← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وهذا بعد (١) ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع (٢). واستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات: الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣) واللام (٤) تقتضي التّخصيص بجهة الانتفاع، فيكون الانتفاع (٥) بجميع ما في الأرض جائزًا إلّا الخارج بدليل. والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٦) أنكر على من حرّم زينته، فوجب أن لا تثبت حرمتها ولا حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة. والثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٧) واللام في لكم للاختصاص (٨) على جهة الانتفاع كما عرفت، وليس المراد بالطيبات

стр. 2907

الحلال، وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيبه النفوس (١). واستدل على أنّ الأصل في المضارّ التّحريم: بما روى الدارقطني من قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).

стр. 2908

قال النووي في الأذكار حديث حسن (١)، وجه الاحتجاج: أنّ الحديث دال على نفي الضرر، وليس المراد نفي وقوعه ولا إمكانه فدلّ على أنَّه لنفي الجواز. ويدل عليه قوله ﷺ في لفظ آخر للحديث رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤): "من ضارّ أضرّ الله به" (٥). وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى. تنبيه: الضرر ألم القلب كذا قاله الأصوليون واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضررًا، وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف (٦) فجعل اللفظ اسمًا للمشترك بين هذه الأمور وهو ألم القلب دفعا للاشتراك والذي قاله أهل اللغة أنّ الضرر خلاف النفع وهو أعمّ من هذه المقالة (٧).

стр. 2909

قال: (قيل على الأول اللام تجيء لغير النفع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قلنا: مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم الجلّ للفرس. قيل: المراد الاستدلال. قلنا: هو حاصل من نفسه فيحمل على غيره). اعترض على دليل إباحة المنافع بوجهين: أحدهما: أنّا لا نسلم أنّ اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع ويدلّ عليه قوله: تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) إذ يمتنع في هاتين الآيتين أن تكون لاختصاص المنافع. أمّا الأولى؛ فلاستحالة حصول النفع في الإساءة. وأمّا الثانية؛ فلتنزهه تعالى عن عودة النفع إليه. وأجاب: بأنّ استعمال اللام فيما ذكرتم من الآيتين مجاز؛ لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة للملك (٣) ومعنى الملك الاختصاص النافع (٤)؛

стр. 2910

لأنّه يصح إطلاقها عليه كما تقول: الجلّ للفرس فيكون حقيقة في الاختصاص النافع ويحمل في غيره على المجاز دفعًا للاشتراك. واعترض القرافي على هذا الجواب بأنَّ جعلها حقيقة في مطلق الاختصاص أولى من الاختصاص النافع حذرًا من الاشتراك والمجاز وموافقة لقول النحاة: اللام للاختصاص؛ فإن تقييد قولهم اللام للاختصاص بالنافع خلاف الأصل وهو منقدح. وقولهم: الجل للفرس لا دلالة فيه إلا على صحة استعمالها في الاختصاص النافع ولا يدلّ على نفي استعمالها في الاختصاص الذي لا ينفع ثمّ إنّه (١) ادعى أنّ اللام للملك وفسره بالاختصاص النافع، والملك أخصّ من الاختصاص النافع. ألا ترى أنّ من لا يملك كالعبد يقدر على الاختصاصات من الاصطياد والاحتطاب وغيرها. وأيضًا فهذه الدعوى تخالف قوله في القياس: اللام للتعليل. الثاني: سلمنا أنّ اللام للاختصاص النافع، ولكن لا يلزم منه إباحة جميع الانتفاعات بل المراد مطلق الانتفاع ويحمل على الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق. وأجاب بأن الاستدلال على الخالق يحصل لكل عاقل من نفسه إذ يصح أنْ يستدل بنفسه على خالقه فليحمل الانتفاع في الآيات على غيره

