← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخ أبو حامد الإسفراييني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر (١)، وهو وَهْمٌ، والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه. وقال القاضي أبو بكر في مختصر التقريب قال المحققون إنّ ذلك لا يبلغ عشرًا (٢). الحالة الثانية: أنْ يكون نقل القولين عن المجتهد في موضعين بأن ينص في كتاب أو في وقت على إباحة شيء وفي آخر على تحريمه فهو قسمان: أحدهما: أنْ يعلم المتأخر منهما، فهو مذهبه ويكون الأول مرجوعًا عنه. وذهب بعض الأصحاب إلى أنَّه لا بد وأنْ ينصّ على الرجوع، فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعًا. حكاه الشيخ أبو إسحاق (٣).

стр. 3012

والثاني: أنْ يجهل الحال فيحكى عنه القولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح (١). قال: (وأقوال الشافعي ﵁ كذلك وهي دليل على علو شأنه في العلم والدين). وقد وقع الحالان المتقدمان للإمام المطلبي قدوتنا أبي عبد الله الشافعي ابن عمّ المصطفى ﷺ ، وذلك من الأدلة الواضحة على علو شأنه في العلم والدّين في الحالتين. أمّا الدليل على العلم في الأولى؛ فإنّه كلما زاد المجتهد علمًا وتدقيقًا، وكان نظره أتمّ تنقيحًا وتحقيقًا ووقوفه (٢) على الأدلة المزدحمة مستقيمًا، وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيمًا، تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه (٣). وأمّا في الدّين؛ فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمّم على مقالته الأولى، ولا قام بنصرتها وشال (٤). . . . . . . . . . . .

стр. 3013

بضبعها (١) حتى ينادي أولى لك فأولى (٢)، بل صرّح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر (٣). وأما الحالة الثانية: وهي تنصيصه على القولين في موضعين فدليل (٤) على علمه أيضًا؛ لأنّه مبني على اشتغاله طوال عمره القصير بالنظر، والمباحث واشتماله على التدقيق في الوقائع والحوادث، وعلى دينه لإظهاره الشيء إذا لاح له، غير مبال بما صدر منه أولًا، ولا واقف عند كلام عَبِيٍّ ينسبه إلى التناقض في المقال، ولا مرجوح لمذهبه وإن كان ذا القدرة العظمى على ما يرومه، واليد الطولى فيما يحاوله، وقد عاب القولين على الشافعي من لا خلاق له، وأتى بزخرف من القول زكاه ونمقه، والله لا سواه ولا عدله، وذلك لنقصان وقصور، وحسد كامن في الصدور. وقال في العلماء قولًا كبيرًا، وفاه بألسنة حداد ستصلى سعيرًا، وأضمر في نفسه من الذابين عن ملّة سيّد المرسلين عقيدة لا يغسل السيف عارها، ولا يواري الليل غوارها، ونحن لا نحفل بكلمه ولا نقول بكلامه

стр. 3014

ولا نرى أنْ يشتمل مثلُ هذا الشرح على مثل ذلك الهذيان الذي هو خيال طرق ذا الخبال في منامه (١) ونكتفي بما صنفه أصحابنا قديمًا وحديثًا في نصرة القولين ونحيل الفطن على ذهنه والبليد على الوقوف عليها ولكنّا نورد أسئلة قد تختلج في الصدور وتعتور بني الزمان فيجد بها الغبي نفثة مصدور (٢) فيقول: قد علمت صفة القولين وكيفية وقوعهما، فإن قلت: التردد في القولين منبئ عن نقصان النظر عن إدراك الأرجح. قلت: معاذ الله بل يخبر عن كمال (٣) ذلك؛ لأنَّ قوة النظر كلما زادت توالت عليها التشكيكات (٤) كما عرفت. فإن قلت: من سبق الشافعي إلى ذلك من المجتهدين، وقد كان قبله أبو بكر الصديق ﵁، وهو أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين (٥). قلت: الفاروق الذي أعزّ الله به الإسلام بدعوة النبي ﷺ حيث نصّ في الشورى على ستّة (٦) وحصر الخلافة فيهم تنبيهًا على أنّ الاستحقاق

