فنقلت الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض الكلام إذا وفّى صاحبه بتحقيقه مبطلًا إخالة كلام المعلل وما ادعاه مشعرًا بالحكم (١).
قال: ومن خصائصه إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق (٢) بل على سبيل المفاقهة (٣) بأن يقول السائل: لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرع والطرق الناقلة على ما يعرفه الفقيه.
ثم ذكر مثالًا لا (٤) ينحط عن هذا وثالثًا يضادهما فلا يكون الفرق فيه مبطلًا بالكلية والأمثلة الجزئية يختلف الحكم فيها باختلاف الإخالة فلا وجه للتطويل بتعداد الأمثلة والإخالة لا تنضبط.
وقد أتى إمام الحرمين بعد ذلك بكلام جامع فقال: الفرق والجمع إذا ازدحما على فرع وأصل في محل النزاع. فالمختار عندنا فيه اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل أبطل الجمع وعكسه وإن استويا أمكن أنْ يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على صيغة التساوي وأمكن أنْ يقدم الجمع من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له وكلّ
стр. 2837
هذا فيما إذا كان الفرق لا يحيط (١) فقه الجمع بالكلية فإن كان ذلك ليس من الفرق المختلف فيه على ما عرفت وقد نجر تمام هذا القول فيما يفسد (٢) العلّة (٣).
واعلم أنّ صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخصّ النقض من بين المفسدات بذلك لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه، ونحن تابعناه على ما فعل، فإن ذلك نظر متمحض جدلًا لا تعلق له بصوب نظر المجتهد، وإنما هو تابع لشريعة الجدل التي وضعها أهلها باصطلاحاتهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أنْ نشح على الأوقات أنْ نضيعها بها وبتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى محزّ الخصام؛ لئلا يذهب كلّ واحد في كلامه طولًا وعرضًا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضى، فتلك فائدة ليست من أصول الفقه، فينبغي أنْ يفرد بعلم النظر، وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم، ولكن لا ينبغي أنْ يمزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين، لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة (٤). وبالله التوفيق.
قال ﵀: (الطرف الثالث في أقسام العلّة .
علّةُ الحكمِ إمّا محله أو جزؤه أو خارج عنه عقلي حقيقي أو إضافي أو سلبي أو شرعي أو لغوي متعدية أو قاصرة وعلى التقديرات إما بسيطة أو مركبة).
هذا الطرف معقود لبيان ما يظنّ أنَّه من (١) مفسدات العلّة مع أنَّه ليس كذلك وذُكِرَ قبل الخوض فيه تقسيمات للعلّة.
اعلم أنَّ كلَّ حكمٍ ثبَتَ في محلِ فعله ذلك الحكم؛ إمّا نفس ذلك المحل أو ما يكون جزءًا من ماهيته؛ إمّا العام أو الخاص أو ما يكون خارجًا عنه والخارج؛ إمّا أنْ يكون أمرًا عقليًا أو شرعيًا أو لغويًا أو عرفيًا ولم يذكره المصنف.
والعقلي: إمّا أنْ يكون حقيقيًا وهو الذي يعقل باعتبار نفسه. أو إضافيًا وهو الذي يعقل باعتبار غيره.
والحقيقي والإضافي ثبوتيان فيقابلهما السلب فحصل في العقلي ثلاثة أقسام مع الأربعة المذكورة فالأقسام سبعة:
الأول: التعليل بالمحل، مثل الذهب ربوي لكونه ذهبًا.
الثاني: بجزء المحل الخاص وهو مع الأول لا يكون إلّا في العلّة القاصرة لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص في غيره أو بجزئه
стр. 2841
العام كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فعقد المعاوضة من حيث إنّها جنسه جزء له لا يختص به.
الثالث: بأمر خارج عقلي (١) حقيقي كتعليل الربوي بالطعم.
الرابع: بأمر خارج عقلي حقيقي إضافي كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة.
الخامس: بأمر خارج عقلي (٢) سلبي كتعليل بطلان بيع الآبق والضال بعدم القدرة على التسليم وقد يجتمع التعليل بهذه الأقسام الثلاثة مثل القتل العمد بغير حق فإنّ القتل حقيقي والعمد إضافي وقولنا بغير حق سلبي.
السادس: بأمر شرعي كتعليل حرمة بيع الكلب لنجاسته.
السابع: بأمر لغوي كقولنا: في النبيذ: أنَّه يسمَّى بالخمر فيحرم كالمعتصر من العنب هذه الأقسام التي في كلام المصنف.
والثامن: ما أشرنا إليه وأهمله: التعليل بأمر عرفي (٣) كقولنا: هذا عيب عرفًا فيثبت به الردّ.
ثم العلّة تنقسم باعتبار آخر إلى متعدية وهي التي توجد في غير المحلّ المنصوص أو قاصرة وهي التي تختص بذلك المحلّ،
стр. 2842
وعلى التقديرات كلّها إمّا أنْ تكون بسيطة وهي التي لا جزء لها كالإسكار والطعم أو مركبة وهي التي لها جزء كالقتل العمد العدوان.
قال: (قيل لا يعلل بالمحلّ لأنَّ القابل لا يفعل.
قلنا: لا نسلم ومع هذا فالعلّة المعرّف)
شرع في مسائل الفصل وهي ست:
الأولى: اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم أو جزئه الخاص.