стр. 2911

ولا يحمل عليه لامتناع تحصيل الحاصل. فإن قلت: لا نسلم أنَّه يلزم تحصيل الحاصل وهذا لأنَّ الانتفاع بالاستدلال الثاني غير الانتفاع بالاستدلال بنفسه ضرورة أنَّه يحصل تأكيد العلم الأول. قلت: الدليل على كونه تحصيلًا للحاصل أنّ الحاصل بالاستدلال الأول هو العلم بوجود الصانع وما هو من لوازمه والحاصل بالثاني هو هذا. وقولك: يحصل تأكيد العلم ممنوع بناءً على أنّ العلم لا يقبل التأكيد. سلمناه لكن الحمل على غير هذه الفائدة فائدة تأسيسية وهي أولى من التأكيدية. سلمنا أنّ المراد مطلق الانتفاع ولكنه كما ذكرتم يصدق بصورة وإذا كان الانتفاع بفرد من أفراد الانتفاعات مأذون فيه لزم الإذن في الكلّ؛ لأنّه لا قائل بالفصل هذا شرح ما في الكتاب. واعترض القرافي بعد تسليم أنّ الأخبار عن اختصاص الخلق بالمنافع بأنّ الانتفاع لا يدل على أنَّه لا حجر فيها؛ لأنّه صادق بأنّ الانتفاع لا يصدر إلا منًّا سواءً كان مباحًا أم محرمًا فجاز أنْ يصدق الاختصاص بالانتفاع مع الثواب على تركه أو ترك بعضه أو فعل بعضه كما تقول: وطء النساء حلال لبني آدم لم يجعل لغيرهم في الوجود وإن عُوقِب على (١)

стр. 2912

البعض. ولقائل أن يقول: لا يصدق اختصاصهم بها مع صدق المعاقبة ولا تحصل المنّة مع ذلك أيضًا (١). واعترض صفي الدّين الهندي على الاستدلال بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) بأنه لا يفيد العموم؛ لأنّه يجوز أنْ يكون للعهد، وهو ما أحلّ في الشرع مما يستطاب طبعًا، وحينئذ لا يحمل على العموم لتقدم العهد عليه (٣). ولك أنْ تقول يلزم مما قررت أنْ يكون قوله: ﴿أُحِلَّ﴾ خبر إنشاء والحمل على الإنشاء أولى لكونه أكثر فائدة على أنّا لا نسلم أنّ ما أحلّ في الشرع يجوز أن يكون معهودًا هنا لأنّه لم يتقدم له ذكر في الكلام ولا تعلق بحال الخطاب والمعهود ليس إلا ما كان كذلك. وأما الاستدلال بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) فهو مبني على أنّ المفرد المضاف يفيد العموم (٥).

стр. 2913

فإن قلت: لا (١) نسلمه ولو سلمناه فالدليل خاص بالزينة والدعوى عامة. قلت: أمّا الأول فمبين في موضعه. وأما الثاني فإذا دلّ على الزينة دلّ على ما لا زينة فيه من المنافع ضرورةَ أنَّه لا قائل بالفصل كما علمت. نعم لقائل أنْ يقول الآية دالة على عدم الحرمة ولا يلزم من ذلك الإباحة إلا أن يستدل مع ذلك باللام في قوله: ﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من حيث إنّها للاختصاص النافع على ما سلف. فائدة: قد علمت قول الجماهير أنّ الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول: الأموال من جملة المنافع، والظاهر أنّ الأصل فيها التحريم لقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم" (٢) الحديث وهو أخصّ من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون قاضيًا عليها إلّا أنَّه أصل طارئ على أصل سابق فإنّ المال من حيث كونُه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة، ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث. قال: (الثاني الاستصحاب حجة خلافًا للحنفية والمتكلمين)

стр. 2914

الاستصحاب (١) يطلق على أوجه (٢): أحدها: استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف العقل (٣) نفيه

стр. 2915

بالبقاء على العدم الأصلي كنفي وجوب صلاة سادسة، وصوم شوال، فالعقل يدلّ على انتفاء وجوب ذلك لا لتصريح الشارع، لكن لأنّه لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لعدم ورود السمع به. والجمهور (١) على العمل بهذا وادعى بعضهم فيه الاتفاق (٢). فإنْ قلت: قصارى دلالة الاستصحاب الظنّ وعدم وجوب الصلاة السادسة وصوم شوال قطعي، فكيف يستفاد من الاستصحاب؟ . قلت: عدم السمعي الناقل قد يكون معلومًا كما في هذين المثالين، ويدل الاستصحاب فيه على القطع، وقد يكون مظنونًا كعدم وجوب الوتر والأضحية وزكاة الخيل والحلي (٣).

