السائل (١) عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعمّ المعتق الموسر والمعسر، فإذا فرض المسؤول كلامه في المعسر كان مندرجًا تحت سؤال السائل ويستفيد الفارض بالفرض في المعسر أمرين:
أحدهما: دفع أسئلة قد لا يحضر عنده الجواب عنها كسريان العتق إلى ملك الشريك فلا يلزمه إذا فرض كلامه في هذه الصورة؛ لأنَّ عتق المعسر غير سار عند الشافعي.
وأحسنهما (٢) أنّ الخصم قد يتمسك في كلامه على أنّ قيمة العبد في غرض المالية منزل منزلة العبد فليس الراهن المعتق مفوتا على المرتهن غرضه من الاستيثاق فإنه إذا أقام قيمة العبد مقامه هنا لم يكن معترضًا على محل حق المرتهن.
قال وهذا لا حقيقة له إذ ليس هو مبني على مذهب من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقام المقوم بل سبب نفوذه الملك وصحة العبارة فاستفاد الفارض بفرضه المسألة في المعسر قطع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر لها.
قال: فليكن قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك ويتجه للفارض في المعسر أنْ يقول يستأصل المعسر المعتق لو نفذ عتقه حقّ المرتهن بكماله ويشير إلى أنَّه لا يجد ما يقيمه مقام المرهون فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية.
стр. 2802
قال وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفي فيما يقرره بأنّه لو نفذ أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين الرهن وإذا كفى هذا فأي حاجة للتعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة قال: ويوشك لو لم يتفطن الفارض أنَّه يقع في المحذور الذي ذكرناه وهو التعلق بما لا اعتبار به ولا وقع له.
فإن قال قائل ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة قطع المالية بالكلية وقطع حق المرتهن من العين المخصوصة فيعلل امتناع النفوذ بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق من عين العبد فإن هذا شيء يعم المعسر والموسر.
فنقول هذا هو الغرض من سياق هذا الكلام وهذا ليس بشيء فإنّ المالية ليست مرعية في حقّ المرتهن وإنما المعتبر اختصاص استحقاق استيثاقه بعين يستمسك بها إذا عرضت له توقعات العسر في الدّين الذي يقع في الذمّة وهو تأثر مسبوق بالعين التي (١) استمسك بها فهذا غرض الرهن (٢) وإذا كان الراهن مطالبًا بالدّين فقد خرج عن (٣) مقصود الرهن.
قال: ولهذا السّر لا يجوز رهن الدّين. نعم لو فرض من الراهن إتلاف المرهون فالشرع يتقاضاه أنْ يقيم قيمته مقامه إذ مسلك (٤) الشرع إثبات
стр. 2803
الضمان جبرانًا لكلّ بدل فائت فلا ينبغي أنْ تعدّ قضايا الشرع في مظانّ الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول اهـ. (١)
وهو بليغ لا معترض عليه ومراده أنّ هذه الصورة إن أوردها عليه من يقول باجتماع العلتين خلص (٢) عن إيراده بأن يقول: العلّة عندي واحدة وهي (٣) ما ذكرت وإن اعتقد الخصم أنّ المالية مرعية فلا مبالاة بمعتقده.
ثم قال: وهذا يناظر عندي مسلكي في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف في أحد عوضين وقد زلّ جماهير الفقهاء فاعتقدوا أنّ التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة [في الأساليب] (٤) وهذا زلل وسوء مدرك فإنّ العقد ما أنشئ على التوزيع. وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة (٥) إليه (٦) اهـ.
ومناظره ما ذكر؛ لأنَّ قضايا الشرع في محل الضرورة لا يعدّ من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول ظاهرة على مسلكه كما ذكر ولكن هو مسلك حاد به عن سبيل الأصحاب ومع ذلك هو مدخول.
стр. 2804
ومن وجوه الاعتراض عليه ما ذكره الرافعي فقال: أليس قد ثبت التوزيع المفصّل في مسألة الشفعة وهي ما إذا باع شقصًا من عقار وسيفا بألف ولولا أنَّه قضية العقد لكان ضمّ السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة للشفعة فإنّها قد تندفع بأسباب وعوارض (١).
واعترض عليه أيضًا حيث قال المعتمد عندي في التعليل أنّا تعبدنا بالمماثلة تحقيقًا وإذا باع مدًّا ودرهما بمدّين لم تتحقق المماثلة، فيفسد العقد فإنّ للخصم أنْ يقول تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أم على الإطلاق إنْ قلنا بالثاني فممنوع وإن قلنا: بالأوّل فمسلم، ولكنّه ليس صورة المسألة إلّا أنّ هذا اعتراض ضعيف ولا سيما في الغرض الذي فرضه وهو إذا باع مدّا ودرهما بمدين فإنّه يصحّ في هذه الصورة أنَّه باع تمرا بتمر؛ لأنَّ التمر الذي مع الدرهم مبيع قطعًا ولا مقابل له إلا تمر ومتى صدق أنَّه باع تمرا بتمر وجبت المماثلة بالنّص، وتمحضُ المفاضلة قيدٌ زائد لم يدلّ عليه دليل فالكلام في هذا دخيل في الكتاب. ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب.