والمختار عند المصنف والأكثرين جوازه (١) وقول الآمدي المختار التفصيل وهو امتناع ذلك في المحلّ دون الجزء ليس مذهبًا ثالثا؛ لأنَّ مرادَه الجزء العام بدليل قوله بعد ذلك وأمّا الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه للأصل والفرع (٢).
قال صفيّ الدّين الهندي: الحقّ أنّ الخلاف في المسألة مبنيّ على جواز التعليل بالقاصرة فإن جوز ذلك جوز هذا سواء عرفت عليته بنصّ أو غيره؛ إذ لا يبعد أنْ يقول الشارع: حرمت الربا في البر لكونه برًّا، أو تعرف مناسبة محلّ الحكم له لاشتماله على حكمة داعية إلى إثبات ذلك الحكم فيه (٣).
стр. 2843
وهذا صحيح وهو مقتضى كلام الإمام وغيره (١).
واحتجّ من منع التعليل بالمحل بأنّ المحل قابل للحكم فلو كان علّة له لكان فاعلًا له أيضا لتأثير العلّة في المعلول، والمؤثر لا بد أنْ يفعل فيه ويمتنع كون الشيء قابلًا وفاعلًا معًا لشيء واحد؛ لأنَّ نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان ونسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب فبينهما تناف.
وأجاب: بأنّا لا نسلم أنّ الشيء الواحد لا يكون قابلًا وفاعلًا، ألا ترى أنّ الجسم المتحرك قابل للحركة وفاعل لها؟ ولو سلم امتناع كون الشيء الواحد قابلًا وفاعلًا ولكن ذلك إذا كان الفاعل بمعنى المؤثر، أمّا إذا كان بمعنى المعرّف فلا يمتنع قطعًا، وإلى هذا أشار بقوله: "ومع هذا فالعلة المعرّف".
قال (قيل لا يعلل بالحِكَم الغير المضبوطة كالمصالح والمفاسد؛ لأنّه لا يعلم وجود القدر الحاصل في الأصل والفرع.
قلنا: لو لم يجز لما جاز بالوصف المشتمل عليها، فإذا حصل ظنّ أنّ الحكم لمصلحة وجدت في الفرع يحصل ظنّ الحكم فيه)
المسألة الثانية: جوز قوم التعليل بالحكمة (٢)، واختاره المصنف تبعًا
стр. 2844
للإمام (١).
ومنع (٢) منه آخرون (٣).
وفصّل قوم فقالوا: إنْ كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وإلا فلا.
واختاره الآمدي وصفي الدين الهندي (٤) وأطبق الكلّ على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها ما حاد عن ذلك قياس كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك.
стр. 2845
واحتج المفصّل بما أشار إليه في الكتاب من أنّ الحِكَمَ التي لا تنضبط كالمصالح، والمفاسد لا يعلم لعدم انضباطها أنّ القدر الحاصل منها (١) في الأصل حاصل في الفرع أم لا؟ . فلا يمكن التعليل بها لأنَّ القياس فرعُ ثبوتِ ما في الأصل من المعنى في الفرع.
وأجاب: بأنّه لو لم يجز التّعليل بالحِكَم التي لا تنضبط، لم يجز بالوصف (٢) المشتمل عليها أيضًا، واللازم باطل بالاتفاق فبطل الملزوم.
وبيان الملازمة أنّ الوصف بذاته ليس بعلّة للحُكم بل بواسطة اشتماله على الحِكمة، فعليَّةُ الوصف بمعنى أنَّه علامة على الحكمة التي هي علَّة غائية باعثة للفاعل، والوصف هو المُعَرِّف فإذا لم تكن تلك الحكمة علّة للحكم لم يكن الوصف بواسطته علّة له وإذا بطل الملزوم فيجوز التعليل بالحِكم التي لا تنضبط؛ لأننا إذا ظننا استناد (٣) الحكم المخصوص في مورد النّص إلى الحِكم المخصوصة ثمّ ظننا حصول تلك الحكمة في صورة تولد لا محالة من ذينك الظنين؛ ظنّ (٤) حصول الحكم في تلك الصورة، والعمل بالظنّ واجب.
وإذا أقام الدليل على جواز التعليل بالحكم التي لا تنضبط فليكن جائزًا فيما تنضبط بطريق أولى، وهذا هو السّر في إعراض المصنف
стр. 2846
عن الكلام مع مانع التعليل بالحِكم مطلقًا.
والذي نختاره نحن في هذه المسألة التفصيل (١)(٢).
وقولهم: إذا ظننا استناد (٣) الحكم المخصوص إلى الحكمة المخصوصة ثمّ حصول تلك الحكمة في صورة ظننا حصول الحكم فيها.
قلنا: هذا لا يتأتى إلا إذا كانت الحكمة مضبوطة (٤) يمكن معرفة مقاديرها، فإنّها إذا لم تنضبط لا يمكن معرفة مقاديرها، فيتعذر حصول الظنّ بالمقدمتين.
وقولهم: لو لم يجز بالحكمة، لم يجز بالوصف المشتمل عليها.
قلنا: العلّة في الحقيقة (٥) هي الحكمة والحاجة، فإنّها الغائبة الباعثة للفاعل كما ذكرتم، ولكنّها لما كانت في الغالب لا تنضبط ولا تتقدر في ذاتها جعل الوصف علّة بمعنى أنَّه يعرف العلّة بصالحية (٦) الوصف للضبط، وتعريف العلة التي هي الحكمة هي العلّة في جعله علّة، وهذا قد قررناه مرّة من قبل.
