← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

السمك الميت حرام قياسًا على الغنم الميتة، وعلى الطائر الميت، والبقر والإبل والخيل، بجامع الموت (١) في كلّ ذلك. فتلك الأقيسة حينئذ تكون أيضًا متحدة، وتكون قياسًا واحدًا لا أقيسة متعددةً لوحدة الجامع، فإنّها لا تتغاير إلا أنْ يعلل حكم الأصل في كلّ قياس منها بعلّة أخرى وتعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين ممنوع على ما سلف فيكون الحقّ من تلك الأقيسة واحدًا وإذا قدمنا عليها الخبر لم يكن قد قدمناه إلا على دليل واحد. وإن لم يكن أصلها متحدًا بل متعددًا، فلا نسلم تقديم خبر الواحد عليها، كذا أجاب المصنف تبعًا للإمام (٢). والحقّ (٣) أنّ خبر الواحد مقدم على الأقيسة وإن تعددت أصولها ما لم تصل إلى القطع، ولا يفرض اللبيب صورة تحصل فيها من الأقيسة ظنّ يفوق الظنّ الحاصل فيها من خبر الواحد. ونقول: هذا رجحت أرجح الظنين؛ لأنّه لا تجد ذلك إلا والقياس جليّ مقدّم دون ريب ولا خصوصية إذ ذاك لتعدد الأقيسة بل لقوة الظنّ. وقد ذكر الإمام أنّ من صور المسألة ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة ولكن قد وافق في هذا الفرع بعض المخالفين في المسألة ولا

стр. 3047

شك أنّ الخلاف فيه أضعف (١). وقد نقله إمام الحرمين عن بعض المعتزلة، وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد (٢). ثمّ نقل أنّ القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعيًا والوجه فيه أنّ المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكًا إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به (٣). قال: وهذا قطعي لأنا نعلم أنّ الصحابة لو تعارض لهم (٤) خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذه. قال: وأمّا إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما، فالمسألة الآن ظنية. وهذا الذي ذكره القاضي حقّ ويشبه أنْ لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية فإنه كما ذكر قد يقال: فيها بالنزول عنها والتمسك بالقياس وقد يظنّ أنّ الصحابة كانوا يقدمون الخبر الكثير الرواة ويضربون عن القياس، فالخلاف في هذه الصورة متجه وأما في الأولى فلا مساغ له.

стр. 3048

نعم إذا اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخرَ جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر إلا في الثقة والعدالة فهذه صورة أخرى (١). وقد اعتبر بعض أهل الحديث مزيد العدد، وبعضهم مزيد الثقة (٢). قال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة، فإن الذي يغلب على الظنّ (٣) أنّ الصدّيق ﵁ لو روى خبرًا وروى جمع على خلافه لكان أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين يؤثرون رواية الصديق (٤) انتهى. وأبلغ قول في ذلك ما ذكره الغزالي من أنّ الاعتماد في ذلك على ما غلب على ظنّ المجتهد فإنّ الكثرة وإنْ قوّت الظنّ فرب عدل أقوى في النفس من عدلين ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والرواة، وأمّا تقديم خبر الصديق رضوان الله عليه فلأنّ الظنّ الحاصل بخبره أقوى من الحاصل بخبر الجمع الكثير وقد لا يتأتى ذلك في غيره. ومن صور مسألة الكتاب أيضًا إذا انضم إلى أحد الخبرين قياس، والذي ارتضاه الشافعي ﵁ تقديم الحديث الذي وافقه القياس؛ لأنَّ الترجيح يجوز بما يوجب تغليب الظنّ تلويحًا مع أنّ مجرد التلويح لا يستقل

стр. 3049

دليلًا فإذا اعتضد أحد الخبرين بما يستقل دليلًا فلأن يكون مرجحًا أولى. وقال القاضي: يتساقط الخبران، ويرجع إلى القياس والمسلكان مفضيان إلى موافقة حكم القياس، ولكن الشافعي ﵁ يرى متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبرين مستدلًا بأنّ الخبر مقدّم على القياس، ويستحيل تقديم خبر على خبر بما يسقط الخبر. وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو مقدّم عليه إذا وافقه (١). وقال إمام الحرمين: القول عندي في ذلك لا يبلغ مبلغ الإفادة، ولمن نصر الشافعي أنْ يقول إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما إلى التأكيد بما يغلب على الظنّ (٢). قلت: ويناظر هذا الخلافَ الخلاف الذي ذكره الأصحاب في البينتين إذا تعارضتا ومع أحدهما يد، فإنّ الحكم لذات اليد، ولكن هل القضاء للداخل باليد أم بالبينة المرجحة باليد؟ اختلفوا فيه، وينبني على الخلاف أنَّه هل يشترط أنْ يحلف الداخل مع بينته ليقضى له؟ فيه وجهان أو قولان أصحّهما لا، كما لا يحلف الخارج مع بينته (٣).

