← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

مستحسن. فلذلك قال الشافعي: أستحسن أنْ يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة ولم يقل إن مستنده الاستحسان (١). وأما (٢) مسألة السارق فلم يقل أيضًا لا تقطع يمناه للاستحسان بل الاستحسان أنْ لا يقطع فيلزم من يقول به أنْ لا يقطعها، وكذلك القول في سائر الصور المذكورة. فإن قلت: ولم جرى الخلاف المذهبي في مسألتي الشفعة والسارق؟. قلت: لا لأجل الاستحسان - معاذ الله - لا نجد في عبارة أحد من الأصحاب ذلك (٣) بل لمعان أخر نجدها مسطورة في الفقهيات. قال: (الثاني قيل: قول الصحابي حجة . وقيل: إن خالف القياس. وقال الشافعي في القديم: إن انتشر ولم يخالف. لنا: قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ يمنع التقليد. وإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضًا. وقياس الفروع على الأصول. قيل: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".

стр. 2977

قلنا: المراد عوام الصحابة. قيل: إذا خالف القياس اتبع الخبر. قلنا: ربما خالف لما ظنّه دليلا (١) ولم يكن). اتفق أهل العلم على أنّ قول الصحابي (٢) ليس حجة على صحابي

стр. 2978

آخر مجتهد كما صرح به القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين (١)، والمتأخرون منهم الآمدي (٢) وغيره واختلفوا في كونه حجةً على التابعين ومن عداهم من المجتهدين. فذهب الشافعي ﵁ في الجديد (٣) والأشاعرة (٤) والمعتزلة (٥) وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2979

والكرخي (١) إلى أنه ليس بحجة مطلقا وهو اختيار الإمام (٢) والآمدي (٣) وعليه جرى صاحب الكتاب. وقال آخرون: هو حجة مطلقًا (٤) وعليه الشافعي ﵀ في القديم (٥) ومالك (٦) وأكثر الحنفية (٧). وقال قوم: إنْ خالف القياس كان حجةً وإلا فلا (٨).

стр. 2980

وقال الشافعي ﵀ في القديم كما نقل المصنف: إنَّه حجة بشرط أنْ ينتشر ولا يخالف، كذا حكى الميسنف هذا المذهب وهو وهمٌ. وإنما هذا قول من مسألة أخرى، وهي أنَّه هل يجوز للعالم تقليده؟ وفيها مذاهب: أحدها هذا. وقد ذكر الإمام هذه المسألة فرعًا بعد ذكر المسألة التي نحن فيها فنقل المصنف هذا القول منها إلى هنا وليس بجيّد (١). وفي المسألة التي نحن فيها قول آخر: إن قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما (٢). وهذا القول (٣) ليس هو الذي تقدم في الاجماع وإن توهم ذلك بعض الشارحين فإنّ ذلك في أنّ قول مجموعهما إجماع لا كلّ واحد منهما على حدته، وهذا في أنّ قول كلّ واحد منهما وحده حجّة ولا يشترط اتفاقهما (٤).

стр. 2981

وذهب قوم إلى أنّ قول الخلفاء الأربعة حجّة إذا اتفقوا وهذا هو القول الذي تقدم في الإجماع (١). فإن قلت: ما دلّك على أنّ القائل (٢) بأنّ قول الشيخين حجّة لا يشترط اتفاقهما هنا بخلاف القائل ثَمَّ. وإنّ القائل بأنّ قول الأربعة حجة هنا يشترط اتفاقهم كما فعل ثَمَّ. وعبارة الإمام وغيره لا تعطي ذلك. قلت: أما الثاني فصرح به الغزالي في المستصفى (٣) والإمام (٤) وغيرهما. وأما الأول: فهو مقتضى عدم تقييد من حكاه ولا سيما الغزالي والإمام حيث قيد أحد القولين دون الآخر. والآمدي لم يحك هنا القول باتفاق الأربعة وكأنّه اكتفى بحكايته في كتاب الإجماع (٥). وحكى القول بحجية قول الشيخين مع حكايته في كتاب الإجماع