стр. 3015

منحصر فيهم وأنّ غيرهم ليس أهلًا لذلك، ولم يعترض أحد عليه بل اتبعوا رأيه واقتفوا أثره. فإن قلت: فما فائدة ذكر القولين؟ . قلت التنبيه: على أنّ الحق لا يعدوهما، وقصر نظر المتمذهب له على التدقيق فيهما، وعدم الالتفات إلى غيرهما. فإن قلت: من جملة أقواله، أنْ يذكر قولين مع الإشارة إلى ترجيح أحدهما، وأيُّ فائدة من التنبيه على الراجح في ذكر المرجوح؟ . قلت: ليعلم طرق الاجتهاد والاستنباط والتمييز بين الصحيح والفاسد، ومخافة أنْ يؤدي اجتهاد غيره من متابعته إليه ولا ينتبه لفساده (١) فيتخذه مذهبًا. وقد عدَّ الأصحاب لأبي حنيفة ﵁ أمثال ذلك، وطالما قال القياس كذا، لكني تركته استحسانًا، وليس لأحد أنْ يعيب عليه ذلك، ولا أنْ يقول ما فائدة ذكرك القياس مع عدم اعتمادك إيّاه؟ . فإن قلت: أي معنى في إطلاق القولين في وقت واحد من غير ترجيح؟ . قلت: هذا هو الذي لم يوجد منه سوى النزر اليسير.

стр. 3016

وقد قلنا: إنّه فيه متوقف، وأنّه دليل على غزارة العلم، والمنتهى في الديانة، وفيه من الفوائد التنبيه على المآخذ، وانحصار جهتها في ذينك القولين، ولذلك جعل عمر ﵁ الأمر شورى في ستة، ولم ينص على واحد بعينه، وكان قصده أنّ الخلافة لا تعدوهم، ولو لم يفاجئه هاذمُ اللذات (١)، لميز الأصحّ عن غيره. فإن قلت: فلا معنى لقولكم في هذا القسم للشافعي في هذه المسألة قولان؛ إذ ليس له (٢) على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قولٌ واحد، ولا قولان، بل هو متوقف غير حاكم بشيء. قلت: قال إمام الحرمين في التلخيص: هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما (٣). وقد كان الشافعي رضوان الله عليه حديث السنّ، لم تتسع مهلته كثيرًا لآلام لم تطل راحته ولا يشغله ذلك عمّا هو فيه من حياطة الدّين والنظر المتين والانجماع على طرائق المتقين (٤).

стр. 3017

وقد سئل بعضهم ما السبب في قصر عمر الشافعي؟ فقال: حتى لا يزالون مختلفين، ولو طال عمره لرفع الخلاف، ولسنا نمعن القول فيما لا يحصره مختصر (١) ولا مطول من مناقب هذا (٢) الخبر ولكن القلم استطرد ووجد للمقال مجالا. فقال: ونختم الفصل بما هو من توابع أبواب الترجيح وأمور المقلدين فنقول: إنّ قصر نظر بعض المصنفين (٣) عن فهم مراتب المجتهدين فلا عليه لو اقتدى بقوله ﷺ : "الأئمة من قريش" (٤) وقوله ﷺ : "قدّموا قريشا ولا تقدموها" (٥) ولم يكن أحد من أصحاب المذاهب معتريًا إلى صليبة قريش بالمسلك الواضح إلّا الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذلك وأنه المقصود بقوله ﷺ : "عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا" (٦)؛ لأنّه الذي طبق الأرض وتخلق بالطيب وردّ ليلها المسود وجبين نهارها المبيض وصار اسمه في مشارقها ومغاربها، وعلا على أنجم السماء طوالعها وغواربها.

стр. 3018

وقد فاه إمام الحرمين مناديًا بما لوح به جماعة من الأصحاب من وجوب تقليد الشافعي فقال في كتابه الترجيح بين المذهبين أنَّه يدّعي أنَّه يجب على كافة المسلمين وعامة المؤمنين شرقًا وغربًا بعدًا وقربًا انتحال مذهب الشافعي بحيث لا يبغون عنه (١) حِوَلًا ولا يريدون به بَدَلًا. والذي نقوله: نحن إنّ كتابنا هذا شارح لمختصر أصوليّ (٢) لا نرى أنْ نخرج عنه إلى ما لا يتعلق به من الترجيح بين المذاهب، ولكن الذي نفوه به هنا أنَّه يتعين على المقلد النظر بعين التعظيم إلى قدوته والإيماء بطرف التقديم نحو إمامه ونحن نراعي ذلك في حق إمامنا رضوان الله عليه ونقول بجمع الكلام فيما نحاوله أمور ثلاثة: أولها: أنّ السابق وإن كان له حقّ الوضع والتأسيس فللمتأخر الناقد حقّ التهذيب والتكميل، وكلّ موضوع على الافتتاح فقد يتطرق إلى مبادئه بعد التسبيح ثمّ يندرج الناقد إلى التهذيب والتكميل (٣) فيكون المتأخر أحق أن يتبع وهذا واضح في الحِرَف والصناعات فضلا عن العلوم ومسالك الظنون. فإن قلت: فيلزمكم على هذا أنْ توجبوا الاقتداء بمن بعد