وإذا وضح هذا، فالحكمة لا تصلح لأنْ يعلل بها ما لا ينضبط (٧) إلا
стр. 2847
بواسطة الوصف (١)؛ لأنَّ الشارع أقامه حينئذ ضابطًا لها، ولا مبالاة بوجدانها والحالة هذه دون الوصف، فإنّنا نعلم بالاستقراء من محاسن الشريعة ردّ النّاس فيما يضطرب، ويختلف باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال إلى المظانّ الواضحة التي يكشف غيبها ويجلى غيهبها ردًّا لما تَدَّعِ العامة تخبطّ عشواء ونفيًا للحرج والضراء، ألا ترى إلى حصر القصر والفطر في مظنته الغالبة وهي السَّفر وإن كانت الحكمة المشقة التي قد توجد في حقّ الحاضر وتنعدم في حقّ المسافر.
قال (قيل العدم لا يعلل به لأنَّ الأعدام لا تتميز وأيضا ليس على المجتهد سبرها.
قلنا: لا نسلم فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، وإنما سقطت عن المجتهد لعدم تناهيها).
المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنَّه يجوز التعليل بالعدم ثبوتيًا كان الحكم أو عدميًا (٢)؛ لأنّه قد يحصل دوران الحكم مع بعض العدميات، والدوران يفيد الظنّ؛ ولأن العلّة المعرف وهو غير مناف للعدم فإنّ العدم قد يعرف وجود الحكم الثبوتي فإن عدم امتثال العبد لأمر سيده يعرفنا سخطه عليه والحكم العدمي فإنّ عدم العلّة يعرف
стр. 2848
عدم المعلول وكذا عدم اللازم وعدم الشرط فيصحّ (١) قيام العلية (٢) بالعدم كما بالموجود واختاره الإمام (٣) وأتباعه ومنهم المصنف.
ومنع منه قوم إذا كان الحكم ثبوتيًا واختاره الآمدي وابن الحاجب (٤).
واحتج هؤلاء بوجهين أشار إليهما في الكتاب.
أحدهما: أنّ العلَّة لا بد أن تتميز عمَّا ليس بعلّة سواءً أريد بها المؤثر أو المعرِّف أو الدّاعي، والتمييز عبارة عن كون كلّ واحد من المتميزين مخصوصًا في نفسه بحيث لا يكون تعيين هذا حاصلًا لذاك ولا تعيين ذاك لهذا، وهذا غير معقول في العدم الصرف؛ لأنّه نفي محض.
والثاني: أنّ المجتهد إذا بحث عن علّة الحكم لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية، فإنّها غير متناهية، مع أنَّه يجب عليه سبر كلّ وصف يصلح للعلية، وهذا يدل على أنّ الوصف العدمي لا يصلح للعلية.
وأجاب: عن الأول بأنّا لا نسلم أنّ الأعدام لا تتميز؛ لأنَّ كلامنا في الأعدام المضافة وبعضها يتميز عن بعض؛ بدليل أنّ عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم؛ لأنَّ الأوّل يستلزم الثاني من دون عكس، وكذا عدم أخذ الضّدين عن المحل يصحّ حلول الآخر فيه. نعم العدم
стр. 2849
المطلق لا يتميز (١) وليس فيه كلامنا.
وعن الثاني: بأنه إنما أسقط عن المجتهد سبرها لتعذره؛ لأنَّ العدميات لما كانت غير متناهية تعذر سبرها.
وقد يجاب بأنّا لا نسلم أنَّه لا يجب عليه سبر ما تتخيل المناسبة فيه أو الدوران أو ما يقرب من العلية.
قال (قيل: إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن وهو أحد التقادير الثلاثة فيكون مرجوحًا.
قلنا: ويجوز بالمتأخر لأنّه معرّف)
المسألة الرابعة: ذهب الأكثرون إلى أنَّه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي (٢) وهو اختيار الإمام (٣) وأتباعه ومنهم المصنف؛ لأنَّ الحكم قد يدور مع الآخر وجودًا وعدمًا؛ لأنَّ العلّة هي المعرف فلا بدع في جعل حكمه معرفًا لآخر كأن يقول الشارع مهما رأيتموني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية، فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضًا.
стр. 2850
وذهب الأقلّون إلى امتناع ذلك (١).
واحتجوا بأنّ الحكم إذا كان علّة لحكم آخر فلا بد وأن يكون مقارنًا له؛ لأنّه إن لم يقارنه فإمّا أنْ يكون متقدمًا عليه فيلزم وجود العلّة مع تخلف المعلول عنها وهو غير جائز ولو سلم جوازه فلا ريب في أنَّه مخالف للأصل فلا يجوز إثبات العلّة بهذه الصفة إلا عند قيام الدليل عليه (٢) أو (٣) يكون متأخرًا عنه والمتأخر لا يكون علّة للمتقدم فثبت أنَّه لا بدّ له في كونه علّة من المقارنة وعلى هذا فلا يكون الحكم علّة إلا على تقدير (٤) واحد من ثلاثة وهو احتمال المقارنة والاحتمالان أغلب من واحد والتعليل به لا يصحّ على تقديرهما فكان عدم التعليل به راجحًا على التعليل به؛ لأنّه ثابت على احتمالين من ثلاثة والعبرة بالراجح دون المرجوح.