стр. 3050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3051

الباب الثالث: ترجيح الأخبار

стр. 3052

قال: (الباب الثالث: في ترجيح الأخبار . وهو على وجوه: الأول: بحال الراوي فيرجح بكثرة الرواة وقلة الوسائط وفقه الراوي وعلمه بالعربية وأفضليته وحسن اعتقاده وكونه صاحب الواقعة وجليس المحدثين ومختبرًا ومعدلًا بالعمل على روايته وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم وحفظه وزيادة ضبطه ولو لألفاظه ﷺ ودوام عقله وشهرته وشهرة نسبه وعدم القياس اسمه وتأخر إسلامه). اعلم أنّ تعارض الأخبار إنما يقع بالنسبة إلى ظنّ المجتهد، أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة، وأمّا التعارض في نفس الأمر بين حديثين صحّ صدورهما عن النبي ﷺ فهو أمر - معاذ الله - أنْ يقع؛ ولأجل ذلك قال الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵁: لا أعرف أنَّه روي عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأت به حتّى أؤلف بينهما (١).

стр. 3053

إذا عرفت هذا فنقول ترجِيح (١) الأخبار على سبعة أوجه: الأول: بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات: أولها: بكثرة الرواة وقد مرّ هذا آنفًا (٢). مثاله: لو قال الحنفي لا يجوز رفع اليدين في الركوع وعند الرفع منه لما روى إبراهيم (٣) (٤) عن علقمة (٥) عن ابن مسعود أنّ النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثمّ لا يعود (٦).

стр. 3054

فنقول: روى ابن عمر أنَّه ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. وروي رفع اليدين كما روى ابن عمر ووائل بن حجر (١) وأبو حميد الساعدي (٢) في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة (٣) وأبو أسيد (٤)، وسهل

стр. 3055

ابن سعد (١) ومحمد بن مسلمة (٢) ورواه أيضًا أبو بكر الصديق ﵁ وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن الزبير وأبو هريرة وجمعٌ بلغ عددهم ثلاثة وأربعين صحابيًا (٣).

стр. 3056

واعلم أنا قد نذكر المثال الواحد للحكم وهو يصلح مثالًا لأحكام كثيرة، وأنا قد نذكر مثالًا لما اشتمل عليه من ضرب من الترجيح وإن عارضه أقوى منه، أو ساعده فلا يضرنا ذلك، وهنا ليس مستندنا مجرد الكثرة، بل والعلل المذكورة فيما رواه القوم مما ليس من غرض الشرح التطويل بذكره. الثاني: بقلة (١) الوسائط وعلو الإسناد (٢)؛ لأنّ احتمال الغلط والخطأ فيما قلّت وسائطه أقلّ، وما برحت الحفاظ الجهابذة (٣) تطلب علو

стр. 3057

الإسناد وتفتخر به وتركب القفار وتنأى عن الديار في تحصيله. ومن أمثلته: أنْ يقول: الحنفي الإقامة مثنى كالأذان لما روى عامر الأحول (١) عن مكحول (٢) أنّ ابن محيريز (٣) حدثه أنّ أبا محذورة (٤) حدثه: "أنّ رسول الله ﷺ علمه الأذان وعلمه الإقامة. . الحديث" (٥)

стр. 3058

وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى. فيقول الشافعي: بل هي فرادى لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة (١) عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفّع الأذان ويوتر الإقامة (٢). وهذا الحديث من حديث خالد كما رأيت وبينه وبين النبي ﷺ فيه اثنان، والحديث الذي أورده من حديث عامر الأحول وبينه وبين النبي ﷺ فيه ثلاثة وخالد وعامر متعاصران (٣) روى عنهما شعبة (٤).