стр. 3019

الشافعي من الأئمة. قلت: إن ثبت لأحد بعده رتبة الاجتهاد والتنحل وترتيب ما لم ينظم والاطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها فيلزم ذلك. ولكنا لسنا نرى أحدًا من الأئمة بعده بلغ هذا المحل، كذا أجاب إمام الحرمين، وتغالى غيره وقال: لم يبلغ أحد بعد الشافعي منصب الاجتهاد المطلق فضلا عن الوصول إلى ما وصل إليه الشافعي. وثانيها: أنّ المذاهب تمتحن بأصولها لأنَّ الفروع تستند إليها وتستقيم بتقومها وتعوج باعوجاجها ولا يخفى على الشادي في العلم (١) رجحان نظر الشافعي في الأصول التي هي أهمّ ما (٢) ينبغي للمجتهد وأنّه أوّل من أبدع ترتيبها ومهّد قوانينها وألف فيها رسالته ولم لا يكون ذلك؟ وأعظم ما يستمد منه أصول الفقه اللغة، والشافعي كان من صميم العرب العرباء ممن تفقأت عنه بيضة بني مضر (٣) وأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم الأقيسة بالأمارات المنصوبة علامات على الأحكام (٤). ولهذه الأصول مراتب ودرجات، فأمّا الكتاب فهو عربي مبين والشافعي إذا أنصف الناظر عرف أنَّه المميز

стр. 3020

عن غيره فيما يحاوله منه؛ لأنّه القرشي البليغ ذو اللغة التي يحتج بها، الواصل إلى الذروة في معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومعرفة الروايات. وأما الحديث فلا والله لا ينكر منصف مقامه في الأخبار وإلقاءه الأحاديث من حفظه ولذلك ربما قال أخبرني الثقة ومن لا يحضرني اسمه الآن أنّ ذلك من آيات حفظه وشدّة ضبطه وتحريه لا كما زعمه غبي في غمرته ساهي وفي غباوته متناهي (١) حتى قال أبو زرعة: ما عند الشافعي حديث غَلَطَ فيه (٢). وقال أبو داود: ما أعلم للشافعي حديثًا خطأ (٣) (٤). وهو في معرفة الرجال وغير ذلك من فنون الحديث الواصل إلى النهاية ينزل الأحاديث منازلها ويقبل كل ما صحّ منها ويجعله مذهبه لا يفرق بين كوفي ومدني. ولذلك قال لأحمد: أنتم أعلم بالحديث منّا فقل لي: كوفيه وبصريه، يعني أنّكم يا أهل العراق أعلم منا معشر الحجازيين بأحاديث الكوفة والبصرة، من حيث إنّكم أهل تلك البلاد فقل لي: كوفيه وبصريه (٥) حتى أنظره، فإن كان صحيحًا عملت به (٦).

стр. 3021

ولا يظنن به ظان الاقتصار على أحاديث المدينة والحجاز من حيث إني من أصحاب مالك، وأتى بصيغة (١) الجمع في المخاطب، والمخاطب بقوله: أنتم ومنا ولم يرد الشافعي أن ابن حنبل أعلم منه بالحديث كما ظنّ بعض الأغبياء حاشا لله، وإنما أراد ما ذكرناه، والملك العظيم إذا أتاه رسول من أخيه الملك من بلدة أخرى يقول له: أنتم أعلم بأخبار أخي منا. وأما الإجماع فيتلقى من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق والخلاف وهو المنتهي في ذلك. هذا بيان الأصول وأما تنزيلها منازلها فهو شوف (٢) الشافعي فإنه قدم كتاب الله ثم سنة نبيه ﷺ مع نهاية التأدب والوقوف عندما ينبغي الوقوف (٣) عنده للناظر في الشريعة، فإذا لم يجدها تأسى بأصحاب رسول الله ﷺ في التعلق (٤) بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة بأصولها ولم ير التعلق بكل وجه في الاستصواب ولا الاستحسان بما يهواه، ثم رأى قواعد الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وما لا يعلل فانسحب على الاتباع فيما لا يعقل معناه. وقد يقيس إذ لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه المعنى المختل المناسب وهو

стр. 3022

في كل ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع لا (١) يبغي بها بدلا ويقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي (٢). وثالثها: أنّ المذاهب كما يمتحن بأصولها يستخبر بفروعها، ولينظر المنصف (٣) في كتب الخلافيات المنتشرة في الآفاق فإنْ كان مع اتصافه أهلًا للنظر، فليعرضها على الشريعة من كتاب وسنة وإجماع وقياس، وليحكم بما أراه الله وإن لم يكن أهلًا للنظر فلا كلام له معنا وبالله التوفيق. وآخر ما نذكره دليلًا لم نَر من سبقنا باستنباطه يدل على ما نحاوله وهو حديث: "يبعث الله على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها" (٤).

