والثالث: ما اختاره المصنف أنَّه إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كليّة اعتبرت، وإن فات أحد هذه القيود الثلاثة لم تعتبر (١).
والضرورية: ما تكون في الضروريات الخمس أعني الدين والعقل والنفس والمال والنسب.
والقطعية: التي تجزم بحصول المصلحة فيها.
والكلية: هي التي تكون موجبة لفائدة تعمّ جميع المسلمين (٢).
ومثل لذلك: بما إذا تترس الكفار حال التحام الحرب بأسارى المسلمين وقطعنا بأنّا لو امتنعنا عن التترس (٣) لصدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا من دون جريمة صدرت منه فيجوز والحالة هذه رميه.
وهذا التفصيل مأخوذ من الغزالي ﵀ (٤) ونحن نشبع القول فيه ثم نلتفت إلى الكلام مع مالك ﵁.
стр. 2942
فنقول: ما ذكرناه من المثال لا عهد به في الشريعة قال الغزالي: "فلا يبعد أنْ يؤدي إليه اجتهاد مجتهد فنقول هذا الأسير مقتول بكل حال لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا على قطع نعلم أنّ الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية، فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم بأنّه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة فيعدل عنها وليس في معناها إذا لم يقطع بظفرهم بنا (١) فإنها ليست قطعية بل ظنية". كذا قال الغزالي (٢) وهو إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة، وفي اشتراط القطع به وعدم الاكتفاء بالظنّ الغالب نظر.
وقد حكى الأصحاب في مسألة الترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وجه المنع بأنّ غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا،
стр. 2943
ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه.
وقد يقال: إنّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها والخلاف إنما هو في حالة الخوف.
وقد صرح الغزالي بذلك في المستصفى وقال: "إنّه إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظنّ قريب من القطع. وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور. ولعل مصلحة الدين في بقاء من طرح أعظم منها في بقاء من بقي ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يعين بالقرعة ولا أصل لها في الشرع، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظًا للروح فإنّه ينقدح الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به (١) لمصلحته (٢) وقد شهد الشرع بالإضرار لشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما. وكذلك قطع المضطر فلقة من فخذه إلى أن يجد الطعام هو كقطع اليد لكن ربما يكون القطع سببًا ظاهرًا في الهلاك ويكون الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشدّ فيمنع منه وليس كذلك ما إذا كان الخوف منه دون الخوف من ترك الأكل فإنه يجوز على الأصح بشرط أنْ لا يجد شيئا غيره" (٣).
стр. 2944
فإن قلت: فهل يجوزون أن يقطع لنفسه من معصوم غيره أو أنْ يقطع الغير للمضطر من نفسه.
قلت: لا نجوزه لأنّه ليس رعاية مصلحة أحدهما بالقطع له أولى من رعاية الآخر بترك القطع.
فإن قلت: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون به؟ .
قلت: قد قال به مالك ﵀ ولكنا لا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لما علمت (١) من معارضة هذه المصلحة لمصلحة أخرى وهي مصلحة المضروب فربما يكون بريئًا من الذنب فترك الضرب في مذنب أهون من ضرب بريء وإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح أبواب إلى تعذيب البرءاء.
فإن قلت: فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٢) فماذا ترون؟ (٣).
стр. 2945
قلت: المسألة في محل الاجتهاد والذي نراه قبول توبته جريًا على تعميم كلام رسول الله ﷺ فإنّ غاية ظننا فيه أنَّه أسرّ الكفر ولسنا على قطع بذلك وقد صادم هذا الظهور بلفظه بكلمة الشهادة العاصمة عن القتل فلا يرجع إليه.
وهذا الذي رأيناه هو الذي نصّ عليه الشافعي ﵁ في المختصر (١) وقطع به العراقيون وصححه المتأخرون (٢).
وخالف فيه بعض الأصحاب واستعمل هذه المصلحة في تخصيص عموم الحديث (٣).
وزعم الروياني أنّ العمل على ذلك (٤)، وفي المسألة أوجه أخر ناظرة إلى ما يقوي الظنّ (٥).
فقال القفال الشاشي (٦) لا تقبل توبة المتناهين في الخبث كدعاة
стр. 2946
الباطنية وتقبل من عوامهم (١).
وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل وإن جاء تائبًا ابتداء وظهرت أمارات الصدق قبلت وهو حسن (٢).
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يقبل إسلام من تكررت ردته (٣).
فإن قلت: رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال النّاس وجرحهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكفّ شره فماذا تقولون؟ .
قلت: إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا سبيل إلى قتله إذ في تخليد الحبس عليه كفاية شرّه فليست هذه المصلحة ضرورية.
فإن قلت: فلو كان زمان فتنة لم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبديل الولايات على قرب فليس في حبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته.
قلت: هذا رجم ظنّ وحكم بالوهم فربما لا يفلت ولا تتبدل الولاية
стр. 2947
والقتل بتوهم المصلحة لا سبيل إليه (١).
فإن قلت: إذا توقعنا من الساعي في الأرض بالفساد بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظنّ بما عرف من طبيعته وعادته المجربة (٢) طول عمره.
قلت: قال الغزالي لا يبعد أنْ يؤدي اجتهاد مجتهد إليه. قال بل هو أولى من التترس فإنّ هذا ظهرت جرائمه الموجبة للعقوبة فكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من طبعه وسجيته (٣).
ونحن نقول فيما ذكره الغزالي نظر بل الفرق بين هذا ومسألة التترس أنّ التترس دعت الضرورة إلى المبادرة بحيث أنا لو لم نبادر في الوقت الحاضر لاستأصلونا.
وأمّا هذا فجاز أنْ يهلكه الله تعالى قبل أنْ يصدر منه ما يتوقع في المستقبل ولا يتصور قطع في (٤) ذلك.
فإن قلت: كيف يجوز هذا في مسألة التترس وها هنا على ما ذكر الغزالي وقد قدمتم في كتاب القياس أنّ المصلحة إذا علم إلغاؤها بمخالفة النّص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملك المجامع في نهار رمضان (٥)
стр. 2948
وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٢) فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فليخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية (٣).
قلت: جعل الغزالي المسألة في محل الاجتهاد قال: ولا يبعد المنع من ذلك ويتأيد بمسألة السفينة فإنه يلزم منه قتل ثلث الأمّة في استصلاح ثلثيها ترجيحا بالكثرة إذ لا خلاف في أنّ كافرًا لو قصد قتل عدد مخصوص كعشرة مثلا وتترسم بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمهم حكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا إلى أكل أحدهم. وإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن الكلي الذي لا يحصره حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد.
ولهذا لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حلّ له النكاح ولا يحلّ له إذا اشتبهت بعشرة أو عشرين. ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم أو ذراريهم قتلناهم وإنْ كان التحريم عامًا لكن تخصيصه بغير هذه الصورة، بل أبلغ من هذه الصورة أنَّه لو لم تكن المصلحة ضرورية. وإنما كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم لجاز رميهم على أحد قولي الشافعي ﵀ لئلا يتخذ ذلك ذريعة للجهاد، فإذا خصص العموم بما
стр. 2949
ذكرناه كذلك ها هنا التخصيص ممكن.
وقول القائل: هذا سفك دم معصوم، يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها. ونحن نعلم أنّ الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطدام الكفار أهمّ في مقصود الشرع من دم مسلم واحد فهذا مقطوع به من جهة الشرع (١) والمقطوع به (٢) لا يحتاج إلى شهادة أصل.
فإن قلت: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟
قلت: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود.
أما إذا خلت الأيدي ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر أو اشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة (٣) في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أنْ يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثمّ (٤) إنْ رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنَّه إذا تعارض ضرران دفع أشدهما وما يؤديه كلّ واحد منهم قليل
стр. 2950
بالإضافة إلى ما يخاطر به من (١) نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة بحفظ نظام الأمور وبقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكلّ ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة التترس لكن هذا تصرف في الأموال، والأموال بذلة يحوز ابتذالها في الأغراض التي هي أهمّ منها. وإنما الخطر سفك دم معصوم من غير ذنب (٢).
فإن قلت: أجرة الجلاد في الحدود والقاطع في السرقة إذا قلنا بأحد الوجهين (٣)، وهو إنّما تجب من بيت المال لا على المجلود والسارق المقطوع ولم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فهل للإمام أخذها من الأغنياء؟ .