стр. 3059

الثالث: بفقه الراوي (١) سواء كانت الرواية بالمعنى أم باللفظ ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك (٢). والحقّ (٣) ما ذكرناه؛ لأنَّ للفقيه مرتبةَ التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، فإذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه، واطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف الجاهل (٤). وحكى علي بن خشرم (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3060

قال: قال لنا وكيع: (١) أيُّ الإسنادين أحبّ إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل (٢) عن عبد الله، أو سفيان عن منصور (٣) عن إبراهيم (٤) عن علقمة عن

стр. 3061

عبد الله (١). فقلنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله فقال: يا سبحان الله الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ. وسفيان فقيه ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ (٢). الرابع: بعلم الراوي بالعربية؛ لأنَّ العالم بها يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكبر (٣). قال الإمام ويمكن (٤) أنْ يقال: هو مرجوح؛ لأنَّ العالم بها يعتمد على معرفته، فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بها يكون خائفًا فيبالغ في الحفظ (٥) (٦).

стр. 3062

الخامس: الأفضلية لأنَّ الوثوق يقول الأعلم أتمّ، فيقدم رواية الخلفاء الأربعة في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه على رواية ابن مسعود (١). والسادس: حسن اعتقاد الراوي فرواية غير المبتدع (٢) أولى من رواية المبتدع. ولقائل أنْ يقول: إذا كانت بدعتُهُ بِذَهَابِه إلى أنّ الكذبَ كفرٌ، أو كبيرة لكان ظنُّ صدقِه أغلبَ (٣)، ولكن الذي جزَم به الأكثرون ما قلناه (٤).

стр. 3063

ومثاله إذا قيل: صوم الدهر سنة كما اختاره الغزالي (١) لما روى إبراهيم بن أبي يحيى بسنده أن رسول الله ﷺ قال: "من صام الدهر كله فقد وهب نفسه لله" (٢) فيجيب من يقول بأنّه مكروه، كصاحب التهذيب، وغيره بأنه روي أنّ النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: "لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" (٣) وبأنه روي أنّه ﷺ "نهى عن صيام الدهر" (٤) والحديث الذي أورده الخصم لا يعارض هذين الحديثين؛ لأنَّ إبراهيم بن أبي يحيى وإنْ سلمنا أنَّه ثقة كما قاله الشافعي (٥) وابن الأصبهاني وابن

стр. 3064

عقدة (١) وابن عدي إلا أنَّه كان مبتدعًا قال البخاري: كان يرى القدر وكان جهميًا (٢). والسابع: كون الراوي صاحب الواقعة؛ لأنّه أعرف بالقصّةِ، وبهذا رجَّح الشافعي ﵁ خبر أبي رافع (٣) (٤) على خبر ابن عباس في تزويجه

стр. 3065

ميمونة أنَّه ﷺ نكحها وهو محرم (١) , لأنَّ أبا رافع كان السفيرَ في ذلك (٢) فكان أعرفَ بالقصّة (٣) كذا قيل. والحقّ (٤) أنّ هذا من باب الترجيح يكون أحد الروايين مباشرًا لما رواه، وهو قسم آخر فصَله الآمدي (٥) وغيره عن هذا (٦). بل مثال هذا قول ميمونة: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن

стр. 3066

حلالان" (١) فتقدم على رواية ابن عباس (٢) وقد خالف في هذا الجرجاني (٣) من أصحاب أبي حنيفة (٤). الثامن: يكون الراوي جليس المحدثين أو أكثر مجالسةً من الراوي الآخر؛ لأنّه أقرب إلى معرفة ما يعتور الرواية ويداخلها من الخلل (٥). ويمكن (٦) أنْ يمثل لهذا برواية عبد الرحمن بن القاسم (٧) عن

стр. 3067

أبيه (١) عن عائشة أنّ زوج (٢) بريرة (٣) كان عبدًا (٤).

стр. 3068

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3069

وهكذا رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وروى الأسود بن يزيد (١) عن عائشة: "أنّ زوج بريرة كان حرًّا" (٢).