стр. 3023

واتفق الناس على أنّ المبعوث على رأس الأولى عمر بن عبد العزيز. وعلى الثانية الشافعي، ويأبى الله أن يبعث مخطئا في اجتهاده، أو يختص ناقص المرتبة بهذه المزية، بل هذا صريح في أنّ ما يأتي به المبعوث فهو دين الله الذي شرعه لعباده. ومن الغرائب الواقعة في هذا الأمر المؤيدة لما ذكرناه وما حاولناه تأييدًا لشرع ينثلج به الصدر أنّ الله تعالى خصّ أصحاب الشافعي بهذه الفضيلة (١): فكان على رأس الثلاثمائة ابن سريج وهو أكبر أصحابه. وعلى رأس الأربعمائة الشيخ أبو حامد إمام العراقيين من أصحابه. وعلى رأس الخمسمائة الغزالي القائم بالذب عن مذهبه والداعي إليه بكل طريق. وعلى السادسة الإمام فخر الدين الرازي أحد المقلدين له والمنتحلين مذهبه والذابين عنه. وعلى السابعة الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد الذي رجع إلى مذهبه

стр. 3024

وانتحله وتولى القضاء له، وحكم به بعد أنْ كان في أول نشأته مالكيًا (١).

стр. 3025

الباب الثاني: الأحكام الكلية للتراجيح

стр. 3026

قال: (الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح . الترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها كما رجحت الصحابة خبر عائشة على قوله ﷺ : "إنما الماء من الماء"). الأحكام الكلية للتراجيح (١) هي الأمور العامة لأنواعها التي لا تخص فردًا منها. والباب مشتمل على مقدمة معرفة لماهية الترجيح وأربع مسائل. وقد عرّف الترجيح بأنّه: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها أي بالأمارة التي قويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقين (٢).

стр. 3027

وما فعله المصنف أصرح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين، والإمام قال ليعلم الأقوى فيعمل به (١). وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن (٢) إذ يكتفى في الترجيح بالظنّ (٣). ولقائل أن يقول: جعلتم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة، أو إلى ما به الترجيح مجازًا، وهو غير ملائم له (٤) بحسب الاصطلاح. وهو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أنْ يجعل عبارة عن التقوية ذكره الهندي (٥). وقد اتفق الأكثرون على جواز التمسك بالترجيح (٦). وأنكره بعضهم (٧)، وقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف ولا

стр. 3028

يرجح أحد الظنين وإن تفاوتا وهو قول مردود. قال إمام الحرمين في البرهان: وقد حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب بجُعَل (١)، قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها (٢). واستدل المصنف على وجوب تقديم الراجح بإجماع الصحابة ﵃ وذلك في وقائع كثيرة. منها: أنّهم قدّموا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين حيث قالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (٣) على خبر أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنما الماء من الماء" أخرجه مسلم (٤) وتقدم في كتاب السنّة حديث عائشة (٥)

стр. 3029

وأنّ الترمذي قال حسن صحيح (١)، والوقائع في هذا كثيرة وعليه درج السابقون (٢) قبل اختلاف الآراء. وقد تعلق الخصم على نفي الترجيح بالبينات في الحكومات (٣)، فإنّه لا ترجح بينة على بينة بعد استقلال كلّ واحدة لو انفردت وهو مردود، فإنّ مالكًا ﵀ يرى ترجيح البيّنة على البيّنة (٤). ومن لا يرى ذلك يقول: البيّنة مستندة إلى توقيفات تعبدية، ولذلك لا تقبل بغير لفظ الشهادة، حتى لو أتى العدد الكثير بلفظ الأخبار لم يقبل، ولو شهد ألف

стр. 3030

امرأة وعبد على باقة بقل لردوا (١). قال: (مسألة لا ترجيح في القطعيات إذ لا تعارض بينها وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا). قدمنا أنّ الترجيح مختص بالدلائل الظنية، ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية كانت أو نقلية. والحجّة على ذلك أنّ الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها؛ لأنّه لو وقع لزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وذلك لأنَّ الدليل القطعي ما يفيد العلم (٢) اليقيني، فلو تعارض قطعيان لم يمكن إثبات مقتضى أحدهما دون الآخر للزوم (٣) التّحكم، فإن الرأي السديدَ، والقولَ الذي عليه المحققون أنَّ العلوم (٤) لا تتفاوت، وليس بعضها أقوى وأغلب من بعض، وإن كان بعضها أجلى وأقرب حصولًا، وأشدّ استغناء عن التأمل، بل بعضها لا يحتاج فيه إلى تأمل كالبديهيات (٥)، لكنه بعد حصول تحقق يقيني لا تفاوت في كونه محققًا،

