← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

المعترض من إقامة الدليل على وجود العلّة في صورة النّقض لكونه انتقالًا إلى مسألة أخرى بلى (١) لو قال: المعترض ما دللت به إلى آخره قال فيكون انتقالا من السؤال الذي ابتدأ به إلى غيره. هذا كلامه وكأنَّه لما قال في تلك الصورة إنّها انتقال من مسألة إلى أخرى، أراد التنبيه على أنّ ما يقوله المعترض في هذا الفرع انتقال من السؤال الأوّل (٢) إلى غيره لا من مسألة إلى أخرى فأتى بلفظة (بلى) لذلك ولم يرد أنّ هذا انتقال مسموع. وعلى هذا مشى الشيخ صفي الدّين الهندي وقال: يعد منقطعًا (٣)، وبه جزم الآمدي أعني بأنَّه لا يكون مسموعًا (٤). نعم لو قال ذلك ابتداء أو قال يلزمك إمّا نقض العلّة أو نقض الدّليل الدّال على وجودها في الفرع كان مسموعًا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه. قال: (أو دعوى الحكم مثل أن يقول: السلم عقد معاوضة فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فينتقض بالإجارة. قلنا: هناك لاستقرار المعقود عليه (٥) لا لصحة العقد ولو تقديرًا

стр. 2767

كقولنا رقّ الأمّ علّة رق الولد وثبت في ولد المغرور تقديرًا وإلا لم تجب قيمته). الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يتأتى بها دفع النّقض: أن يمنع المعلل عدم الحكم في صورة النّقض ويدعي ثبوته (١) فيها وذلك قد يكون ظاهرًا؛ بأن يكون الحكم ثابتًا فيها جزمًا على رأي المستدل إنْ كان مجتهدًا، أو رأي إمامه إن كان مقلدًا ناصرًا لمذهبه، أو على أحد قوليه غير المرجوع عنه أو غير ذلك، ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لكونه كما قال الإمام معلومًا (٢)، وقد يكون خفيًا وفيه كلام المصنف وذلك قد يكون تحقيقيًا (٣) وقد يكون تقديرًا. الأول التحقيقي: مثل السلم: عقد (٤) معاوضة، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فإنْ نقض بالإجارة. قلنا: الأجل ليس شرطًا لصحة عقد الإجارة وإنما جاء فيها لتقرير المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين (٥). ومن أمثلته أيضًا: الإجارة عقد معاوضة فلا تنفسخ بالموت كالبيع فإن نقض بالنّكاح قلنا: بعد تسليم كونه عقد معاوضة هناك لا ينفسخ بالموت

стр. 2768

لكن انتهى. ومنها: الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إجبارها كالبالغ فإن نقض بالثيب المجنونة بحيث يجوز تزويجها على الوجه الصحيح (١)، قلنا: لا نسلم صحة إجبارها كما لو كانت عاقلة وهو وجه في المذهب (٢). ومنها: أنْ يقول في تحالف المتبايعين بعد هلاك السلعة أنَّه فسخ بيع يصح مع ردّ العين فصحّ مع ردّ القيمة، كما لو اشترى ثوبًا بعبد وتقابضا (٣) ثمّ هلك العبد ثم علم مشتري الثوب بالثوب عيبًا فيقول الحنفي: هذا ينتقض بالإقالة (٤) فإنّها فسخ بيع يصح مع ردّ العين ولا يصحّ مع رد القيمة فنقول: لا نسلم ذلك فإن الإقالة عندنا تصحّ بعد هلاك السلعة ويرجع فيها بالقيمة. والثاني التقديري: وإليه أشار بقوله: ولو تقديرًا وهو دافع للنقض على الرأي الأظهر لأنَّ المقدر كالمحقق. مثاله قولنا: رقّ الأمّ علّة رقِّ (٥) الولد، فيكون هذا الولد رقيقًا، فإنْ

стр. 2769

نقض بولد المغرور بحرية الجارية حيث كان رقّ الأمّ موجودًا مع انعقاد الولد حرًّا. قلنا: رقّ الولد موجود تقديرًا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته (١)؛ إذ لا قيمة في الحرّ، ولذلك حكي وجه (٢): أنَّه ينعقد رقيقًا ثمّ يعتق على المغرور، حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه (٣). واعلم أنّ الأوّل أعني التحقيقي دافع للنّقض إذا كان الحكم متفقًا عليه بين المستدل وخصمه، وكذا إن كان مذهبًا للمستدل فقط؛ لأنّه إذا لم يف بمقتضى علته في الاطراد، فلأنْ لا يجب على غيره كان أولى، وإنْ كان مذهبًا لخصمه فقط كما يقول هذا الوصف مما لا يطرد على أصل فإنّه ثابت في الصورة الفلانية والحكم غير ثابتٍ فيها عندي، ولسْتُ بالمنقاد إليه لم يتوجه النّقض (٤)؛ لأنَّ خلاف الخصم في تلك المسألة كخلافه في المسألة المتنازع فيها وهو محجوج بذلك الدليل في المسألتين معًا وأما تمكين المعترض في إقامة الدلالة على عدم الحكم ففيه الخلاف السابق في منع وجود العلّة في صورة النقض.

стр. 2770

ومن فروع هذا القسم أعني منع عدم الحكم ما إذا ذكر المعترض صورة فقال المستدل المنتصر لمذهب إمامه لا أعرف في هذه نصًا، فلا يلزمني النقض فهل يندفع النقض بذلك؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق هذا في كتابه الملخص في الجدل (١). ومثّل له بأن يستدل الحنفي في (٢) القارن إذا قتل صيدًا أنَّه يلزمه جزاءان؛ لأنَّه أدخل النّقض على إحرام الحج والعمرة فلزمه جزاءان كما لو أحرم بالحج فقتل صيدًا ثمّ أحرم بالعمرة فقتل صيدًا (٣). فيقال له: هذا ينتقض به إذا أحرم المتمتع بالعمرة فجرح (٤) صيدًا ثمّ أحرم بالحج فجرحه ثمّ مات، فإنّه أدخل النقض على إحرام الحج والعمرة ثمّ لا يلزمه جزاءان. فيقول المخالف: لا أعرف نصًّا في هذه المسألة، ثمّ قال: رأيت القاضيَ أبا الطيب يقول: في مثلِ هذا إذا جوّزت أنْ يكون مذهبك على ما ألزمته، وجب أنْ لا يحتج بهذا القياس. قال: وعندي أنَّه لا يلزمه النّقض؛ لأنّه وإنْ احتمل ما قال، إلّا أنّ القياس يقتضي أنَّه (٥) يلزمه كفَّارَتَان فيعمل به ما لم