وأجاب: بأنا لا نسلم أنّه يمتنع كونه علّة على تقدير تأخره فإنّ العلّة هي المعرف ويجوز أنْ يكون المتأخر معرفًا للمتقدم كالعالم للصانع، وحينئذ يندفع ما ذكرتم ويكون التعليل به ثابتًا على احتمالين من ثلاثة فيكون راجحًا.
стр. 2851
وقد ذهب الآمدي في المسألة إلى تفصيل مبني على ما لا نوافقه عليه فلذلك لم نورده (١).
قال (قالت: الحنفية لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة.
قلنا: معرفة كونه على وجه المصلحة فائدة.
ولنا: أنّ المتعدية توقفت على العلة (٢) فلو توقفت هي عليها لزم الدور).
المسألة الخامسة (٣): أطبق النّاس كافةً على صحة العلّة القاصرة (٤)، وهي المقصورة على محل النّصّ المنحصرة فيه التي لا تتعداه
стр. 2852
إذا كانت منصوصةً أو مجمعًا عليها (١)، كما نقله جماعة ومنهم القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد (٢)، فيما إذا كانت منصوصةً وجعلوا محل الخلاف في المستنبطة.
والذي ذهب إليه الأكثرون منهم الشافعي والأصحاب (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2853
والقاضيان أبو بكر (١) وعبد الجبار (٢) وأبو الحسين (٣) وعليه المتأخرون كالإمام (٤) وأتباعه ومنهم المصنف أنّها صحيحة معول عليها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي (٥) إلى امتناعها وحكاه الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب وجهًا لأصحابنا (٦)، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (٧).
وأغرب القاضي عبد الوهاب في الملخص فحكى مذهبًا ثالثًا أنّها لا تصح على الإطلاق سواءً كانت منصوصةً أم مستنبطةً. وقال هو قول أكثر فقهاء العراق (٨).
وهذا يصادم ما نقلناه من وقوع الاتفاق في المنصوصة، ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا (٩).
стр. 2854
واحتجت الحنفية على (١) امتناع التعليل بها بما أشار إليه المصنف من أنَّه لا فائدة فيها؛ لأنَّ الفائدة من العلّة التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذه الفائدة مفقودة هنا؛ لأنَّ الحكم في الأصل معلوم بالنّص، ولا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في غيره؛ لأنَّ ذلك إنمّا يمكن إذا وجد ذلك الوصف في غير الأصل، والفرضُ خلافه لأنّها قاصرة.
وأجاب بأنّ لها فائدة وهي معرفة أنّ الحكم الشرعي مطابق لوجه الحكمة والمصلحة وهذه فائدة معتبرة؛ لأنَّ النفوس إلى قبول الأحكام المطابقة للحكم والمصالح أميل وعن قبول الحكم المحض والتّعبد الصِّرف أبعد.
وقد ذُكر لها فوائد أخرى:
منها: أنَّه إذا ثبت كون القاصرة علّة للحكم في محل، فلو وجد فيه وصف آخر مناسب متعد يمتنع تعدية الحكم به لمعارضة القاصرة، ما لم يدل دليل على استقلاله بالعليّة بخلاف ما لو لم يثبت كون القاصرة علّة (٢) له فإنّه حينئذ كان تعدي الحكم بالوصف المناسب المتعدّي من غير افتقار إلى دلالة دليل على استقلاله (٣).
وحاصله أنّها تفيد منع حمل الفرع على الأصل كما أنّ تعديها يفيد
стр. 2855
وجوب الحمل.
ومنها: أنّا بإطلاعنا على علّة الحكم نزداد علمًا بما كنّا غافلين عنه، والعلم بالشيء أعظم فائدة كما أنّ الجهل أخسُّ (١) خسرانٍ وأقبحُه.
ومنها: أنّ العلّة إذا طابقت النّص زادته قوّة ويتعاضدان وكذلك سبيل كلّ دليلين اجتمعا في مسألة واحدة ففائدتها فائدة اجتماع دليلين ذكره القاضي في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين (٢).
ومنها: ما نبه عليه والدي أيدّه الله تعالى من أنّ المكلف يقصد الفعل لأجلها فيزداد أجره كما قررناه في الكلام على العلّة (٣)، فجدد العهد به.
وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من فوائدها أنَّه إذا حدث هناك فرع فيعلّق على العلّة ويلحق بالمنصوص عليه (٤).
وهذا فيه نظر إذ المسألة مفروضة في القاصرة ومتى حدث فرع (٥). يشاركها في المعنى خرجت عن أنْ تكون قاصرة.
وقد ذكر إمام الحرمين ذلك فقال: قال من يصحح القاصرة: فائدة
стр. 2856
تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا ضربت نقودًا وضعّفه بأن المذهب أنّ الربا لا يجري في الفلوس، وإن استعملت نقودًا (١) فإنّ النقدية الشرعية مختصة بالمطبوعات من التبرين. والفلوسُ في حكم العروض وإنْ غلب استعمالها.
ثمَّ إنْ صحّ هذا المذهب قيل: لصاحبه إن كانت الفلوس داخلةً تحت اسم الدراهم والنصّ متناول (٢) لها فالطِّلَبة (٣) بالفائدة قائمة، وإنْ لم يتناولها النّص فالعلّة إذن متعدية لا قاصرة (٤).