قلت: إنما يأخذ من الأغنياء إذا لم تكن مندوحة (٤) عن ذلك وهنا
стр. 2951
مندوحة فليستقرض على بيت المال إلى أن يجد سعة فإن لم يجد من يقرضه فعل ذلك على أنّ القاضي الروياني جوز أنْ تستأجر بأجرة مؤجلة أو من يستسخر من يقوم به على ما يراه (١).
قال الرافعي (٢): "والاستئجار قريب والتسخير بعيد وبتقدير أنْ يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر به" (٣).
فإن قلت: فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود زوجها؟ وكذلك (٤) إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين وأحدهما سابق واستبهم الأمر ووقع اليأس عن البيان هل ينفسخ النكاح بالمصلحة أم تبقى المرأة محبوسة طول العمر عن الأزواج ومحرومة في الصورة الثانية عن
стр. 2952
زوجها المالك في علم الله؟ وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها ما شاء الله وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة عن النّكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربصها أربع سنين؟ فكل ذلك مصلحة ودفع ضرر، ونحن نعلم أنّ دفع الضرر مقصود شرعًا (١).
قلت: المسألتان الأوليان (٢) مختلف فيهما، فهما في محل الاجتهاد فقد قال في القديم تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين (٣) ولكن الجديد هو الصحيح (٤) فإنه يبعد الحكم بموته من غير بينة إذ لاندارس الأخبار أسباب سوى الموت لا سيما في حق الخَامِل الذِكْر النازل القدر، وإن فسخنا فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس والمنصوص أعذار وعيوب من جهة الزوج من إعسار وجُبِّ وعنّة وإذا كانت النفقة في دائمة فغايته الامتناع من الوطء وذلك في الحضر لا يؤثر فكذا في الغيبة.
لا يقال: سبب الفسخ دفع الضرر عنها ورعاية جانبها؛ لأنّه معارض برعاية جانبه وفي تسليم زوجته إلى غيره بغيبته ولعله محبوس أو غير ذلك إضرارا به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم الزوج فيها
стр. 2953
ممكن (١).
وأما مسألة الوليين فإن علم سبق أحدهما ولم يعلم عينه فباطلان على المذهب المنصوص وإن سبق معين ثم خفي فالمذهب الوقف حتى يتبين وقيل فيه قولان فلو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء العقد لم يكن حكمًا بمجرد مصلحة بل معتضدًا بأصل معين (٢).
وأما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي. وقد أوجب الله تعالى التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن وليس هذه منهن وما من لحظة إلا ويتوقع هجوم الحيض فهذا عذر نادر لا يسلطنا على تخصيص النّص (٣).
قال الغزالي: وكان لا يبعد عندي لو اكتفى بأقصى مدّة الحمل وهو أربع سنين لكن لما وجبت العدّة مع تعليق الطلاق على يقين البراءة غلب التعبد (٤).
قلت: وقد قال في القديم فيما إذا انقطع دمها لا لعلة تعرف أنها تتربص بتسعة (٥) أشهر. وفي قول أربع سنين وفي قول مخرّج ستة أشهر، ثمّ تنتقل إلى الأشهر (٦).
стр. 2954
فإن قلت: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح فلم لم تلحقوا هذا الأصل بالكتاب والسنة والإجماع (١) والقياس وتجعلوه أصلًا خامسًا.
قلت: من ظنّ أنَّه أصل خامس أخطأ؛ لأنّا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع وهي معروفة بالكتاب والسنّة والإجماع، فكلّ مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بهذه الأدلة فليس هذا خارجًا عن هذه الأصول لكنّه لا يسمى قياسًا بل مصلحة مرسلة، إذ القياس له أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنّة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات فتسمى لذلك مصلحة مرسلة (٢).
قال الغزالي: وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها بل نقطع بكونها حجة، وحيث جاء خلاف، فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يرجح الأقوى.
ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الكفر والشرب لأنَّ الحذر من سفك دم أشدّ من هذه الأمور ولا يباح به الزنا لأنَّه في مثل محذور الإكراه، فإذن منشأ الخلاف في مسألة التترس الترجيح؛ إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة السفينة ولا رجح الجزئي على الكلي في قطع اليد المتآكلة، وهل يرجح الكلي على الجزئي في مسألة التترس؟ فيه
стр. 2955
خلاف.
فإن قلت: لا ننكر أنّ مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أنّ هذه مخالفة.
قلت: قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود (١) وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر.
فإن قلت فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود.
قلت: اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي.
فإن قلت: لا نسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكليّ، فإنّ ذلك لا يعرف إلا بنص أو قياس.
قلت: عرف ذلك لا بنص واحد بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها الشك في أنّ حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود إليه الكفار بالقتل.
وهذا كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بحقارة المال في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدماء.
وكما قلنا في مسألة السفينة: إنّه لو كان فيها مال لوجب إلقاؤه؛ لأنَّ المفسدة في فواته أخف من المفسدة في (٢) فوات أرواح
стр. 2956
النّاس (١).
فإن قلت: لو علمنا أنّهم لا يقتلون الترس بعد استئصال الإسلام فما ترون؟ .
قلت: الذي لاح من كلام الغزالي أولًا وآخرًا أنّ الجواز إنما هو حالة العلم باستئصال الأسارى أيضًا، ولكن كلام الأصحاب في حكاية الخلاف مطلق.
والذي يظهر لي إطلاق الجواز فإن حفظ الجَمْعِ العظيم الخارج عن حدِّ الحصر مع خطة الدّين وإعلاءِ كلمة الإسلام أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذلّ الكفر.
فإن قلت: فهلا فهمتم أنّ حفظ الكثير أهمّ من حفظ القليل في مسألة السفينة والإكراه والمخمصة.
قلت: لأنّ الإجماع قام وهو لا يصادم، على أنَّه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله وأنَّه لا يحل لمسلم أكل مسلم في المخمصة فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة بمجردها أما ترجيح الكلي فمعلوم إمّا على القطع أو بظن قريب منه لم يقم دليل على خلافه (٢).
فقد علمت بما أوردناه وغالبه من كلام الغزالي (٣) أنَّه يجوز اتباع
стр. 2957
المصالح بالشروط التي سردناها، وبان لك أنّ الاستصلاح ليس أصلًا (١) خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع. كما أنّ من استحسن فقد شرع.
فلنلتفت إلى الكلام مع إمام دار الهجرة مالك ﵁ حيث اعتبر جنس المصالح مطلقًا، وقد نقل ناقلون هذا عن الشافعي ﵀ ولم يصحّ عنه، والذي نقله عنه إمام الحرمين أنَّه لا يستجيز التنائي والإفراط في البعد وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارّة في الشريعة.
واختار إمام الحرمين ذلك أو نحوًا منه وإذا حقق التفصيل الذي ذكرناه عن الغزالي لم يكن بعيدًا من هذا.
إذا عرفت هذا فنقول: قال إمام الحرمين: الذي ننكره من مذهب مالك ترك رعاية ذلك وجريانه على استرساله في الاستصواب من غير اقتصاد، ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يعهد مثلها، ونقول له: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنف أو اصطلام شفة وأبدى رأيًا لا تنكره العقول صائرًا إلى أنّ العقوبات مشروعة لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة للزمك التزام هذا؛ لأنك تجوز لأصحاب الإيالات القتل (٢) في التّهم العظيمة حتى نقل عنك الثقات أنك قلت: قتل ثلث الأمّة في استبقاء ثلثيها.
стр. 2958
ثمّ إنّا نقول له ثانيا: أيجوز التعلق (١) بكل رأي فإنْ أبى ذلك لم نجد مرجعا يفرّ عنه إلا ما ارتضاه الشافعي من اعتبار المصالح المشبهة بما علم اعتباره، وإن لم يذكر ضابطًا وصرح بأنّ ما لا نص فيه (٢) ولا أصل له فهو مردود إلا الرأي واستصواب ذوي العقول، فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط كما ذكر القاضي أبو بكر (٣) حيث قال: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع فإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط ويتسع الأمر ويرجع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء أثر حكمة الحكماء ويصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء حاش لله ثمّ (٤) لا ينسب ما يرونه إلى رِبقة الشريعة وهذه ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أنّ كلا يفعل ما يرى ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عمّا درج عليه الأولون (٥).
وألزم إمام الحرمين مالكًا ﵁ أنْ قال بالتمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة بأن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع (٦) المفتيين في واقعة فأعلموه أنها ليست منصوصة ولا أصل يضاهيها بأن
стр. 2959
يسوغ له والحالة هذه أنْ يعمل بالصواب عنده والأليق بطرق الاستصلاح، قال: وهذا مركب صعب مساقه ردّ الأمر إلى عقول العقلاء واحتكام (١) الحكماء ونحن على قطع نعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، ثمّ وجوه الرأي تختلف بالبقاع والأصقاع والأوقات وعقول العقلاء تتباين فيلزم اختلاف الأحكام باختلاف كل ذلك (٢).
وهذا لا يلزم فيما له أصل وتقريب، قال: ولو ساغ هذا لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالات معتبرهم وهذا يجر (٣) خبالًا لا استقلال (٤) به.
وهذه الجملة التي أوردناها مجموعة من كلام إمام الحرمين في البرهان (٥)، وهذا الإلزام الذي ذكره أخيرًا لا يلزم مالكًا لأنه يشترط في اتباع المصلحة أنْ لا يناقض أمرًا مفهومًا من الشريعة، والعامي من أين يعلم هذا؟ وما المانع من مناقضة ما يراه من الرأي لقواعد الشريعة؟
وقد احتج مالك بوجهين (٦): أشار إليهما في الكتاب.
стр. 2960
أحدهما: أنَّ الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام واعتبار جنس المصالح يوجب ظنّ اعتبار (١) هذه المصلحة لكونها من (٢) جملة أفرادها والعمل بالظنّ واجب (٣).
والثاني أنّ المتتبع لأحوال الصحابة رضوان الله عليهم يقطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصالح في الوقائع ولا يبحثون عن وجود أمر آخر وراءها فكان ذلك منهم إجماعًا على وجوب اعتبار المصالح كيف كانت (٤).
стр. 2961
ولم يتعرض المصنف للجواب عن هاتين الشبهتين (١).
ونحن نقول في الجواب:
عن الأولى: ليس اعتبار المصالح المرسلة بمجرد مشاركتها للمصالح التي اعتبرها الشارع في كونها مصالح بأولى من إلغائها لمشاركتها للمصالح التي ألغاها الشارع في ذلك فيلزم اعتبارها وإلغاؤها.
وعن الثانية: لا نسلم أنّ الصحابة ﵃ قنعوا بمجرد معرفة المصالح وسند (٢) المنع: أنَّه لو كان كذلك لم ينعقد الإجماع بعدهم على إلغاء بعض المصالح؛ فدلّ على أنهم لم يعتبروا من المصالح إلا ما اطلعوا على اعتبار الشرع نوعه أو جنسه القريب فإنّ الشارع لم يعتبر المصالح مطلقًا بل بقيود وشرائط لا تهتدي العقول إليها إذ غاية العقل أنْ يحكم بأنّ جلب المصلحة مطلوب لكن لا يستقل بإدراك الطريق الخاص لكيفيته فلا بد من الاطلاع على تلك الطريق بدليل شرعي مرشد إلى المقصد فقبله لا يمكن اعتبار المصالح (٣).
فإن قيل: فبأي طريق أبلغ الصحابة ﵃ حدّ الشرب إلى ثمانين فإن كان مقدرًا فقد زادوا بالمصلحة وإن كان تعزيرًا غير مقدّر فلِمَ افتقر إلى التشبيه بحدّ القذف وكيف بلغ به مبلغ الحدّ؟ .
стр. 2962
قلنا: الصحيح أنَّه لم يكن مقدرًا لكن ضُرِب الشاربُ في زمنِ رسول الله ﷺ بالنعالِ وأطرافِ الثيابِ، فَقُدِرَ ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين، فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا. والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة فكأنه يثبت بالإجماع أنّهم أمروا بمراعاة المصلحة. وقيل: اعملوا بما رأيتموه أصوب بعد صدور الجناية الموجبة للعقوبة، ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تقرير فعل رسول الله ﷺ إلّا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا الشرب مظنة القذف؛ لأنَّ من سكر هذى ومن هذى افترى ومظنّة الشيء تقام مقام الشيء، كما يقام النوم مقام الحدث، والوطء مقام شغل الرحم، والبلوغ مقام نفس العقل والله أعلم (١).
قال: (السادس فقد الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ظنّ عدمه ، وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل).
الاستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل حق متقبل عند المصنف.
وتقريره أنّ فقدان الدليل (٢) بعد بذل الوسع في التفحص يغلب ظن عدم الدليل، وظن عدمه يوجب ظنّ عدم الحكم؛ لأنَّ عدم الدليل يستلزم عدم الحكم؛ لأنّه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف الغافل وهو ممتنع (٣).
стр. 2963
الباب الثاني: الأدلة المختلف فيها (المردودة منها)
стр. 2964
قال: (الباب الثاني: في المردودة .
الأول: الاستحسان .
قال به أبو حنيفة وفسّر بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته.
وردّ بأنّه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه عن فاسده، وفسره (١) الكرخي بأنّه: قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة بالزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾.
وعلى هذا فالتخصيص الاستحسان.
وأبو الحسين بأنه: ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لأقوى يكون كالطارئ فخرج التخصيص ويكون حاصله تخصيص العلّة).
ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى القول بالاستحسان (٢) وأنكره
стр. 2965
الباقون (١) حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع (٢).
وردُّ الشيء قبل فهمه محال، فلا بد أولًا من فهم الاستحسان (٣). وقد ذكر المصنف ثلاث مقالات لهم: -
المقالة الأولى: أنَّه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر أن يفوه به (٤).
وردّها صاحب الكتاب بأنّه لا بد من ظهوره ليتبين صحيحه من فاسده فإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهمًا لا عبرةَ به.
وهذا الردّ يتضح به أنَّه لا يجدي شيئا في مجلس المناظرة.
стр. 2966
وأمّا أنّ المجتهد لا يعمل به فللقوم منعُ (١) ذلك وأنْ يقولوا: إذا انقدح له دليل على حادثة وهو جازم بها أفتى بها المقلد.
ولكن سبيل الردّ عليهم أنْ يقول: هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه وذلك أمر لا يؤول إلى القدح في كونه دليلا فجاز التمسك به وفاقًا فأين الاستحسان المختلف فيه؟ .
المقالة الثانية: قال الكرخي: الاستحسان قطع المسألة عن نظائرها. أي أنّ المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما حكم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه لوجه أقوى من الأوّل يقتضي العدول عنه (٢).
ومثاله: تخصيص أبي حنيفة ﵁ قول القائل: مالي صدقة بمال الزكاة، فإنّ هذا القول منه عام في التصدق بجميع أمواله. وقال أبو حنيفة: يختص بمال الزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (٣) والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة فعدل عن أنْ يحكم في مسألة (٤) المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم لدليل أقوى اقتضى
стр. 2967
العدول وهو الآية (١).
وردّ المصنف هذا بأنّه يلزم منه (٢) أنْ يكون التخصيص استحسانًا، لأنّه عدول بالخاص عن بقية أفراد (٣) العام بدليل، ونحن موافقون على التخصيص فأين الاستحسان المختلف فيه (٤)؟ .
ويلزم منه أيضًا أنْ يكون الناسخ استحسانًا؛ لكونه كذلك إذا كان نسخًا في بعض الصّور (٥).
والثالثة: قال أبو الحسين (٦): هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول (٧).
واحترز بقوله: "غير شامل شمول الألفاظ" عن التخصيص فإن الوجه الأول فيه شامل شمول الألفاظ.
стр. 2968
وبقوله: "وهو في حكم الطارئ على (١) الأول" عن ترك أضعف القياسين للأقوى فإنّ أقوى القياسين ليس في حكم الطارئ على الأضعف فإنْ (٢) فرض أنَّه طارئ فذاك الاستحسان.
ومثال ذلك: العنب حيث يحرم بيعه بالزبيب سواءً كان على رؤوس الشجر أم لا قياسًا على الرطب، ثم إنّ الشارع أرخص في بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر فقيس عليه العنب وترك القياس الأوّل لكون (٣) الثاني أقوى فلمّا اجتمع في الثاني القوة والطريان كان استحسانًا.
وردّه صاحب الكتاب بأنّ حاصله راجع إلى أنّ الاستحسان هو تخصيص العلّة ونحن موافقون على ذلك (٤).
ولك أنْ تقول هو بهذا التفسير أعمّ من تخصيص العلّة فإنّه رجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلة بدليل طارئ عليه أقوى منه وذلك أعمّ (٥)(٦).
وردّه الإمام بأنه يقتضي أنْ تكون الشريعة كلّها استحسانًا؛ لأنّ
стр. 2969
البراءة الأصلية مقتضى العقل، وإنّما يترك ذلك لدليل أقوى منه وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأول.
ثم قال: ينبغي أنْ يزاد في حكم الحدّ قيد آخر فيقال: ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية والعمومات اللفظية بوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول (١).
قال صفي الدين الهندي: وفي قوله ترك وجه من وجوه الاجتهاد ما ينبئ عن أنّ ذلك الوجه مغاير للبراءة الأصلية (٢) فإنّها ليست وجهًا من وجوه الاجتهاد إذ هي معلومة أو مظنونة من غير اجتهاد فلا حاجة إلى ما ذكره الإمام من القيد (٣).
ومن وجوه الردّ على هذا التفسير أنَّه يقتضي أن يكون العدول من حكم القياس إلى النّص الطارئ عليه استحسانًا والخصم لا يقول به. ذكره الهندي قال: ثم إنه لا نزاع في هذا أيضًا فإنّ حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلته بدليل آخر أقوى منه وهو طارئ عليه من نص أو إجماع، أو غيرهما (٤).
وقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة لا نرى التطويل بذكرها. وحاصلها يرجع إلى أنَّه لا يتحقق استحسان مختلف فيه.
стр. 2970
ثمّ إنّا نقول لهم بعد ذلك: إن عنيتم ما يستحسنه المجتهد بعقله ورَأْيِ نفسه من غير دليل، وذلك هو ظاهر لفظة الاستحسان، الذي حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة ﵀ وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هو الصحيح عنه (١)، فهذا - لعمر الله - اقتحام عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء ومخالفة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير.
وإن عنيتم جواز استعمال لفظ الاستحسان فأنّى ينكر ذلك والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٣) والكتاب والسنّة مشحونان بذلك والقوم لا يعنون بالاستحسان ذلك فلا نسهب في الإمعان فيه.
فإن قلت: قد وقع في كلام الشافعي ﵁:
أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما (٤).
وأستحسن أنْ تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام (٥).
стр. 2971
وأستحسن أنْ يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة (١).
وأستحسن في أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه إذا أذن (٢).
وقال الغزالي: استحسن الشافعي ﵁ التحليف على المصحف (٣).
وقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أنْ تقطع يمناه والاستحسان أنْ لا يقطع (٤).
وقال الأودني (٥) في اختلاف الأصحاب في مسألة الجارية المغنية وهي التي اشتريت بألفين ولولا الغناء لساوت ألفًا (٦) كل هذا استحسان والقياس الصحة (٧).
стр. 2972
وقال الرافعي في التغليظ على المعطّل في اللعان: استحسن أنْ يحلف ويقال قل: بالله الذي خلقك ورزقك. فقد قيل: إن المعطل وإن غلا في إنكاره فإذا رجع إلى نفسه وجدها مذعنة لخالق مدبر (١).
وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدعي من اليمين المردودة وقال: أمهلوني لأسأل الفقهاء: استحسن قضاة بلدنا إمهاله يوما (٢).
وقال أبو الفرج السرخسي (٣) في تقدير نفقة الخادم على الزوج
стр. 2973
المتوسط: استحسن الأصحاب أنْ يكون عليه مدّ وسدس لتفاوت المراتب في حق الخادمة فإنّ الموسر عليه لها مدّ وثلث، والمعسر مدّ فليكن المتوسط كذلك كما تفاوتت المراتب في حق المخدومة (١).
وقال الأصحاب ليس لولي المجنونة والصبية المراهقة إذا آلى عنهما الزوج وضربن المدّة وانقضت أنْ يطالب بالفيئة لأنَّ ذلك لا يدخل تحت الولاية وحَسُنَ أنْ يقول الحاكم للزوج على سبيل النصيحة: اتق الله فئ إليها أو طلقها (٢).
وقال أبو العباس ابن القاص في التلخيص: لم يقل الشافعي بالاستحسان إلا في ثلاثة مواضع وذكر ثلاثا من هذه الصور المعدودة (٣).
стр. 2974
ونحن أيضا نقول: ما الاستحسان الذي قال به الشافعي؟ .
قلت: قد عرفت أنَّه لا نزاع في ورود هذه اللفظة على الألسنة استعمالا.
وقول ابن القاص: "لم يقل به إلا في ثلاث مسائل" يجب أنْ يكون المراد منه لم يرد على لفظة فيما اطلعت عليه لما هو المعروف المشهور من قاعدته في (١) الردّ على الاستحسان.
ثم نقول: في هذه الصور الدليل على أنَّه ليس فيها إلا استعمال اللفظ أنّ أحدًا من الأصحاب لم يقدر المتعة (٢) بثلاثين درهمًا بل منهم من استحسن (٣) هذا القدر لأجل ذهاب ابن عمر وابن عباس ﵄ إليه (٤).
стр. 2975
وقال في التتمة (١): المستحب أنْ يمتعها بخادم فإن لم يكن فثلاثين أو مقنعة، ولم يقل الشافعي ولا أحد من الأصحاب إنّ دليل ذلك الاستحسان (٢).
ولم يوجب أحد منهم على السيد أنْ يترك للمكاتب شيئا من نجوم الكتابة بل أوجبوا الإيتاء إمّا حطًّا من نجوم الكتابة أو إيتاء من غيرها واستحبوا (٣) أنْ يكون حطًّا من النجوم (٤) وكل مستحب
стр. 2976
مستحسن. فلذلك قال الشافعي: أستحسن أنْ يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة ولم يقل إن مستنده الاستحسان (١).
وأما (٢) مسألة السارق فلم يقل أيضًا لا تقطع يمناه للاستحسان بل الاستحسان أنْ لا يقطع فيلزم من يقول به أنْ لا يقطعها، وكذلك القول في سائر الصور المذكورة.
فإن قلت: ولم جرى الخلاف المذهبي في مسألتي الشفعة والسارق؟.
قلت: لا لأجل الاستحسان - معاذ الله - لا نجد في عبارة أحد من الأصحاب ذلك (٣) بل لمعان أخر نجدها مسطورة في الفقهيات.
قال: (الثاني قيل: قول الصحابي حجة .
وقيل: إن خالف القياس.
وقال الشافعي في القديم: إن انتشر ولم يخالف.
لنا: قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ يمنع التقليد.
وإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضًا.
وقياس الفروع على الأصول.
قيل: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
стр. 2977
قلنا: المراد عوام الصحابة.
قيل: إذا خالف القياس اتبع الخبر.
قلنا: ربما خالف لما ظنّه دليلا (١) ولم يكن).
اتفق أهل العلم على أنّ قول الصحابي (٢) ليس حجة على صحابي
стр. 2978
آخر مجتهد كما صرح به القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين (١)، والمتأخرون منهم الآمدي (٢) وغيره واختلفوا في كونه حجةً على التابعين ومن عداهم من المجتهدين.
فذهب الشافعي ﵁ في الجديد (٣) والأشاعرة (٤) والمعتزلة (٥) وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2979
والكرخي (١) إلى أنه ليس بحجة مطلقا وهو اختيار الإمام (٢) والآمدي (٣) وعليه جرى صاحب الكتاب.
وقال آخرون: هو حجة مطلقًا (٤) وعليه الشافعي ﵀ في القديم (٥) ومالك (٦) وأكثر الحنفية (٧).
وقال قوم: إنْ خالف القياس كان حجةً وإلا فلا (٨).
стр. 2980
وقال الشافعي ﵀ في القديم كما نقل المصنف: إنَّه حجة بشرط أنْ ينتشر ولا يخالف، كذا حكى الميسنف هذا المذهب وهو وهمٌ. وإنما هذا قول من مسألة أخرى، وهي أنَّه هل يجوز للعالم تقليده؟ وفيها مذاهب: أحدها هذا.
وقد ذكر الإمام هذه المسألة فرعًا بعد ذكر المسألة التي نحن فيها فنقل المصنف هذا القول منها إلى هنا وليس بجيّد (١).
وفي المسألة التي نحن فيها قول آخر:
إن قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما (٢).
وهذا القول (٣) ليس هو الذي تقدم في الاجماع وإن توهم ذلك بعض الشارحين فإنّ ذلك في أنّ قول مجموعهما إجماع لا كلّ واحد منهما على حدته، وهذا في أنّ قول كلّ واحد منهما وحده حجّة ولا يشترط اتفاقهما (٤).