← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ولقائل أن يقول: هذا غير لازم فإنّ المانع من تخصيص العلّة جاز أنْ يقول شرط تعليل الحكمِ العدميّ بالوصفِ الوجوديّ وجود المقتضى في تلك الصورة، ويكون مراده أنّ هذا الشرطَ ممتنع، ويمتنع بامتناعه تعليلُ الحكم العدميّ بالوصف الوجوديّ. واحتج المصنف بأنّ بين المقتضى والمانع معاندة ومضادة. والشيء لا يتّقوى بضدّه بل يضعف به فإذا كان المانع مؤثرًا حال ضعفه وهو وجود المقتضى، فلأن يكون ذلك حال قوّته وهو عدم المقتضى أولى (١). واحتج المشترطون بأنّ المعلول الذي هو عدم الحكم؛ إمّا أنْ يكون هو (٢) العدم المستمر وذلك باطل؛ لأنَّ المانع حادثٌ والعدم المستمر أزلي، ويمتنع استناد الأزلي إلى الحادث، وإن كان هو العدم المتجدد فهو المطلوب؛ لأنَّ العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى. وأجاب: بأنّا لا نسلم امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر بمعنى المعرّف، وحينئذ المعلل هو العدم المستمر، وهو جائز بهذا المعنى، كما أنّ العالم معرّف للصانع (٣). وأجيب أيضًا: بأنّا نقول المعلل هو العدم المتجدد.

стр. 2872

قولكم: لا يتحقق إلا عند قيام المقتضى. قلنا: ممنوع لأنّا لا نعني بالعدم (١) المتجدد إلا أنَّه حصل لنا العلم بعدم الحكم من قِبَل الشرع، ومعلوم أنّ هذا لا يقتضي تحقق المقتضى. ولقائل أنْ يقول: ما حكم فيه بالعدم بناءً على البراءة الأصلية لا يكون معروفًا من قبل الشرع؛ لأنَّ الشرع لم يرد فيه بشيء. وقولهم: إنّ العلّة المعرّف والمتأخر يعرّف المتقدم. قلنا: لا يصحّ أنْ تكون العلّة بمعنى المعرّف في هذا المقام؛ لأنّكم اعترفتم من قبل بأنّ الوصف ليس معرِّفًا للحكم في الأصل، بل هو معرّف بالحكم في الأصل معرّف للحكم في الفرع، فالوصف معرَّفٌ إمّا بالنّص إنْ ورد فيه نصّ كما قلتم أو بالبراءة الأصلية وعلى التقديرين لا يكون الوصف معرّفًا له. والكلام لم (٢) يقع إلا فيه، فامتنع استناد العدم في الأصل إلى هذا العدم المتجدد سواء جعلناه معرّفًا أو مؤثرًا. إذا عرفت ضعْفَ ما أجاب به فنقول: وما استدل به أيضًا ضعيف؛ لأنَّ للخصم أنْ يقول: لا يلزم من جواز تعليل عدم الحكم بالمانع حال وجود المقتضى الذي هو شرط التعليل به جواز تعليله به حال عدم المقتضى الذي هو مناف لتعليله به.

стр. 2873

وأما قولكم: إنّه قويّ حال عدمه، ضعيف حال وجوده، فلسنا نسلم ذلك وسند هذا المنع أنّ وجود المقتضى لما كان شرط تأثيره في عدم الحكم استحال أنْ يقال: إنّه يضعف إذ ذاك وكيف يضعف الشيء حال وجود شرط تأثيره. ولئن سلمناه، فلا يلزم منه أيضًا عدم الجواز؛ لأنَّ المأخذ في هذا ليس هو القوة والضعف حتّى يلزم ما ذكرتم بل غيرها (١) من أدلة نقيمها ومن جملتها الدليل الذي أشرتم إليه وبيّنا ضعف ما أجبتم به عنه (٢). قال: (الثالثة لا يشترط الاتفاق على وجود العلّة في الأصل بل يكفي انتهاض الدليل عليه) . شذَّ بعض الأصوليين (٣) فقال: وجود الوصف الذي جعل علّة في الأصل لا بد وأنْ يكون متفقًا عليه (٤)، وهذا ضعيف؛ لأنّه لما أمكن إثباته بالدليل حصل الغرض وكان اشتراط الاتفاق تعيثًا (٥) بل الحقّ أنّه قد