стр. 3070

فحديث عروة والقاسم عن خالتهما أولى؛ لمجالستهما لها وسماعهما منها الحديث شفاهًا داخل الستر. التاسع: بكون الراوي مختبرًا، فيرجح المعدل بالممارسة والاختبار على من عرفت عدالته بالتزكية أو برواية من لا يروي عن غير العدل؛ لأنَّ الخبر أضعف من المعاينة (١). العاشر: يكون الراوي معدلا بالعمل على روايته، أي يكون ثبوت عدالته بعمل من روى عنه، فيرجح على الذي يكون راويه معدلا بغير ذلك (٢). وقد أتى صاحب الكتاب بقوله: "ثم معدلًا" ليفهم أنّ التعديل بالاختبار مقدّم على هذا الضرب. فالمراتب ثلاثة التعديل بالاختبار ثمّ بالعمل ثم بغير ذلك. ولقائل أنْ يقول: إنْ أردتم بغير ذلك صريحَ القول في التزكية فلا نسلم أنّ التعديل بالعمل أرجح منها كيف وقد اختلف في كونها تعديلًا. قد جزم بهذا الآمدي وغيره وقالوا: يرجح صريح المقال في التزكية على العمل بروايته والحكم بشهادته (٣).

стр. 3071

الحادي عشر: كثرة المزكين للراوي (١) وقد سبق ما يناظره. ومن أمثلته حديث بسرة بنت صفوان. (٢) في مسّ الذكر (٣) مع ما يعارضه من حديث (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3072

طلق (١) فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير، وليس فيهم إلّا من هو متفق على عدالته، وأمّا رواة حديث طلق فقد قلّ مزكوهم بل اختلف في عدالتهم فالمصير إلى حديث بسرة أولى. الثاني عشر: كثرة بحث المزكين عن أحوال الناس لزيادة الثقة بقولهم حينئذ (٢) الثالث عشر: كثرة علمهم؛ لأنَّ كثرة العلم تؤدي إلى الصواب (٣). الرابع عشر: حفظ الراوي (٤)، وقد أطلقه في الكتاب، وهو يحتمل أمرين كلاهما حق معتبر: أحدهما: أنْ يكون قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب فالحافظ أولى؛ لما لعلّه يعتور الخطّ من نقص وتغيير. قال الإمام وفيه احتمال (٥).

стр. 3073

قلت: وهو احتمال بعيد (١). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا يحتج برواية من يعول على كتابه (٢). قال أشهب (٣): سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح الحديث أتؤخذ عنه (٤) الأحاديث؟ . فقال لا يؤخذ منه، أخاف أنْ يزاد في كتبه بالليل (٥). وعن هشيم (٦) من لم يحفظ الحديث فليس هو أولى (٧) من أصحاب

стр. 3074

الحديث يجيء أحدهم بكتاب كأنّه سجل مكاتب (١). وثانيهما: أنْ يكون أحدُهما أكثرَ حفظًا، فإنّ روايته راجحة على من كان نسيانه أكثر وسيأتي على الأثر. مثال هذا في حديثي شعبة وإسماعيل بن عياش (٢) فإنَّ (٣) شعبة: أحفظ منه بلا ريب. ومن أمثلته أيضًا احتجاجنا (٤) على أنّ المسْح يتأقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر بحديث عاصم (٥) عن زِرِّ

стр. 3075

ابنِ حُبَيْش (١) قال أتيت صفوان بن عسّال (٢) فسألته عن المسح على الخفين فقال: "كنّا نكون مع رسول الله ﷺ فيأمرنا أنْ لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (٣).

стр. 3076

فإنّ للخصم في المسألة وهو مالك ﵀ أنْ يقول: قد تُكُلِّمَ في حفظ عاصم بن أبي النجود. قال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ (١)، وقال الدارقطني: في حفظه شيء (٢). فليرجح عليه حديث أنس أنّ النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة" (٣). الخامسَ عشرَ: زيادة ضبط الراوي (٤) وشدّة اعتنائه؛ فليرجح من كان أشدّ اعتناء به وأكثر اهتمامًا، ولو كان ذلك الضبط لألفاظ الرسول ﷺ بأنْ يكونَ أكثرَ حرصًا على مراعاة كلامِه وحروفِه؛

стр. 3077

لأنّه حينئذ يكون أقربَ إلى الروايةِ باللفظِ، وقد تقدّم أنّها راجحة على الرواية بالمعنى (١). ومن أمثلته (٢) احتجاجنا على أنّ الدمَ الخارجَ من غيرِ السبيلين لا ينقضُ الوضوءَ. مما رواه شعبة عن سهيل بن أبي صالح (٣) عن أبيه (٤) عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "لا وضوء إلا من صوت أو

стр. 3078

ريح" (١) فإن عارضه الخصم بما روى إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة (٢) عن عائشة مرفوعًا: "من قاء أو رعف فأحدث في صلاته فليذهب فليتوضأ ثم ليَبْنِ على صلاته" (٣).