ثم قال: وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صائرًا إلى أنّ الراهن إذا كان موسرًا ينفذ إعتاقه ويلزمه إحلال القيمة موضع العبد وإن كان معسرًا لا ينفذ إعتاقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه بتقدير نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه ذلك
стр. 2805
بتفصيل مذهبه في تسرية عتق الشريك إذا كان موسرًا دون ما إذا كان معسرًا فاتحاد العلّة على هذا المذهب أوضع (١) فإنّ صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة الرهن من عرض (٢) الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من عتق الرهن عنده وقع أصلا فلذلك ينفذ عتق الراهن الموسر فلم ينتظم على المسلكين علّتان عامة وخاصة في صورة الفرض.
ثمّ قال: إذا فرض الشافعي الكلام في مسألة ضمان منافع المغصوب في طرف الإتلاف طرد ما يرتضيه في الباب؛ فقد يعتقد الفطن أنَّه يجتمع في هذا الطرف معنيان:
أحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك اختار القاضي (٣) تعيين هذا الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به (٤). وقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت يد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين بحكم واحد.
ونحن نقول فيه: العلّة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإنّ المتلف (٥) الحاصل تحت اليد العادية إنّما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد بمنع الحق مستحقه فصار الضياع الذي يقع سماويًا في اطراد منع
стр. 2806
المتعدي مشبها بإتلافه وإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبّه بالإتلاف معنى والإتلاف هو المشبّه به واعتقاد اجتماع المشبّه والمشبّه به في صورة واحدة محال أهـ (١).
وهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين.
ولنعد إلى الكلام على ما استدل به صاحب الكتاب على اختياره فنقول: وأما ما استدل به على المنع في المستنبطة فلولا مراعاة الإنصاف (٢) لما رددناه لأنَّه ماش على معتقدنا ولكنّا نقول للخصم أنْ يقول: لا نسلم أنّ ظنّ ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين يمنع ظنّ ثبوته لأجل الأمر الآخر أو المجموع وإنما يكون ذلك أن لو تاقت عليّة أحدهما للحكم عليّة الآخر وهو أول النزاع.
فإن قلت: قد تحصل لنا من اختيارك موافقة إمام الحرمين على عدم وقوع اجتماع العلل على المعلول الواحد وما دللت عليه بل زدت على هذا أنْ أبطلت الدليل على المنع في المستنبطة وهو بعض مطلوبك.
قلت: طال الفصل وما بقي الشرح يحتمل أكثر من هذا التطويل ولذلك لم يشتغل بالكلام في حجج بقية المذاهب، ولعلنا نقرر اختيارنا في مجموع آخر (٣) وبالله الوفيق.
стр. 2807
قال ﵀: (الثالث الكسرُ وهو عدم تأثير (١) أحد الجزئين ونقض الآخر.
كقولهم: صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها.
قيل: خصوصية الصلاة ملغى؛ لأنَّ الحجّ كذلك فبقي كونه عبادة، وهو منقوض بصوم الحائض).
اتفق أكثر أهل العلم كما ذكره الشيخ أبو إسحاق في الملخص (٢) وغيره على صحّة الكسر وإفساد العلّة به، وهذا ما اختاره (٣) الإمام (٤) والمصنف والآمديّ (٥)، وهو نقض من طريق (٦) المعنى وإلزام من سبيل (٧) الفقه، وعبَّر عنه الآمدي وابن الحاجب بالنّقض المكسور وجعلا الكسر قسمًا آخر غيره (٨)، وهو تعبير حسن (٩).
стр. 2808
وعبَّر عنه المصنف بأنَّه عدم تأثير أحدِ جزأي المركب الذي ادّعى المستدل عليّته ونقض الآخر.
ومثّل له تبعًا للإمام (١) بما إذا قيل: على لسان الشافعية في (٢) إثبات صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن (٣).
فيقول: المعترض خصوصية كونها صلاة ملغاة لا أثر لها؛ لأنَّ الحجّ أيضًا كذلك فلم يبق غير كونها عبادة وهو منقوض بصوم الحائض حيث
стр. 2809
كان عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم فيكون ذلك قدحًا في تمام العلّة بعدم التأثير وفي جزئها بالنّقض.
فنقول (١): واعترض بأنّ العلّة إذا كانت مركبة فكلّ جزء من أجزائها يكون ملغى بالنسبة إلى ذلك الحكم، وحينئذ فالكسر غير صحيح؛ لأنَّ العلّة المجموعُ، ولم يرد النقض عليه وهو ضعيف؛ لأنَّ المعترض أزال الوصف الخاص بالنّقض وألزم بالوصف العام فصار المستدل عنده معللا بالوصف العام مع الوصف الآخر فوجَّه النقضّ عليه بعد ذلك فلم يرد إلا على المجموع هذا شرح ما في الكتاب.