قوله: "ولنا" أي دليلنا على صحة القاصرة أنّ صحة تعدية العلّة إلى الفرع فرع صحتها في نفسها فلو توقفت صحتها في نفسها على صحة تعديتها إلى الفرع لزم الدور، وإذا لم تتوقف صحتها في نفسها على صحة التعدية صحّت وإن لم تتعد وهو المطلوب.
واعترض الآمدي على هذا الدليل بوجهين:
أحدهما: أنَّه إن أريد بالتعدية الموقوفة على صحة العلّة ثبوت الحكم بها في الفرع وهو مسلم، ولكن لا نسلم أنّ التعدية بهذا الاعتبار شرط في صحة العلّة، وإن أريد بهذه التعدية وجودها في الفرع لا غير فهو غير
стр. 2857
مفضٍ إلى الدور فإنّ صحة العلّة وإنْ كان مشروطًا بوجودها في غير محلّ النّص فوجودها فيه غير متوقف على صحتها في نفسها فلا دور (١).
سلمنا لزوم الدور، لكن دور معية أو غيره.
والثاني: ممنوع، والأول مسلم وهو صحيح كما في المتلازمين والمتضايفين (٢).
فإن قلت: ليس دور معية بدليل أنّ صحة تعديتها إلى الفرع فرع صحتها في نفسها؛ لأنّه يصحّ دخول ما يقتضي التراخي عليه إذ يصح أنْ يقال صحّت العلّة في نفسها ثمّ عديت أو عديت بعد أنْ صحت أو فعديت ولو كانا معًا لما صحّ بهذا القول إذ لا يجوز إدخال كلمةٍ تقتضي التأخير ما بين المضافين والمتلازمين فلا يجوز أنْ يقال حصلت الأبوة ثمّ البنوة أو حصل العلو ثم السفل وبالعكس.
قلت: دخول ثمّ ههنا إنما هو لحصول الترتيب في التّعدية التي هي فعل المعدّي ولا نسلم جواز دخول ما يقتضي التأخير في التّعدية التي أريد بها وجود الوصف في صورة، فلا يقال صحت العلّة في كذا فعديت أو ثمّ عديت بمعنى وجدت وإنّما يصح بمعنى الإثبات.
فائدتان:
إحداهما: قال إمام الحرمين إنْ كان كلام الشارع نصًّا لا يقبل التأويل
стр. 2858
فلا يرى للقاصرة وقعًا، ولكن يمتنع عن الحكم بفسادها لما سبق وإنما يفيد إذا كان قول الشارع ظاهرًا يتأتى تأويله ويمكن حمله على الكثير مثلًا دون القليل، فإذا سنحت علّة توافق الظاهر فهي تعصمه من التّخصيص بعلّة أخرى لا تترقى مرتبتها إلى المستنبطة القاصرة.
ثمّ في ذلك سرّ وهو أنّ الظاهر إن كان متعرضًا للتأويل ولو أوّل لخرج بعض المسميات ولا ارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه، فالعلّة في محل الظاهر كأنّها (١) ثابتة في مقتضى النّص منه متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه عاصم له عن التّخصيص والتأويل فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديًا حقيقيا ولا يتجه غير ذلك في العلّة القاصرة (٢).
ثم قال: فإن قيل قول رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الورِقَ بالوَرِقِ" (٣) الحديث نصّ أم ظاهرٌ، فإنْ زعمتم أنّه نصّ بطل التعليل بالنقدية وإنْ كان ظاهرًا فالأمّة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصًّا فأي حاجة إلى التعليل؟ فنقول: أما الخط الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصححّ على الفروع فإن تخلفت مسألة
стр. 2859
فلتمتحن (١) بحقيقة الأصول فإنْ لم يصحّ فلتطرح (٢). هذا كلام إمام الحرمين.
ولقائل أنْ يقول: القاصرة مفيدة مطلقًا سواءً كانت مستنبطةً من ظاهر أم نصّ لما عرفت. ولكن هذا الذي ذكره في منعها من التّخصيص في الظاهر فائدة أخرى جليلة ولا تنحصر الفائدة فيها.
وأمّا قوله: أنّ الأمّة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فصار كالنّص.
فنقول: إذا انتهى القليل إلى حدّ لا يوزن (٣)، فلا نسلم حصول الإجماع بل أبو حنيفة يخالف فيه كمخالفته في بيع تمرة بتمرتين (٤) فيجوز عنده بيع ذرّة بذرّتين (٥) من الذهب والفضّة كذا حكاه والدي في تكملة شرح المهذب (٦) عن شرح الهداية للسغناقي (٧) من كتب أصحابه فيمكن
стр. 2860
استعمال العلّة وهي جنس الأثمان في ذلك ومنع تخصيص العموم فيه.
وتحصل الفائدة التي حاولها إمام الحرمين وإلا فآخر كلامه يشير إلى الامتناع من الحكم بصحة العلّة المذكورة، فإنّه قال:
فإن قيل: هذا تصريح بإبطال التعليل بالنقدية.
قلنا: الصحيح عندنا أنّ مسائل الربا شبهية والشبه على وجوه:
منها: التعلق بالمقصود، والمقصود من الأشياء الأربعة الطعم ومن النقدين النقدية وهي مقتصرة وليست هي علّة (١) إذ لا شبه فيها ولا إخالة، ولكن لما انتظم منها اتباع المقصود عدّ من مسالك (٢) الأشياء الأربعة انتهى (٣).