стр. 3031

فلا ترجيح لعلم على علم، فتعين إمّا رفع مقتضاهما، أو إثباته وهو جمع بين النقيضين أو رفع لهما. ولقائل أنْ يقول: هذا دليل على منع التعارض بين القاطعين في نفس الأمر أو على منع التعارض بين القاطعين (١) في الأذهان. إن كان على الأول فهو منقدح ولكن لا كلام فيه، وأنى يتصور جريان الترجيح في المتعادلين في نفس الأمر، ولو جرى لم يكن المتعادلان متعادلين هذا خلف. وإن كان على الثاني فممنوع؛ لأنَّه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان ويعجز عن القدح في أحدهما، وإن كان يعلم بطلان أحدهما في نفس الأمر. وإذا كان الأمر (٢) كذلك فنحن نقول: يجوز تطرق الترجيح إليها بناءً على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات وأحوال التركيب ويرجح بقلّة المقدمات والتراكيب وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم (٣). قال: (مسألة إذا تعارض دليلان لي لعمل بهما من وجه أولى بأن

стр. 3032

يتبعض الحكم فيثبت البعض أو يتعدد فيثبت بعضها أو يعم فيوزع كقوله ﷺ : "ألا أخبركم بخير الشهود فقيل: نعم فقال: أنْ يشهد الرجل قبل أن يستشهد"، وقوله: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أنْ يستشهد" فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حقنا). إنما يترجح (١) أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما ، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه، فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك, لأنّه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، إذ فيه إعمال الدليلين والإعمال أولى من الإهمال، ثم العمل بكل واحد منهما يكون على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يتبعض حكم كلّ واحد من الدليلين بأنْ يكون قابلا للتبعيض فيبعض بأن يثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع. ومن أمثلته: دار بين اثنين تداعياها وهي في يدهما فإنّها تقسم بينهما نصفين؛ لأنَّ ثبوت الملك قابل للتبعيض فيتبعض (٢). ومنها إذا تعارضت البينتان في الملك على قول القسمة (٣). الثاني: أنْ يتعدد حكم كل واحد من الدليلين، أي يقتضي كل

стр. 3033

واحد من الدليلين أحكامًا متعددة فيحمل كلّ واحد منهما على بعض تلك الأحكام (١). ومثاله: ما روي أنّ أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال نعم قال: "أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ " قال: نعم قال: "فأذن في الناس يا بلال فليصوموا غدا" (٢). فهذا الخبر يقتضي ثبوت رمضان بشهادة الواحد، ويترتب عليه وجوب الصوم، وحلول الدّين المؤجل، ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به، وهو معارض للقياس، فإنّه يقتضي عدم ثبوته يقول الواحد، كما في سائر الشهور ويترتب على عدم ثبوته عدم ترتب شيء مما ذكرناه، فيحمل الأوّل على وجوب الصوم، والقياس على عدم

стр. 3034

حلول الأجل والطلاق والعتاق، وهذا قد صرح به القاضي الحسين والبغوي، لكن قال الرافعي: لو قال قائل: هذا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج إلى الفرق (١). والذي سبق أنا إذا قلنا بالقول الصحيح، وصُمْنَا بقول الواحد، ولم نر الهلال بعد ثلاثين أفطرنا على أحد الوجهين وإن كنّا لا نفطر يقول واحد ابتداء ولا يثبت به هلال شوال على المذهب الصحيح؛ وذلك لأنَّه لا يجوز أنْ يثبت الشيء ضمنا بما لا يثبت به أصلًا ومقصودًا، ألا ترى أنّ النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضِمنًا للولادة إذا شهدن عليها (٢).

стр. 3035

وفرق ابن الرفعة بأن النّسب والميراث وكذا الإفطار عقيب الثلاثين لازم للمشهود فلا يتعقل ولادة منفكة عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يومًا بوصف كونها رمضان منفكة عن الفطر بعدها (١)، والدّين والطلاق والعتاق ليس يلزم استهلال الشهر ويعقل انفكاكه عنه. قال: وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ. الثالث: أنْ يكون كل واحد من الدليلين عامًا أي مثبتًا لحكم (٢) في موارد متعددة فتوزع ويحمل كلّ واحد منهما على بعض أفراده. ومثاله ما روي عن زيد بن خالد الجهني (٣) أنّ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (٤). رواه مسلم وهذا لفظه، وهو معنى اللفظ الذي أورده المصنف وروى المصنف من قوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أنْ يستشهد" (٥). وهذا اللفظ لا أعرفه ولكن في الصحيحين عن عمران بن