стр. 2982

القول بأنّ إجماعهما (١) حجّة (٢) وذلك دليل على ما قلناه، وإلا فكان حكاية قول الشيخين تكريرًا وهو قد فرَّ منه في قول الأربعة. ثمّ إنّ الخلاف هنا في أنّ قول الشيخين حجّة، لا في أنَّه إجماع، والخلاف هناك في كونه إجماعًا، وقد يكون الشيء حُجَةً ولا يكون إجماعًا، كما قيل في الإجماع السكوتي (٣) وغيره. إذا عرفت ذلك فقد احتج المصنف على أنّ قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا بثلاثة أوجه: أولها: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٤) أمر بالاعتبار وذلك ينافي التقليد (٥) كذا قرره الإمام (٦). واعترض عليه صفي الدين الهندي بأن الأخذ بقول الصحابي عند

стр. 2983

القائلين به ليس على سبيل التقليد، بل هو أخذ بمدرك من المدارك الشرعية فلا ينافي وجوب النظر (١) والقياس كالأخذ بالنص وغيره (٢). ولك أنْ تقول قي تقريره قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٣) يقتضي وجوب الاجتهاد؛ خالفناه فيما إذا وجد نص أو إجماع فبقي ما عداهما على الأصل. والثاني: أنّ الصحابة أجمعوا على مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة (٤). فإن قلت: هذا دليل على غير محل النزاع. قلت: لا؛ لأنَّه إذا كان حجة، ومن مذهبهم جواز مخالفة بعضهم بعضًا جاز لغيرهم ذلك أيضًا، أعني مخالفة كل منهم؛ لأنّ مذهبهم جواز المخالفة، والغرض أنّ مذهبهم حجّة. كذا أجاب به العبري (٥).

стр. 2984

وفيه نظر؛ لأنّ الاقتداء بهم عند القائل به إنما هو فيما لم يختصّوا به وهم مخصوصون بعدم حجيّة قول بعضهم على بعض. ولك أنْ تضايق في تصوير (١) وقوع إجماعهم على مخالفة بعضهم بعضًا؛ لأنَّ الإجماع لا بدّ (٢) وأنْ يكون من الكلّ والمجمع على (٣) مخالفته غير داخل في المجمعين، فلا يتصور الإجماع دونه. وإذا فهمت هذا، فنقول يمكن أنْ يقرر الاجماع على وجه آخر يغاير لفظ الكتاب وهو أنّهم سكتوا على مخالفة التابعين لبعضهم وذلك اتفاق منهم على تجويزه. والثالث: قياس الفروع التي هي محل الخلاف على الأصول لامتناع كون قولهم حجّة فيها على غيرهم من المجتهدين اتفاقًا والجامع كون المجتهد متمكنًا من إدراك الحكم بطريقه. وقد اعترض على هذا بالفرق بين الفروع والأصول، إذ الظنّ الذي هو مطلوب في الفروع يحصل بقول صحابي دون القطع الذي هو مقصود في الأصول. وبأنّ الخصم لا يسلم أنّ قول (٤)

стр. 2985

الصحابي في الأصول ليس هو حجّة (١) بل هو دليل من الأدلة يعمّ الأصول والفروع (٢). واحتج من قال بأنّ قول الصحابي حجّة مطلقًا بما روي من قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم" (٣) فدلّ على أنّ الاقتداء بهم هدى وطلب الهدى واجب. وقد سلف في الإجماع الكلام على هذا الحديث (٤). وأجاب المصنف: بأنّ الخطاب هنا خطاب مشافهة للعوام لا يجوز أن يدخل فيه غيرهم ولا يجوز أنْ يكون لمجتهديهم؛ لأنّه (٥) ليس محل الخلاف فتعين أنْ يكون لعوامهم. ونحن نسلم أنّ العامي منهم يهتدي بالاقتداء بأيّ مجتهد كان منهم (٦). فإن قلت على هذا: لا يختص هذا الحكم بهم (٧).