فقد امتنع من لكم بصحة العلّة المذكورة لعدم الجريان على القانون الذي مهّده وهو مع ذلك لا يرى التعليل بالوزن كقول أبي حنيفة لبطلان التعليل به من أوجه تخصه.
стр. 2861
الثانية: رجّح الجمهور المتعديّة على القاصرة وامتنع قوم من الترجيح ورجّح الأستاذ أبو إسحاق القاصرة بشهادة (١) النّص بحكمها (٢) ويتضح بذلك مذهب الشافعي فيما إذا أفسد صوم رمضان بجماع وترجيح كون العلّة الجماع وهي قاصرة على الإفساد (٣) وفي تعليل النقدين بالنقدية على الوزن (٤) وفي نفقة الوالد على الولد وبالعكس (٥) وعتق الأصول على
стр. 2862
الفروع وبالعكس بالبعضية على القرابة (١) وأما على المذهبين الأولين فللشافعي في هذه المسائل أدلة تخصها كالشمس وضوحًا.
قال: (قيل: لو علل بالمركب فإذا انتفى جزء تنتفي العلية ثمّ إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف أو تحصيل الحاصل.
قلنا: العلة عدمية فلا يلزم ذلك).
المسألة السادسة: التعليل بالوصف المركّب (٢) جائز عند
стр. 2863
المعظم وبه قال المتأخرون ومنهم الإمام (١) وأتباعه، ومنهم صاحب الكتاب؛ لأنَّ ما يدلّ على عليّة الوصف من الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة مع الاقتران لا تختص بمفرد بل دلالته عليه وعلى المركب على حدٍّ سواء فعُمِلَ به في المركب كما عُمِلَ به في المفرد.
وقال قوم لا يجوز، معتلين بأنّ جوازه يؤدي إمّا إلى تخلف المعلول عن العلّة العقلية أو تحصيل الحاصل وهما محالان، فكذا ملزومهما (٢) والدليل على أنّه مؤد إلى ذلك أنّ الوصف المركّب إذا كان علّة كالقتل العمد العدوان في إيجاب القصاص مثلًا كان عدم كلّ جزء من أجزائه علّة مستقلة لعدم عليته لانعدام كلّ واحد من أجزائه ضرورة، إذ عليته من جملة صفات ماهيته المنعدمة بانعدام كلّ واحد من أجزائه وانعدام الوصف (٣) يستلزم انعدام الصفة.
فإذا انتفى جزء من أجزاء المركّب يترتب عليه انتفاء عليته ثمّ إذا انتفى جزء آخر منه؛ فإمّا أن يترتب عليه عدم عليته فيلزم تحصيل الحاصل أو لا (٤) فيلزم (٥) تخلف المعلول عن العلّة.
وأجاب: بأنّ العليّة صفة عدمية؛ لأنّها من النسب والإضافات تعتبرها
стр. 2864
العقول ولا وجود لها في الخارج.
ويلزم من كونها عدمية أنْ يكون انتفاؤها وجوديا فإنّ العدم والوجود نقيضان ولا بد وأن يكون أحد النقيضين وجوديًا وإذا كان انتفاؤها وجوديا فلا يجوز أنْ يكون (١) عدم كلّ جزء علّة له (٢)، لأنَّ الأمور العدمية لا تكون علّة للأمر الوجودي (٣) هكذا قرره العبري (٤) وغيره من شارحي الكتاب (٥)، وهو أولًا: ضعيف؛ لأنّه ليس بأولى من قول المعترض: العلية أمر وجودي؛ لأنَّ نقيضها وهو عدم العلية عدمي
стр. 2865
وأحد النقيضين واقع لا محالة.
وثانيا: مخالف لما في المحصول فإنّه جعله جوابًا لشبهة أخرى لهم غير هذه (١)، ولكن صاحب الحاصل ترك ذكر تلك الشبهة ونقل جوابها إلى هذه الشبهة التي أوردها صاحب الكتاب (٢) فتبعه المصنف على ذلك.
وقد أجيب عن هذه الشبهة بأمور:
منها: أنّ عدم الجزء ليس علّة لعدم العلية بل كلّ جزء فوجوده شرط لها وعدمه يكون عدمًا لشرطها.
ومنها: أنَّه يقتضي أنْ لا يوجد ماهية مركبة لما ذكر من التقرير بعينه فإنّ عدم كلّ واحد من أجزائه علّة لعدم تلك الماهية المركبة فإذا انعدم جزء انعدمت تلك الماهية وإذا انعدم جزء آخر لزم إمّا انعدامها وهو تحصيل الحاصل أو نقض (٣) العلّة العقلية وكلاهما محال (٤).
فرع: قال الإمام: نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن بعضهم أنَّه قال لا يجوز أنْ تزيد الأوصاف على سبعة (٥). وهذا الحصر لا أعرف له
стр. 2866
حجة (١).
قلت: والذي نقله الشيخ في شرح اللمع عن بعض الفقهاء أنَّه لا يجوز أنْ تزيد على خمسة وغلّط قائله ورأيته في عدّة نسخ من الشرح وكأنّ الخمسة تصحفت بسبعة في نسخة الإمام (٢).