стр. 2916

والثاني: استصحاب العموم إلى أن يرد مخصص (١) وهو دليل عند القائلين به واستصحاب النّص (٢) إلى أن يرد ناسخ، وهو دليل على دوام الحكم ما لم يرد النّسخ كما دلّ العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير (٣). الثالث: استصحاب حكم دلّ الشرع على ثبوته ودوامه (٤) كالملك عند جريان فعل الملك وكشغل الذهة عند جريان إتلاف أو إلزام فإنّ هذا وإن لم يكن حكمًا أصليًا فهو شرعي دلّ الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا ولولا دلالات الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز (٥) استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دلّ الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دلّ على البراءة العقلية وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي (٦). ومن هذا القبيل الحُكْمُ بتكرر الأحكام عند تكرر

стр. 2917

أسبابها كشهود رمضان ونفقات الأقارب عند مسيس الحاجات وأوقات الصلوات؛ لأنّه لما عرف حملة الشريعة قصد الشارع صلوات الله عليه إلى نصبها أسبابًا وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع (١). فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعًا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظنّ انتفاء المغير عند بذل الجهد في الطلب. والرابع: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف (٢) مثاله: من قال إنّ المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة؛ لأنَّ الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها وطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة حتّى يدل الدليل على أنّ رؤية الماء قاطعة فهذا ليس بحجة عند كافة المحققين (٣). وذهب الصيرفي والمزني وأبو ثور إلى صحته وهو مذهب داود (٤).

стр. 2918

قال الشيخ أبو إسحاق: وكان القاضي يعني أبا الطيب يقول: داود لا يقول بالقياس الصحيح وهنا يقول بقياس فاسد؛ لأنّه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علّة جامعة (١). وللخصم في هذا أن يقول: أجمعنا على أنّ رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة مبطلة فكذا بعد الدخول استصحابًا للحال وكذا إذا كان الكلام في زوال مِلك المرتد بالردة ويؤدي ذلك إلى تكافؤ الأدلة. وهذه الأقسام الأربعة أوردها الغزالي كما ذكرناها (٢). والخامس: الاستصحاب المقلوب (٣) وهو استصحاب الحال في الماضي كما إذا وقع البحث في أنّ هذا المكيال مثلا هل كان على عهد رسول الله ﷺ ؟ فيقول القائل: نعم إذ الأصل موافقة الماضي للحال. وكما إذا رأيت زيدًا جالسًا في مكان وشككت هل كان جالسًا فيه أمس فيقضى بأنّه كان جالسًا فيه أمس استصحابًا مقلوبًا.

стр. 2919

واعلم أنّ الطريق في إثبات الحكم به يعود إلى الاستصحاب المعروف وذلك لأنّه لا طريق له إلا قولك: لو لم يكن جالسًا أمس لكان الاستصحاب يفضي بأنّه غير جالس الآن لكنه جالس الآن فدلّ على أنَّه كان جالسًا أمس (١). وقد قال به الأصحاب في صورة واحدة وهي ما إذا اشترى شيئًا وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة، فإنّ الذي أطبق عليه الأصحاب ثبوت الرجوع له على البائع بل لو باع المشتري أو وهب وانتزع المال من المنتهب أو المشترى منه فإنّ للمشتري الأول الرجوع أيضًا وهذا استصحاب للحال في الماضي. فإنّ (٢): البيّنة لا توجب الملك ولكنّها تظهره فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها ولو بقدر لحظة لطيفة ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي ولكنّهم استصحبوا مقلوبًا وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحابًا للحال. وقال الأصحاب: فيما إذا وجدنا ركازًا مدفونًا في الأرض ولم يعرف هل هو من دفين الجاهلية أو الإسلام؟ فالمنقول عن نصه أنَّه ليس بركاز وفيه وجه أنَّه ركاز؛ لأنَّ الموضع يشهد له وعلى هذا الوجه فقد استصحبنا مقلوبًا؛ لأنّا استدللنا بوجدانه في الإسلام على أنَّه كان موجودًا قبل

стр. 2920

ذلك (١). إذا عرفتَ هذه الأقسام فنقول: اختلف الناس في استصحاب الحال المشار إليه في القسم الثاني والثالث وكذا الأوّل إن لم نجعله محل وفاق على مذاهب بعد اتفاقهم على أنَّه لا بد من استفراغ الجهد في طلب الدليل وعدم وجدانه. أحدها: أنَّه حجة، وبه قال الأكثرون وهو مختار الإمام وأتباعه منهم المصنف (٢). والثاني: أنّه ليس بحجة. وبه قال الحنفية (٣) كما نقله في الكتاب تبعًا لغيره وكثير من المتكلمين (٤). والثالث: ما اختاره القاضي أبو بكر في كتابه التقريب والإرشاد أنَّه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإنّه لم يكلف إلا أقصى الطلب الداخل في مقدوره على العادة فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلًا أخذ بنفي الوجوب ولا يسمع منه إذا انتصب مسؤولًا في مجالس (٥) المناظرة فإنّ