وتعبيره عن الكسر بأنّه عدم تأثير أحد الجزأين ونقض الآخر تعبير لم يصرح به الإمام وإنْ دلّ عليه قوله، فيكون ذلك قدحًا في تمام العلّة بعدم التأثير وفي جزئها بالنقض والأمر فيه قريب.
ومن أمثلته أيضًا أن يقال على لسان الشافعية في بيع ما لم يره المشتري: مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلم يصحّ، كما لو قال: بعتك ثوبا (٢).
فيقول: المعترض ينكسر بهذا ما (٣) إذا نكح امرأة لم يرها، فإنّه يصحّ نكاحها مع كونها مجهولة الصفة عند العاقد فهذا كسر؛ لأنّه نقض من طريق المعنى بدليل أنّ النّكاح في الجهالة كالبيع بدليل أنّ الجهل بالعين في كلّ منهما يوجب الفساد.
стр. 2810
وإذا أردت تنزيل هذا المثال على عبارة المصنف. قلت: خصوص (١) كونه مبيعًا ملغى؛ لأنَّ المرهون كذلك فبقيَ (٢) كونه عقدًا وهو منقوضٌ بالنّكاح وليس للمعترض إيراد الوصية بدل النّكاح؛ لأنّها ليست في (٣) معنى البيع في باب الجهالة ألا ترى أنّ شيئًا من الجهالات لا ينافيها بخلاف النّكاح؟ .
ومنها: أنْ يقال على لسان الشافعية في إيجاب الكفارة في قتل العمد: قتلُ مَن يضمن بدية أو قصاص بغير إذن شرعي فيجب كفارته كالخطأ.
فيقول المعترض: خصوص كونه يضمن بالدّية أو القصاص ملغى لأنّها تجب على السيد في قتل عبده فبقِي كونه آدميًا، وهو منقوضٌ بالحربيِّ والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن ولو أنّ المستدل قال: قتل معصوم الدم لما توجه عليه كسر.
ومنها: أن يقال على لسان الشافعية: صلاةُ الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر (٤) إقامتها إلى إذن السلطان كالظهر (٥).
فيقول: المعترض خصوص كونها مفروضة ملغى؛ لأنَّ التطوع كذلك فبقي كونها صلاة مطلوبة وهو منقوض بصلاة الاستسقاء، وإنما قلنا
стр. 2811
مطلوبة ولم نقتصر على قولنا صلاة لتكون العلّة مركبة كما أتى بها المستدل.
قال: (الرابع القلب وهو أن يربط خلاف قول المستدل على علّته إلحاقًا بأصله)
عرف القلب بأن يربط المعترض خلاف قول المستدل على علّته (١) التي ذكرها إلحاقًا بالأصل الذي جعله مقيسًا عليه (٢).
وإنما قال خلاف قوله ولم يقل نقيض قوله كما فعل الإمام (٣)؛ لأنَّ الحكم الذي يثبته القالب جاز أنْ يكون مغايرًا لا نقيضًا، ولكنْ للعبارة التي ذكرها الإمام فائدة ستعرفها إن شاء الله تعالى.
ولقائل أنْ يقول: هذا ليس بجامع؛ لأنّه يخرج بقوله على علّته القلب
стр. 2812
في غير القياس.
والمصنف تبع الإمام حيث قال: "في قياس" ولعلهما أرادا تعريف قلب خاص وهو الواقع في القياس؛ لأنَّ الكلام في مبطلات العلّة، وليس بمانع لجواز أنْ يربط المعترض مسألة أخرى غير التي ذكرها المستدل على علّته ويصدق ربط خلاف قوله على علّته وليس ذلك بقلب فكان ينبغي أنْ يزيد في (١) التعريف، ويقول: أنْ يربط خلاف قول المستدل في مسألته على علّته ويزيد أيضًا على ذلك الوجه وإلّا لم يكن مانعًا أيضًا؛ لجواز أنْ يثبته في تلك المسألة لكن على غير ذلك الوجه.
مثل أنْ يستدل بنص بطريق الحقيقة والمعترض يستدل عليه في تلك المسألة بطريق التجوز وإنْ أريد (٢) تعريف القلب مطلقًا فيقال: هو بيان أنّ ما ذكره المستدل يدلّ (٣) عليه في تلك المسألة على ذلك الوجه.
قال: (وهو إمّا نفي مذهبه صريحًا كقولهم: المسح ركن من الوضوء، فلا يكفي أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كالوجه.
فنقول: ركن منه فلا يتقدر منه بالربع كالوجه.
أو ضمنًا كقولهم: بيع الغائب عقد معاوضة فيصح كالنّكاح.
стр. 2813
فنقول: لا يثبت فيه خيار الرؤية.
ومنه قلب المساواة كقولهم: المكره مالك مكلف فيقع طلاقه كالمختار.
فنقول: فيسوى بين إقراره وإيقاعه.
أو إثبات مذهب المعترض كقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون (١) بمجرده قربة كالوقوف بعرفة.