стр. 2986

قلت: نعم من هذا الوجه ولكن فيه فائدة تميزهم عن غيرهم بتقليد أصحاب رسول الله ﷺ الذين شاركوهم في الصحبة التي هي أعظم مناقبهم وهذا الوصف لم يحصل لغيرهم فإنّه لولا الدليل الدال على أنّ عامي الصحابة يقلد العالم منهم كهذا الحديث وغيره لكان ينقدح للباحث أنْ يقول: لا يقلد الصحابي صحابيًا آخر وإن قلد العامي مجتهدًا (١). والفرق أنْ المجتهد يتميز عن العامي برتبة العلم ولا وصف في العامي يقاومه به. وأمّا عاميّ الصحابة فقد قاوم مجتهدهم بمشاركته في وصفه الأعظم (٢). وأجاب الآمدي (٣) عن الحديث: بأنّه وإن عمّ في الأشخاص فلا دلالة له على عموم الاهتداء في كلّ ما يقتدى فيه فيحمل على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبي ﷺ (٤). واعترض الهندي على (٥) هذا بأنّ ترتيب الحكم على الوصف وهو

стр. 2987

كونهم صحابة يشعر بالعلية (١). ومن وجوه الاعتراض عليه أيضًا أنا نقول العام في الأشخاص عام في الأحوال وقد سبق في أوّل كتاب العموم من البحث في هذا ما تقرّ به عين المسترشد (٢). واحتج من قال قول الصحابي حجّة إذا خالف القياس بأنّه ثقة فلا يحمل مخالفته للقياس إلّا على اطلاعه على خبر، مخافة القدح في عدالته لو لم يكن ذلك فيعتمد حينئذ على قوله. وأجاب: بأنه ربما خالف لشيء ظنّه دليلا وليس في الأمر كذلك. ثم إنّا لو سلمنا أنَّه في نفس الأمر كذلك فالحجة حينئذ ليست في قول الصحابي بل في الخبر (٣). ولم يتعرض المصنف للقول المفصل بين أن ينتشر أم لا لكونه سبق في كتاب الإجماع (٤). قال: (مسألة منعت المعتزلة تفويض الحكم إلى رأي النبي ﷺ أو العالم لأنّ الحكم يتبع المصلحة وما ليست بمصلحة لا يصير مصلحة. قلنا: الأصل ممنوع وإن سلم فلم لا يجوز أن يكون اختياره أمارة

стр. 2988

المصلحة؟ وجزم بوقوعه موسى بن عمران، لقوله بعد ما أنشدت ابنة النضر بن الحارث: "لو سمعت لما قتلت". وسؤال الأقرع في الحج أكل عام؟ فقال: "لو قلت ذلك لوجبت" ونحوه. قلنا: لعلها ثبتت بنصوص محتملة للاستثناء. وتوقف الشافعي). أوّل ما نقدمه تحرير محل الخلاف في المسألة فنقول: الحكم المستفاد من العباد على أمور: أحدها: ما جاء على (١) طريق التبليغ عن الله تعالى وهذا مختص بالرسل ﵈ وهم فيه مبلغون فقط. والثاني: المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع في المسألة وهذا من وظائف المجتهدين من علماء الأمّة وفي جوازه للنبي ﷺ خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الاجتهاد. والثالث: ما يستفاد بطريق تفويض الله إلى نبي أو عالم (٢). بمعنى أنْ

стр. 2989

يجعل له أن يحكم بما شاء في مثله ويكون ما يجيء به هو حكم الله الأزلي في نفس الأمر لا بمعنى أنْ يجعل له أن ينشئ الحكم فهذا ليس صورة المسألة وليس هو لأحد غير رب العالمين. قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ﴾ (١) أي لا ينشئ الحكم غيره. إذا عرفت هذا، فقد اختلف العلماء في أنّه هل يجوز أنْ يفوض الله تعالى حكم حادثة إلى رأي نبي من الأنبياء أو عالم من العلماء فيقول له: احكم بما شئت فما صدر عنك فيها من الحكم فهو حكمي في عبادي. ويكون إذ ذاك قوله من جملة المدارك الشرعية؟ . فذهب جماهير المعتزلة إلى امتناعه (٢). وجوزه الباقون منهم ومن غيرهم وهو الحق (٣). وقال أبو علي الجبائي: في أحد قوليه يجوز ذلك للنبي دون