قال: (وهنا مسائل: الأولى يستدل بوجود العلّة على الحكم لا بعليتها لأنها نسبة يتوقف عليه) .
الاستدلال قد يكون بذات العلّة على الحكم كما يقال: في القتل بالمثقل (٣) قتل عمد عدوان فيجب به القصاص وهو طريق صحيح بخلاف الاستدلال بعليّة العلّة للحكم على الحكم فإنّه فاسد.
ومثاله: أنْ يقال علية القتل العمد العدوان علّة لوجوب (٤) القصاص وقد وجد في المثقل فيجب.
واحتج عليه المصنف تبعا للإمام بأنّ العلية أمر نسبي بين العلّة والحكم فيتوقف ثبوتها على ثبوت المنتسبين اللذين هما العلّة والحكم فتتوقف على
стр. 2867
ثبوت الحكم فيكون إثبات الحكم بها دورًا (١).
واعترض عليه صاحب التحصيل بأن صدق قولنا: القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف لا على وجود القتل ولا على وجود القصاص (٢) وهو اعتراض منقدح؛ لأنَّ النّسبة لا تتوقف على وجود المنتسبين في الخارج بل في الذهن. وحينئذ لا يلزم الدور.
قال: ولو سلمناه، لكن لمّا فسّرت العلّة بالمعرّف، انقطع الدور (٣). وهو أيضًا متجه ومراده انقطع الدور الممتنع وإلا فلزوم الدور على تفسير (٤) العلّة بالمعرّف أيضًا واضح.
وللاعتراف بصحة هذين الاعتراضين فرّ صفي الدين الهندي من تعليل فساد هذه الطريق بهذا الوجه إلى وجه تَكَلَّفَه، وهو أنّ علية العلّة للحكم تتوقف على اقتضاء العلّة للحكم وكونه مرتبًا عليها لولا المانع بحيث يجب أنْ يكون، فلو استفيد اقتضاؤها بها وترتبه عليها من
стр. 2868
العلية لزم الدور (١).
فإن قلت: كيف تتوقف علية العلة على اقتضاء العلّة للحكم وكونه بحيث يجب أنْ يترتب عليها لولا المانع ولا معنى للعلية إلا هذا والشيء لا يتوقف على نفسه.
قلت: هو مغاير له؛ لأنَّ اقتضاء الشيء للحكم وكونه مرتبًا عليه لولا المعارض أعمّ من أنْ يكون بطريق العلّة أو غيرها.
نعم إذا أضيف الاقتضاء إلى العلّة تخصص لكن ذلك لا يقتضي أنْ يكون عينه فإنّ هذا التّخصيص خارج عن ماهية الاقتضاء وداخل في ماهية العلية فهما متغايران.
سلمنا: أنَّه عينه، لكن نقول إنّ كون الحكم مترتبًا على العلية وكونها مقتضية له إمّا أنْ يكون عين العلية فيلزم (٢) الاستدلال بالشيء على نفسه أو غيرها فيلزم (٣) الدور على ما سبق فثبت (٤) المقصود على التقديرين وهو امتناع الاستدلال بالعليّة على ثبوت الحكم وترتبه على العلّة.
قال: (الثانية التعليل بالمانع لا يتوقف على المقتضى؛ لأنّه إذا أثر معه فدونه أولى.
واختلفوا في أنَّه هل يشترط في صحّة هذا التعليل بيان وجود المقتضى؟ .
فذهب جمع إلى اشتراطه، وهو اختيار الآمدي (١)، وأباه الآخرون (٢)، وعليه الإمام (٣) وشيعته كالمصنف، واختاره ابن الحاجب (٤)، ولا يخفى عليك أنّ هذا الخلاف إنّما يتأتى إذا جوزنا تخصيص العلّة، فأمّا إذا لم نجوز ذلك، فلا يتصور هذا الخلاف؛ لأنَّ التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور فضلًا عن أن يختلف في أنَّه مشروط ببيان وجود المقتضى. كذا قال صفي الدّين الهندي (٥)، وهو متلقى من قول الإمام: إنّ هذه المسألة من تفاريع تخصيص العلّة، فإنّا إن أنكرناه امتنع الجمع بين المقتضى والمانع (٦).
стр. 2871
ولقائل أن يقول: هذا غير لازم فإنّ المانع من تخصيص العلّة جاز أنْ يقول شرط تعليل الحكمِ العدميّ بالوصفِ الوجوديّ وجود المقتضى في تلك الصورة، ويكون مراده أنّ هذا الشرطَ ممتنع، ويمتنع بامتناعه تعليلُ الحكم العدميّ بالوصف الوجوديّ.
واحتج المصنف بأنّ بين المقتضى والمانع معاندة ومضادة. والشيء لا يتّقوى بضدّه بل يضعف به فإذا كان المانع مؤثرًا حال ضعفه وهو وجود المقتضى، فلأن يكون ذلك حال قوّته وهو عدم المقتضى أولى (١).
واحتج المشترطون بأنّ المعلول الذي هو عدم الحكم؛ إمّا أنْ يكون هو (٢) العدم المستمر وذلك باطل؛ لأنَّ المانع حادثٌ والعدم المستمر أزلي، ويمتنع استناد الأزلي إلى الحادث، وإن كان هو العدم المتجدد فهو المطلوب؛ لأنَّ العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى.