فنقول: فلا يشترط الصوم فيه كالوقوف بعرفة).
قسم القلب إلى ثلاثة أقسام (٢):
стр. 2814
الأول: أنْ يكون لنفي (١) مذهب المستدل صريحًا وهو قسمان: -
أحدهما: وعلى ذكره اقتصر المصنف أنْ لا يدل مع النفي على صحة مذهب المعترض صريحًا.
كقولهم مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كالوجه.
فنقول: ركن من أركان الوضوء (٢) فلا يتقدر بالربع كالوجه فهذا نفي لمذهب المستدل بالصراحة، ولا إثبات فيه لمذهب المعترض بالصراحة؛ لجواز أنْ يكون الحقّ في جانب ثالث وهو الاستيعاب كما هو قول المالكي، نعم يدلّ عليه بواسطة اتفاق الإمامين على أحد الحكمين ونفي ما عداهما.
وثانيهما: أنْ يدلّ على الأمرين معًا.
стр. 2815
كما إذا قيل على لسان الشافعية في البيع الموقوف: عقد عقده قي حقّ الغير من غير ولاية ولا استنابة، فلا يصحّ كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه (١).
فيقول الخصم: عقد عقده في حقّ الغير من غير ولاية ولا استنابة، فكان صحيحًا كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه.
القسم الثاني: أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنًا أي لنفي لازم من لوازم مذهب المستدل؛ لانتفاء الحكم بانتفاء لازمه.
كقولهم: بيع الغائب صحيح (٢) كنكاح الغائبة (٣) بجامع أنّ كلّ واحدٍ منهما عقد معاوضة.
فيقول: فلا تثبت الرؤية في بيع الغائب قياسًا على النكاح بجامع المذكور، ويلزم من نفي خيار الرؤية نفي صحة بيع الغائب إذ خيار الرؤية لازم لصحة بيع الغائب بدليل أنّ من قال بصحته قال بثبوت خيار الرؤية فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فالحكمان أعني الصحة ونفي الخيار لا تنافي بينهما في الأصل وهو النّكاح لاجتماعهما فيه وهما متنافيان في الفرع وهو
стр. 2816
بيع الغائب.
قوله: "ومنه": أي ومن هذا القسم الثاني: قلب المساواة وهو أنْ يكون في الأصل حكمان
أحدهما: منتف في الفرع بالاتفاق من الخصمين والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد أنْ يثبته في الفرع بالقياس على الأصل.
فيقول المعترض: تجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل (١) ويلزم من وجوب التسوية بينهما في الفرع عدم ثبوته فيه.
كقولهم في طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار (٢).
فنقول: مكلف مالك فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار (٣) ويلزم من هذا أنْ لا يقع طلاقه ضمنًا؛ لأنّه إذا ثبتت المساواة بين إقراره وإيقاعه، وإقرارُه غير معتبر بالاتفاق فيكون إيقاعه أيضًا غير معتبر.
стр. 2817
فإن قلت: الحاصل في الأصل اعتبارهما معًا وفي الفرع عند المعترض عدم اعتبارهما بمقتضى القلب فأين التسوية بينهما في الحكم؟ وكيف يسمى هذا بقلب المساواة؟ .
قلت: القياس على الأصل إنّما هو من حيث عدم الاختلاف وهو ثابت فيه لكن عدم اختلاف الأصل في ثبوت الصحة فيهما وفي الفرع في عدم ثبوت الصحة فيهما وهو غير متناف للاشتراك في أصل الاستواء فظهرت التسوية وصحة التسمية.
القسم الثالث: أنْ يكون لإثبات مذهب المعترض صريحًا.
كقولهم: الاعتكاف مكث في محل مخصوص (١)، فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة حيث لم يكن قربة بغير الإحرام وغرضهم التعرض لاشتراط الصوم فيه (٢) ولكنهم لم يستمكنوا من التصريح باشتراطه؛ لأنّه لو صرح بذلك لم يجد أصلًا.
فنقول: مكث في محل مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفة فهذا القسم يتعرض للعلّة تعرضًا كليًا، ويثبت مذهب المعترض صريحًا وهو عدم اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف.
قال: (قيل: المتنافيان لا يجتمعان.
قلنا: التنافي حصل فى الفرع لغرض الإجماع)
стр. 2818
أنكر بعض الناس إمكان القلب على الوجه الذي تقدم تعريفه محتجًا بأنّ الحكمين أعني ما يثبته المستدل وما يثبته القالب، إن لم يتنافيا فلا قلب إذ لا امتناع (١) في أنْ تكون العلّة الواحدة مقتضية لحكمين غير متنافيين فلا تفسد به العلّة وهذا يعرفك فائدة قول الإمام في التعريف نقيض الحكم كما سبقت (٢) الإشارة إليه وإن تنافيا استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الردّ إلى ذلك الأصل بعينه فلا يكون قلبًا إذ لا بد فيه من الردّ إلى ذلك الأصل.