стр. 2990

العالم (١)، وهذا هو الذي اختاره ابن السمعاني. قال: وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدلّ عليه (٢). وجزم بوقوعه موسى بن عمران (٣) من المعتزلة (٤). وتوقف الشافعي ﵁ كما نقله المصنف وهذا التوقف يحتمل أنْ يكون في الجواز وأنْ يكون في الوقوع مع الجزم بالجواز. وبالأوّل صرح الإمام (٥) وكذلك الآمدي فقال: ونقل عن الشافعي في

стр. 2991

كتابه الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع (١)، ولكنّ الثاني أثبت نقلا وعليه جرى الأصوليون من أصحابنا الشافعية (٢). واحتجت المعتزلة على المنع بأنّ الأحكام تابعة لمصالح العباد فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لم يكن الحكم تابعًا للمصلحة بل إلى اختياره الذي جاز أنْ لا يكون مصلحة فإنّ ما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بتفويضه إلى المجتهد. وأجاب بمنع الأصل وهو كون الحكم يتبع المصلحة. وبأنّا ولو سلمناه لا يلزم ما ذكرتم لأنّه لما قال له إنّك لا تحكم إلا بالصواب أمنَّا من اختياره المفسدة وكأن الله تعالى جعل اختياره أمارة على المصلحة وقدّر له ألا يختار سواها (٣). واحتج موسى بن عمران على الجزم بوقوعه بأمرين: أحدهما قضية: النضر بن الحارث (٤) التي رواها أهل المغازي والسير

стр. 2992

فروينا بإسناد إلى عبد الملك بن هشام (١). قال ثنا زياد بن عبد الله البكائي (٢) عن محمد بن إسحاق المطلبي (٣)

стр. 2993

قال بعد أنْ ذكر غزوة بدر الكبرى وعدد القتلى بها: وكان من شياطين قريش قتله علي بن أبي طالب في خمسة نفر، ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار قتله علي بن أبي طالب صبرًا عند رسول الله ﷺ بالصفراء (١) فيما يذكرون. قال ابن هشام: بالأثيل (٢)، قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك أبياتًا (٣) قالتها قتيلة بنت الحارث أخت النضر (٤) تبكيه أولها:

стр. 2994

يا راكبًا إن الأُثَيْلَ مظنَّةٌ ... من صُبح خامسة وأنت مُوَفق ومنها تخاطب النبي ﷺ : ما كان ضرّك لو مننت وربما ... مَنَّ الفَتى وهو المغيظ المحنق قال ابن هشام: فيقال: والله أعلم إنّ رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه" (١) انتهى. وقال الزبير بن بكّار (٢) في النسب: سمعت بعض أهل العلم يقولون: إنها مصنوعة (٣) انتهى. فقوله ﷺ : "لمننت عليه" يدلّ على أنّ الحكم كان (٤) مفوضًا إلى رأيه فإنّه لو كان قتله بأمر الله، لقتله ولو سمع شعرها ألف مرة (٥). وقد قال المصنف تبعا للإمام (٦): إن هذه المرأة ابنة النضر، وهو

стр. 2995

مخالف لما ذكره ابن هشام في رواية أخرى لا تقوم لها الحجة أنها ابنته كما ذكر. وثانيهما: ما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يأيها النّاس قد فرض عليكم الحج فحجوا، قال: رجل أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم" (١). وهذا الرجل هو الأقرع (٢) كما ذكر المصسنف وهو ابن حابس والأقرع في الصحابة أربعة (٣) هذا أشهرهم.