وأجاب: بأنّا لا نسلم امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر بمعنى المعرّف، وحينئذ المعلل هو العدم المستمر، وهو جائز بهذا المعنى، كما أنّ العالم معرّف للصانع (٣).
وأجيب أيضًا: بأنّا نقول المعلل هو العدم المتجدد.
стр. 2872
قولكم: لا يتحقق إلا عند قيام المقتضى.
قلنا: ممنوع لأنّا لا نعني بالعدم (١) المتجدد إلا أنَّه حصل لنا العلم بعدم الحكم من قِبَل الشرع، ومعلوم أنّ هذا لا يقتضي تحقق المقتضى.
ولقائل أنْ يقول: ما حكم فيه بالعدم بناءً على البراءة الأصلية لا يكون معروفًا من قبل الشرع؛ لأنَّ الشرع لم يرد فيه بشيء.
وقولهم: إنّ العلّة المعرّف والمتأخر يعرّف المتقدم.
قلنا: لا يصحّ أنْ تكون العلّة بمعنى المعرّف في هذا المقام؛ لأنّكم اعترفتم من قبل بأنّ الوصف ليس معرِّفًا للحكم في الأصل، بل هو معرّف بالحكم في الأصل معرّف للحكم في الفرع، فالوصف معرَّفٌ إمّا بالنّص إنْ ورد فيه نصّ كما قلتم أو بالبراءة الأصلية وعلى التقديرين لا يكون الوصف معرّفًا له.
والكلام لم (٢) يقع إلا فيه، فامتنع استناد العدم في الأصل إلى هذا العدم المتجدد سواء جعلناه معرّفًا أو مؤثرًا.
إذا عرفت ضعْفَ ما أجاب به فنقول: وما استدل به أيضًا ضعيف؛ لأنَّ للخصم أنْ يقول: لا يلزم من جواز تعليل عدم الحكم بالمانع حال وجود المقتضى الذي هو شرط التعليل به جواز تعليله به حال عدم المقتضى الذي هو مناف لتعليله به.
стр. 2873
وأما قولكم: إنّه قويّ حال عدمه، ضعيف حال وجوده، فلسنا نسلم ذلك وسند هذا المنع أنّ وجود المقتضى لما كان شرط تأثيره في عدم الحكم استحال أنْ يقال: إنّه يضعف إذ ذاك وكيف يضعف الشيء حال وجود شرط تأثيره.
ولئن سلمناه، فلا يلزم منه أيضًا عدم الجواز؛ لأنَّ المأخذ في هذا ليس هو القوة والضعف حتّى يلزم ما ذكرتم بل غيرها (١) من أدلة نقيمها ومن جملتها الدليل الذي أشرتم إليه وبيّنا ضعف ما أجبتم به عنه (٢).
قال: (الثالثة لا يشترط الاتفاق على وجود العلّة في الأصل بل يكفي انتهاض الدليل عليه) .
شذَّ بعض الأصوليين (٣) فقال: وجود الوصف الذي جعل علّة في الأصل لا بد وأنْ يكون متفقًا عليه (٤)، وهذا ضعيف؛ لأنّه لما أمكن إثباته بالدليل حصل الغرض وكان اشتراط الاتفاق تعيثًا (٥) بل الحقّ أنّه قد
стр. 2874
يكون ضروريًا ومعلومًا بالبرهان اليقيني ومظنونًا (١).
واستدل الشيخ أبو إسحاق على بطلان هذا المذهب بأنّ قائله إن أراد بالاتفاق الذي اشترط (٢) إجماع الأمّة كلّها أدّى إلى إبطال (٣) القياس؛ لأنَّ نفاة القياس من جملة الأمّة وأكثرهم يقولون: إنّ (٤) الأصول غير معلّلة، وإنْ أراد إجماعَ القياسيين فهم بعضُ الأمّة وليس قولهم بدليل (٥).
قال: (الرابعة الشيء يدفع الحكم كالعدّة أو يرفعه كالطلاق أو يدفع ويرفع كالرضاع) .
الوصف المجعول علّةً على ثلاثة أقسام (٦):
الأول: أن يكون دافعًا للحكم فقط: ومثّل له المصنف بالعدّة فإنّها دافعة لحلّ النّكاح إذا وُجِدت في ابتداء النّكاح، وليست رافعة له إذا
стр. 2875
وجدت في أثنائه فإنّ الموطوءة بشبهة تعتدّ وهي باقية على الزّوجية (١).
وكذا الإحرام يمنع ابتداء النّكاح ولا يقطعه وهذا يلتفت على أنَّه يغتفر في الدّوام ما لا يغتفر في الابتداء (٢).
وكذلك الأصحّ صحة رجعة المحرم لتنزيلها منزلة الدوام وتوقيت النكاح مانع في ابتدائه ولا يمتنع في دوامه. فإذا قال: أنت طالق غدًا أو بعد شهر صحّ (٣).
وعقد الذمّة لا يجوز مع تهمة الخيانة ولو اتهمهم بعد العقد لم ينبذ إليهم عهدهم بخلاف الهدنة فإنّه ينبذ العقد فيها بالتهمة (٤).
ولو نكح أمة بشروطه ثمّ أيسر (٥) ونكح حرّة لا ينفسخ نكاح الأَمَة خلافا للمزني (٦).
ولو رأى المتيمم الماء في أثناء صلاته أتمها إنْ كانت مما يسقط فرضها