стр. 3036

حصين (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إنّ من بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون" (٢) الحديث. فيحمل الأوّل على حقوق الله تعالى، والثاني على حقوق العباد. ومن أمثلته أيضًا قوله ﷺ : "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (٣) مع ما روي أنَّه ﷺ كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: "هل

стр. 3037

من غداء فإن قالوا لا، قال: إني صائم" (١) ويروى "إني إذن أصوم" (٢) فيقتصر (٣) على الأوّل، وإنْ كان عامًا في كل صوم على صوم الفرض. ويحمل الثاني على صوم النفل. ومنها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤) مع قوله في آية أخرى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥) فظاهر الأولى وضع السيف فيهم حيث يثقفون (٦)، وظاهر الآية الثانية يقتضي جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير فصل. وقال ﷺ : "خذوا من كل حالم دينارًا" (٧) وقال: "أمرت أنْ أقاتل

стр. 3038

الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١) الحديث، وظاهر هذا أنّ الجزية لا تؤخذ، وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإِسلام فيجمع بين الظاهرين ونأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس مستمسكًا (٢) بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل (٣). واعلم أنّ بعض الفقهاء زعم أنّ هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحد من الدليلين ورأي هذا الجمع مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة دليل (٤). قال إمام الحرمين: وهذا مردود عند الأصوليين بل لا بد من دليل من خارج على ذلك (٥) وأمّا أنْ يجعل أحدهما دليلًا في تخصيص الثاني والثاني في تخصيص الأول فهذا ما لا سبيل إليه (٦). قال: (مسألة إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم وعلم المتأخر فهو ناسخ وإن جهل فالتساقط أو الترجيح).

стр. 3039

النّصان المتعارضان (١) على ضربين: [الضرب] (٢) الأول: أنْ يكونا متساويين في القوة باشتراكهما (٣) في العلم أو الظنّ، وفي العموم بأنْ يصدق كلٌّ منهما على ما يصدق عليه الآخر وله ثلاثة أحوال: أولها: أنْ يتأخر ورود أحدهما على الآخر ويكون معروفًا بعينه فينسخ المتأخر المتقدم سواءً أكانا معلومين أم مظنونين، آيتين أم خبرين، أم أحدهما آيةً والآخر خبرًا عند من يجوز النسخَ عند اختلاف الجنْس، وأمَّا من يمنعه فيمتنع عنده النسخ في هذا القسم الأخير. وهذا إذا كان حكم المتقدم قابلًا للنسخ.

стр. 3040

أمّا إذا لم يقبل النسخ، ولم يذكره في الكتاب كصفات الله تعالى: فإنْ كانا معلومين؛ قال الإمام: فيتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر (١). واعترض عليه النقشواني بأنّ المدلول إن لم يقبل النسح يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر (٢). وإنْ كانا مظنونين (٣) طلب الترجيح. ولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوّة والعموم من غير فرق، ولم يذكر المصنف ذلك. وثانيها: أنْ يجهل المتأخر منهما: فإنْ كانا معلومين فيتساقطان، ويرجع إلى غيرهما؛ لأنَّه يجوز في كل واحد منهما أنْ يكون هو المتأخر. وإنْ كانا مظنونين تعين الترجيح. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: "وإن جهل فالتساقط" أي فيما إذا كانا معلومين، أو الترجيح، أي فيما إذا كانا مظنونين. وثالثها: أنْ يعلم مقارنتهما, ولم يذكره في الكتاب.

стр. 3041

فإن كانا معلومين فقد قال الإمام: إنْ أمكن التخيير بينهما تعين القول به، فإنّه إذا تعذّر الجمع، لم يبق إلا التخيير، ولا يجوز أنْ يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد لما عرفت أنّ العلوم لا تقبل الترجيح. قال: ولا يجوز الترجيح بما يرجع إلى الحكم نحو كون أحدهما حاضرًا (١) أو مثبتًا حكمًا شرعيًا؛ لأنّه يقتضي طرح المعلوم بالكليَّة وهو غير جائز (٢) انتهى. ولم يذكر حكم (٣) القسم الآخر وهو عدم إمكان التخيير بينهما، وإنْ كانا مظنونين تعين الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا في القوة قال الإمام فالتخيير (٤). قال: (وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلق عمل به وإن تخصص بوجه طلب الترجيح). الضرب الثاني: أنْ لا يتساويا في القوة والعموم جميعًا فإمَّا أنْ يتساويا في العموم ولم يتساويا في القوة أو عكسه أو لم يحصل بينهما تساوٍ، لا في العموم ولا في القوة فهذه أحوال ثلاثة: - أولها: التساوي في العموم والخصوص مع عدم التساوي في القوة بأنْ