стр. 2996

وهذا الحديث أيضًا يدل على أنّ الأمر كان مفوضًا إلى اختياره ﷺ . قوله: "ونحوه"، أو نحو هذين الأمرين كقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١). وكما قال ﷺ في مكة "لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها. فقال العباس إلا الإذخر فقال: إلا الإذخر" (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2997

وغير ذلك (١). وأجاب المصنف عن الكلّ بأنّه يجوز أنْ تكون هذه الأحكام ثابتة بنصوص محتملة للاستثناء على وفق سؤال بعض النّاس أو حاجتهم فلا يدلّ على التفويض (٢). ولك أنْ تجيب عمّا وقع في قضية النضر بأنّه لم (٣) يصحّ، وابن هشام لم يجزم القول به. وقد قال الزبير بن بكار ما قدمته، وسمعت والدي أيده الله تعالى يجيب عنه على تقدير صحته بأنّ النضر كان أسيرًا، والإمام مخير في الأسارى بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء. وعندي في هذا نظر، فإنّ الإمام وإن خير بين هذه الأشياء، فلا خلاف بين الأصحاب أنَّه يجب عليه رعاية المصلحة (٤)، والنبي ﷺ لا يخفى عليه وجه المصلحة وما قتل النضر إلا وقد كان قتله مصلحة. ولا تزول هذه المصلحة بإنشاد أخته أبياتها هذه، ولا يقال: لعل الحال كان مستويًا؛ لأنا نقول لا سبيل إلى ذلك إذ لو فرض استواء لكان الواجب عدم القتل فإنّه متى لم يظهر وجه الصواب في الحال حبسهم إلى حين يظهر نصّ عليه أصحابنا.

стр. 2998

وأجيب عن قوله: "لو قلت نعم لوجبت"، بأنّها قضية شرطية لا تقتضي وقوع مشروطها وهو منقدحٌ. وعن قوله: "إلا الإذخر"، بأنّه يحتمل نزول الوحي سريعًا عليه والله أعلم (١).

стр. 2999

دَوْلة الإمَارَاتْ العَربيّة المتّحدة حُكومَة دُبي سلسلة الدّراسَاتْ الأصولية "١٧" في الإِبْهَاجُ شَرح المِنهَاجِ شرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلىْ عِلمِ الأصُوْلِ لِلقاضِي البَيْضَاوي المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ تَألِيْفُ شيخ الإسلام على بن عبد الكافي السبكي المتوفى ٧٥٦ هـ وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدكتور أحْمَد جَمال الزَّمْزَمي الدكتور نُورُ الدِّيْن عَبد الجَبَّارِ صَغِيرى الجزْء السَابع دَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْياء التّراثْ

стр. 3000

الكتاب السادس: التعادل والتراجيح الباب الأول: تعادل الأمارتين في نفس الأمر

стр. 3001

قال: (الكتاب السادس: في التعادل (١) والتراجيح . وفيه أبواب: الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر منعه الكرخي وجوزه قوم، وحينئذ فالتخيير عند القاضي وأبي علي وابنه والتساقط عند بعض الفقهاء، فلو حكم القاضي بإحديهما مرّة لم يحكم بالأخرى لقوله ﷺ لأبي بكر: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين"). التعادل (٢) بين القاطعين المتنافيين ممتنع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى

стр. 3002

عقليين كانا أو نقليين، وكذلك بين القطعي والظني لتقدم القطعي (١). وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح، وأمّا في نفس الأمر، فمنعه الكرخي (٢) والإمام أحمد (٣) وجمعٌ من فقهائنا (٤). وجوزه الباقون (٥). هذا هو النقل المشهور.

стр. 3003

وكلام الغزالي يدلّ على أنّ من قال: المصيب واحد، لم يجوز تعادل الأمارتين، وأنّ الخلاف بين المصوّبة، حيث قال: إذا تعارض دليلان عند المجتهد فالمصوبة يقولون: هذا لعجزه وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض انتهى (١). واختار الإمام أن تعادل الأمارتين في حكمين متنافيين (٢)، والفعل واحد ككون الفعل الواحد واجبًا وحرامًا جائزٌ في الجملة، غير واقعٍ شرعًا، أي غير جائز الوقوع شرعًا (٣). يظهر ذلك بتأمل كلامه وأنّ تعادلهما في فعلين متنافيين والحكم واحد جائز (٤) كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظنّ أنّهما جهتا القبلة (٥). وقد احتج مَنْ مَنَعَ مِنْ تَعَادل الأمارتين مطلقًا، بأنّه لو وقع فإمَّا أنْ يعمل بهما، وهو جمع بين المتنافيين أو لا يعمل بواحد منهما، فيكون وضعهما عبثًا، أو يعمل بأحدهما على التعيين وهو ترجيح من غير مرجح أو لا على التعيين، بل على التخيير والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة الإباحة بعينها؛ لأنّه لما جاز له الفعل