стр. 2921

المجتهديْن إذا تناظرا وتذاكرا (١) طرق الاجتهاد فما يفي (٢) المجيب. قوله: لم أجد دليلًا على الوجوب، وهل هو في ذلك إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلبة بالدلالة؟ وهذا التفصيل عندنا حق متقبل (٣). والرابع: وهو المعمول به عند الحنفية كما صرح به أصحابهم في كتبهم أنَّه لا يصلح حجّة على الغير ولكن يصلح لإبداء العذر والدفع ولذلك قالوا حياة المفقود باستصحاب الحال تصلح حجّة لإبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه (٤). والخامس: أنّه يصلح للترجيح فقط (٥). قال: (لنا أنّ ما ثبت ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه، ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ولم تثبت الأحكام الثابتة في

стр. 2922

عهده ﷺ لجواز النسخ ولكن الشك في الطلاق كالشك في النكاح ولأن الباقيّ يستغني عن سبب أو شرط جديد، بل يكفيه دوامها دون الحادث ويقل عدمه لصدق عدم الحادث على ما لا نهاية له فيكون دوامها راجحا). استدل على حجية الاستصحاب بأوجه: أحدها: أنّ ما علم حصوله في الزمان الأول ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه في الزمن الثاني ضرورة، وحينئذ فيجب العمل به لما علم من وجوب العمل بالظن (١) (٢). الثاني: أنَّه لو لم يكن حجة لما تقررت المعجزة؛ لأنّها فعل خارق للعوائد ولا يحصل هذا الفعل إلا عند تقرير العادة ولا معنى للعادة إلا العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد أنَّه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه وهذا عين الاستصحاب (٣).

стр. 2923

الثالث: أنَّه لو لم يكن حجة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي ﷺ ثابتة في زماننا واللازم باطل فكذا الملزوم. ووجه الملازمة أنّ دليل ثبوت تلك الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه وهذا هو الاستصحاب، فإذا لم تكن حجة لم يمكن الحكم بثبوتها لجواز تطرق (١) النسخ (٢). الرابع: لو لم تكن حجة لتساوى الشك في الطلاق والشك في النكاح لاشتراكهما في عدم حصول الظنّ بما مضى وهو باطل اتفاقًا إذ يباح للشاك في الطلاق دون الشاك في النكاح (٣). ولك أن تجعل هذه الأوجه الأربعة وجهًا واحدًا في الدليل فتقول: ما ثبت ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه وتجعل الأوجه الثلاثة دليلًا على ظنّ البقاء فتقول: لو لم يظنّ بقاؤه لما تقررت المعجزة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده ﷺ ولتساوى الشك في الطلاق والنكاح وعلى ذلك جرى العبري في شرحه (٤).

стр. 2924

وكلام المصنف محتمل للأمرين فإنّ قوله ولولا ذلك يحتمل أن يريد ولولا حجية الاستصحاب وأن يريد ولولا ظنّ البقاء. الخامس: أنّ الباقي لا يفتقر إلى سبب جديد وشرط جديد بل يكفيه دوام السبب والشرط أي لا يحتاج إلى مؤثر والحادث مفتقر إلى هذين فيكون الباقي راجحًا في الوجود على الحادث والعمل بالراجح واجب فيجب العمل بالاستصحاب لاستلزامه العمل بالباقي وإنما قلنا إنّ الباقي مستغن عن المؤثر؛ لأنّه لو افتقر إليه فإما أنْ يصدر منه والحالة هذه أثر أو لا وهذا الثاني محال؛ لأنّ فَرْضَ مؤثرٍ مفتقر إليه مع أنَّه لم يصدر منه أثر البتة جمع بين النقيضين والأول إن كان أثره عين ما كان حاصلا قبله فيلزم تحصيل الحاصل وإن كان غيره فيقتضي أن يكون الأثر الصادر عنه حادثًا لا باقيًا والفرض خلافه. ولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلًا وأما كون الحادث مفتقرًا إليه فمتفق عليه بين العقلاء هذا تقرير الدليل المذكور (١). وعليه من الاعتراضات والأجوبة عنها ما لا يحتمل هذا الشرح ذكره. قوله: "ويقل عدمه" هذا يصلح أن يكون دليلًا سادسًا وأنْ يكون دليلًا على أنّ الباقي راجح في الوجود على

стр. 2925

الحادث. وتقريره أنّ عدم الباقي أقلّ من عدم الحادث؛ لأنَّ عدم الحادث صادق على ما ليس له نهاية بخلاف عدم الباقي فإنّه مشروط بوجود الباقي وهو متناه فلا يصدق على ما لا نهاية له، وإذا وضح أنّ عدم الباقي أقلّ من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده والكثرة مرجحة والله أعلم. خاتمة: قد علمت أنّ الاستصحاب هو ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول لعدم وجدان ما يصلح أنْ يكون مغيرًا بعد البحث التام وينشأ من هذا البحث في أنّ مجرد الظهور هل يصلح أن يكون معارضًا له وهذه هي قاعدة الأصل والظاهر المشهورة في الفقه، وللشافعي فيما إذا تعارض أصل وظاهر غالبًا قولان (١). وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحققها من سرد فروعها ما تقرّ الأعين فعليك به (٢). وعلمت أيضًا أنّ الأصل لا يندفع بمجرد الشك والاحتمال أخذًا بالاستصحاب، وهذا معنى القاعدة المشهورة أيضًا في الفقه أنّ اليقين لا يرفع بالشك (٣) فإنه مع وجدان الشك لا يقين،

стр. 2926

ولكن استصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل، وأطلق عليه اليقين مجازًا. وقد قال أبو العباس ابن القاص: "لا يستثنى عن هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيترك اليقين فيها بمجرد الشك (١). وقد سردناها في الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري والتحرير في كلّ ذلك فلا نطول بذكره هنا" (٢). قال: (الثالث الاستقراء مثاله: الوتر يؤدَّى على الراحلة فلا يكون واجبًا لاستقراء الواجبات وهو يفيد الظنّ، والعمل به لازم لقوله ﷺ نحن نحكم بالظاهر) الاستقراء (٣) ينقسم إلى تام وناقص: فأمّا التام: فهو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي وهذا هو القياس المنطقي وهو يفيد القطع (٤).

стр. 2927

مثاله: كلّ جسم متحيز فإنا استقرينا جميع جزئيات الجسم وجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان وكلّ منها متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كليّ وهو قولنا: كل جسم متحيز بوجود التحيز في جميع جزئياته. وأمّا النّاقص: وفيه كلام المصنف فهو إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته وهذا هو المشهور بإلحاق الفرد بالأعمّ والأغلب ويختلف فيه الظنّ باختلاف الجزئيات فكلما كانت أكثر كان الظنّ أغلب (١). وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل (٢) وهو ما اختاره صفي الدين الهندي (٣) وبه نقول (٤). وقال الإمام الأظهر أنَّه لا يفيد الظنّ إلا بدليل منفصل ثمّ بتقدير الحصول بكونه حجة (٥). وهذا يعرفك أنّ الخلاف الواقع في أنَّه هل يفيد الظنّ لا في أنّ الظن المستفاد منه هل يكون حجة؟ .

стр. 2928

ولقائل أن يقول: الدليل المنفصل لا يُصَير (١) ما لا يفيد الظنّ مفيدًا للظنّ فإن أراد بالدليل المنفصل ما يعضد (٢) الاستقراء، فالمفيد للظنّ حينئذ هو مجموع المنفصل والاستقراء لا الاستقراء بالدليل المنفصل، وإن أراد بالدليل المنفصل (٣) ما يدل على أنَّه مفيد للظن أو أنَّه حجّة فسوف يأتي به إن شاء الله. وقد مثل المصنف له بقولنا: "الوتر يصلى على الراحلة" بالإجماع منّا ومن الخصم أو بالدليل الذي يدل عليه ولا شيء من الواجبات يؤدَّى على الراحلة؛ لأنّا استقرأنا القضاء والأداء من الظهر والعصر وغيرهما من الواجبات فلم نر شيئا منها يؤدى على (٤) الراحلة، والدليل على أَنَّه يفيد الظنّ أنا إذا (٥) وجدنا صورًا كثيرة (٦) داخلة تحت نوع واحد وقد اشتركت في حكم ولم نر شيئا مما نعلم أنَّه منها خرج عن ذلك الحكم أفادتنا هذه الكثرة بلا ريب ظنّ أنّ ذلك الحكم وهو عدم الأداء على الراحلة في مثالنا هذا من صفات ذلك النوع وهو الصلاة الواجبة.

стр. 2929

ومنهم من استدل عليه بأن القياس التمثيلي حجة عند القائلين بالقياس في الحكم الشرعي وهو أقلّ مرتبة من الاستقراء؛ لأنّه حكم على (١) جزئي لثبوته في جزئي آخر والاستقراء حكم على كليّ لثبوته في أكثر الجزئيات، فيكون أولى من القياس التمثيلي ولكنّ هذا مدخول؛ لأنه يشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو علّة الحكم وليس الأمر كذلك في الاستقراء بل هو حكم على الكلّ بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته. ولا يمتنع عقلا أنْ يكون بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر في الحكم وإن اندرجا تحت جنس واحد. وإذا كان مفيدًا للظنّ كان العمل به لازمًا (٢). واستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله ﷺ : "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" (٣).

стр. 2930

وهو حديث لا أعرفه (١) وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه. ولو استدل بأنّ العمل بالظنّ واجب لما تقدم من الأدلة لكفاه ذلك والله أعلم.

стр. 2931

قال: (الرابع أخذ الشافعي بأقلّ ما قيل إذا لم يجد دليلًا ؛ كما قيل: دية الكتابي الثلث، وقد قيل: النصف وقيل: الكلّ بناءً على الإجماع والبراءة الأصلية. قيل: يجب الأكثر ليتيقن (١) الخلاص. قلنا: حيث يتيقن الشغل والآن لم يتيقن). ذهب إمامنا الشافعي رضوان الله تعالى عليه إلى أنَّه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقلّ ما قيل. ووافقه القاضي أبو بكر والجمهور (٢). وخالفه قوم (٣). مثاله اختلاف العلماء في دية اليهودي. قال بعضهم: كدية المسلم (٤) وقال آخرون نصف. . . . . . . . . . . . . .

стр. 2932

ديته (١) (٢) وقال آخرون بل الثلث فقط (٣). وأخذ به الشافعي ﵁ (٤). ونحوه أيضًا زكاة الفطر قال بعضهم خمسة أرطال وثلث (٥) وقال آخرون ثمانية أرطال (٦) فأخذ بالأوّل. ونحوه أيضًا النِّفاس (٧). واعلم أنّ هذه المسألة كما أشار إليه المصنف بقوله: "بناءً" إلى آخره مبنية على قاعدتين:

стр. 2933

أحدهما: الإجماع. والثانية: البراءة الأصلية. فإن الأمة لما أجمعت على ذلك الأوّل كالثلث في المثال الأول فإنّ من أوجب الكلّ أو النصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فالكلّ مطبقون على وجوب الثلث (١) (٢). وأما البراءة الأصلية: فإنّها تدل على عدم الوجوب في الكلّ، ترك العمل بها في الثلث لحصول الإجماع عليه فيبقى الباقي على أصله ويصار إليه وإنما يتم هذا إذا لم يكن في الأمّة من يقول بعدم وجوب شيء منها أو بوجوب أقلّ من الثلث، فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث (٣) قول كل الأمّة، وأن لا يكون هناك دليل دال على الأكثر، فإن بتقدير ذلك لا يصح أنْ يتمسك بالبراءة الأصلية فإنها ليست بحجة مع الناقل السمعي (٤). فإن قلت: هل الأخذ بأقل ما قيل تمسك بالإجماع؟ . قلت: قال بعض الفقهاء ذلك وعزاه إلى الشافعي. وهو خطأ

стр. 2934

عليه ﵁. قال القاضي أبو بكر: ولعل الناقل عنه زلّ في كلامه (١). وقال الغزالي: هو سوء ظن به فإنّ المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه (٢). وقد علمت مما قررناه أنَّه ليس تمسكًا بالإجماع وحده. فإن قلت: حاصل ما قررته أنه مركب من الإجماع وهو دليل بلا ريب ومن البراءة الأصلية وهي كذلك فما وجه جعله دليلا مستقلا برأسه؟ وكيف يتجه ممن يوافق على الدليلين المذكورين مخالفة الشافعي ﵀ فيه؟ فما هو إلا تمسك بمجموع هذين (٣) الدليلين الدال أحدهما على إثبات الأقل والآخر على نفي الزيادة. قلت: هذا سؤال لم نزل نورده ولم يتحصل لنا عنه جواب. فإن قلت: ما بال الشافعي اشترط أربعين في الجمعة؟ وقد اكتفى بعض العلماء بثلاث، واشترط سبعًا في عدد الغسل من ولوغ الكلب وقد اكتُفي فيه بثلاث مرات (٤).

стр. 2935

قلت: هذا سؤال من لم يحط بالحقائق فإنَّ الشافعي لم يخالف أصله؛ لأنَّ أصله الأخذ بالمتيقن وطرح المشكوك. واتفق العلماء في صورة الجمعة والغسل من ولوغ الكلب بالخروج (١) عن العهدة بالأربعين وبالسبع واختلفوا في الخروج عنها بما دون ذلك فالأربعون والسبع بمنزلة الأقلّ إذ أخذ الشافعي فيهما بالمتيقن، فلا يتوهمن متوهم أنَّه أخذ بالأكثر فيما ذكر وإنما أخذ بالمتيقن (٢).

стр. 2936

ولا يقال: قد اشترط بعض العلماء الخمسين في الجمعة وكان قياس هذا الأخذ (١) بالخمسين؛ لأنا نقول: وصحّ له دليل ينفي اشتراط الخمسين. هذا ما انقدح لنا في جواب هذا السؤال وهو ما اقتضاه إيراد (٢) الإمام أبي المظفر ابن السمعان في القواطع حيث قال (٣) الأخذ بأقلّ ما قيل على ضربين: أحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة فيختلف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية اليهودي وحكى وجهين للأصحاب فيه. والثاني: أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الثابت فرضها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها ولا تبرأ الذمة بالشك. وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا فيه وجهان؟ انتهى (٤). فجعل الأكثر هنا بمنزلة الأقلّ (٥). ومن النّاس (٦) من أجاب عنه بأنّ الشافعي لم يخالف أصله لأنَّ شرطه عدم ورود دليل سمعي على الأكثر كما عرفت ولم يوجد هذا الشرط عنده فيما ذكرته بل دلّ الدليل على الأكثر فلم يمكن التمسك فيه

стр. 2937

بالبراءة الأصلية (١). ويوضح ذلك أنّ بعض العلماء اشترط في الجمعة خمسين فلو أنّ الشافعي أخذ بالأكثر لاشترط الخمسين. فإن قلت: فهل يقضون فيما إذا أحدث مجتهد أداه اجتهاده إلى إيجاب قدر أقل من الثلث بأن ذلك يصير مذهبًا للشافعي ﵀ لأنّه أقل ما قيل حينئذ؟ . قلت: هذا غير متصور؛ لأنَّ الاجتهاد مع قيام الإجماع خطأ ولو صدر من واحد لسفهنا كلامه وقضينا عليه بما نقضي على خارق الإجماع. فإذا قلت: هب أنَّه لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع لكن لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. قلت: إنما لا (٢) يلزم من عدم الدليل عدم المدلول في الأمور الحقيقة لا في الشرعية التكليفية فإن تجويز ذلك يستلزم تكليف ما لا يطاق (٣). فإن قلت: لا يلزم من عدم وجدانه عدم وجوده. قلت: هذا ساقط إن قلنا كل مجتهد مصيب وإلا فيصير حكم الله في حقه إذ ذاك ذلك الذي غلب على ظنّه فيخرج عن العهدة، وإلا يلزم التكليف بما لا يطاق (٤).

стр. 2938

قوله: "قيل يجب الأكثر" تقرير هذا الاعتراض أنَّه ينبغي أنْ يجب الأكثر ليستيقن المكلف الخلاص حينئذ. وجوابه: أنّ ذلك إنما يجب حيث تيقنا شغل الذمة لا حيث الشك والزائد على الأقلّ لم يتيقن فيه ذلك لعدم ثبوت الدليل عليه (١). واعلم أنّ هذا الاعتراض يناسب من يقول بقاعدة الاحتياط، والاحتياط أن يجعل المعدوم كالموجود والموهوم كالمحقق، وما يبرئ على بعض التقديرات يلزم به وما لا يبرئ على كلّ التقديرات لا يلزم به ونأخذ بأثقل القولين وأكثرهما، ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر (٢) كمّله الله تعالى وقد عضدت القول بها مرّة بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) وهو استئناس حسن ذكرته لأبي (٤) أيده الله فأعجبه (٥). قال: (الخامس المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار الصائلين (٦) بأسرى المسلمين اعتبرت وإلا فلا، وأما مالك فقد اعتبرها مطلقًا لأنَّ اعتبار جنس المصالح يوجب

стр. 2939

ظن اعتبارها ولأن الصحابة ﵃ قنعوا بمعرفة المصالح). تقدّم في كتاب القياس أنّ المناسب إمّا أن يعلم أنّ الشارع اعتبره أو ألغاه أو يجهل حاله، وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين والنظر هنا في الثالث وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح (١) وفيه مذاهب:

стр. 2940

أحدها: المنع منه مطلقًا وهو الذي عليه الأكثرون (١). ﵃ والثاني: أنَّه معتبر مطلقًا وهو المنقول عن مالك بن أنس ﵀ (٢).

стр. 2941

والثالث: ما اختاره المصنف أنَّه إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كليّة اعتبرت، وإن فات أحد هذه القيود الثلاثة لم تعتبر (١). والضرورية: ما تكون في الضروريات الخمس أعني الدين والعقل والنفس والمال والنسب. والقطعية: التي تجزم بحصول المصلحة فيها. والكلية: هي التي تكون موجبة لفائدة تعمّ جميع المسلمين (٢). ومثل لذلك: بما إذا تترس الكفار حال التحام الحرب بأسارى المسلمين وقطعنا بأنّا لو امتنعنا عن التترس (٣) لصدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا من دون جريمة صدرت منه فيجوز والحالة هذه رميه. وهذا التفصيل مأخوذ من الغزالي ﵀ (٤) ونحن نشبع القول فيه ثم نلتفت إلى الكلام مع مالك ﵁.

стр. 2942

فنقول: ما ذكرناه من المثال لا عهد به في الشريعة قال الغزالي: "فلا يبعد أنْ يؤدي إليه اجتهاد مجتهد فنقول هذا الأسير مقتول بكل حال لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا على قطع نعلم أنّ الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية، فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم بأنّه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة فيعدل عنها وليس في معناها إذا لم يقطع بظفرهم بنا (١) فإنها ليست قطعية بل ظنية". كذا قال الغزالي (٢) وهو إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة، وفي اشتراط القطع به وعدم الاكتفاء بالظنّ الغالب نظر. وقد حكى الأصحاب في مسألة الترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وجه المنع بأنّ غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا،

стр. 2943

ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه. وقد يقال: إنّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها والخلاف إنما هو في حالة الخوف. وقد صرح الغزالي بذلك في المستصفى وقال: "إنّه إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظنّ قريب من القطع. وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور. ولعل مصلحة الدين في بقاء من طرح أعظم منها في بقاء من بقي ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يعين بالقرعة ولا أصل لها في الشرع، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظًا للروح فإنّه ينقدح الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به (١) لمصلحته (٢) وقد شهد الشرع بالإضرار لشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما. وكذلك قطع المضطر فلقة من فخذه إلى أن يجد الطعام هو كقطع اليد لكن ربما يكون القطع سببًا ظاهرًا في الهلاك ويكون الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشدّ فيمنع منه وليس كذلك ما إذا كان الخوف منه دون الخوف من ترك الأكل فإنه يجوز على الأصح بشرط أنْ لا يجد شيئا غيره" (٣).

стр. 2944

فإن قلت: فهل يجوزون أن يقطع لنفسه من معصوم غيره أو أنْ يقطع الغير للمضطر من نفسه. قلت: لا نجوزه لأنّه ليس رعاية مصلحة أحدهما بالقطع له أولى من رعاية الآخر بترك القطع. فإن قلت: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون به؟ . قلت: قد قال به مالك ﵀ ولكنا لا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لما علمت (١) من معارضة هذه المصلحة لمصلحة أخرى وهي مصلحة المضروب فربما يكون بريئًا من الذنب فترك الضرب في مذنب أهون من ضرب بريء وإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح أبواب إلى تعذيب البرءاء. فإن قلت: فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٢) فماذا ترون؟ (٣).

стр. 2945

قلت: المسألة في محل الاجتهاد والذي نراه قبول توبته جريًا على تعميم كلام رسول الله ﷺ فإنّ غاية ظننا فيه أنَّه أسرّ الكفر ولسنا على قطع بذلك وقد صادم هذا الظهور بلفظه بكلمة الشهادة العاصمة عن القتل فلا يرجع إليه. وهذا الذي رأيناه هو الذي نصّ عليه الشافعي ﵁ في المختصر (١) وقطع به العراقيون وصححه المتأخرون (٢). وخالف فيه بعض الأصحاب واستعمل هذه المصلحة في تخصيص عموم الحديث (٣). وزعم الروياني أنّ العمل على ذلك (٤)، وفي المسألة أوجه أخر ناظرة إلى ما يقوي الظنّ (٥). فقال القفال الشاشي (٦) لا تقبل توبة المتناهين في الخبث كدعاة
следующие страницы →