стр. 2874

يكون ضروريًا ومعلومًا بالبرهان اليقيني ومظنونًا (١). واستدل الشيخ أبو إسحاق على بطلان هذا المذهب بأنّ قائله إن أراد بالاتفاق الذي اشترط (٢) إجماع الأمّة كلّها أدّى إلى إبطال (٣) القياس؛ لأنَّ نفاة القياس من جملة الأمّة وأكثرهم يقولون: إنّ (٤) الأصول غير معلّلة، وإنْ أراد إجماعَ القياسيين فهم بعضُ الأمّة وليس قولهم بدليل (٥). قال: (الرابعة الشيء يدفع الحكم كالعدّة أو يرفعه كالطلاق أو يدفع ويرفع كالرضاع) . الوصف المجعول علّةً على ثلاثة أقسام (٦): الأول: أن يكون دافعًا للحكم فقط: ومثّل له المصنف بالعدّة فإنّها دافعة لحلّ النّكاح إذا وُجِدت في ابتداء النّكاح، وليست رافعة له إذا

стр. 2875

وجدت في أثنائه فإنّ الموطوءة بشبهة تعتدّ وهي باقية على الزّوجية (١). وكذا الإحرام يمنع ابتداء النّكاح ولا يقطعه وهذا يلتفت على أنَّه يغتفر في الدّوام ما لا يغتفر في الابتداء (٢). وكذلك الأصحّ صحة رجعة المحرم لتنزيلها منزلة الدوام وتوقيت النكاح مانع في ابتدائه ولا يمتنع في دوامه. فإذا قال: أنت طالق غدًا أو بعد شهر صحّ (٣). وعقد الذمّة لا يجوز مع تهمة الخيانة ولو اتهمهم بعد العقد لم ينبذ إليهم عهدهم بخلاف الهدنة فإنّه ينبذ العقد فيها بالتهمة (٤). ولو نكح أمة بشروطه ثمّ أيسر (٥) ونكح حرّة لا ينفسخ نكاح الأَمَة خلافا للمزني (٦). ولو رأى المتيمم الماء في أثناء صلاته أتمها إنْ كانت مما يسقط فرضها

стр. 2876

بالتيمم وهو مانع في ابتداء الصلاة (١). ولو ملك عبدًا له عليه دين ففي سقوط الدّين وجهان: أصحهما لا (٢). وإنْ كان لا (٣) يثبت له على عبده ابتداء؛ لأنَّ للدوام من القوة ما ليس للابتداء (٤). وهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله (٥). الثاني: أنْ يكون رافعًا للحكم فقط كالطلاق فإنّه يرفع حلّ الاستمتاع (٦) ولكن لا يدفعه؛ إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد.

стр. 2877

ولك أن تقول: الرّفع أشدّ من الدّفع (١)؛ فإذا صلح الوصف (٢) لأنْ يكون رافعًا فيصلح أنْ يكون دافعًا بطريق أولى، والطلاق كما رفع حلّ الاستمتاع دفعه، ولكن ليس هذا الدفع والرفع مؤبدًا بل قد يزولان بنكاح جديد. والمصنف أراد بكونه لا يدفعه أنَّه لا يمنع من طريانه، فإنّه في القسم الأول منع من الابتداء دون الدوام وفي هذا المنع من الدوام دون الابتداء. وينعرج هذا إلى أنَّه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقصيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى (٣). منها: في الملك الضمني؛ لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه صحّ وعَتَقَ عليه، فالقرابة منافية لدوام الملك دون ابتدائه (٤). ومنها: لو قتل عتيق زوجته وله منها ولد ثمّ ماتت قبل الاستيفاء وبعد البينونة فهل نقول: وجب لولدها هذا القصاص ثمّ سقط أو لم يجب

стр. 2878

أصلًا؟ ، ظاهر قول الأصحاب وَرِث القصاصَ ولدُه (١) أنَّه وجب ثمّ سقط فقد (٢) قارن المسقط وهو البنوة سبب الملك، ولم يمنع ابتداء دخول الملك ومنع الدوام (٣). وحكى إمام الحرمين عن شيخه أنّ القصاص لا يجب، وقس على هذا لو زوَّج عبده بأمته هل نقول: وجب المهر ثم سقط أو لم يجب؟ (٤). ومنها: المفلس يصح أنْ يستدين مؤجلًا على المذهب ولو حجر عليه بالفلس حلّ ما عليه من الدّين على قول (٥). ومنها: أنّ (٦) الجنون، فإنّه يحلّ به الدّيون على وجه، ولو أنّ ولي المجنون استدان له مؤجلا حيث لا يجوز له الاستقراض له لجاز ذلك (٧). ومنها: لو تكفل ببدن ميت صحّ، ولو تكفل ببدن حيّ فمات انقطعت الكفالة على وجه (٨). ومنها: إذا أذن لجاريته ثم استولدها ففي بطلان الإذن اختلاف بين