стр. 3004

والترك مع أنَّه لا معنى للإباحة إلا ذلك، لزم أنْ يكون ذلك الفعل مباحًا له فيكون ترجيحًا لأحد (١) الأمارتين بعينها وقد وضح فساده (٢). وأجيب: بأنه لم لا يجوز أنْ يعمل بأحدهما على التعيين؟ (٣). قوله: ذلك ترجيح لأمارة الإباحة بعينها. قلنا: ممنوع وهذا لأنَّ الإباحة هي التخيير بين الفعل والترك مطلقًا لا التخيير بينهما بناءً على الدليلين اللذين يدلّ أحدهما على الإباحة والآخر على الحظر، إذ يجوز أنْ يقول الشارع للمكلف أنت مخير في الأخذ بأمارة الإباحة أو بأمارة الحظر إلا أنك متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل أو بالحظر فقد حرمت منه (٤) وتصرح له بأن الفعل على أحد التقديرين إباحة وعلى الآخر حرام. ولو كان ذلك إباحة (٥) للفعل لما جاز ذلك، ويؤكده أنَّه يجب عليه اعتقاد كلّ منهما على تقدير الأخذ بأمارته فلو كان ترجيحًا لأمارة الاباحة لما اختلف وجوب الاعتقاد.

стр. 3005

ومثاله في الشرع: أنّ المسافر مخير بين أنْ يصلي أربعًا فرضًا وبين أنْ يترك ركعتين، ولا يقال: لما خير بين فعل الركعتين وتركهما كانتا مباحتين وكذلك الصلاة المعادة على الوجه الذاهب إلى أنها فرض (١). وفي الدليل وجوابه مواقف أخر لا نطول بذكرها. واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر. بالقياس على التعادل في الذهن. وبأنّه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال أو لدليل والأصل عدمه. وأجيب عن الأول بأنّ التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الأمارتين فلا يكون نصبهما عبثًا. وعن الثاني: بأنّه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وليس أولى من عكسه وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز (٢). وأما اختيار الإمام فعليه كلام طويل (٣) ولا نرى الاشتغال بذكره لأن صاحب الكتاب أهمل حكايته؛ واقتصر في المسألة كلّها عن مجرد حكاية المذاهب فلنتبعه في الاختصار.

стр. 3006

قوله: "وحينئذ" أي إذا قلنا بتجويز تعادل الأمارتين في نفس الأمر وتعادلهما (١). فذهب القاضي أبو بكر وأبو علي وابنه أبو هاشم إلى التخيير (٢) فيعمل المجتهد في شأنه بما شاء ويخير العامي في الاستفتاء، ويختار أحد الأمرين في الحكم للمتخاصمين ولا يخيرهما درءًا للتخاصم. وذهب قوم إلى أنّ حكمه التساقط كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى البراءة الأصلية (٣). وقال قوم إنْ وقع هذا التعادل بالنسبة إلى الواجبات بالتخيير إذ لا يمتنع التخيير في الشرع بين الواجبات (٤). كما أنّ من ملك مائتين من الإبل يجب عليه أنْ يخرج ما شاء من الحقائق (٥) وبنات اللبون (٦) عند من يجعل الخيرة للمالك من

стр. 3007

أصحابنا (١). ومن دخل الكعبة استقبل ما شاء من جدرانها (٢). وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متنافيين (٣) كالإباحة والتحريم فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية (٤). قوله: "فلو حكم" أي إذا اختار القاضي إحدى الأمارتين وحكم بها لم يكن له أنْ يحكم بالأخرى.