стр. 2771

يمنع مانع، كالعموم قبل ظهور المخصِّص (١). قلت: وحاصل هذا أنّ المعلل له أنْ يلتزم بصورة النقض عند الشيخ، وعند القاضي ليس له الالتزام بها مع احتمال أنْ لا يكون مذهب إمامه، وهذا أمر راجع إليه في نفسه، ولا خلاف بينهما في أنَّه لا يكتفي منه بأنْ يقول لا أعرف نصًّا في هذه المسألة. وهذا هو الحق وكيف يكون خلافه والمعترض ينادي يلزمك إما انتقاض علّتك أو دعوى ثبوت الحكم. أجب وإلا فلست أهلًا للمناظرة (٢) قال: (أو إظهار المانع). الأمر الثالث مما يجاب به عن النّقض: أنْ يُظْهر المعلل مانعًا من ثبوت الحكم في صورة النّقض فيندفع النّقض بذلك عند من يجعل تخلف الحكم لمانع لا يقدح ومنهم المصنف كما علمت. مثاله: يجب القصاص في القتل بالمثقل قياسًا على المحدد (٣) بجامع القتل العمد العدوان، فإن نقض بقتل الوالد ولده فإنّ الوصف فيه مع تخلف الحكم. قلنا: تخلف لمانع وهو أنّ الوالد (٤) سبب لوجود الولد، فلا يحسن أنْ يكون الولد سببًا لعدمه، وإذا تخلف المانع فلا يقدح في العليّة.

стр. 2772

ولم يذكر المصنف مما يدفع به النقض غير هذه الثلاثة، وكان ينبغي أنْ يذكر دفعه بورود (١) صورة النّقض مستثناة (٢) فإنّه دافع أيضًا. قال: (تنبيه دعوى ثبوت الحكم أو نفيُه عن صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالإثبات أو النفي العامين وبالعكس). هذه الكلمة منبهة على ما يتجه من النقوض ويستحق الجواب وما ليس كذلك. اعلم أنّ المقصود من ثبوت الحكم إما إثباته ونفيه معًا أو أحدهما. فإنْ كان الأوّلَ - ولم يتعرض له المصنف - وجب أنْ يكون الحكم مطردًا ومنعكسًا مع علته كالحدّ مع المحدود فمتى ثبت عند عدمه أو عدم عند وجوده توجه عليه النقض. وإن كان الثاني فالمدعى إمّا ثبوت الحكم أو نفيه وكل منهما إمّا (٣) أنْ يكون في بعض الصور أو جميعها وإذا كان في بعض الصور فإمّا أنْ يكون في صورة معينة أو مبهمة فهذه أربعة (٤) أقسام داخلة في كل من

стр. 2773

القسمين أعني ثبوت الحكم أو نفيه في صورة وثبوته أو نفيه مطلقًا. الأوّل: دعوى ثبوت الحكم في صورة معينة فينقضه النفي عن جميع الصور؛ لأن السالبة الكلية تناقض الموجبة الجزئية (١) ولا

стр. 2774

ينقضه النفي عن صورة؛ لأنَّ الجزأين لا يتناقضان فالثبوت في صورة لا يناقضه النفي في صورة. مثاله: قول الحنفي في جريان القصاص بين المسلم والذمي في حالة العمد محقونا الدم فجرى بينهما القصاص كالمسلمَيْن (١)، وينقضه الأب والابن فإنّهما لا يجري بينهما القصاص بحال، ولا ينقضه إذا بُيِّن عدم جريان القصاص بينهما حالة الخطأ (٢). والثاني: دعوى ثبوته في صورة مبهمة وهو كالأوّل. ومثاله: قولنا الصبي حرّ مسلم مالك للنصاب، فتجب الزكاة في ماله كالبالغ فإن نقض بالحلي وثياب البذلة لم يتجه (٣) لما عرفت. الثالث والرابع: دعوى نفي الحكم عن صورة معينة أو مبهمة وهو كما تقدم يناقضه الإثبات العام دون الإثبات في صورة لما عرفت. ومثال المعيّن المنفي أنْ يقال: هذا النبيذ ليس بنجس قياسًا على خلّ الزبيب، فينتقض بأنّ كلّ نبيذ مسكر وكلّ مسكر نجس. ومثال المبهم المنفي أنْ يقال: إذا اشتبه عليه نهر غيره بأنهار نفسه لا يحلّ له الشرب من نهر واحد لا بعينه كما لو اشتبه عليه ظرف ماء غيره

стр. 2775

بظروف مائه بجامع الاشتباه فينقض بأنّه يحل الشرب من النهر الجاري وإن كان لغيره فإنّه لا يجوز المنع من الشرب (١) على أظهر الوجهين (٢) وادّعى الشيرازي شارح الكتاب في هذا الإجماع، وليس بسديد (٣). وإذا علمت هذه الأقسام الأربعة فهي المشار إليها بقوله: "دعوى ثبوت الحكم" إلى قوله: "العامين"، وتقدير الكلام دعوى ثبوت الحكم في صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالنفي العام ودعوى نفيه عن صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالإثبات العام ففيه لفّ ونشر (٤) على جعل الأوّل للثاني والثاني للأول. قوله: وبالعكس إشارة إلى القسم الآخر وهو أنْ يدعي ثبوت الحكم أو نفيه عامًا وقد قلنا: إنّه يدخل فيه أقسام أربعة (٥) أيضًا: الأول: نقض دعوى ثبوت الحكم عامًا (٦) بالصورة المعينة.