стр. 2879

الأصحاب (١). قال الرافعي: واتفقوا على أنَّه يجوز ابتداء أن يأذن للمستولدة (٢) (٣). الثالث: أن يكون دافعًا ورافعًا (٤) كالرضاع فإنّه يمنع من ابتداء النكاح ومن دوامه إذا طرأ. وكذا اللعان إذا طرأ قطع ومنع الابتداء وحرم على التأبيد. وألحق بهذا أم زوجتك فإنّ نكاحك بنتها إذا وجد (٥) مانع من أن يبتدئ عليها عقدًا، ولو كنت قد عقدت على أمّها ولم تدخل بها لجاز لك نكاح بنتها وانقطع به نكاح الأم. وأقسام هذا النوع كثيرة أعني كون الشيء يمنع من الدوام والابتداء. قال: (الخامسة: العلة قد يعلل بها ضدان ولكن بشرطين متضادين) . هذه المسألة مبنية على جواز تعدد الحكم لعلّة واحدة. (٦) فلنذكر المبني

стр. 2880

عليه ثم نعود إلى المبني. فنقول ذهبت الجماهير إلى أنّ العلة الواحدة الشرعية يجوز أنْ يترتب عليها حكمان شرعيان مختلفان معًا (١). وخالف شرذمة قليلون (٢).

стр. 2881

وحجة الجمهور أنّ العلّة إن فسرت بالمعرّف فجوازه ظاهر؛ إذ لا يمتنع عقلًا ولا شرعًا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين (١). قال الآمدي: وذلك مما لا نعرف فيه خلافًا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة. وإن فسرت بالباعث فلا يمتنع أيضًا أن يكون الوصف الواحد باعثًا على حكمين مختلفين أي مناسبًا لهما بأمر مشترك بينهما كمناسبة الربا (٢) والشرب للتحريم ووجوب الحدّ (٣) والقتل للقصاص والكفارة وحرمان الميراث. وإن فسرت بالموجب وكانت العلّة مركبة لم يمتنع ذلك أيضًا لجواز أنْ يكون الموجب المركب مصدرًا لأثرين مختلفين كما في العلل العقلية المركبة. وإنْ كانت بسيطة فكذلك إذ لا يمتنع أنْ تكون (٤) العلّة البسيطة موجبة لأثرين مختلفين؛ لأنَّ القول بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد مقطوع ببطلانه على أنّ القول بكون العلّة الشرعية موجبة باطل. وأيضًا دليل الجواز الوقوع وقد وقع كما عرفت. واعتل المانع بما لا يعصم ولا يرتضى ذكره (٥).

стр. 2882

إذا عرفت ذلك فإن قلنا بمذهب الجماهير فقد يعلل بالعلّة متماثلان ولكن في محال متعددة (١) كالقتل الصادر من زيد ومن عمرو، فإنّه يوجب القصاص على كلّ واحد منهما، ولا يتأتى ذلك في الذات الواحدة لاستحالة اجتماع المثلين. وقد يعلل بها مختلفان غير متضادين كالحيض لحرمة الوطء ومسّ المصحف، وقد يعلل بها معلولان متضادان. وعلى ذكر هذا القسم اقتصر في الكتاب وذلك لا يكون إلا بشرطين متضادين كالجسم يكون علّة للسكون بشرط البقاء في الحيز وعلّة للحركة بشرط الانتقال عنه. وإنما قلنا يشترط فيهما شرطان لأنّه لا يمكن اقتضاؤهما لها بلا شرط أصلا أو لبعضهما بشرط دون الآخر وإلا يلزم اجتماع الضدين وهو محال وإنما قلنا يشترط التضاد في الشرطين لأنّه لو أمكن اجتماعهما كالبقاء (٢) في الحيز مع الانتقال مثلا فعند حصول ذينك الشرطين إن حصل الحكمان أعني السكون والحركة لزم اجتماع الضدين، وإن حصل أحدهما دون الآخر لزم الترجيح دون مرجح وإن لم يحصل واحد منهما خرجت العلة عن أنْ تكون علة فتعين التضاد (٣) في الشرطين فاعتمد على هذا التقرير (٤).

стр. 2883

الفصل الثاني: الأصل والفرع

стр. 2884

قال: (الفصل الثاني: في الأصل والفرع . أمّا الأصل فشرطه ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس؛ لأنّه إن اتحدت العلّة فالقياس على الأصل الأول، وإن اختلفت لم ينعقد الثاني). للأصل شرائط (١): الأول: ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس ؛ لأنَّ القياس عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في الفرع كما عرفت ولا يتأتى ذلك إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل (٢). و الثاني: أنْ يكون ذلك الثبوت بدليل ؛ لأنَّ الحكم لا بد له من دليل وأن يكون شرعيا وهذا في الحقيقة شرط ثالث ولكن لما كان الحكم عندنا لا يكون إلا شرعيا لعدم القول بالحسن والقبح اكتفى المصنف بقول:

стр. 2885

"بدليل" وأن يكون الدليل على معرفته سمعيًا. وهذا وإن صلح لأنْ يكون شرطًا رابعًا فاكتفى المصنف عن ذكره بقوله: "بدليل" أيضًا؛ لأنَّ رأينا أنّ ما لا يكون طريق معرفته سمعيا لا يكون حكما شرعيا وهذا ظاهر على مذهبنا (١). وقال صفي الدين الهندي: يحترز بالحكم الشرعي عن اللغوي والعقلي فإنا بتقدير أن يجري القياس التمثيلي فيهما فإنه ليس قياسًا شرعيًا بل لغويًا وعقليًا وكلامنا في الشرعي (٢). ولقائل أنْ يقول إذا قلت بجريان القياس فيهما ترتب على ذلك أمر شرعي وهو تحريم النبيذ مثلا لصدق الخمر عليها قياسًا (٣). و الثالث: هو المشار إليه بقوله: "غير القياس "، وأنت إذا تأملت كلامنا مضيت عليه بأنه خامس، أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل قياسًا. وهذا الشرط معتبر عند الجماهير من أصحابنا (٤). . . . . . . . . . .

стр. 2886

والحنفية (١). وخالف فيه بعض المعتزلة (٢) والحنابلة (٣) وأبو عبد الله البصري (٤). لنا أنّ العلّة الجامعة بين القياسين؛ إمّا أنْ تكون متحدة أو مختلفة، فإنْ كان ذكر الأصل الثاني تطويلًا بلا فائدة؛ لأنّه يستثنى عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول. مثاله: كما لو قيل: من جانبنا الوضوء عبادة، فيشترط فيها النية قياسًا على الغسل، ثم نقيس الغسلَ في أنَّه يشترط فيه النية على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة، فَرَدُّ الوضوءِ إلى الصلاةِ والصومِ بهذا الجامع أولى (٥). وإن كان الثاني لم ينعقد القياس الثاني لعدم اشتراك الأصل والفرع فيه في علة الحكم كما يقال من جانبنا: الجذام (٦) عيب يفسخ به البيع فيفسخ

стр. 2887

به النكاح قياسًا على القرن (١) والرتق (٢) ثم يقاس القرن على الجب (٣) في الحكم المذكور بجامع فوات الاستمتاع فإن علة ثبوت الحكم في القرن فوات الاستمتاع، وهو غير موجود في الجذام فلا يصح قياسه عليه (٤). فرع: قد علمت أنّ حكم الأصل لا بد وأنْ يكون ثابتًا بدليل سوى القياس، ولا ينحصر الدليل المشار إليه في الكتاب والسنة بل جاز أنْ يكون إجماعًا؛ لأنّه أصل في إثبات الأحكام فجاز القياس على ما ثبت به؛ ولأنه إذا جاز القياس على ما ثبت بخبر الواحد فلأن يجوز على ما ثبت بالإجماع بطريق أولى. ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع، بل يشترط أنْ يكون كتابًا أو سنةً حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (٥).

стр. 2888

قال: (وأن لا يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لضاع القياس). الشرط الرابع: أنْ لا يكون دليل الأصل بعينه دليل الفرع ، أي متناولًا له، وإلا لضاع القياس لخلوه عن الفائدة حينئذ بالاستثناء بدليل الأصل عنه؛ ولأنه حينئذ لا يكون جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا أولى من العكس (١). مثاله: ما لو قيل من جانبنا فضل القاتل القتيل بالإسلام فلا يقتل به، كما لو قتل المسلم الحربي، ثم استدل على علية الكفر لذلك بقوله ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر" (٢). وكذا لو قسنا السفرجل على البر بجامع الطعم دالين عليه بقوله ﵊: "لا تبيعوا الطعام بالطعام. . . . الحديث" (٣) (٤). قال (وأن يكون حكم الأصل معللا بوصف معين) الخامس: لا بد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معين ؛ لأنَّ رد الفرع إليه لا يصح إلا بهذه الواسطة فلو ادعى عليه بشيء مشترك بين الأصل والفرع. منهم لم يقبل منه، إلا عند بعض المتحذلقين من متأخري الجدليين حيث قبلوه في مجلس المناظرة (٥).

стр. 2889

قال: (غير متأخر عن حكم الفرع دليل سواه). السادس: أنْ لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع وهو كقياس الوضوء على التيمم في اشتراطه النية ؛ لأنَّ التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة والتعبد بالوضوء كان قبله (١). قال المصنف تبعا للإمام (٢) وهذا يستقيم إذا لم يكن للفرع دليل سوى القياس على ذلك الأصل المتأخر؛ لأنَّ قبل ذلك المتأخر، إن كان الحكم ثابتا في الفرع مع أنَّه لا دليل عليه سوى القياس عليه، لزم تكليف ما لا يطاق، وأمَّا إذا كان عليه دليل آخر سوى القياس عليه فيجوز كونه متأخرًا لزوال المحذور المذكور، وترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز مليح وكتب الأصوليين إلا من نحا نحو الإمام ساكتة عن هذا التفصيل (٣). ولقائل أنْ يقول: إذا كان للفرع دليل آخر سواه فكيف يكون هذا الذي سميتموه بالأصل أصلًا له وهو لم يتفرع عنه ولم ينبن عليه؟ نعم، هو صالح لأنْ يكون أصلًا، بمعنى أنَّه لو لم يوجد حكمة المستند إلى غير هذا الأصل لوجد مستندا إليه.

стр. 2890

قال: (وشرط الكرخي عدم مخالفة الأصول أو أحد ثلاثة: التنصيص على العلة والإجماع على التعليل مطلقا وموافقة أمور أخر والحق أنَّه يطلب الترجيح بينه وبين غيره) جعل الكرخي من شروط الأصل كونه غير مخالف في الحكم للأصول الثابتة في الشرع، أو وجدان أحد أمور ثلاثة على تقدير مخالفته لها. أولها: تنصيص الشارع على علّة ذلك الحكم. قال: فإن التنصيص على عليته كالتصريح بوجوب القياس عليه. وثانيها: إجماع الأمّة على تعليل ذلك ولا يضر مع هذا الإجماع أن يختلفوا في علته وإلى هذا أشار المصنف بقوله مطلقًا. وثالثها: أنْ يكون القياس عليه موافقًا للقياس على أصول أخر كالتحالف عن اختلاف المتبايعين في قدر الثمن إذا لم يكن لأحد منهما بينة فإنه وإن كان مخالفا لقياس الأصول لأنَّ قياس الأصول يقتضي قول المنكر إذ الأصل عدم شغل ذمته بما يدعيه البائع من القدر الزائد لكن ثم أصل آخر يوافقه وهو أنّ المشتري ملك المبيع عليه فالقول قول من ملك عليه، أصله الشفيع من المشتري إذا اختلفا في قدر ثمن الشقص فإن القول قول المشتري لأنَّ الشفيع يملك عليه الشقص ولذلك قسنا في التحالف على الاختلاف ثمن المبيع ما عدا المبايعات من عقود المعاوضات كالسلم والإجازة والمساقاة والقراض والجعالة والصلح عن الدم والخلع والصداق والكتابة.

стр. 2891

وذهب أكثر أصحابنا (١) وبعض الحنفية (٢) إلى جواز القياس على ما خالف قياس الأصول مطلقًا (٣). والمختار عند المصنف تبعا للإمام أنَّه يطلب الترجيح بين ذلك الأصل وبين غيره من الأصول المخالفة له ويلحق الفرع بالراجح منهما (٤). هذا شرح ما في الكتاب والموضع يزيد بسطة في الكلام. وقد أحسن الغزالي في هذا الفصل ونحن لا نعتد بكلامه فنقول من شروط حكم الأصل أن لا يكون خارجا عن قاعدة القياس وهذا مما أطلق وهو محتاج إلى تفصيل فاعلم أنّ وصف الحكم بهذه الصفة باعتبارات. الأول: القاعدة المستفتحة المشروعة ابتداء من غير أنْ تقطع عن أصل آخر التي لا يعقل معناها فلا يقاس عليها لتعذر العلة. قال الغزالي: فيسمى هذا خارجا عن القياس تجوزًا إذ معناه أنه ليس منقاسا؛ لأنّه لم يدخل في القياس حتى يخرج عنه ومثاله المقدرات في أعداد الركعات ونصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات

стр. 2892

المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى (١). الثاني: ما استثني عن قاعدة عامة ولا يعقل معناه من غير أنْ تنسخ تلك القاعدة فلا يقاس عليه أيضًا لأنّه فهم ثبوت الحكم في المستثنى على الخصوص وفي القياس إبطال الخصوص مثل تخصيصه ﵊ خزيمة (٢) بقبول شهادته وحده (٣) وتخصيص أبي بردة في

стр. 2893

الأضحية بالعناق (١) (٢). الثالث: ما استثني عن قاعدة لمعنى يعقل فهذا يقاس عديه، مثاله استثناء العرايا فإنه لم يرد ناسخًا لعلة الربا وإنما استثني فنقيس عليه العنب على الرطب وهذا القسم هو ما وقع فيه كلام المصنف واختلاف العلماء على الأقوال الثلاثة التي قد عرفها ولا يتجه جريان الخلاف في غيره. والرابع: ما شرع مبتدأ غير مقتطع عن أصول أخر وهو معقول المعنى لكنه عديم النظر فلا يقاس عليه لأنّه لا يوجد له نظير خارج مما

стр. 2894

يتناوله النص والإجماع فالمانع من القياس فقد العلة في غير المنصوص فكأنه معلل بعلة قاصرة (١). ومثاله: رخص السفر والمسح على الخفين ورخصة المضطر في أكل الميتة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة ونظائرها. وعدّ الغزالي من جملتها ضرب الدية على العاقلة (٢). وذلك قول منه بأنها معقولة المعنى مخالف إمامه. ويساعد ما أوردناه بحثا فيما تقدم: (٣) فإنّ هذه القواعد متباينة المأخذ فلا يقال بعضها خارج عن قياس البعض، بلى لكل واحد معنى ينفرد به لا يوجد له نظير فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر خارجا عن قياسه بأولى عن عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته. وتحقيقه أنا نعلم أنَّه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة إلى استصحابه فلا نقيس عليه القفازين وما لا يستر جميع القدم، لا لأنَّه خارج عن القياس لكن لأنَّه لا يوجد ما يساويه في الحاجة

стр. 2895

وكذا رخصة السفر ثابتة للمشقة ولا يقاس عليها مشقة أخرى لأنّه لا يشاركه غيرها في جملة معانيها ومصالحها لأنَّ المرض لا يحوج إلى الجمع بل إلى القصر وقد قصر في حقه بالرد من القيام إلى القعود ولما ساواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما، وكذلك قولهم: تناول الميتة للمضطر رخصة خارجة عن القياس غلط لأنّه إن أريد بأنه لا يقاس عليه غير المضطر؛ فلأنه ليس في معناه وإلا فنقيس الخمر على الميتة والمكره على المضطر فهو مُنْقَاس، وكذلك بداية الشرع بأيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا يوجد مثلها في غيره ولأنه عديم النظير وأقرب شيء إليه البضع. وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به وكذلك ضرب الدية على العاقلة كان ذلك رسم الجاهلية قرره الشرع؛ لكثرة وقوع الخطأ وشدَّة الحاجة إلى ممارسة السلاح، ولا نظير له في غير الدية، وهذا مما يكثر فبهذا (١) يعرف أنّ قول الفقهاء: تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح. خطأ كقولهم: تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس تأقت المساقاة؛ فإذن هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهم تباينها بحصول الوقوف على سر هذا الأصل (٢). الخامس: ما شرع مبتدأ من غير اقتطاع عن أصول أخر وهو معقول المعنى وله نظائر وفروع فهذا هو الذي يجري فيه القياس وفي جزئياته تنافر القياسيين واضطراب آراء الجدليين (٣).

стр. 2896

قال: (وزعم عثمان البتي قيام ما يدل على جواز القياس علية وبشر المريسي الإجماع علية أو التنصيص على العلة وضعفهما ظاهر). هذان بحثان: الأول: لا يشترط في الأصل أنْ يقوم دليل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية نوعية كانت أو شخصية بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه فإنه يجوز أن يقاس عليه (١). والثاني: لا يشترط في الأصل انعقاد الإجماع على أنّ حكمه معللا وإن ثبت عليته بالنص (٢). وخالف عثمان البتي (٣) في الأول فزعم اشتراط قيام ما

стр. 2897

يدل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية النوعية فإن كانت المسألة من مسائل البيع مثلا فلا بد من دليل على جواز القياس في أحكام البياعات أو في النكاح فكذلك. وخالف بشر بن غياث المريسي (١) في الثاني فزعم اشتراط قيام الإجماع عليه أو التنصيص على العلّة. قال صاحب الكتاب: وضعفهما ظاهر يعني مذهب عثمان وبشر وهو كما قال فقد استعملت الصحابة ﵃ القياس من غير بحث عن ذلك وأيضا أدلة القياس مطلقة من غير تقييد باشتراط شيء مما ذكراه. قال: (وأما الفرع فشرطه ثبوت العلة فيه بلا تفاوت وشرط العلم به والدليل على حكمه إجمالا ورد بأن الظن يحصل بدونهما). ذكر المصنف مما اشترط في الفرع واحدًا يوافق عليه وآخرين لا يوافق عليهما (٢).