стр. 3008

وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين" (١) وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه (٢). ولا يكاد المجتهد يحيط علمًا بتعادل الأمارتين في نفس الأمر ويخير المسافر في الركعتين، وكونهما مع جواز تركهما يقعان على وجه الوجوب، إنما هو في ظنّ المجتهد ومن أين لنا أنّ الحال في نفس الأمر كذلك؟ . فمن يوجب القصر من العلماء لا يجوز فعلهما، ومن لا يوجبه لا يقطع بوقوعه على وجه الوجوب، إذ القطع (٣) بوقوعه على وجه الوجوب، فرع كونه جائز الوقوع. وكذا القول في الصلاة المعادة. وقد يعلل ما ادعاه المصنف في الحاكم بأنه لو حكم بخلافه مرّة أخرى لاتُّهِم، والحاكم يتوقى مظانّ التُّهَم، ويجري مثل هذا في

стр. 3009

المفتي، وفيما إذا عمل بأحد الأمرين في شأن نفسه واطلع عليه الناس كيلا يتناقض فعله فيتهمه العامي ولا يرجع إلى فتواه (١). قال: (مسألة إذا نقل عن مجتهد قولان في موضع واحد يدل على توقفه، ويحتمل أنْ يكونا احتمالين أو مذهبين، وإن نقل في مجلسين وعلم المتأخر فهو مذهبه وإلا حكي القولان). هذه المسألة في حكم تعارض قولين لمجتهد واحدٍ وهو بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين فلذلك أعقبه لتعادل الأمارتين. ومضمون المسألة أنَّه إذا نقل عن مجتهد واحد في مسألة واحدة قولان متنافيان فإمّا أنْ يكون ذلك في موضع واحد أو لا. الحالة الأولى: إذا كان في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة قولان مثلا، وهو قسمان: أحدهما: ولم يذكره في الكتاب أنْ يعقب ذلك بما يشعر بترجيح أحدهما ولو بالتفريع عليه فيكون ذلك قولًا له؛ لأنَّ قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده. والثاني: أنْ لا يفعل ذلك، فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح دليل أحد الحكمين في نظره.

стр. 3010

وقوله: فيها قولان، محتمل لأنْ يريد بالقولين احتمالين على سبيل التجوز أي فيها احتمال قولين لوجود دليلين متساويين؛ ولأن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها. وإلى هذا القسم أشار المصنف بقوله: "يدل على توقفه" ويحتمل أي وهذا التوقف محتمل، لأنْ يكونا احتمالين ولأن يكونا مذهبين. وذهب قوم إلى أنّ (١) إطلاق القولين يقتضي التخيير وهو ضعيف (٢). واعلم أنّ وقوع ذلك في مجلس واحد من دون ترجيح قليل. نقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن القاضي أبي حامد المروزي (٣)؛ أنَّه ليس للشافعي مثل ذلك إلا في بضعة عشر موضعًا ستة عشر أو سبعة عشر (٤).

стр. 3011

وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخ أبو حامد الإسفراييني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر (١)، وهو وَهْمٌ، والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه. وقال القاضي أبو بكر في مختصر التقريب قال المحققون إنّ ذلك لا يبلغ عشرًا (٢). الحالة الثانية: أنْ يكون نقل القولين عن المجتهد في موضعين بأن ينص في كتاب أو في وقت على إباحة شيء وفي آخر على تحريمه فهو قسمان: أحدهما: أنْ يعلم المتأخر منهما، فهو مذهبه ويكون الأول مرجوعًا عنه. وذهب بعض الأصحاب إلى أنَّه لا بد وأنْ ينصّ على الرجوع، فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعًا. حكاه الشيخ أبو إسحاق (٣).

стр. 3012

والثاني: أنْ يجهل الحال فيحكى عنه القولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح (١). قال: (وأقوال الشافعي ﵁ كذلك وهي دليل على علو شأنه في العلم والدين). وقد وقع الحالان المتقدمان للإمام المطلبي قدوتنا أبي عبد الله الشافعي ابن عمّ المصطفى ﷺ ، وذلك من الأدلة الواضحة على علو شأنه في العلم والدّين في الحالتين. أمّا الدليل على العلم في الأولى؛ فإنّه كلما زاد المجتهد علمًا وتدقيقًا، وكان نظره أتمّ تنقيحًا وتحقيقًا ووقوفه (٢) على الأدلة المزدحمة مستقيمًا، وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيمًا، تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه (٣). وأمّا في الدّين؛ فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمّم على مقالته الأولى، ولا قام بنصرتها وشال (٤). . . . . . . . . . . .

стр. 3013

بضبعها (١) حتى ينادي أولى لك فأولى (٢)، بل صرّح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر (٣). وأما الحالة الثانية: وهي تنصيصه على القولين في موضعين فدليل (٤) على علمه أيضًا؛ لأنّه مبني على اشتغاله طوال عمره القصير بالنظر، والمباحث واشتماله على التدقيق في الوقائع والحوادث، وعلى دينه لإظهاره الشيء إذا لاح له، غير مبال بما صدر منه أولًا، ولا واقف عند كلام عَبِيٍّ ينسبه إلى التناقض في المقال، ولا مرجوح لمذهبه وإن كان ذا القدرة العظمى على ما يرومه، واليد الطولى فيما يحاوله، وقد عاب القولين على الشافعي من لا خلاق له، وأتى بزخرف من القول زكاه ونمقه، والله لا سواه ولا عدله، وذلك لنقصان وقصور، وحسد كامن في الصدور. وقال في العلماء قولًا كبيرًا، وفاه بألسنة حداد ستصلى سعيرًا، وأضمر في نفسه من الذابين عن ملّة سيّد المرسلين عقيدة لا يغسل السيف عارها، ولا يواري الليل غوارها، ونحن لا نحفل بكلمه ولا نقول بكلامه

стр. 3014

ولا نرى أنْ يشتمل مثلُ هذا الشرح على مثل ذلك الهذيان الذي هو خيال طرق ذا الخبال في منامه (١) ونكتفي بما صنفه أصحابنا قديمًا وحديثًا في نصرة القولين ونحيل الفطن على ذهنه والبليد على الوقوف عليها ولكنّا نورد أسئلة قد تختلج في الصدور وتعتور بني الزمان فيجد بها الغبي نفثة مصدور (٢) فيقول: قد علمت صفة القولين وكيفية وقوعهما، فإن قلت: التردد في القولين منبئ عن نقصان النظر عن إدراك الأرجح. قلت: معاذ الله بل يخبر عن كمال (٣) ذلك؛ لأنَّ قوة النظر كلما زادت توالت عليها التشكيكات (٤) كما عرفت. فإن قلت: من سبق الشافعي إلى ذلك من المجتهدين، وقد كان قبله أبو بكر الصديق ﵁، وهو أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين (٥). قلت: الفاروق الذي أعزّ الله به الإسلام بدعوة النبي ﷺ حيث نصّ في الشورى على ستّة (٦) وحصر الخلافة فيهم تنبيهًا على أنّ الاستحقاق

стр. 3015

منحصر فيهم وأنّ غيرهم ليس أهلًا لذلك، ولم يعترض أحد عليه بل اتبعوا رأيه واقتفوا أثره. فإن قلت: فما فائدة ذكر القولين؟ . قلت التنبيه: على أنّ الحق لا يعدوهما، وقصر نظر المتمذهب له على التدقيق فيهما، وعدم الالتفات إلى غيرهما. فإن قلت: من جملة أقواله، أنْ يذكر قولين مع الإشارة إلى ترجيح أحدهما، وأيُّ فائدة من التنبيه على الراجح في ذكر المرجوح؟ . قلت: ليعلم طرق الاجتهاد والاستنباط والتمييز بين الصحيح والفاسد، ومخافة أنْ يؤدي اجتهاد غيره من متابعته إليه ولا ينتبه لفساده (١) فيتخذه مذهبًا. وقد عدَّ الأصحاب لأبي حنيفة ﵁ أمثال ذلك، وطالما قال القياس كذا، لكني تركته استحسانًا، وليس لأحد أنْ يعيب عليه ذلك، ولا أنْ يقول ما فائدة ذكرك القياس مع عدم اعتمادك إيّاه؟ . فإن قلت: أي معنى في إطلاق القولين في وقت واحد من غير ترجيح؟ . قلت: هذا هو الذي لم يوجد منه سوى النزر اليسير.
следующие страницы →