стр. 3042

يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، فيعمل بالقطعي سواء أعُلِم تقدم أحدهما على الآخر، أم لم يعلم، وسواء تقدم القطعي أم الظني. وهذا الإطلاق يشمل ما إذا كان المقطوع عامًا والمظنون خاصًا (١). والصحيح (٢) أنّ المظنون يخصص المقطوع (٣) كما سبق في التخصيص (٤). وثانيها: أنْ يتساويا في القوّة مع التساوي في العموم والخصوص بأنْ يكونا قطعيين أو ظنيين، ويكونا عامين لكن أحدهما أعمّ من الآخر، إمّا مطلقًا أو من وجه، أو يكونا خاصين. فإنْ كانا عامين أو كان أحدهما أعمّ من الآخر مطلقًا عمل بالأخصّ سواءً كانا قطعيين من جهة السند أم ظنيين علم تقدم أحدهما على الآخر أم لم يعلم، اللهمّ إلا أنْ يعلم تقدم الأعمّ وورود الأخص بعد العمل به. فإن الأخصّ حينئذ يكون ناسخًا له فيما تناوله الأخص، لا مخصصا لامتناع تأخير البيان عن وقت العمل، وإن كان أحدهما أعمّ من الآخر من وجه وأخص من وجه (٥) كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ

стр. 3043

الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) فيصار إلى الترجيح بينهما سواء كانا قطعيين أم ظنيين، لكن لا يمكن الترجيح في القطعيين بقوة الإسناد، بل يرجح يكون حكم أحدهما حظرًا والآخر إباحة وأنْ يكون أحدهما شرعيًا والآخر عقليًا أو مثبتًا والآخر نافيًا ونحو ذلك. وفي الظنيين يرجح بقوة الإسناد (٣) (٤). وثالثها: أنْ لا يحصل بينهما تساو لا في العموم والخصوص ولا في القوة. فإنْ (٥) اختلفا في كل واحد من هذين بأن يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا وهما عامان ولكن أحدهما أعمّ من الآخر مطلقًا أو من وجه، أو خاصان فإنْ كانا عامين أو أحدهما أعمّ من الآخر (٦) مطلقًا عمل بالقطعي. إلّا إذا كان القطعي هو الأعمّ فإنّه يخصّ بالظني عند الأكثرين، وإن كان أحدهما أعمّ من الآخر من وجه صير إلى الترجيح، فإنّه قد يترجح الظني بما يتضمنه الحكم من كونه حظرًا أو نفيًا أو غير ذلك سواءً

стр. 3044

عُلِم تأخر القطعي عن الظني، أم تقدمه أم جهل الحال، وأمّا إن كانا خاصين فالعمل بالقطعي مطلقا (١). قال: (مسألة قد يرجح بكثرة الأدلة لأنَّ الظنيين أقوى. قيل: يقدم الخبر على الأقيسة. قلت: إن اتحد أصلها فمتحدة وإلا فممنوع). ذهب الشافعي ومالك إلى أنَّه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة (٢)، والخلاف مع الحنفية (٣). واستدل المصنف بأنّ كل واحد من الدليلين يفيد ظنًّا مغايرًا للظنّ المستفاد من صاحبه، والظنَّان أقوى من الظنّ الواحد، فيعمل بالأقوى؛

стр. 3045

لكونه أقرب إلى القطع، كما رجحنا الكتاب على السنّة، والسنّة على الإجماع، والإجماع على القياس (١). فإن قلت: الفرق (٢) بين الترجيح بكثرة الأدلة والترجيح بالقوّة والوصف الذي يعود إليه أنّ الزيادة حصلت مع المزيد عليه في محل واحد بخلاف الترجيح بقوة (٣) الأدلة (٤). قلت: هذا ضعيف لأنَّه لا أثر لذلك. واحتج الخصم بأنّ كثرة الأدلة، لو كانت سببًا للرجحان لكانت الأقيسة المتعددة مقدمة على خبر الواحد إذا عارضها, وليس الأمر كذلك. وأجاب: بأنّ أصل تلك الأقيسة إنْ كان متحدًا، وهذا كما قيل: في معارضة ما روي من قوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان السمك والجراد" (٥)