стр. 3079

قلنا: ليس إسماعيل كشعبة في الضبط. كيف لا؟ وشعبة أمير المؤمنين في الحديث وابن عياش خلط على المدنيين. السادس عشر: بدوام عقل الراوي؛ فيرجح رواية دائم العقل على من اختلط آونة من عمره ولم يعرف أنَّه روى الخبر حالة سلامة العقل أو حال اختلاطه (١). السابع عشر: شهرة الراوي بالعدالة والثقة؛ فيرجح رواية المشهور على الخامل؛ لأنَّ الدّين كما يمنع من الكذب كذلك الشهرة والمنصب (٢). ومن أمثلته في مسألة القهقهة من أحاديثنا رواية شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا وضوء إلا من

стр. 3080

صوت أو ريح" (١). فلا يعارضه الخصم برواية بقية (٢) عن محمد الخزاعي (٣) عن الحسن عن عمران بن حصين أنّ النبي ﷺ قال لرجل ضحك: "أعد وضوءك" (٤) فإنّ محمدًا الخزاعي ليس مشهورًا بل هو من مجهولي مشايخ بقية (٥).

стр. 3081

والخصم وإن احتج به على قاعدته في العمل بخبر المجهول (١)، لكن لا ينكر أنّه غير مشهور وأنّ شعبة من الأئمة المشهورين العظماء. الثامن عشر: بشهرة نسبه فإنّ من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم (٢). التاسع عشر: بعدم التباس اسمه (٣) فيرجح رواية من لا يلتبس اسمه

стр. 3082

باسم غيره على رواية من يلتبس اسمه باسم غيره من الضعفاء (١). ومن أمثلته أنَّه لو وقع إسنادان متعارضان في أحدهما محمد بن جرير الطبري أبو جعفر الإمام المشهور، وفي الآخر ثقةٌ مثله في العلم والعدالة وصفات الترجيح. لقلنا الإسناد الذي فيه محمد بن جرير مرجوح لالتباس اسمه بمحمد بن جرير بن رستم بن جعفر الطبري (٢)، وكذلك وقع الغلط لبعض الأئمة فنقل على ابن جرير الإمام أنَّه قال بوجوب المسح على الرجلين بدل غسلهما، وإنما القائل بذلك ابن جرير هذا، وهو رجل رافضي (٣). وكذلك الليث بن سعد الإمام المشهور مع الليث بن سعد النصيبي أحد الضعفاء. العشرون: بتأخر إسلامه؛ فيرجح رواية من تأخر إسلامه على رواية من تقدم إسلامه لأنَّ تأخر الإسلام دليل على روايته

стр. 3083

أخيرًا هكذا نطق به المصنف وصرّح به الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (١) وهو حقّ متقبل (٢). وجزم الآمدي بعكسه معتلا بعراقة المتقدم في الإسلام ومعرفته (٣)، وليس بشيء (٤)، وقال الإمام: الأولى أنْ يفصَّل ويقال: المتقدم إذا كان موجودًا مع المتأخر، لم يمنع أنْ تكون روايتُه متأخرةً عن روايةِ المتأخر، فأمّا إذا مات

стр. 3084

المتقدمُ قبل إسلامِ المتأخر، وعلمنا أنّ أكثر رواة المتقدمِ متقدمٌ على رواة المتأخر منهما، هنا (١) نحكم بالرجحان؛ لأنَّ النادر يلحق بالغالب (٢). ولقائل أنْ يقول: قولكم لا يمنع أنْ تكون روايته متأخرة فيما إذا لم يمت قبله مسلمٌ ولكن هي مشكوكة ورواية متأخر الإسلام مظنونة التأخر فليرجح على المشكوكة فيها. ولهذا قال ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله ﷺ " (٣). ومن أمثلةِ الفصلِ قال الشافعي في مسألة المسِّ (٤)، قيس بن

стр. 3085

طلق (١) راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم إسلامه وأبو هريرة من رواة أحاديثنا وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين فرَأيْنا إمكانَ النسخ متطرقًا إلى ما رواه قيس. قال: (الثاني بوقت الرواية فيرجح الراوي في البلوغ على الراوي في الصبا وفي البلوغ، والمتحمل وقت البلوغ على المتحمل في الصبا أو فيه أيضا).
следующие страницы →