стр. 2776

مثاله قولنا: كل شريك فدعواه ردّ المال على شريكه مقبولة قياسًا على الوكيل إذا ادّعى الردّ على من وكّله وكذا المودع، والجامع أنّ كلًّا من الشريك والوكيل والمودع أمين، فينتقض هذا بالمرتهن حيث لا يقبل دعواه الردّ عند العراقيين وهو الأصحّ (١)، وكذلك ينتقض بالمستأجر. ومن أمثلته أيضًا قولنا: يقتل كلّ رقيق بمثله، والمدبر بالمدبر وأمّ الولد بأمّ الولد، قياسًا على الحرّ بالحرّ بجامع الكفاءة (٢) فينتقض بما إذا قتل المبعض مثله مع التساوي في قدري الرقّ والحرية حيث لا يجب القصاص على أحد الوجهين ولا ينتقض بما إذا قتل الأب الرقيق عبد ابنه؛ لأنَّ المستدل يقول: تخلف الحكم ثمّ المانع (٣) وهو أنّ قصاص العبد لابن القاتل فلو ثبت لأدّى إلى ثبوت القصاص للولد على الوالد. الثاني: نقض هذه الدعوى المذكورة بالصورة المبهمة ولا أستحضر له مثالًا. الثالث: نقض دعوى نفي الحكم عامًا بالصورة المعينة. كما إذا قال قائل: فيما إذا قطع مملوك طرف مملوك آخر. مملوكان فلا يجري بينهما القصاص كالصغيرين فينتقض بجريان القصاص بينهما في النفس.

стр. 2777

ومن أمثلته أيضًا أنْ يقال: بيع النحل في الكوارة (١) والحمامِ في البرج إذا لم يشاهد (٢) غير صحيح، قياسًا على بيع الغائب بجامع عدم الرؤيا للمشتري، فينتقض بأنّ العبد الأعمى يصحّ أنْ يشتري نفسه من سيده مع أنّ المبيع غير مرئي للمشتري وبأنّه لو كان مرئيًا قبل العقد ولم يحتمل التغير صحّ بيعه وإن لم يشاهد في الحال ولئن قال المعلل لا يصحّ بيع (٣) السمك في الماء والطير في الهواء قياسًا على بيع الغائب بجامع الغرر كان تعليلًا صحيحًا وليس للمعترض نقضه ببيع النحل وهو طائر حيث يصحّ على أصحّ الوجهين (٤)، وبيع الحَمَام وهى طائرة اعتمادًا على عودها ليلًا على (٥) أحد الوجهين (٦) لأنَّ المعلل يمنع الغرر والحالة هذه. الرابع: نقض هذه الدعوى بالصورة المبهمة ولا يحضرني مثاله. والله تعالى أعلم. قال: (الثاني: عدم التأثير بأن ينفي الحكم بعده وعدم العكس بأن يثبت الحكم في صورة بعلّة أخرى.

стр. 2778

فالأول: كما لو قيل: مبيع لم ير، فلا يصحّ كالطير في الهواء. والثاني: الصبح لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب، ومنع التقديم ثابت فيما قصر). عدم التأثير (١) وعدم العكس من واد واحد، فلذلك جمع بينهما والذي عليه الجدليون (٢) أنّ عدم التأثير أعمّ من عدم العكس، فإنّهم قالوا: كما نقله إمام الحرمين وغيره عدم التأثير ينقسم إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها، وجعلوا الواقع في الوصف هو عدم الانعكاس وسيتضح إن شاء الله ذلك بالمثل. وقال إمام الحرمين: الذي نراه في أنّ القسمين ينشآن من الأصل (٣).

стр. 2779

وإذا عرفت هذا فقد عرف المصنف تبعًا للإمام (١) عدم التأثير بأنْ ينفى الحكم بدون ما فرض علّة له. وعدم العكس بحصول الحكم في صورة بعلّة أخرى. واعترض على هذا؛ بأنَّ قوله ينفي الحكم بدون ما فرض علّة له، إنْ أُريد به أنَّه كذلك في المحل الذي ادّعى أنَّه علّة فيه وهو ظاهر مراده فهو غير لازم؛ لأنَّ عدمَ التأثير قد يكون بأنْ يبين ثبوت الحكم في غير ذلك المحل بدون ما جعل علّة له، وإنْ أراد أنَّه كذلك في غير ذلك المحل فقط ففاسد؛ لأنّه إذا بين بقاءَ الحكم في ذلك المحل بعينه بدون ما جعل علّة له كان ذلك عدم التأثير بطريق أولى، وإنْ عنى به ما هو الأعمّ من هذين فباطل؛ لأن العكس أيضًا كذلك إذ ليس من شرط العكس حصول الحكم في صورة أخرى، بل لو حصل في تلك (٢) الصورة بعينها بعلّة أخرى كان ذلك عكسًا أيضًا، وهو اعتراض منقدح إذا كان الإمام قد مشى على مراسم الجدليين. وعلمك محيط بأنّ القوم ذوو اصطلاح (٣) فليساعدوا عليه ما لم يخرج عن قانون معتبر وإن لم يف الإمام باصطلاحهم كان له أنْ يقول: المراد من عدم التأثير القسم الأول. وقولكم: قد يكون بغير ذلك.

стр. 2780

قلنا: في مصطلحي لا يكون كذلك (١) بل له أنْ يقول المراد القسم الثالث. قولكم: ليس من شرط العكس حصول الحكم في (٢) صورة أخرى. قلنا: بل هو من شرطه في مصطلحنا. وإذا علمت هذا، فقد مثّل المصنف لعدم التأثير بقولنا: في الغائب مبيع غير مرئي فلا يصحّ كالطير في الهواء والسمك في الماء بجامع (٣) عدم الرؤية، فينقدح للمعترض أنْ يقول عدم الرؤية لا تأثير له في الحكم؛ لبقاء الحكم المذكور بعد زواله فيما إذا صار البيع مرئيًا (٤) ولكن غير مقدور على تسليمه، وهذا المثال واقع لعدم التأثير في أصل العلّة دون وصفها كما وضح. ومثّل لعدم العكس باستدلال الحنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله: الصبح صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها كالمغرب بجامع عدم جواز القصر (٥). فيقول: هذا الوصف لا ينعكس؛ لأنَّ الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات بعلّة أخرى وهذا المثال

стр. 2781

واقع لعدم التأثير في الوصف كما ظهر. ومن أمثلة الأوّل أيضًا أنْ يقال على لسان الشافعي في منع نكاح الأمة الكتابية: أمةٌ كافرةٌ، فلا يحل للمسلم نكاحها كالأمة المجوسية (١). فيقال لا أثر للرقّ (٢) في الأصل فإنّ الحرة المجوسية محرمة (٣) (٤) والتمجس مستقل بإثارة منع النكاح والرقّ مستغنى عنه فذكره عديم (٥) التأثير في الأصل وقد تمّ شرح ما في الكتاب. وقد قسم أرباب النظر عدم التأثير أقسامًا عديدة. أولها وثانيها: عدم التأثير في الأصل والوصف وهما المتقدمان في كلام المصنف. والثالث: عدم التأثير في الأصل والفرع جميعًا فإذا قلنا بأنّ عدم التأثير في الأصل فقط يقدح كما ستعرفه إن شاء الله كان هذا قادحًا (٦) بطريق

стр. 2782

أولى. ومثال هذا قول من اعتبر العدد في الاستجمار بالأحجار (١): عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية، فينبغي أنْ يعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار، وإذا اعتبر العدد وجب أن يكون ثلاثة ضرورةَ أنَّه لا قائل بالفصل. وقوله: لم يتقدمها معصية عديم التأثير (٢) في الأصل والوصف معًا بخلاف قولنا أمّة كافرة، فلا (٣) تحلّ للمسلم كالأمة المجوسية، فإنّ كونها أمة لا أثر له في الأصل، لكن له تأثير في الفرع فلئن قال مثلا: إذا سقط قولي لم يتقدمها معصية انتقض بالرجم فإنّه عبادة تتعلق بالأحجار ثمّ لا يعتبر فيه العدد. فنقول قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذا أصعب ما يجيء (٤) في هذا الباب قال: وعندي أنّ مثل هذا لا يجوز تعليق الحكم عليه. ذكره في الملخص (٥).

стр. 2783

والرابع: عدم التأثير في الفرع دون الأصل وهو قسمان: أحدهما: أنْ يذكر وصف في الفرع يتحقق الخلاف فيه بدونه كقولهم: نوى صوم رمضان قبل الزوال فصحّ كما لو نوى من الليل فقيل كونه من رمضان لا مدخل له في تحقيق (١) الخلاف إذ يتحقق بدونه فإنه لو نوى مطلق الصّوم كان فيه الخلاف أيضًا وقد اختلف في قبول هذا القسم أيضًا. وثانيهما: أن يلحق الفرع بالأصل بوصف لا تأثير له على إطلاقه في الفرع وفاقًا كقولنا في إثبات فسخ النكاح بالعيوب الخمسة عيب ينقص الرغبة في المعقود عليه فوجب ثبوت الفسخ به (٢) كما في البيع فالوصف المذكور في الإلحاق لا تأثير له في الفرع على إطلاقه وفاقًا ولهذا (٣) لا يثبت الخيار في النكاح بكلّ عيب شابه ما ذكر وفاقًا وقول القاضي حسين ومن شذّ عن الأصحاب بدعواه ثبوت الخيار بكلّ عيب منفر يكسر سَوْرَة (٤) التوقان (٥) لا يرد على دعوانا الوفاق هنا فمن العيوب ما ينقص الرغبة ولا يكن منفرًا يكسر سورة التوقان ولا عبرة به على العموم إجماعًا وإن اختلف في أفراد خاصة.

стр. 2784

والخامس: عدم الثأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفًا لا تأثير له في الحكم المعلل به كما إذا قيل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا أموالنا في دار الحرب: طائفة مشركة فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل الحرب، فالإتلاف في دار الحرب (١) لا تأثير له (٢) في نفي الضمان وإثباته فإنّ من أوجب (٣) الضمان أوجبه مطلقًا سواء كان في دار الحرب أم في غيرها ومن نفاه نفاه مطلقًا. والفرق بين هذا والثالث فرق ما بين العام والخاص؛ لأنَّه يلزم من أنْ لا يكون له تأثير في الحكم أنْ لا يكون له تأثير في الأصل والفرع من غير عكس. وقال الآمديُّ: حاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور، قال: وإذا بطل عدم التأثير في الفرع كما هو أحد الرأيين، ورجع حاصل هذا القسم إلى عدم التأثير في الوصف فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وفي الأصل (٤). والآمدي لم يذكر القسم الثالث الذي أوردناه ولعله أهمله لكون الخامس أعمّ منه. وإذا تفهمت ما ألقيته لك من الشرح وعلمت عود

стр. 2785

الأقسام كلّها إلى عدم التأثير في الأصل وفي الوصف عرفت أنّ اقتصار صاحب الكتاب على ذكرهما نوع حسن من الاختصار والله أعلم. قال: (والأول يقدح إن منعنا تعليل الواحد بالشخص بعلتين: والثاني: حيث يمتنع تعليل الواحد بالنوع بعلتين، وذلك جائز في المنصوصة كلإيلاء واللعان والقتل والردّة، لا في المستنبطة؛ لأنَّ ظنّ ثبوت الحكم لأحدهما يصرفة عن الآخر وعن المجموع). تقدّم تصوير عدم التأثير وعدم العكس والكلام هنا في أنّهما هل يقدحان في العلية؟ وقد تشاجر القوم في ذلك وبنى المصنف الأول على أنَّه هل يجوز تعليل الحكم الذي هو واحد بالشخص بعلتين فيقدح عند مانعه؛ لأنَّه إذا لم يوجد الوصف المفروض علّة مع بقاء الحكم والفرض أنَّه ليس ثابتًا بعلة أخرى يحصل العلم بأنّ ذلك الوصف ليس علّة؟ . وبنى الثاني على أنَّه هل (١) يمتنع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين؟ وبناؤه ظاهر مما تقدم؛ لأنَّ النّوع باق فيه ويعلم من هذا أنّ الحكم الواحد إن بقي شخصه بعد زوال العلّة فهو عدم التأثير، وإن بقي نوعه فهو عدم العكس، فامتناع بيع الطير في الهواء يبقي شخصه بعد زوال الرؤية، كما كان قبلها وامتناع نكاح الأمة المجوسية باق

стр. 2786

بالشخص بعد زوال الرقّ كما كان. أما منع تقديم الأذان فالباقي منه بعد زوال العلّة وهي كون الصلاة لا تقصر إنّما هو في الرباعية وما كان ثابتًا مع العلّة إنّما هو مع غيرها لكنهما اشتركا في النوعية وهو منع تقديم الأذان. واعلم أنّ المبني عليه من أعظم ما خاض فيه الأصوليون، والمصنف اختصر القول فيه جدًّا ونحن نأخذ في شرح ما في الكتاب على الاختصار ثمّ نعود إلى الكلام في ذلك على حسب التوسط فنقول: يجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا كتعليل إباحة قتل زيد بردته وعمرو بالقصاص، وخالد بالزنا بعد الإحصان وربما أومأ بعضهم إلى جريان الخلاف فيه وعلى ذلك مشى صاحب الكتاب حيث جعل عدم العكس مبنيًا عليه والأشبه ما ذكرناه وبه صرح الآمدي (١) وصفي الدّين الهندي (٢) وهذا في العلل الشرعية. أما العقلية فظاهر نقل بعضهم أنّ الخلاف في تعليل المعلول الواحد بعلل عقلية يختص بالواحد بالنوع دون الواحد بالشخص، فإنّه يمتنع تعدد علّته بلا خلاف وأمّا تعليل الحكم الواحد في شخص واحد بعلل مختلفة، نحو تحريم وطء المعتدة المحرمة الحائض وزاد إمام الحرمين الصائمة (٣) وهو سهو لأنَّ الصّوم يستحيل أن يجامع الحيض

стр. 2787

شرعا وكذا إباحة قتل الشخص الواحد بردته وقتله الموجب للقصاص هل يجوز بهذه الأمارات المزدحمة؟ اختلفوا فيه على مذاهب (١): أحدها: المنع من ذلك مطلقا (٢). والثاني: الجواز مطلقا وإليه ذهب الجماهير. والثالث: أنَّه يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك (٣) والغزالي (٤)، والإمام (٥) والمصنف، قال إمام الحرمين: وللقاضي إليه صغو (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2788

ظاهر في كتاب التقريب (١). قلت: وظاهر ما في التلخيص مختصر التقريب تجويزه مطلقا (٢). وأما ما ذهب إليه الغزالي هنا من التفصيل فيخالف ما ذكره في الفقه فإنّه قال في كتاب البيع من الوسيط عند الكلام في زوائد المبيع: والحكم الواحد قد يعلل بعلتين (٣). والرابع: عكسه (٤). وذهب إمام الحرمين إلى رأي خامس وهو أنَّه جائز غير واقع (٥). قوله: وذلك هذا دليل على التفصيل الذي اختاره. وتقريره: أنَّه قد وقع تعليل الواحد بالشخص بعلتين منصوصتين فدلّ على جوازه ودليل وقوعه اللعان والايلاء فإنّهما علتان مستقلتان في تحريم

стр. 2789

وطء المرأة ولك أنْ تقول: الإيلاء لا تحرم به الزوجة، فلا يصح التمثيل به ولا يمكن أنْ يبدل الإيلاء بالظهار؛ لأنَّ الظهار وإنْ كان محرمًا إلّا أنَّه لا يمكن اجتماعه مع اللعان، إذ اللعان يقطع الزوجية فلا تجتمع علتان على معلول واحد، فينبغي التمسك بالطلاق الرجعي مع الظهار فإنّهما علتان في تحريم الوطء وقد يجتمعان في المرأة فتكون رجعية ومظاهرًا منها. ودليل وقوعه أيضًا المرتد الجاني فإنّ كلا من الارتداد والجناية علّة مستقلة في إراقة دمه وكذلك الصوم والعدّة والإحرام في تحريم وطء الزوجة. ومثّل الغزالي بأنّ من لمس ومس وبال في وقت واحد انتقض طهره، ولا يحال على واحد من هذه الأسباب ومن أرضعتها زوجة أخيك وأختك أيضًا وجمع لبنهما وانتهيا إلى حلق المرتضعة في لحظة واحدة حرمت عليك، لأنَّك خالها وعمُّها والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم واحد ولا يمكن أنْ يحال على (١) الخؤولة دون العمومة أو بعكسه ولا يمكن أن يقال هما تحريمان وحكمان بل التحريم له حدّ واحد وحقيقة واحدة ويستحيل اجتماع المثلين (٢) انتهى. وإذا ثبت هذا (٣) في الواحد بالشخص وضح ثبوته في الواحد بالنوع

стр. 2790

بطريق أولى. وأما المنع في المستنبطة فاستدل عليه بأنّ ظنّ ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين مانع من ظنّ ثبوته لأجل الأمر الآخر بمفرده أو لأجل المجموع وما لا يحصل الظنّ بثبوت الحكم لأجله لا يحكم بعلته بالاستنباط والاجتهاد فلا نحكم بعلية أمور متعددة لشيء واحد بالاستنباط والاجتهاد وهذا كما إذا تصدق على فقيه فقير قريب فإنّه يحتمل أنْ يكون الداعي إلى الصدقة مجموع الأوصاف أو بعضها أو فرد منها والاحتمالات متنافية لما ذكرناه. هذا تقرير ما في الكتاب وفي الدليل المذكور نظر نذكره من بعد إن شاء الله تعالى. عدنا إلى الكلام في أصل المسألة فنقول: اختلفوا في أنّ العكس هل يجب في العلة؟ فقالت المعتزلة وبعض أصحابنا كالإمام: لا يجب سواء كانت عقلية أم شرعية (١)، وادّعى القاضي في مختصر التقريب والإرشاد الاتفاق في العلل (٢) العقلية على خلاف ذلك فإنّه قال يشترط في العلّة العقلية الاطراد والانعكاس باتفاق العقلاء القائلين بالعلل انتهى (٣). وقال قوم: إنّه واجب مطلقًا وأوجبه قوم في العقلية دون الشرعية وعليه أكثر أصحابنا.

стр. 2791

وقال آخرون: يجب ذلك في المستنبطة دون المنصوصة (١). وقال الغزالي: إن لم يكن للحكم إلا علّة واحدة فالعكس لازم؛ لا لأنَّ انتفاء العلّة يوجب انتفاء الحكم؛ بل لأنَّ الحكم لا بد له من علّة فإذا اتحدت العلّة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتًا بغير سبب، أما حيث تعددت العلّة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها. قال: والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلّة أنّا إذا قلنا: لا نثبت الشفعة للجار؛ لأنَّ ثبوتها للشريك معلل بعلّة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق المتحدة من المطبخ والخلاء ومطرح التراب ومصعد السطح وغيره. فلأبي حنيفة أنْ يقول لا مدخل لهذا في التأثير فإنّ

стр. 2792

الشفعة ثابتة في العرصة (١) أيضًا وما لا مرافق له فهذا إلزام عكس وهو لازم؛ لأنّه يقول [لو كان هذا مناطا للحكم لا ينفي الحكم عند انتفائه فنقول: السبب فيه ضرر مزاحمة الشركة فنقول: لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات والمنقولات. فإن قلنا ضرر الشركة] (٢) فيما يتأبد ويبقى. فنقول: فليجر في الحمام وما لا ينقسم كما هو عندكم قول قديم أو وجه فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس، وهو مؤاخذة صحيحة إلى أن يعلل بضرر مؤنة القسمة ونأتي بتمام قيود العلة (٣) بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها وهذا المكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة وشهادة الحكم لها بوروده على وفقها وشرط مثل هذه العلّة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس (٤). انتهى. قال صفي الدّين الهندي: وينبغي أن لا يكون فيما ذكره الغزالي خلاف ونزاع لأحد (٥)

стр. 2793

ويظهر عند هذا أنّ هذه المسألة فرع مسألة تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة فلذلك لم يشتغل صاحب الكتاب بالكلام فيها بل تكلم في تعليل الحكم (١) الواحد بعلل فليكن كلامنا نحن (٢) أيضًا في ذلك. وقد عُلمت المذاهب فيها وما احتج به صاحب الكتاب على اختياره، وهو مدخول عندنا (٣)؛ لأنَّا نقول على استدلاله في المنصوصة: لا دلالة لما ذكرت إلا على اجتماع سببين (٤) أو أكثر على حكم واحد، وليس فيه دلالة على أنّ ذلك الحكم معلل بكلّ منها أو بواحد منها فلئن قال: أعود وأقرره على وجه آخر، فأقول: العلل إذا اجتمعت في الشخص الواحد كالقتل والردّة والزنا فإمّا أنْ يقال: لا يثبت الحكم فيه أصلًا وهو باطل، أو يثبت (٥) بواحدة معينة منها (٦)، وهو أيضًا باطل للزوم الترجيح من غير مرجح، أو بواحدة لا بعينها وهو كذلك؛ لأنَّ ما لا تعين له لا وجود له في نفسه، وما لا وجود له (٧) لا يصلح أنْ يكون علّة أو بمجموعها وهو كذلك؛ لأنّه حينئذ تكون كلّ واحدة منها (٨) جزءًا لعلة وليس كلامنا فيه فيتعين أنْ يعلل الحكم بكلّ

стр. 2794

واحدة منها. لا يقال: نمنع وجود العلل دفعة واحدة، ونقول: فيما إذا ترتب الحكم معلل بالسابق منها وشيء من تلك المفاسد المذكورة غير لازم حينئذ؛ لأنّا نقول منع وجودها مكابرة، إذ نحن على قطع أنَّه لا منافاة بين تلك الأمور، فيصح اجتماعها ووجودها دفعة واحدةً، إذ يمكن صدور الزنا والردّة من واحد - والعياذ بالله - في ساعة واحدة. فنقول: قاربت الإصابة بالتقرير على هذا الوجه، ولكنّا لا نسلم بعد ذلك أنّ الحكم هناك حكمٌ واحد بل أحكامٌ كثيرة، فإنّ الإباحة الحاصلة بالقتل غير الحاصلة بالردّة والدليل عليه وجهان: الأول: أنّ الرجل إذا عاد إلى الإسلام زالت الاباحة الحاصلة بسبب الردّة وبقيت الإباحة الحاصلة بالقتل والزنا. ثم إذا عفا وليّ الدم زالت الإباحة الحاصلة بالقتل، وبقيت الإباحة الحاصلة (١) بالزنا. والثاني: أنّ القتل المستحق بالقتل يجوز لولي الدم العفو عنه، والمستحق بالردّة لا يتمكن الولي من إسقاطه فدلّ على تغاير الحكمين. وهذا المنع الذي ذكرناه هو الذي اعتمد عليه إمام الحرمين في ردّ هذه الحجة (٢)، وهو عندنا منعٌ صحيحٌ. وإن كان القاضي في مختصر التقريب والإرشاد قال: إنّه هذيان يدني قائله من جحد الحقائق.

стр. 2795

ونحن نذكر (١) ما ردّ به ونزيفه بعد ذلك. وأجمع كلام في الردّ عليه كلام الإمام. فقال: قلنا: الدليل على أنّ الحكم واحد أنّ إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد فهو إمّا أنْ يكون ممنوعًا منه من جهة الشرع بوجه ما فهو الحرمة أو لا فهو الحلّ. وإذا كانت الحياة واحدة كانت إزالتها واحدة فكان الإذن في تلك الإزالة واحدا. فإن قلت: الفعل الواحد يجوز كونه حلالا من وجه حراما من آخر، وحينئذ يجوز أن يتعدد حكم الحلّ لتعدد جهاته فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنّه مرتد وإنّه زان وإنّه قاتل. قلت: حرمة الشيء من وجه وحلّه من آخر (٢) غير معقول؛ لأنَّ الحلّ هو تمكين الشرع من الفعل ولا يتحقق هذا المعنى إلا إذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا. بلى ليس من شرط الحرمة أنْ يكون حرامًا من جميع جهاته؛ لأنَّ الظلم حرام مع أنّ كونه حادثًا وعرضًا وحركة لا يقتضى الحرمة وحينئذ نقول حل الدم على هذا الوجه يستحيل تعدده؛ لأنّ هذا الإطلاق يستحيل أن يتعدد، والعلم بذلك ضروري (٣). هذا ما ذكره الإمام (٤).

стр. 2796

وقد اعترض النقشواني على قوله: إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد بالمنع. وفيه نظر، ثمّ بعد التسليم بأنّك لم قلت أنّ ما يكون طريقًا إلى الشيء يجب أنْ يكون واحدًا؛ لأنَّ الحكم الذي كلامنا فيه ليس نفس إبطال حياة الشخص بل الطريق إليه. ألا ترى أنّ حياة الشخص الواحد يمكن إبطالها بضرب عنقه وقدّه نصفين، وأمور لا تعدّ فيما نحن فيه. لم ادعيت أنّه ليس كذلك فإنّ إباحة القتل بالردّة هو طريق واحد إلى إبطال الحياة وحكمه أنْ يقتله الإمام ما لم يتب، وليس له إسقاطه وإباحته بالقصاص أنْ يتمكن الولي من قتله بمثل الطريق التي صدرت عنه أو بالسيف، وله العفو وإباحته بالزنا أن يرجم ولا يتبع إذا هرب ولا يسقط فهذه طرق مختلفة غير أنّها اشتركت في أمر واحد وذلك لا يوجب اجتماع العلل على حكم واحد. وأيضًا عصمة دم المرء حكم شرعي وهو مشروط بأمور منها الإسلام ويضاده الكفر ومنها العفة ويضادها الزنا ومنها العدل ويضاده القتل (١) ظلما ويختل كلّ واحد منها بواحد من هذه الأفعال (٢). وكما قال إمام الحرمين لن يعدم الآنس بالفقه استمساكًا من تقدير التعدد في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف (٣) ونظير هذا في الأمور العقلية أنّ حياة الشخص الواحد مشروطة

стр. 2797

بشروط منها بقاء الأعضاء الرئيسية على أمزجتها المعينة ومنها اتصال بعضها ببعض وغير ذلك وكلّ ما يحصل في البدن مبطلا لواحد من هذه الشروط تصير سببا لإبطال الحياة ولا جرم أن تعددت أسباب إبطال الحياة فإذا فرضنا اجتماع عدّة منها لا نقول: إنّ العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد وإذا فرضنا دفعة واحدة جزّ رقبة شخص وقدّه بنصفين من شخصين معًا لا يقال اجتمع هاتان العلتان على معلول واحد إذ لا يتصور ذلك في العلل العقلية التّامّة (١) المؤثرة فكلّما ذكره عذرًا في هذه الصورة كان عذرًا لنا في دفع ما ذكر من الدليل ولسنا بالمعتذرين عن العلل العقلية فإنّ العلّة العقلية لا حقيقة لها عندنا ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال على دقيق الكلام في العلّة والمعلول ولكنا نحيل الأمر إلى الإمام. ثم قال الإمام: قولكم الدليل على التغاير إنه لو أسلم زال أحد الحلين وبقي الآخر. قلنا: لا نسلم أنّه يزول أحد الحلين بل يزول كون ذلك الحكم معللا بالردّة فالزائل ليس هو نفس الحلّ بل وصف كونه معللا بالردة. ولقائل أن يقول: لو لم يزل ذلك الحلّ لكان مستمرًا بدون علته فإنّه لا أثر للزائل في المستمر بل التحقيق أنّ الحلَّ المضاف إلى الردّة زال وبقي حلّ آخر ثَمَّ. قال قولكم: ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين.

стр. 2798

قلنا: ممنوع بل هو متمكن من إزالة أحد الأسباب، فإذا زال ذلك السبب زال انتساب ذلك الحكم إليه لا الحكم نفسه (١). واعترض عليه النقشواني أيضًا بأنّا نعلم أنّ الولي كان متمكنًا من إزالة الحل الثابت له وهذا الزوال يستدعي سببًا ولا سبب غير عفوه. وبأنّا نقول: إنْ كان الزائل بالعفو شيئًا آخر غير حلّ القتل فموجب قتل القاتل ظلمًا هو ذلك الشيء؛ لأنّ العفو يسقط موجب الجناية فإذا كان موجب الجناية غير الحلّ فلا يلزم اجتماع العلل على حكم واحد. وهكذا نقول في سائر الصّور المذكورة من (٢) اجتماع العدّة والحيض في الزوجة وصورة الرضاع في زوجة الأخ والأخت وغيرها وإنّ كلّ هذه الأحكام مشروطة بشروط على ما تقرر. ثم إنّا نقول: ما ذكرتم من الصور التي فرضتم الكلام فيها فيه أمر عجاب، فإنّ بعضها مستنبطة وبعضها مومأ إليها، فإنّ عليّة ما أوردتم إنّما جاء من الاستنباط وإيماء النصوص لا من النّص (٣) وأنتم لا تجوزون اجتماعها على المعلول الواحد إذ (٤) فرقتم بين المستنبطة والمنصوصة فكيف يحصل الغرض من هذا؟ (٥).

стр. 2799

وعليهم في هذا الدليل اعتراضات أخر أضربنا عنها إذ قد أطلنا بعض الإطالة (١). ولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولنّ الفصل عليك ففيه كبير (٢) فائدة. قال: قد يظنّ الظانّ الفطن في هذا المقام أنّ المسؤول إذا فرض الكلام في طرف من المسألة لغرض إيضاح كلام ولصورة الفرض تعلقٌ بالعلّة من حيث العمومُ وليست مقصود الفارضي ومن حيث الخصوصُ وهي مقصود الفارض وإذا كان كذلك فقد تعلق الحكم في هذا الطرف بعلتين. قال: وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر (٣) وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الغرض فنقول إذا قدّم الغاصب الطعام المغصوب إلى ضيف فأكله الضيف ظانّا أنّ الطعام ملك هذا المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المضيف ومعتمد هذا الفنّ تقرير (٤) التغرير وكون الغرور مناطًا للضمان (٥). وقد قال أبو حنيفة: لو أكره الغاصب إنسانًا على تناول ذلك الطعام فالقرار على الطاعم وإن كان مجبرًا أو موجرًا كما إذا كان مختارًا في التناول (٦).

стр. 2800

فإذا فرض الفارض في صورة الإكراه فليس يجبر؛ لأنّه إنّما يصح أن لو كان في الصورة عموم وخصوص، والغرور (١) ليس أعمّ من الإجبار إذ الإجبار ينافي الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض إجبار (٢) في المغرور مع استناد اختياره إلى الاغترار فأمّا المجبر المكره فلا يتصور بصورة (٣) مغتر وإن فرض منه ظنّ فليس ذلك الاغترار المعنيّ. قال: فهذا النوع ليس بمرضي من جهة أنَّه مجانب لمحل السؤال أو لا إذ لا عموم وخصوص فيه والفرض المستحسن هو ما اشتمل على ذلك. ثمّ قال: وليس للفرض في هذه المسألة وجه أيضًا فإنّه إذا ثبت الضمان لا يستقر على المكره فكيف ينبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم في مسألة التقرير ولا معتمد في التقرير على المختار إلا الاغترار. وحاصل هذا أنَّه لا عموم وخصوص في هذه الصورة وليس للشافعي إلزام الحنفي بها؛ لأنَّ الضمان إذا ثبت لا يستقر على المكره، وهو كلام صحيح، إلا أنّ المذهب الصحيح المشهور في الجديد أنّ قرار الضمان في مسألة التغرير على الآكل دون المضيف، والصحيح في مسألة الإكراه استقرار الضمان على المكْرِه بكسر الراء على خلاف ما قاله فيهما. ثم ذكر إمام الحرمين صورة من الفرض المستحسن فقال: إذا سأل