стр. 3046

السمك الميت حرام قياسًا على الغنم الميتة، وعلى الطائر الميت، والبقر والإبل والخيل، بجامع الموت (١) في كلّ ذلك. فتلك الأقيسة حينئذ تكون أيضًا متحدة، وتكون قياسًا واحدًا لا أقيسة متعددةً لوحدة الجامع، فإنّها لا تتغاير إلا أنْ يعلل حكم الأصل في كلّ قياس منها بعلّة أخرى وتعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين ممنوع على ما سلف فيكون الحقّ من تلك الأقيسة واحدًا وإذا قدمنا عليها الخبر لم يكن قد قدمناه إلا على دليل واحد. وإن لم يكن أصلها متحدًا بل متعددًا، فلا نسلم تقديم خبر الواحد عليها، كذا أجاب المصنف تبعًا للإمام (٢). والحقّ (٣) أنّ خبر الواحد مقدم على الأقيسة وإن تعددت أصولها ما لم تصل إلى القطع، ولا يفرض اللبيب صورة تحصل فيها من الأقيسة ظنّ يفوق الظنّ الحاصل فيها من خبر الواحد. ونقول: هذا رجحت أرجح الظنين؛ لأنّه لا تجد ذلك إلا والقياس جليّ مقدّم دون ريب ولا خصوصية إذ ذاك لتعدد الأقيسة بل لقوة الظنّ. وقد ذكر الإمام أنّ من صور المسألة ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة ولكن قد وافق في هذا الفرع بعض المخالفين في المسألة ولا

стр. 3047

شك أنّ الخلاف فيه أضعف (١). وقد نقله إمام الحرمين عن بعض المعتزلة، وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد (٢). ثمّ نقل أنّ القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعيًا والوجه فيه أنّ المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكًا إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به (٣). قال: وهذا قطعي لأنا نعلم أنّ الصحابة لو تعارض لهم (٤) خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذه. قال: وأمّا إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما، فالمسألة الآن ظنية. وهذا الذي ذكره القاضي حقّ ويشبه أنْ لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية فإنه كما ذكر قد يقال: فيها بالنزول عنها والتمسك بالقياس وقد يظنّ أنّ الصحابة كانوا يقدمون الخبر الكثير الرواة ويضربون عن القياس، فالخلاف في هذه الصورة متجه وأما في الأولى فلا مساغ له.

стр. 3048

نعم إذا اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخرَ جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر إلا في الثقة والعدالة فهذه صورة أخرى (١). وقد اعتبر بعض أهل الحديث مزيد العدد، وبعضهم مزيد الثقة (٢). قال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة، فإن الذي يغلب على الظنّ (٣) أنّ الصدّيق ﵁ لو روى خبرًا وروى جمع على خلافه لكان أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين يؤثرون رواية الصديق (٤) انتهى. وأبلغ قول في ذلك ما ذكره الغزالي من أنّ الاعتماد في ذلك على ما غلب على ظنّ المجتهد فإنّ الكثرة وإنْ قوّت الظنّ فرب عدل أقوى في النفس من عدلين ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والرواة، وأمّا تقديم خبر الصديق رضوان الله عليه فلأنّ الظنّ الحاصل بخبره أقوى من الحاصل بخبر الجمع الكثير وقد لا يتأتى ذلك في غيره. ومن صور مسألة الكتاب أيضًا إذا انضم إلى أحد الخبرين قياس، والذي ارتضاه الشافعي ﵁ تقديم الحديث الذي وافقه القياس؛ لأنَّ الترجيح يجوز بما يوجب تغليب الظنّ تلويحًا مع أنّ مجرد التلويح لا يستقل

стр. 3049

دليلًا فإذا اعتضد أحد الخبرين بما يستقل دليلًا فلأن يكون مرجحًا أولى. وقال القاضي: يتساقط الخبران، ويرجع إلى القياس والمسلكان مفضيان إلى موافقة حكم القياس، ولكن الشافعي ﵁ يرى متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبرين مستدلًا بأنّ الخبر مقدّم على القياس، ويستحيل تقديم خبر على خبر بما يسقط الخبر. وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو مقدّم عليه إذا وافقه (١). وقال إمام الحرمين: القول عندي في ذلك لا يبلغ مبلغ الإفادة، ولمن نصر الشافعي أنْ يقول إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما إلى التأكيد بما يغلب على الظنّ (٢). قلت: ويناظر هذا الخلافَ الخلاف الذي ذكره الأصحاب في البينتين إذا تعارضتا ومع أحدهما يد، فإنّ الحكم لذات اليد، ولكن هل القضاء للداخل باليد أم بالبينة المرجحة باليد؟ اختلفوا فيه، وينبني على الخلاف أنَّه هل يشترط أنْ يحلف الداخل مع بينته ليقضى له؟ فيه وجهان أو قولان أصحّهما لا، كما لا يحلف الخارج مع بينته (٣).

стр. 3050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →