا أن يعلم ذلك بعلّة أخرى يقتضي إباحته أو بنّص، فإنْ علِمنا إباحتَه بعلّة أخرى (٢) يقاس بها الرصاص على أصل ثبت فيه ذلك الحكم لكونه أبيضَ مثلًا فإنّا إذا علمنا في شيء أنَّه موزون وشككنا في كونه أبيضَ مثلًا لم يعلم قبح بيعه متفاضلًا ما لم يعلم أنَّه ليس بأبيض كما لو شككنا في كونه (٣) موزونًا فظهر أنَّه لا يعلم بعد التخصيص تحريم بيع شيء متفاضلًا لكونه موزونًا فقط، فبطل أنْ يكون كونه موزونًا وحده علّة بل كونه موزونًا مع كونه غير أبيض (٤). وإن علمنا إباحته بالنّص، فالكلام فيه كما في القسم الأول. وأجيب: عن هذا الوجه بأنا نسلم أنَّه مهما انتفى الحكم عن العلّة في بعض الصور لمعارض (٥) فما لم يعلم أو يظن انتفاء ذلك المعارض في غيره

стр. 2740

من الصور لا يمكننا إثبات ذلك الحكم فيه، لكن لم قلتم أنَّه يلزم منه أنْ يكون إثبات ذلك الحكم فيه داخلا في ذات العلّة؟ بل جاز أنْ يكون شرطًا. واحتج القائلون: بأنّ النّقض لا يقدح مطلقًا بأوجه: منها: ما روي عن ابن مسعود أنَّه كان يقول: "هذا حكم معدول به عن سنن القياس" (١) وعن ابن عباس ﵄ مثله (٢) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير فصار إجماعًا. وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنَّه لا دلالة لقول ابن مسعود وابن عباس ﵃ على أنّ القياس الذي ثبت الحكم على خلافه أنَّه (٣) حجّة، فالإجماع على ذلك لا يكون مفيدًا. والثاني: سلمنا أنَّه حجة، لكن يمكن حمل ذلك على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق الاستثناء، ويجب الحمل عليه جمعًا بين الأدلة. واعترض صفي الدين الهندي على الأول بعد أن ذكر أنَّه إشكال قوي، بأنّ إطلاق القياس عليه يشعر إشعارًا ظاهرًا لكونه (٤) حجة وتسميته

стр. 2741

بذلك اعتبارًا بما (١) كان قبل ذلك الحكم المعدول به مجازًا على خلاف الأصل والقياس الذي لا يعمل به من المنسوخ والفاسد لا نسلم أنَّه يسمى قياسًا إذ ذاك (٢) على الإطلاق في العرف وإنْ سمي به مقيدًا (٣). ومنها: أنّ العلّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع فوجودها في موضع من غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، إذ ليس من شرط الأمارة أنْ يصحبها الحكم ولا يتخلف عنها أصلًا، وإلا لكان دليلًا قاطعًا لا أمارةً، ولهذا، إنّ جميع الأمارات الشرعية موجودة قبل ورود الشرع وإنْ لم تكن الأحكام ملازمة لها والغيمُ الرطب أمارة على وجود المطر وإن تخلف عنه المطر آونة. وخبر الواحد العدل (٤) علامةٌ على وجود الحكم (٥) وإن تخلف عند وجود القاطع. وجوابه: أنا لا نسلم أنّ تخلف الحكم عن الأمارة لا يقدح في كونها أمارة. قوله: لو صحبها الحكم في كل الصور لم تكن أمارة بل قاطعًا. قلنا: ممنوع وهذا؛ لأنَّ القاطع هو الذي لا يجوز أنْ ينفك الحكم عنه ولو لمانع، لا أنَّه الذي لا ينفك الحكم عنه. فإنّ الدليل الظني قد لا ينفك

стр. 2742

الحكم عنه (١) وإن كان يجوز انفكاكه لمانع. وما ذكروه من الأمثلة فنحن نمنع كونه لا يقدح في غلبة الظنّ في كونه أمارة وإنما لا يقدح ذلك إذا غلب على ظنّه حصول ما يلازم انتفاء الحكم في صورة التخلف، فأمّا إذا لم يحصل ذلك، فلا نسلم أنه لا يقدح ذلك فيه ثمّ الذي يؤيد ما ذكرناه من الاحتمال أنّ الدليل الدال على كون الأمارة أمارة للحكم الفلاني إنْ اعتبر في كونها أمارة صورًا مخصوصةً وصفةً مخصوصةً وهيئةً مخصوصةً فلا يكون تخلف الحكم في غير تلك الصور وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ لأنَّ تلك الخصوصيات معتبرة في ماهية الأمارة حينئذ وإن لم يعتبر ذلك بل دلّ على كونها أمارة في سائر الصور كيف حصلت فيمتنع التخلف وإلا (٢) يلزم الترك لمقتضى دليل الأمارة وهو باطل. واحتج القائلون بأن النقض يقدح في المستنبطة دون المنصوصة بأنّ دليل العلّة المستنبطة اقتران الحكم بها في بعض الصور فكما أنّ اقتران الحكم بالوصف في بعض الصور يدل على العلية، فعدم الاقتران به في بعض الصور يدلّ على عدم العلية فتعارضا وتساقطا، بخلاف العلّة المنصوصة فإنّ دليل عليتها النّص، فكما أنّ تخلف حكم النّص عنه في بعض الصّور لمعارض لا يوجب إبطال العمل به فيما عداها (٣) فكذلك العلّة

стр. 2743

المنصوصة التي في معناه. وأجيب: عنه بأنَّه ليس دليل علية المستنبطة مجردُ الاقتران بل شهادةُ المناسبة أو غيرها من الطرق المذكورة، والتخلفُ لمانع أو فواتُ شرط لا يدلّ على عدم العليّة لما سبق فلا يعارض دليل العليّة كما في المنصوصة. قال: (والوارد استثناء لا يقدح كمسألة العرايا؛ لأنَّ الإجماع أدلّ من النقض). ما تقدم في كلام المصنف هو فيما إذا لم تكن صورة النقض واردة على سبيل الاستثناء، أمّا إذا كانت واردةً على سبيل الاستثناء فإنّه لا يقدح على المختار خلافًا لبعض المانعين من جواز تخصيص العلّة سواءً كانت العلّة معلومةً كمسألة الصاع في المصراة (١) أو مظنونةً وهي (٢) كمسألة العرايا،

стр. 2744

وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر والعنب في الكرم بالزبيب، فإنّها واردة نقضًا على تحريم الربا؛ لأنَّ العلّة في تحريمه إمّا الطعم أو الكيل أو القوت أو المال وكلّ منها (١) موجود في العرايا وإنما لا يقدح ذلك (٢) في العلّة؛ لأنه إنما يعلم كونه وَرَدَ على سبيل الاستثناء إذا كان النّقضُ لازمًا على جميع المذاهب كما ذكرنا في مسألة العرايا؛ وحينئذ يكون معارضًا للإجماع فإنّه منعقد على أنّ علّة الربا أحد الأمور الأربعة، والإجماع أقوى في الدلالة منه فيقدّم عليه، ويعمل بمقتضاه. واعلم أنّ الإمام مَثَّل للوارد على سبيل الاستثناء في المظنونة بمسألة العرايا، وفي المعلومة بضرب الدية على العاقلة، فإنّها لا تنقض علمنا بأنّ من لم يقدم على الجناية لم يؤاخذ بضمانها (٣). وقد سبق الإمام بهذا المثال إمامُ الحرمين وغيره واعترض على التمثيل (٤) به بأنّه عكس (٥) النّقض؛ لأنَّه أبدَى الحكم بدون العلّة، وذلك أنّ الجناية سبب لوجوب الضمان وهنا وجب بدون الجناية، وهو اعتراض غير منقدح؛ لأنَّ تقرير التمثيل بذلك أنْ يقال: الجناية سببُ الضمان، وقد تخلف الحكم في القاتل خطأَ أو عمدَ خطأ مع وجود العلّة وإنْ قرر على الوجه المذكور كان بمعنى (٦) أنْ يقول: عدم الجناية سبب لعدم الضمان.

стр. 2745

وقد وجد هذا السبب في العاقلة مع تخلف عدم الضمان (١). والمصنف اقتصر على التمثيل بمسألة العرايا؛ لأنها واردة نقضًا على علّة مظنونة، فإذا لم يقدح فيها لم يقدح في المعلومة بطريق الأولى. وفي التمثيل بمسألة العرايا دقيقة أخرى وهي الإشارة إلى أنّ ما ورد مستثنى جاز أنْ يكون معقولَ المعنى كمسألة العرايا، فإنّها استثنيت رخصةً وتسهيلًا على المعسرين، ولذلك يختص بها الفقراء على أحد القولين (٢). وهذا ما عليه الجمهور؛ وأعني أنّ المستثنى يجوز أنْ يعقل له معنى وألا يعقل. وادعى إمام الحرمين أنّ الصورة المستثناة لا تكون معقولة المعنى وأنَّ ما يعقل معناه لا يستثنى، ثمّ أورد تحمل العاقلة ومسألة المصراة فقال إذا أردنا إجراء علّة (٣) في تخصيص الغرامة بمختص بسببها ومقتضاها طردناها غير مكترثين بتحمل العاقلة على قطع، وتحملهم لا يعترض على ما تمهد من المعنى، ولو ظنّ ظانّ أنَّه ينقدح في تحمل العاقلة معنى يصحّ على السبر

стр. 2746

مأخوذًا من المعاونة فهذا غير سديد، فإنّ ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو أعمّ وجودًا وأغلب وقوعًا من القتل الواقع خطأ أو على شبه (١) العمد، ثمّ الإعانة إنما تجري في الشريعة إذا كان المعان معسرًا وعلى هذا انتظمت أبواب النفقات والكفارات والقاتل خطأ يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس بمثل هذه التخيلات اعتبار. وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في (٢) المثليات التي تتشابه أجزاؤها فيلزمنا عليه إيجاب رسول الله ﷺ صاعًا من التّمر في مقابلة لبن المصراة لم يحتفل بمثل هذا الإلزام، ولا تعويل على قول المتكلفين (٣) إذ زعموا أنّ اللبن المحتلب في أيام احتيار الغزارة والبكاءة يقع مجهول القدر فرأي الشارع فيما يقلّ ويكثر إثبات مقدر من جنس درءًا للنزاع. فإنّ هذا لا جريان له أصلًا ويلزم طرد مثله في كلّ مثلي جهل مقداره وليس لبن المصراة مما يعمّ ويغلب الابتلاء بالحكم به. فإنّ أمثال هذه المعاني البعيدة إنما تثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على أنَّها لو كانت كذلك أيضًا كانت من المعاني الكليّة التي لا تتخلص في مسالك العرض على السبر ثم تعيين جنس التّمر كيف يهتدي إلى تعليله. وإنما المطلوب فيما فرضناه الكلام في الجنس المعدول إليه لا في

стр. 2747

المقدار فإنّ ما ذكروه من دوام النزاع يقدَّر (١) انقطاعه بذكر مقدار من النقدين وهما أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الثمن (٢). انتهى. وإمام الحرمين أجلّ من أنْ يصادم كلامه بكلمات أمثالنا ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة مسألة العاقلة معقولة المعنى واتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الشرع يرشد إلى ذلك؛ لأنَّ التعبدي لا تهتدي إليه العقول وإنما يُتلقى من الشرع. فإن قلت: وما ذلك المعنى؟ . قلت: المعاونة على حمل الجناية. قولكم: ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال. قلنا: أولًا: هذا نقض، والكلام في أنّ النقض يقدح. وثانيًا: أنّ الأموال غالبًا لا تتلف ما يشقّ (٣) مؤنة، وإنّما يكون ذلك في أمور (٤) يسيرة، وأمّا إتلاف النّفوس، فالأمر فيها مشقّ وإذا ثبت التحمل (٥) في موضع يعظم العزم فيه لم يلزم إثباته في موضع لا يعظم فيه ولا يشقّ.

стр. 2748

وأيضًا: فوقوع إتلاف النّفوس لا يكثر بخلاف الأموال، فلم يلزم من تحمل ما يقع نادرًا تحمل ما يغلب وقوعه. وأيضًا: فقد كانت العرب تتناضل أبطالها، وتتجاول فرسانها، وبهم إلى ذلك حاجة ويقع القتل الخطأ عند الطراد، فرجعت الفائدة إلى العاقلة فناسب توزيع الغرم الذي لا يشقّ عليهم. قولكم: وهو أعمّ وجودًا وأغلب وقوعًا من قتل الخطأ وشبه العمد. قلنا: لعل ذلك هو السبب في عدم التحمل فيه كما بيناه؛ فإنّ الشيء إذا كان وقوعه نادرًا تناسبت فيه المعاونة. قوله: الإعانة إنما تكون إذا كان المعان معسرًا. قلنا: الإعانة من حيث هي مطلوبة محبوبة، والصدقة على الأغنياء عندنا (١) جائزة ولكن الإعانة حالة الإعسار آكد وربما شبه إعانةَ الأقارب بتحمل الدية عنهم بإعانة الأجانب الذين غرموا لإصلاح ذات (٢) البين بصرف سهم من الزكاة إليهم. وأما مسألة المصرّاة فمعقولة المعنى أيضًا من جهة ما ذكره إمام الحرمين. وقوله: يلزم طرد مثله في كلّ مثلي جهل مقداره إلى قوله كيف يهتدى إلى تعيين جنس التمر.

стр. 2749

قلنا: قد رجع الشرع إلى البدل من غير مثل ولا يقوم في أماكن منها الحرّ يضمن بمائة من الإبل. ومنها: الجنين يضمن بالغرّة (١) ويستوي فيه الذكر والأنثى. ومنها: المقدرات الشرعية في الشجاج (٢) كالموضحة (٣) مع اختلافها في الصغر (٤) والكبر. ومنها: جزاء الصيد فليس من شرط الضمان أنْ يكون بالمثل أو القيمة من النقدين ولا من شرط المثل أنْ يضمن بالمثل والعدول في الأمور التي لا تنضبط إلى شيء مقدر لا يختلف من محاسن الشريعة قطعًا للتشاجر والتخاصم. والتمر كان أغلب أقواتهم كما أنّ الإبل غالب

стр. 2750

أموالهم، وقد انتهى ما تخيلناه وأوردناه إيراد المستشكل وعند الإنصاف لا يخفى التعسف والتكلف فيما أوردناه ولكنّا نطرق سبيلا للبحث يسلكه الفطن غير ناظرين إلى الجزم بصحته. وقد تعرض ابن الأبياري شارح البرهان لما أوردناه في مسألة العاقلة (١). والذي نقوله أخيرًا: إنّ الظاهر أنّ الحقّ في جانب إمام الحرمين ولو عقل في العاقلة معنى المعاونة لعدى إلى الجيران ولكان أبعاض الجاني من آبائه وبنيه أولى من بقية العصبات في تحملها مع كونهم لا يتحملونها، وأما تشبيه تحمل الأقارب الدّية بإعانة الأجانب للغارمين، فأين أحدهما من الآخر؟ . والغارمون قد ثبت في ذمتهم وناسب قضاء دينهم في ذلك. أمّا (٢) القاتل خطأً أو عمدَ خطأ فلم يشغل الشارع ذمته بشيء، فلا ريب في أنّ هذا حكم تعبدي نتلقاه على الرأس والعين وكذلك القول في مسألة المصرّاة. ثم ألحق إمام الحرمين بتحمل العاقلة الكتابة الفاسدة حيث نزّلها منزلة الكتابة الصحيحة. وإذا قلنا في البيع الفاسد: الملك لا ينتقل (٣) بدون سبب شرعي، والفاسد حائد عن سبيل الصحّة غير واقع الموقع المطلوب في الشريعة فلا وقع له في مقصود العقد الصحيح لم يمكن للخصم نقض

стр. 2751

ذلك بالكتابة الفاسدة، لكونها مستثناة شاذة عن القاعدة كتحمل العاقلة وَرَأَى ذو البصائر ألا يحكموا بالشّاذ على الكليِّ، ولكن يتركون (١) الشّاذ على شذوذه يعتقدونه كالخارج عن المنهاج (٢). ولقائل: أنْ يقول: إذا كانت الكتابة مستثناة والمستثنى عندك تعبديّ خارج عن القياس فلم قست الفاسد منها على الصحيح؟ ولا محيص عن هذا إلا أنْ يحصل (٣) نص أو ينعقد إجماع على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة، فتصير مستثناة بذلك وإلا فللحنفي أنْ يقول: وقع الاتفاق على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة، فكذلك فاسد البيع يلحق بصحيحه. فإن قلت: هذا مستثنى. قلت: أين دليله الذي خرج به (٤)؟ ثمّ نحرر عبارةً فنقول: ما اتسعت طرقه كان الفاسد أحد طرقه. الدليل عليه العتق، وبيان هذا في الفرع أنّ الملك يحصل بأسباب: البيع والهبة والإرث والاغتنام والاحتطاب والاحتشاش والالتقاط والمعدن، وفي الأصل العتق يحصل بأسباب مباشرة وتسببًا وفي الثمن وبالاستيلاد والتدبير والكتابة فلما استويا في اتساع الطرق جاز أنْ يكون الفاسد أحد الطرق وتأثير

стр. 2752

هذا الكلام أنّ الطرق إذا اتسعت في تحصيله فقد دخله نوع من المسامحة والمساهلة فجاز أنْ يكون الفاسد من طرقه. ولا يقال: الكتابة حصل العتق فيها بالتعليق دون المعاوضة؛ لأنّا نقول: لو كان كذلك وجب اشتراط التّنصيص على التعليق ولا يجب التّنصيص عليه. وتقول: فإن أدّيت إليّ فأنت حرّ. وأيضًا فإنّه مستحق فسخ هذه الكتابة ولو كان التعليق هو الذي يحصل به العتق لما قبل الفسخ كسائر التعاليق. وأيضًا فإكسابه وأولاده تتبعه في العتق ولو عتق بالتعليق لم يكن ذلك. وأيضًا فلو كاتبه على خمر وأداه وجب عليه قيمة نفسه ولو عتق بالتعليق لما وجب عليه قيمة نفسه فما هذا الرجوع بالقيمة إلا حكم المعاوضة. وقد تناهينا في الاحتجاج للخصم ولسنا ممن يغادر هذه الكلمات سالمة عن الإبطال وإن طال بها الفصل وخرج عن المقصود من الشرح. فنقول: قد أجاب أصحابنا عن قياسهم البيع الفاسد على الكتابة الفاسدة بطرق (١) ونحن نزيف منها ما لا نرتضيه حتّى لا نتجاوز حدّ الإنصاف. أحدها: قولهم البدل في الكتابة غير مقصود لتمكن السيد من أخذ اكتساب العبد دون الكتابة ولما كان كذلك لم ينظر إلى فساده وصحته وهذا غير مرضي فإن العبد قد لا يكون كسوبًا ويكاتبه السيد طمعًا فيما لعله يصل إليه من سهم الرقاب.

стр. 2753

وأيضًا كان ينبغي ألا يفسد العقد كما إذا تزوجها على صداق فاسد فإنّه لما كان البدل غير مقصود في النكاح لم يؤثر في فساده فتأثيره في الكتابة يدل على أنَّه مقصود. وثانيها: قولهم العتق في الكتابة مضاف إلى التعليق، فإنّ الكتابة الصحيحة اشتملت على تعليق ومعاوضة، ولا بد فيها من ذكر التعليق فنقول: كاتبتك على ألف فإن أدّيت فأنت حرّ وفي الفاسدة لا بد من التّعليق، والتّعليق لا فساد فيه، وعلى هذا تمنع المسائل كلّها التي لزمت من أحكام المعاوضات كقبول الفسخ ولزوم القيمة له واستتباع الإكساب والأولاد. وهذا الجواب أمثل من الأوّل إلّا أنّ لقائل أنْ يقول: العتق مضاف إلى المعاوضة لا إلى التعليق. قولكم: يشترط أنْ ينص على التعليق. قلنا: لا نسلم بل لو (١) نواه بقوله: كاتبتك على كذا صحت الكتابة أيضًا. وهذا واضح وأبلغ منه قول مخرّج من التدبير أنّ لفظ الكتابة صريح مغن عن التصريح بالتعليق ونيته. ونظيره قول أبي إسحاق إن كان الرجل فقيهًا صحت الكتابة وإلا فلا بد من التعليق أو نيته (٢)، ثمّ كيف يشترط التنصيص على التعليق والعتق عند الأداء يحصل لا محالة بعقد المعاوضة وتسليم العوض يقتضي تسليم ما يقابله فلا يحتاج أن يشترطه (٣)

стр. 2754

في العقد ويصير بمثابة البيع لما (١) اقتضى بنفسه الملك لم يحتج إلى أنْ يقول بعتك على أنْ تتسلم أو تتملك (٢). وأما المسائل فلا منع فيها وإنما منع أصحابنا استتباع الكسب والولد فحسب وأمّا الفسخ فغير ممتنع وقيمة نفسه واجبة وذلك من أحكام العوض دون التعليق. وثالثها: قول بعضهم الكتابة في الأصل خارجة عن القياس فألحقنا فاسدها بصحيحها؛ لأنَّ ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه بخلاف البيع وهذا عندنا كلام (٣) رديء فإنّ إلحاق فاسدها بصحيحها عين القياس ثمّ إنّها وإن عدل بها عن القياس إلا أنَّه بعد ورود الشرع بها وصفت بالصّحة فينبغي وصف فاسدها بالفساد، وإذا ثبت فسادها والفساد عند الشافعي مرادف للباطل وجب إلغاؤها وأن لا يكون لها حكم. ألا ترى أنّ السلم والإجارة ثبتا على خلاف القياس لورودهما على معدوم ثمّ لما ثبت الصحيح منهما ونُعِتَ بالصّحة يؤدي على الفاسد بالفساد حتّى لا يثبت لفاسد كلّ منهما ما لصحيحه. والحق عندنا في الجواب رأي رابع فنقول: الكتابة عقد إرفاق لا يقصد بها غير العتق وأن يخلص العبد من الرّق فألفينا معنى الفساد ولم ننظر

стр. 2755

إليه وعمدنا إلى العتق الذي هو المقصود، ورأينا الشارع متشوفًا إلى تحصيله ما أمكن ولهذا يكمل مبعضه ويجعل بعض الملك كجميعه وبعض اللفظ كجميعه ويعتق القريب على قريبه وننزله في أبواب الكفارات في أوّل الدرجات ونضرب صفحًا عن إيجاب الصوم على ذي الميسرة العظمى وإن كان الصوم أشقّ عليه وما ذلك إلا تشوف إلى تحصيل العتق كيف قدر الأمر ولهذا إذا أدّى الأمر إلى العتق وعَتَقَ بعد هذا لا ينقض ولا يرفض وفي البيع الفاسد إذا تأدّى الأمر إلى الملك بالقبض يجب نقضه عندهم ورفضه واسترجاعه كل ذلك تغليبًا لتحصيل العتق. فإن قلت: فما دعاك إلى أن تُتْبِعه ولده؟ . قلت: في ثبوت الكتابة لولد المكاتبة من زنى أو نكاح أجنبي قولان فإن قلنا لا يثبت اندفع السؤال وإن قلنا بالصحيح وهو أنَّه يثبت فنقول: نحن إذا ألغينا معنى المعاوضة الفاسدة ولم ننظر إليها طلبًا لتحصيل العتق صححنا ما هو تابع طلبًا لتكثير العتق (١) ولهذا كان هذا (٢) القول الصحيح هو الأحبُّ إلى الشافعي ﵁ وإنما أحبه (٣) للزومه تكثير العتق وقطع به أبو إسحاق ﵀ وقال إذا اختاره الشافعي كان الآخر ساقطًا (٤).

стр. 2756

فرعان: أحدهما: في وجوب الاحتراز عن النقض مذاهب ثالثها يجب في المستثنى دون غيره. الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ مسألة النقض من القطعيات، قال القاضي: وليس الأمر كذلك عندي بل هي من المجتهدات وكلّ مأمور بما (١) غلب على ظنّه (٢). قال: (وجوابه منع العلّة لعدم قيد) هذه الجملة معقودة لبيان دفع النّقض وجوابه. قال صاحب الكتاب: وهو يتأتى بأحد أمور ثلاثة:

стр. 2757

- الأول: منع وجود العلّة في محل النقض وفيه بحثان: أحدهما: أنّ ذلك لا يكون معاندةً وضدًّا (١) بالمكابرة بل يكون بناءً على وجود قيد مناسب أو مؤثر في العلّة، وهو غير حاصلٍ في صفة النقض ولم يتعرض المصنف للكلام في تقسيم القيد. فنقول: لا يخلو ذلك القيد إمّا أنْ يكون جليًا أو خفيًا. الأول الجلي وله أمثلة: - منها: أن نقول في نصرة القول الصحيح: هذا الحُلِيُّ مالٌ معدّ لاستعمال مباح فلا تجب فيه زكاة (٢) كثياب البذلة (٣) وعبيد الخدمة (٤) فإنْ نُقض بالمعدّ لاستعمال مُحَرَّمٍ أو مكروه فدفعه واضحٌ؛ لأنَّه غيرُ معدٍّ لاستعمال مباح. - ومنها قولنا: طهارة عن حدث فيشترط فيها النّية كالتّيمم، فإن نقض بالطهارة عن النجاسة قلنا: ليس الحدث النجاسة. - ومنها قولنا: من لم ينو في رمضان ليلًا تعرَّى أوّل صومه عن النّية فلا يصحّ فإنْ نقض بالتطوع قلنا: العلّة عَرْي أوَّل الصوم الواجب لا مطلق الصوم.

стр. 2758

- ومنها قولنا في المتولد من (١) الظباء والغنم: حيوان متولد بين ما لا يجب فيه الزكاة بحال وما يجب فيه، فلا يجب. كما إذا كانت الأمهات ظباءً، فإن نقض بالمتولدة بين السائمة والمعلوفة قلنا: المعلوفة تجب فيها الزكاة في بعض الأحوال. - ومنها أنْ نقول في نصرة المذهب الصحيح: النّباش آخذٌ لنصاب تامٍّ خفيةً من حرزِ مثلِه عدوانًا فيكون سارقًا يجب قطعه فإن نقض بما إذا سرق الكفن من قبر في مفازة (٢) (٣) حيث لا يجب القطع على أصحّ الوجهين (٤). قلنا: ليس ذلك في حرز مثلِه. والثاني الخفي: فإمّا أنْ يكون معناه: واحدًا أو متعددًا إمّا بطريق المتواطئ أو المشكك أو الاشتراك فهذه أقسام أربعة: أولها: أنْ يكون معناه واحدًا: وذكر من أمثلته قولنا: السلم (٥) عقد معاوضة فلا يشترط فيه الأجل

стр. 2759

كالبيع (١) فإن نقض بالكتابة قلنا: ليست عقد معاوضة (٢) إذ هي بيع مال الإنسان بمال نفسه وذلك لا يجوز بل هي عقد إرفاق (٣) ولذلك لا يحيل مقصودها لفساد العوض. وفي هذا المثال نظر، والحقّ أنّ الكتابة معاوضة ضمنت تعليق عتق وقيل: تعليق عتق بصفة ضمنت معاوضة معدولة عن القياس بل الجواب عن هذا النقض أنْ نقول الكتابة وردت مستثناة فلا ترد نقضًا لما تقدم. - ومنها قولنا في قصر الصلاة: رخصة شرعت للتخفيف فلا يتحتم الأخذ بها كالإفطار في الصّوم فإن نقض بأكل الميتة حال

стр. 2760

الاضطرار حيث يجب على أصح الوجهين (١). قلنا: لا نسلم أنّه حينئذ شرع للتخفيف بل للضرورة وقيام البينة. وثانيها: أنْ يتعدد معناه بطريق التواطؤ. ومن أمثلته قولنا: الصوم عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيين النية كالصلاة فإن نقض بالحج لأنه يتكرر على الأشخاص. قلنا: المراد من التكرار التكرار بحسب الأزمان والأشخاص أو بحسب الأزمان وما ذكرتم من النقض ليس كذلك بل هو متكرر بحسب الأشخاص فقط. - ومنها قولنا: يحج عن الميت المستطيع وإن لم يوص؛ لأنّه حق لازم عليه، فيقضى عنه سواءً أوصى به (٢) أم لم يوص كالدّين فإن نقض بالصلاة والصوم. قلنا: بعد تسليم الحكم وعدم الفرق الإجمالي الحقّ اللازم مقول على الحقّ المالي وعلى غيره بالتواطؤ والأوّل هو المقصود هنا دون الثاني الذي (٣) هو المراد من النّقض. وثالثها: أن يتعدد معناه بطريق التشكيك (٤) كقولنا: في المتولد بين

стр. 2761

الظباء والغنم حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه وما فيه زكاة فلا تجب فيه (١) الزكاة قياسًا على ما إذا كانت الأمهات ظباءً فإنّ الخصم وافق في هذه الحالة فإنْ نقض بالمتولد بين السائمة والمعلوفة من البقر أو الغنم. قلنا: ما لا يجب فيه الزكاة مقول بالتشكيك على ما يجب فيه مجال كالظباء وعلى ما يجب فيه من حيث الجملة كالمعلوفة، فإنّه يجب فيها الزكاة إذا صارت سائمة وكذا إذا علفت قدرًا تعيش الماشية بدونه كاليومين مثلا، فإنّها معلوفة ولا زكاة فيها والحالة هذه على أصح الأوجه (٢) وكذا إذا لم يقصد العلف على أحد الوجهين (٣) وقد تقدم ذكر هذه المسألة مثالًا للقيد الجلي ولكن على غير هذا الوجه فإنّها ثَمَّ مقيّدة بقولنا لا يجب فيها (٤) الزكاة بحال. وقد قال بعض الأصوليين: إنّ النّقض يندفع أيضًا بتفسير اللفظ وذكر هذا المثال وقال إذا صارت من سائمة وجبت زكاتها ويكون اللفظ (٥) غير متناول لها عرفًا أو شرعًا (٦).

стр. 2762

وذكر إمام الحرمين في التلخيص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر هذا المثال ثم قال: وهذا الضرب مقبول ولا تظنّنّ أنّ النّقض يندفع بالتفسير؛ ولكنّه يندفع بقضية اللفظ لاقتضاء عموم اللفظ النفي، والتفسير إيضاح له، وكلّ تفسير لا ينبني عليه قضية اللفظ في إطلاقه فلا معوّل عليه في دفع النّقض مثل أنْ يقول القائل: مطعوم فلا يباع بعضه ببعض متفاضلًا فإذا نقض عليه اعتلاله بالبر مع الشعير فلا يجديه في دفع النّقض أنْ يقول اسم المطعوم ينطلق على ما يتّحد جنسه وعلى ما يختلف جنسه فإذا خصّصه وفسره بجهة من جهات احتماله وهي ما إذا اتحد الجنس فلا يقبل ذلك منه إذ ظاهر لفظه لا ينبني عن هذا التفسير (١). وأطال القاضي في هذا الفصل وما ذكره حق متقبل. وحاصله أنّ التفسير إذا كان لا ينبئ (٢) عنه اللفظ لم يقبل وإلا قبل ويكون حينئذ راجعًا إلى هذه الأقسام التي نحن في ذكرها. ورابعها: أنْ يتعدد بطريق الاشتراك كقولنا: جمع الطلاق في القرء الواحد فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها ثلاثًا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين فإن نقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض فإنّه جمع الطلاق في الطهر

стр. 2763

الواحد مع أنّ الطلاق بدعي (١) وفاقًا. قلنا: المراد من القرء هنا الطهر. قال: (وليس للمعترض الدليل على وجوده؛ لأنَّه نقل ولو قال ما دللت على وجوده هنا دلّ عليه ثمة فهو نقل إلى نقض الدليل). البحث الثاني: في أنّ المستدل إذا منع حصول وجود العلّة في صورة النقض فهل للمعترض إقامة الدلالة عليه؟ فيه مذاهب: أحدها: وبه قال الأكثرون، وجزم به الإمام (٢) والمصنف أنَّه (٣) لا يُمَكَّن من ذلك؛ لأنّه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى؛ لأن وجود العلّة في صورة النّقض مسألة تغاير المسألة التي أقام المستدل عليها الدليل، وأيضًا فإنّ فيه قلب القاعدة، فإنّ المعترض يصير مستدلًا والمستدل معترضًا. والثاني: أنَّه يمكّن من ذلك (٤)؛ لأنَّ فيه تحقيق النّقض فكان من متمماته. والثالث: قاله الآمدي إنّه إنْ تعين ذلك طريقًا للمعترض في هدم كلام المستدل وجب قبوله (٥) منه تخفيفًا لفائدة المناظرة، وإن أمكنه القدح بطريق

стр. 2764

آخر هو أفضى إلى المقصود، فلا (١). وهذا التفصيل عندي داخل في مجاري التحقيق. والرابع: يمكّن المعترض ما لم يكن حكمًا شرعيًا كذا حكاه ابن الحاجب، وقال قطب الدّين الشيرازي: ما وجدته في شيء من الكتب ولعل تقريره أنْ يقال يمكّن المعترض في الحكم العقلي؛ لأنَّه يقدح فيه فيحصل فائدة، ولا يمكّن في الحكم الشرعي إذ (٢) التمكين فيه انتقال من الاعتراض إلى الاستدلال ولا ينفعه؛ لأنَّه بعد بيان المعترض وجود العلّة في صورة النقض يقول المستدل: يجوز أنْ يكون تخلف الحكم (٣) لوجود مانع أو فوات شرط فيجب الحمل عليه جمعًا بين الدليلين دليل العلّة ودليل التخلف، فلا تبطل العلّة بخلاف الحكم العقلي فإنّه لا يتمشَّى ذلك فيه. قال قطب الدّين: ويحتمل أنْ يكون المراد ما لم يكن الوصف المدعى علّة حكمًا شرعيًا فإنّه إن مُكِّن (٤) من إثباته لزم قلبُ القاعدة لصيرورة المعترض مستدلًا لإثباته الحكم الشرعي بخلاف ما لو لم يكن الوصف حكمًا شرعيًا فإنّه لا يلزم ذلك قال وهذا الاحتمال أظهر (٥).

стр. 2765

قلت: وقد حكى صفي الدّين الهندي هذا المذهب وفرّق بين الحكم الشرعي وغيره بأنّ الحكم الشرعي ينتشر الكلام فيه جدًّا بخلاف غيره، فإنّ الأمر فيه (١) قريب (٢). قوله: فلو قال: أي: فلو (٣) قال المعترض: ما ذكرت من الدلالة (٤) على وجود العلّة في الفرع فهو بعينه دالّ على وجود العلّة في محل النّقض فهو نقل أي انتقال من نقض (٥) العلّة إلى نقض الدليل (٦) أي دليل وجود العلّة في الفرع ولم يتعرض المصنف بعد قوله إنّ هذا نقل إلى أنَّه هل يكون مسموعًا (٧) أو لا؟ ولك أن تقول: قوله: "أنَّه نقل" إشارة إلى أنَّه لا يكون مسموعًا؛ لأنّه قدّم أولًا أنَّه ليس للمعترض الدليل على وجوده لكونه نقلًا فأومأ بذلك إلى أن النَّقل لا يجوز، ويحتمل أنْ يريد أنّ مثل هذا النّقل يسمع. وعلى هذا مشى الشيرازي شارح الكتاب وكلام الإمام (٨) أيضا محتمل للأمرين وظاهره الإشارة إلى أنَّه لا يكون مسموعًا فإنّه قال لا يمكن

стр. 2766

المعترض من إقامة الدليل على وجود العلّة في صورة النّقض لكونه انتقالًا إلى مسألة أخرى بلى (١) لو قال: المعترض ما دللت به إلى آخره قال فيكون انتقالا من السؤال الذي ابتدأ به إلى غيره. هذا كلامه وكأنَّه لما قال في تلك الصورة إنّها انتقال من مسألة إلى أخرى، أراد التنبيه على أنّ ما يقوله المعترض في هذا الفرع انتقال من السؤال الأوّل (٢) إلى غيره لا من مسألة إلى أخرى فأتى بلفظة (بلى) لذلك ولم يرد أنّ هذا انتقال مسموع. وعلى هذا مشى الشيخ صفي الدّين الهندي وقال: يعد منقطعًا (٣)، وبه جزم الآمدي أعني بأنَّه لا يكون مسموعًا (٤). نعم لو قال ذلك ابتداء أو قال يلزمك إمّا نقض العلّة أو نقض الدّليل الدّال على وجودها في الفرع كان مسموعًا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه. قال: (أو دعوى الحكم مثل أن يقول: السلم عقد معاوضة فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فينتقض بالإجارة. قلنا: هناك لاستقرار المعقود عليه (٥) لا لصحة العقد ولو تقديرًا