والجواب: أنّ الحكمين غير متنافيين لذاتيهما فلا جرم يصحّ اجتماعهما في الأصل لكن دلّ دليل (٣) منفصل (٤) على امتناع اجتماعهما في الفرع وهو إجماع (٥) الخصمين على أنّ الثابت فيه إنّما هو أحد الحكمين.
فالتنافي (٦) حصل في الفرع بعرض الإجماع، والعَرض بالعين المهملة أي بالأمر العارض (٧) للفرع وهو إجماع الخصمين وإنما نبهنا عليه لوقوع الغلط
стр. 2819
فيه.
وهذا الكلام كما أنَّه جواب فهو ابتداء دليل على القلب.
والمختار عند جماهير الأصوليين أنّ القلب حجّةٌ قادح في العلّة وإن اختلفوا في بعض أنواعه وذكر الشيخ أبو علي الطبري (١) من أئمة أصحابنا أنَّه من ألطف ما يستعمله المناظر (٢).
قال الشيخ أبو إسحاق وسمعت القاضي أبا الطيب يقول: إن هذا القلب إنّما ذكره المتأخرون من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة بقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" في مسألة السّاجة (٣)، قال: وفي هدم البناء ضرر
стр. 2820
بالغاصب.
فقال له: أصحابنا وفي منع صاحب الساجة من ساجته إضرار به.
فقال: يجب أنْ يذكر مثل هذا في القياس (١).
ثم أعلا مراتبه ما يدل على بطلان مذهب الخصم وإثبات مذهب المعترض وهو الذي عليه المعظم ولا يخفى عليك الترتيب مما تقدم.
وأما قلب التسوية فذهب القاضي في مختصر التقريب والإرشاد وغيره إلى بطلانه مع القول بأصل القلب (٢).
قال: (تنبيه: القلب: معارضة إلا أنّ علة المعارضة وأصلها قد يكون مغايرًا لعلة المستدل وأصله).
القلب في الحقيقة معارضة؛ وذلك أنّ المعارضة تسليم دليل الخصم وإقامة دليل آخر على خلافه وهذا صادق على القلب إلّا أنّ الفرق بينهما فرق ما بين العموم والخصوص؛ وذلك أنّ العلّة المذكورة في المعارضة والأصل المذكور فيها (٣) قد تغاير العلّة والأصل اللذين أتى بهما المستدل
стр. 2821
بخلاف القالب فإنّ علّته وأصله هما علتا المستدل وأصلُه.
ومنْ النّاس من لم يجعل القلب معارضة، بل مناقضة لبعض مقدمات الدليل (١).
فيقال: لو كان الوصف المذكور علّة لِما ذكرت لم يكن علّة لما ينافيه معنى ما ذكرت والشيء الواحد لا يعلل به المتنافيان وإلا لاجتمعا.
وقال الشيخ: أبو إسحاق إنّ هذا يكثر في إيراد القلب (٢).
قلت: وهذا القول لازم لهؤلاء الذين عدّوا القلب من مفسدات العلّة ولا يغتر (٣) بهم وإلا فالقالب كيف يفسدها مع احتجاجه بها.
ومنهم من يقول: القلب شاهد زور كما يشهد لك يشهد عليك.
قال (الخامس: القول بالموجب وهو تسليم قول المستدل مع بقاء الخلاف.
مثاله في النفي: أن يقول التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص.
فيقول: مسلم، ولكن لما لا يمنعه غيره ثم لو بينا أنّ الموجب قائم ولا
стр. 2822
مانع غيره لم يكن ما ذكرنا تمام الدليل.
وفي الثبوت قولهم: الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة (١) كالإبل.
فيقول: مسلم في زكاة التجارة).
القول بالموجب (٢): هو تسليم مقتضى ما نصبه (٣) المستدل دليلًا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما فيه، وذلك بأن نظر المعلل أنّ ما أتى به مستلزم لمطلوبه من حكم السألة المتنازع فيها مع كونه غير مستلزم فلا ينقطع النزاع بتسليمه.
وهذا التعريف أولى من قول الإمام: تسليم ما جعله المستدل موجب العلّة (٤) لكونه لا يتناول غير القياس.
стр. 2823
والقول بالموجب لا يختص بالقياس وليت المصنف عمل كذلك (١) في القلب إلا أنّا اعتذرنا عنه ثمّ بما هو عذرٌ للإمام هنا. والقول بالموجب من أحسن ما يجيء به المناظر.
وقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢) فإذا كان الأعزّ يخرج الأذلّ فأنتم المخرَجون بفتح الراء (٣) وهو قادح في الدليل؛ لأنّه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أنّ ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي رام إثباته أو نفيه، كذا ذكره صفي الدّين الهندي (٤) وغيره، وهو مقتضى كلام الآمدي (٥). والمراد بهذا التقرير جعله من مفسدات العلّة.
ولقائل أنْ يقول هذا التقرير يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته بل الحق أنّ القول بموجب الدليل تسليم له وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين وإليهم المرجع في ذلك وحينئذ لا يتجه عنده من مبطلات العلّة.
ثمّ القول بالموجب له حالتان:
إحداهما: أنْ يكون في جانب النفي كقولنا: في القتل بالمثقل (٦)
стр. 2824
التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالتفاوت في المتوسل إليه فإنّ الوضيع والشريف وغير ذلك على السواء في القصاص.
فيقول: الخصم أقول (١) بموجبه لكن لم لا (٢) يجوز أنْ يمنعه مانعٌ آخر غير التفاوت في الوسيلة؟ بأن يكون في المثقل وصفٌ مانعٌ (٣) من القصاص غير ذلك أو (٤) فقدان شرط فإنّه لا يلزم من عدم مانعية ذلك عدم مانعية ما عداه. ثم أنّا لو ادعينا بعد ذلك أنَّه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع وبينّاه: بأنّ المقتضي للقصاص قائم في محل النزاع وأنّه لا مانع فيه غير التفاوت في الوسيلة بالأصل أو بغيره من الأدلة لم يكن ما ذكرناه أولا تمام الدليل بل جزءا منه فيكون ذلك انقطاعًا (٥).
والثانية: أنْ يكون في جانب الثبوت نحو قولهم: الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة كالإبل.
فنقول: بالموجب إذ يجب فيها زكاة التجارة والنّزاع ليس إلا في زكاة العين ودليلكم إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة.
فلئن قال المعلل: إنّ هذا ليس قولا بالموجب؛ لأنَّ كلامنا في زكاة
стр. 2825
العين والألف واللام التي في الزكاة المذكورة للعهد فينصرف إليه. وحينئذ ليس ما التزمتوه قولًا بالموجب.
قلنا: العبرة بدلالة اللفظ لا بالقرينة وشيء من ألفاظ القياس في (١) العلّة وغيرها لا يأبى ذلك بل يصدق عليه فكان قولًا بالموجب كذا أجاب الهندي (٢).
ولك أنْ تقول الحمل على العهد مقدّم على الجنس والعموم على ما هو مقرر في موضعه (٣) ومدلوله غير مدلولهما وإنّما يصح ما ذكرتم أنْ لو
أمكن حمله على غير العهد.
ثمّ (١) إنّ العلّة في المثال المذكور كون الخيل يسابق عليها وليس هذا الوصف المقتضي لزكاة التجارة إنّما الوصف المقتضي لذلك النّماء الحاصل فيها هذا شرح ما في الكتاب.
وقد علمت به أنّ المستدل إمّا أنْ ينصب دليله على إبطال مذهب خصمه، فيقول الخصم بموجبه وهو الأغلب ورودًا في المناظرات كالمثال الأول، وإمّا أنْ (٢) ينصبه على تحقيق مذهبه كالمثال الثاني.
ومن أمثلة الفصل: ما لو قيل على لساننا (٣): الجاني الملتجئ إلى الحرم وجد فيه سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزًا (٤).
فيقول: الخصم أقول بموجب هذا الدليل فإن الاستيفاء عندي جائز بعد الخروج من الحرم، والنزاع ليس إلا في الاستيفاء في الحرم فإنّي أدعي أنّ (٥) الاستيفاء فيه هتك لحرمته.
стр. 2828
ومنها: لو قيل: في نصرة أحد الوجهين الملتجئ إلى المسجد الحرام وجد فيه سبب استيفاء القصاص فتبسط الانطاع (١) ويستوفى منه فيقول: ناصر الوجه الأصحّ يستوفى منه بعد الإخراج. وهذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد.
ومنها: لو قال من نصر القول القديم (٢) من ضلّ ماله أو غصب أو سرق وتعذر انتزاعه أو أودعه فجحد أو وقع في بحر فلا زكاة فيه، وإلا لوجب أداؤه؛ لأنّه مال يجب زكاته فيجب أداؤها قياسا على سائر الأموال الزكوية.
فيقول ناصر الجديد (٣): أقول بموجبه فإنه يجب أداؤها إذا وجده. والكلام فيما قبله ولا قائل به.
قال: (السادس الفرق وهو جعل تعيين الأصل علّة والفرع مانعًا والأول يؤثر حيث لم يجز التعليل بعلتين والثاني عند من جعل النقض مع
стр. 2829
المانع قادحًا).
ذهب جماهير الفقهاء إلى أنّ الفرق (١) أقوى الاعتراضات
стр. 2830
وأجدرها بالاعتناء به وقال ابن السمعاني: جعل كثير من فقهاء الفريقين الفرق أقوى سؤال وظنوّه فقه المسألة قال وبه يتمسك المناظرون من فقهاء غزنة (١) وكثير من بلدان خراسان (٢). قال وهو
стр. 2831
عند المحققين أضعف سؤال يذكر (١).
وهو ضربان.
الأول: أنْ يجعل المعترض تعين أصل القياس علّة لحكمه.
كما لو قال الذائد عن الشافعية: النية في الوضوء واجبة؛ لأنها طهارة عن حدث فوجبت كالتيمم والجامع أنّهما طهارتان. قال الشافعي ﵁: طهارتان فأنى يفترقان (٢).
فيقول الخصم: الفرق ثابت بين الأصل والفرع، فإنّ العلّة في وجوب النيّة في التيمم خصوصيته التي لا تعدوه وهي كونه ترابًا.
وقد (٣) وقع في كلام بعض الشارحين أنّ الخصوصية كونه طهارة ضعيفة وهذا عريٌّ عن التحقيق، فإن ضعف الطهارة لا تختص بالتيمم فإنّ
стр. 2832
وضوء المستحاضة ومن به سلس البول وسلس الذيّ كذلك، ثمّ إنّ ضعف الطهارة لا يمنع من وجوب النيّة إذ تجب النيةّ على ما ذكرناه في وضوئه عند من يوجبها في مطلق الوضوء.
وقد بنى المصنف القول في أنّ هذا الضرب هل يقدح على تعليل الحكم الواحد بعلتين فصاعدًا، وقد سلف القول البليغ فيه وهو في هذا البناء تابع للجماهير من المتقدمين والمتأخرين ووجه البناء واضح.
فإنّ السائل إذا عارض علّة الأصل التي جعلها المسؤول رابطة القياس بعلّة أخرى فمن منع التعليل بعلتين رآه اعتراضًا واقعًا يجب الجواب عنه، وإلا (١) يلزمه تعدد العلّة ومن لم يمنع لم ير ذلك قادحًا، إذْ لا امتناعَ في إبداءِ معنىً آخرَ، واجتماع علتين؛ القدرِ المشتركِ والتعيينِ (٢) الخاصِ، وبهذا ضَعَّفَ ابنُ السمعاني الفرقَ (٣).
وفي تضعيفه بذلك نظر؛ لأنا إذا بنينا الأمر على مسألة التعليل بعلتين نقول له: إنّما يضعف الفرق لو جعلنا التعليل بالعلتين جائزًا، أمّا إنْ منعناه فلا.
وينقدح عندي قبل هذا البناء بناءٌ آخر لم أرَ من ذكره، وهو تفريغ المسألة أولًا على التعليل بالعلّة القاصرة. فإن قلنا بمنعها فالفرق مردود؛ لأنَّ التعيين يختّص بالمحل الذي هو فيه، وهذا هو القصور، ولعل من لم
стр. 2833
يذكر ذلك لم ير التفريع على منع القاصرة لضعفه وإلا فيبين على التعليل بعلتين فإن معناه امتنع وإلا فيحتمل أنْ يقال: وإن وقع التعليل بعلتين لكن لا بد وأنْ يكون من واد واحد فلا تكون إحداهما متعدية والأخرى قاصرة؛ لأنَّ المتعدية تقتضي إلحاق فرع بالأصل، والقاصرة تقتضي الجمود فيتنافيان فيما يقتضيان.
ويحتمل أنْ يقال: يجوز (١) اجتماع القاصرة والمتعدية ولا تنافي، ويكون مقتضى القاصرة عدم التعدية بها لا بغيرها فيجوز التعدية بغيرها من دون تنافٍ.
وهذا هو الحقّ وهو مقتضى كلام ابن السمعاني (٢) وغيره من أصحابنا في العلّة القاصرة (٣).
الضرب الثاني: أنْ يجعل تعين الفرع مانعًا من ثبوت حكم الأصل فيه.
كقولهم: يقاد المسلم بالذّمّيّ قياسًا على غير المسلم بجامع القتل العمد المحض العدوان.
فنقول: الفرق أنّ تعين الفرع وهو الإسلامُ مانعٌ من وجوبِ القصاصِ عليه.
стр. 2834
ولك أنْ تقول: هذا أيضًا إنّما يأت على القول بالقاصرة.
وقد وقع في بعض الشروح أنّ تعين المسلم مانعٌ لشرفه، وهو محمول على شرفه الخاص وهو الإسلام لا مطلق شرفه وإلا لم يكن تعينًا.
ثمّ إن صاحب الكتاب بنى القول في هذا الضرب على أنّ النّقض مع المانع هل يقدح؟ فإن قلنا: بقدحه كان هذا قادحًا؛ لأنَّ الوصف الذي علّق المستدل الحكم به إذا وجد في الفرع وتخلف الحكم عنه لمانع وهو التعين فقد وجد النّقض مع المانع. والفرض أنَّه قادحٌ وإلا لم يقدح.
وقد أنهينا الكلام في المبني عليه غاية الفصل القول عنها.
هذا شرح ما في الكتاب وإذا جددت العهد بما تقدم من كلامه في المسألتين اللتين بنى عليهما القول هنا علمت أنّ الفرق بتعين الأصل، إنّما يقدح عنده في المستنبطة دون المنصوصة. وأنّ الفرق بتعين الفرع لا يقدح مطلقًا.
واعلم أنّ الفرق عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الضربين المذكورين حتّى أنَّه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا، واختلفوا في أنَّه سؤالٌ واحدٌ أو سؤالان لاشتماله على معارضة علّة الأصل بعلّة ثمّ على معارضة الفرع بعلّة مستقلة في جانب الفرع؟ .
والحقّ الذي قال إمام الحرمين أنَّه المختار (١) عنده وارتضاه كل مُنتمٍ إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين: أنّ الفرقَ صحيحٌ ومقبولٌ، وهو وإنْ
стр. 2835
اشتمل على معنى معارضة الأصل وعلى معارضة الفرع وعلى معارضة علّته (١) بعلة مستقلة، فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض منه المناقضة للجمع (٢)، فالكلام في الفرق وراء المعارضة، وخاصيته وسرّه فقه تناقض قصد الجمع، ومن ردّ الفرق لا يردّ المعارضة بل خاصية الفرق.
وذكر إمام الحرمين أنّ من الفروق ما يلحق جمع الجامع (٣) بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع فقهيًا قال: وما كان كذلك فهو مقبولٌ مجمعٌ عليه لا محالة غير معدود من الفروق التي يختلف فيها (٤).
قال: ومن (٥) هذا القسم أنْ يعيد الفارق جمع الجامع ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره مثل (٦): قول الحنفي في البيع الفاسد: معاوضة جرت على تراض فيفيد ملكًا كالصحيحة (٧).
فيقول الفارق: المعنى في الأصل أنّها معاوضة جرت على وفق الشرع
стр. 2836
فنقلت الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض الكلام إذا وفّى صاحبه بتحقيقه مبطلًا إخالة كلام المعلل وما ادعاه مشعرًا بالحكم (١).
قال: ومن خصائصه إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق (٢) بل على سبيل المفاقهة (٣) بأن يقول السائل: لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرع والطرق الناقلة على ما يعرفه الفقيه.
ثم ذكر مثالًا لا (٤) ينحط عن هذا وثالثًا يضادهما فلا يكون الفرق فيه مبطلًا بالكلية والأمثلة الجزئية يختلف الحكم فيها باختلاف الإخالة فلا وجه للتطويل بتعداد الأمثلة والإخالة لا تنضبط.
وقد أتى إمام الحرمين بعد ذلك بكلام جامع فقال: الفرق والجمع إذا ازدحما على فرع وأصل في محل النزاع. فالمختار عندنا فيه اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل أبطل الجمع وعكسه وإن استويا أمكن أنْ يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على صيغة التساوي وأمكن أنْ يقدم الجمع من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له وكلّ
стр. 2837
هذا فيما إذا كان الفرق لا يحيط (١) فقه الجمع بالكلية فإن كان ذلك ليس من الفرق المختلف فيه على ما عرفت وقد نجر تمام هذا القول فيما يفسد (٢) العلّة (٣).
واعلم أنّ صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخصّ النقض من بين المفسدات بذلك لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه، ونحن تابعناه على ما فعل، فإن ذلك نظر متمحض جدلًا لا تعلق له بصوب نظر المجتهد، وإنما هو تابع لشريعة الجدل التي وضعها أهلها باصطلاحاتهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أنْ نشح على الأوقات أنْ نضيعها بها وبتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى محزّ الخصام؛ لئلا يذهب كلّ واحد في كلامه طولًا وعرضًا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضى، فتلك فائدة ليست من أصول الفقه، فينبغي أنْ يفرد بعلم النظر، وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم، ولكن لا ينبغي أنْ يمزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين، لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة (٤). وبالله التوفيق.
قال ﵀: (الطرف الثالث في أقسام العلّة .
علّةُ الحكمِ إمّا محله أو جزؤه أو خارج عنه عقلي حقيقي أو إضافي أو سلبي أو شرعي أو لغوي متعدية أو قاصرة وعلى التقديرات إما بسيطة أو مركبة).
هذا الطرف معقود لبيان ما يظنّ أنَّه من (١) مفسدات العلّة مع أنَّه ليس كذلك وذُكِرَ قبل الخوض فيه تقسيمات للعلّة.
اعلم أنَّ كلَّ حكمٍ ثبَتَ في محلِ فعله ذلك الحكم؛ إمّا نفس ذلك المحل أو ما يكون جزءًا من ماهيته؛ إمّا العام أو الخاص أو ما يكون خارجًا عنه والخارج؛ إمّا أنْ يكون أمرًا عقليًا أو شرعيًا أو لغويًا أو عرفيًا ولم يذكره المصنف.
والعقلي: إمّا أنْ يكون حقيقيًا وهو الذي يعقل باعتبار نفسه. أو إضافيًا وهو الذي يعقل باعتبار غيره.
والحقيقي والإضافي ثبوتيان فيقابلهما السلب فحصل في العقلي ثلاثة أقسام مع الأربعة المذكورة فالأقسام سبعة:
الأول: التعليل بالمحل، مثل الذهب ربوي لكونه ذهبًا.
الثاني: بجزء المحل الخاص وهو مع الأول لا يكون إلّا في العلّة القاصرة لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص في غيره أو بجزئه