стр. 2898

أما الأول: فأن تكون العلّة الموجودة فيه مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت ألبتة لا في الماهية ولا في القدر أي في النقصان. فأمّا في الزيادة فلا يشترط إذ قد يكون في الفرع أولى كقياس الضرب على التأفيف. والدليل على هذا الشرط أنّ القياس إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علّة الحكم فإذا لم توجد علّة حكم الأصل في الفرع لا يحصل إثبات حكمه فيه (١).

стр. 2899

وأما الثاني: فشرط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال حتى يدل القياس عليه بطريق التفصيل. وهذا ذكره أبو هاشم وقال: لولا أنّ الشرع ورد بميراث الجدّ جملة لما نظر الصحابة ﵃ في توريث الجدّ مع الإخوة (١). ورد المصنف هذين القولين بأنّ ظنّ ثبوت الحكم في الفرع يحصل بدون حصول هذين الأمرين والعمل بالظنّ واجب فلا يشترطان. وردّ الغزالي على قولي أبي هاشم بأن الصحابة ﵃ قاسوا قوله: أنت عليّ حرام على الطلاق والظهار واليمين ولم يكن ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص (٢) وقد أهمل المصنف من شروط الفرع كون حكمه مماثلا لحكم الأصل إمّا نوعًا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوبه فيها في القتل بالمحدد أو جنسا كإثبات ولاية النكاح على البنت الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها فإن المماثلة إنما هي في جنس الولاية لا في نوعها وهذا شرط معتبر بلا شك ويدل عليه قولنا: القياس إثبات مثل حكم معلوم في معلوم (٣).

стр. 2900

فإن قلت: كلامكم هنا ناطق بأن كون حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل شرط وكذا وجود العلّة فيه بلا تفاوت، وظاهر ما ذكرتم في تعريف القياس يقتضي أنهما ركنان إذ قلتم: إنّه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علّة الحكم وإنما يذكر في الحدّ الأركان دون الشرائط. قلت: الذي ذكرناه هنا أنَّه شرط للفرع وما ذكرناه في التحديد يقتضي أنْ يكون ركنًا في القياس ولا امتناع في أنْ يكون الشيء ركنًا لمجموع ويكون شرطًا لبعض أجزائه كقراءة الفاتحة ركن في الصلاة وشرط لصحة القيام وكذلك التشهد بالنسبة إلى القعود بل أركان الصلاة كلها بهذه المثابة فإن بعضها شرط لصحة البعض الآخر (١). قال: (تنبيه: يستعمل القياس على وجه التلازم ففي الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما وفي النفي نقيضه لازما مثل لما وجبت الزكاة في مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجبت في ماله ولو وجبت في الحلي لوجبت في اللآلئ قياسا عليه واللازم منتفٍ فالملزوم مثله). القياس أكثر ما يستعمل لا على وجه التلازم (٢)، ولما اشتمل الباب

стр. 2901

على الكثير منه نبه المصنف بهذه الجملة على أنَّه لا ينحصر في ذلك بل قد يستعمل أيضًا على وجه التلازم وذلك بأنه يصرح فيه بصيغة الشرطية وذلك قد يكون في الإثبات وقد يكون في النفي فإذا استعمل في الثبوت يجعل حكم الأصل ملزومًا لحكم الفرع وحكم الفرع لازمًا والعلّة مشتركة بيانًا للملازمة حتى يلزم من ثبوت حكم الأصل حكم الفرع وإذا استعمل في النفي جعل حكم الفرع ملزومًا ونقيض حكم الأصل لازمًا والعلّة المشتركة دليلًا على الملازمة حتى يلزم في الأول من وجود اللازم وفي الثاني من نفي اللازم نفي الملزوم (١).

стр. 2902

مثال الأول: لما وجبت الزكاة في مال البالغ للعلة المشتركة بينه وبين مال الصبي وهي دفع حاجة الفقراء لزم أن تجب في مال الصبي ولو لم يستعمله على وجه التلازم لقلت تجب الزكاة في مال الصبي قياسًا على البالغ بجامع دفع حاجة الفقراء فجعلت في التلازم ما كان أصلا وهو مال البالغ ملزوما لما كان فرعا وهو مال الصبي والعلة المشتركة دليل الملازمة (١). ومثال الثاني: لو وجبت الزكاة في الحلي لوجبت في اللآلئ واللازم منتف لأنها بإجماع الخصمين لا تجب في اللآلئ فالملزوم الذي هو الوجوب في الحلي مثله وبيان الملازمة اشتراكهما في المشترك وهو الزينة ولو لم يستعمله على وجه التلازم لقلت لا زكاة في الحلي قياسا على اللآلئ بجامع الزينة واعلم أنّ المقدمة المنتجة في جانب الثبوت قد استعمل المصنف فيها لما لإفادتها ذلك واستعمل في المنتجة في جانب النفي لفظة (لو) لدلالتها على امتناع الشيء لامتناع غيره (٢). وهذا منتهى القول في كتاب القياس والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2903

الكتاب الخامس: الأدلة المختلف فيها

стр. 2904

الباب الأول: الأدلة المختلف فيها (المقبولة منها)

стр. 2905

قال: (الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها . وفيه بابان: الباب الأول: في المقبولة منها وهي ست: الأولى: الأصل في المنافع الإباحة لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي المضار التحريم لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"). هذا الكتاب معقود للمدارك التي وقع الاختلاف (١) بين المجتهدين المعتبرين في أنّها هل هي مدارك للأحكام أم لا (٢)؟ أولها: الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع خلافا لبعضهم.

стр. 2906

وهذا بعد (١) ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع (٢). واستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات: الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣) واللام (٤) تقتضي التّخصيص بجهة الانتفاع، فيكون الانتفاع (٥) بجميع ما في الأرض جائزًا إلّا الخارج بدليل. والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٦) أنكر على من حرّم زينته، فوجب أن لا تثبت حرمتها ولا حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة. والثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٧) واللام في لكم للاختصاص (٨) على جهة الانتفاع كما عرفت، وليس المراد بالطيبات

стр. 2907

الحلال، وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيبه النفوس (١). واستدل على أنّ الأصل في المضارّ التّحريم: بما روى الدارقطني من قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).

стр. 2908

قال النووي في الأذكار حديث حسن (١)، وجه الاحتجاج: أنّ الحديث دال على نفي الضرر، وليس المراد نفي وقوعه ولا إمكانه فدلّ على أنَّه لنفي الجواز. ويدل عليه قوله ﷺ في لفظ آخر للحديث رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤): "من ضارّ أضرّ الله به" (٥). وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى. تنبيه: الضرر ألم القلب كذا قاله الأصوليون واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضررًا، وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف (٦) فجعل اللفظ اسمًا للمشترك بين هذه الأمور وهو ألم القلب دفعا للاشتراك والذي قاله أهل اللغة أنّ الضرر خلاف النفع وهو أعمّ من هذه المقالة (٧).

стр. 2909

قال: (قيل على الأول اللام تجيء لغير النفع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قلنا: مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم الجلّ للفرس. قيل: المراد الاستدلال. قلنا: هو حاصل من نفسه فيحمل على غيره). اعترض على دليل إباحة المنافع بوجهين: أحدهما: أنّا لا نسلم أنّ اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع ويدلّ عليه قوله: تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) إذ يمتنع في هاتين الآيتين أن تكون لاختصاص المنافع. أمّا الأولى؛ فلاستحالة حصول النفع في الإساءة. وأمّا الثانية؛ فلتنزهه تعالى عن عودة النفع إليه. وأجاب: بأنّ استعمال اللام فيما ذكرتم من الآيتين مجاز؛ لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة للملك (٣) ومعنى الملك الاختصاص النافع (٤)؛

стр. 2910

لأنّه يصح إطلاقها عليه كما تقول: الجلّ للفرس فيكون حقيقة في الاختصاص النافع ويحمل في غيره على المجاز دفعًا للاشتراك. واعترض القرافي على هذا الجواب بأنَّ جعلها حقيقة في مطلق الاختصاص أولى من الاختصاص النافع حذرًا من الاشتراك والمجاز وموافقة لقول النحاة: اللام للاختصاص؛ فإن تقييد قولهم اللام للاختصاص بالنافع خلاف الأصل وهو منقدح. وقولهم: الجل للفرس لا دلالة فيه إلا على صحة استعمالها في الاختصاص النافع ولا يدلّ على نفي استعمالها في الاختصاص الذي لا ينفع ثمّ إنّه (١) ادعى أنّ اللام للملك وفسره بالاختصاص النافع، والملك أخصّ من الاختصاص النافع. ألا ترى أنّ من لا يملك كالعبد يقدر على الاختصاصات من الاصطياد والاحتطاب وغيرها. وأيضًا فهذه الدعوى تخالف قوله في القياس: اللام للتعليل. الثاني: سلمنا أنّ اللام للاختصاص النافع، ولكن لا يلزم منه إباحة جميع الانتفاعات بل المراد مطلق الانتفاع ويحمل على الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق. وأجاب بأن الاستدلال على الخالق يحصل لكل عاقل من نفسه إذ يصح أنْ يستدل بنفسه على خالقه فليحمل الانتفاع في الآيات على غيره
следующие страницы →