стр. 2767

كقولنا رقّ الأمّ علّة رق الولد وثبت في ولد المغرور تقديرًا وإلا لم تجب قيمته). الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يتأتى بها دفع النّقض: أن يمنع المعلل عدم الحكم في صورة النّقض ويدعي ثبوته (١) فيها وذلك قد يكون ظاهرًا؛ بأن يكون الحكم ثابتًا فيها جزمًا على رأي المستدل إنْ كان مجتهدًا، أو رأي إمامه إن كان مقلدًا ناصرًا لمذهبه، أو على أحد قوليه غير المرجوع عنه أو غير ذلك، ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لكونه كما قال الإمام معلومًا (٢)، وقد يكون خفيًا وفيه كلام المصنف وذلك قد يكون تحقيقيًا (٣) وقد يكون تقديرًا. الأول التحقيقي: مثل السلم: عقد (٤) معاوضة، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فإنْ نقض بالإجارة. قلنا: الأجل ليس شرطًا لصحة عقد الإجارة وإنما جاء فيها لتقرير المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين (٥). ومن أمثلته أيضًا: الإجارة عقد معاوضة فلا تنفسخ بالموت كالبيع فإن نقض بالنّكاح قلنا: بعد تسليم كونه عقد معاوضة هناك لا ينفسخ بالموت

стр. 2768

لكن انتهى. ومنها: الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إجبارها كالبالغ فإن نقض بالثيب المجنونة بحيث يجوز تزويجها على الوجه الصحيح (١)، قلنا: لا نسلم صحة إجبارها كما لو كانت عاقلة وهو وجه في المذهب (٢). ومنها: أنْ يقول في تحالف المتبايعين بعد هلاك السلعة أنَّه فسخ بيع يصح مع ردّ العين فصحّ مع ردّ القيمة، كما لو اشترى ثوبًا بعبد وتقابضا (٣) ثمّ هلك العبد ثم علم مشتري الثوب بالثوب عيبًا فيقول الحنفي: هذا ينتقض بالإقالة (٤) فإنّها فسخ بيع يصح مع ردّ العين ولا يصحّ مع رد القيمة فنقول: لا نسلم ذلك فإن الإقالة عندنا تصحّ بعد هلاك السلعة ويرجع فيها بالقيمة. والثاني التقديري: وإليه أشار بقوله: ولو تقديرًا وهو دافع للنقض على الرأي الأظهر لأنَّ المقدر كالمحقق. مثاله قولنا: رقّ الأمّ علّة رقِّ (٥) الولد، فيكون هذا الولد رقيقًا، فإنْ

стр. 2769

نقض بولد المغرور بحرية الجارية حيث كان رقّ الأمّ موجودًا مع انعقاد الولد حرًّا. قلنا: رقّ الولد موجود تقديرًا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته (١)؛ إذ لا قيمة في الحرّ، ولذلك حكي وجه (٢): أنَّه ينعقد رقيقًا ثمّ يعتق على المغرور، حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه (٣). واعلم أنّ الأوّل أعني التحقيقي دافع للنّقض إذا كان الحكم متفقًا عليه بين المستدل وخصمه، وكذا إن كان مذهبًا للمستدل فقط؛ لأنّه إذا لم يف بمقتضى علته في الاطراد، فلأنْ لا يجب على غيره كان أولى، وإنْ كان مذهبًا لخصمه فقط كما يقول هذا الوصف مما لا يطرد على أصل فإنّه ثابت في الصورة الفلانية والحكم غير ثابتٍ فيها عندي، ولسْتُ بالمنقاد إليه لم يتوجه النّقض (٤)؛ لأنَّ خلاف الخصم في تلك المسألة كخلافه في المسألة المتنازع فيها وهو محجوج بذلك الدليل في المسألتين معًا وأما تمكين المعترض في إقامة الدلالة على عدم الحكم ففيه الخلاف السابق في منع وجود العلّة في صورة النقض.

стр. 2770

ومن فروع هذا القسم أعني منع عدم الحكم ما إذا ذكر المعترض صورة فقال المستدل المنتصر لمذهب إمامه لا أعرف في هذه نصًا، فلا يلزمني النقض فهل يندفع النقض بذلك؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق هذا في كتابه الملخص في الجدل (١). ومثّل له بأن يستدل الحنفي في (٢) القارن إذا قتل صيدًا أنَّه يلزمه جزاءان؛ لأنَّه أدخل النّقض على إحرام الحج والعمرة فلزمه جزاءان كما لو أحرم بالحج فقتل صيدًا ثمّ أحرم بالعمرة فقتل صيدًا (٣). فيقال له: هذا ينتقض به إذا أحرم المتمتع بالعمرة فجرح (٤) صيدًا ثمّ أحرم بالحج فجرحه ثمّ مات، فإنّه أدخل النقض على إحرام الحج والعمرة ثمّ لا يلزمه جزاءان. فيقول المخالف: لا أعرف نصًّا في هذه المسألة، ثمّ قال: رأيت القاضيَ أبا الطيب يقول: في مثلِ هذا إذا جوّزت أنْ يكون مذهبك على ما ألزمته، وجب أنْ لا يحتج بهذا القياس. قال: وعندي أنَّه لا يلزمه النّقض؛ لأنّه وإنْ احتمل ما قال، إلّا أنّ القياس يقتضي أنَّه (٥) يلزمه كفَّارَتَان فيعمل به ما لم
следующие страницы →