стр. 2801

السائل (١) عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعمّ المعتق الموسر والمعسر، فإذا فرض المسؤول كلامه في المعسر كان مندرجًا تحت سؤال السائل ويستفيد الفارض بالفرض في المعسر أمرين: أحدهما: دفع أسئلة قد لا يحضر عنده الجواب عنها كسريان العتق إلى ملك الشريك فلا يلزمه إذا فرض كلامه في هذه الصورة؛ لأنَّ عتق المعسر غير سار عند الشافعي. وأحسنهما (٢) أنّ الخصم قد يتمسك في كلامه على أنّ قيمة العبد في غرض المالية منزل منزلة العبد فليس الراهن المعتق مفوتا على المرتهن غرضه من الاستيثاق فإنه إذا أقام قيمة العبد مقامه هنا لم يكن معترضًا على محل حق المرتهن. قال وهذا لا حقيقة له إذ ليس هو مبني على مذهب من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقام المقوم بل سبب نفوذه الملك وصحة العبارة فاستفاد الفارض بفرضه المسألة في المعسر قطع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر لها. قال: فليكن قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك ويتجه للفارض في المعسر أنْ يقول يستأصل المعسر المعتق لو نفذ عتقه حقّ المرتهن بكماله ويشير إلى أنَّه لا يجد ما يقيمه مقام المرهون فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية.

стр. 2802

قال وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفي فيما يقرره بأنّه لو نفذ أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين الرهن وإذا كفى هذا فأي حاجة للتعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة قال: ويوشك لو لم يتفطن الفارض أنَّه يقع في المحذور الذي ذكرناه وهو التعلق بما لا اعتبار به ولا وقع له. فإن قال قائل ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة قطع المالية بالكلية وقطع حق المرتهن من العين المخصوصة فيعلل امتناع النفوذ بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق من عين العبد فإن هذا شيء يعم المعسر والموسر. فنقول هذا هو الغرض من سياق هذا الكلام وهذا ليس بشيء فإنّ المالية ليست مرعية في حقّ المرتهن وإنما المعتبر اختصاص استحقاق استيثاقه بعين يستمسك بها إذا عرضت له توقعات العسر في الدّين الذي يقع في الذمّة وهو تأثر مسبوق بالعين التي (١) استمسك بها فهذا غرض الرهن (٢) وإذا كان الراهن مطالبًا بالدّين فقد خرج عن (٣) مقصود الرهن. قال: ولهذا السّر لا يجوز رهن الدّين. نعم لو فرض من الراهن إتلاف المرهون فالشرع يتقاضاه أنْ يقيم قيمته مقامه إذ مسلك (٤) الشرع إثبات

стр. 2803

الضمان جبرانًا لكلّ بدل فائت فلا ينبغي أنْ تعدّ قضايا الشرع في مظانّ الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول اهـ. (١) وهو بليغ لا معترض عليه ومراده أنّ هذه الصورة إن أوردها عليه من يقول باجتماع العلتين خلص (٢) عن إيراده بأن يقول: العلّة عندي واحدة وهي (٣) ما ذكرت وإن اعتقد الخصم أنّ المالية مرعية فلا مبالاة بمعتقده. ثم قال: وهذا يناظر عندي مسلكي في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف في أحد عوضين وقد زلّ جماهير الفقهاء فاعتقدوا أنّ التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة [في الأساليب] (٤) وهذا زلل وسوء مدرك فإنّ العقد ما أنشئ على التوزيع. وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة (٥) إليه (٦) اهـ. ومناظره ما ذكر؛ لأنَّ قضايا الشرع في محل الضرورة لا يعدّ من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول ظاهرة على مسلكه كما ذكر ولكن هو مسلك حاد به عن سبيل الأصحاب ومع ذلك هو مدخول.

стр. 2804

ومن وجوه الاعتراض عليه ما ذكره الرافعي فقال: أليس قد ثبت التوزيع المفصّل في مسألة الشفعة وهي ما إذا باع شقصًا من عقار وسيفا بألف ولولا أنَّه قضية العقد لكان ضمّ السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة للشفعة فإنّها قد تندفع بأسباب وعوارض (١). واعترض عليه أيضًا حيث قال المعتمد عندي في التعليل أنّا تعبدنا بالمماثلة تحقيقًا وإذا باع مدًّا ودرهما بمدّين لم تتحقق المماثلة، فيفسد العقد فإنّ للخصم أنْ يقول تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أم على الإطلاق إنْ قلنا بالثاني فممنوع وإن قلنا: بالأوّل فمسلم، ولكنّه ليس صورة المسألة إلّا أنّ هذا اعتراض ضعيف ولا سيما في الغرض الذي فرضه وهو إذا باع مدّا ودرهما بمدين فإنّه يصحّ في هذه الصورة أنَّه باع تمرا بتمر؛ لأنَّ التمر الذي مع الدرهم مبيع قطعًا ولا مقابل له إلا تمر ومتى صدق أنَّه باع تمرا بتمر وجبت المماثلة بالنّص، وتمحضُ المفاضلة قيدٌ زائد لم يدلّ عليه دليل فالكلام في هذا دخيل في الكتاب. ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب. ثم قال: وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صائرًا إلى أنّ الراهن إذا كان موسرًا ينفذ إعتاقه ويلزمه إحلال القيمة موضع العبد وإن كان معسرًا لا ينفذ إعتاقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه بتقدير نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه ذلك

стр. 2805

بتفصيل مذهبه في تسرية عتق الشريك إذا كان موسرًا دون ما إذا كان معسرًا فاتحاد العلّة على هذا المذهب أوضع (١) فإنّ صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة الرهن من عرض (٢) الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من عتق الرهن عنده وقع أصلا فلذلك ينفذ عتق الراهن الموسر فلم ينتظم على المسلكين علّتان عامة وخاصة في صورة الفرض. ثمّ قال: إذا فرض الشافعي الكلام في مسألة ضمان منافع المغصوب في طرف الإتلاف طرد ما يرتضيه في الباب؛ فقد يعتقد الفطن أنَّه يجتمع في هذا الطرف معنيان: أحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك اختار القاضي (٣) تعيين هذا الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به (٤). وقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت يد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين بحكم واحد. ونحن نقول فيه: العلّة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإنّ المتلف (٥) الحاصل تحت اليد العادية إنّما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد بمنع الحق مستحقه فصار الضياع الذي يقع سماويًا في اطراد منع
следующие страницы →