← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قال: (السادس بالحكم فيرجح المبقي لحكم الأصل؛ لأنَّه لو لم يتأخر عن الناقل لم يفد، والمحرم على المبيح لقوله ﷺ : "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" وللاحتياط ويعادل الموجب ومثبت الطلاق والعتاق لأنَّ الأصل عدم القيد ونافي الحدّ لأنّه ضرر (١) لقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات"). الترجيح بحسب الحكم على وجوه: الأول: إذا كان أحد الخبرين مقررًا لحكم الأصل والثاني ناقلًا. فالجمهور على أنَّه يجب ترجيح الناقل (٢). وذهب بعضهم واختاره الإمام وبه جزم المصنف: أنَّه يجب ترجيح المقرر (٣). مثاله: خبر من روى عنه ﷺ : "إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ" (٤)، وخبر من روى قوله ﷺ : "هل هو إلا بضعة منك" (٥) فإنَّ الأوّل ناقل عن

стр. 3117

حكم الأصل والثاني مقرر. وكذلك خبر من روى: "أفطر الحاجم والمحجوم" (١) مع من روى أنَّه ﷺ "احتجم وهو صائم" (٢). واحتج المصنف على ما ذهب إليه، بأنّ حملَ الحديثِ على ما لا يستفاد إلَّا من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، فلو جعلنا المبقي (٣) متقدّما على الناقل، لكان واردًا حيث لا يحتاج إليه؛ لأنَّا في ذلك الوقت نعرف ذلك بالعقل، ولو قلنا إنّ المبقي (٤) ورد بعد الناقل لكان واردًا حيث يحتاج إليه فكان الحكم بتأخره أولى من الحكم بتقدمه عليه هذا تقريره.

стр. 3118

وحاصله أنَّه يختار تقدم الناقل وتأخر المقرر لكونه متضمنا للعمل بالخبرين بالناقل في زمان، وبالمقرر بعد ذلك، فإن كانت الصورة هكذا، وهي أنَّه يقرر حكم الناقل مدّة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه، ثمّ نقل له المقرر في الشرع، ولم يعلم التاريخ فما ذكره من الاحتجاج والترجيح ظاهر (١). قال النقشواني: لكن ليست هذه الصورة بالتي فرض الخلاف فيها ولا يظن بهم المخالفة في ذلك وأمّا إن كانت الصورة على خلاف ذلك وهو أنّ (٢) الثابت عند الجمهور مقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبرين (٣) المقرر والناقل فلا يتأتى هذا الاحتجاج إذ يلزم تعطيل (٤) الناقل بالكلية لعدم وقوع العمل به في شيء من المدّة بخلاف المقرر فإنّ الحكم العقلي يصير مستندًا إليه ويصير شرعيًا كذا ذكره النقشواني (٥).

стр. 3119

ولقائل أنْ يقول: يتساقط الخبران بالتعارض ونرجع إلى البراءة الأصلية، ولا نقول إنّ الحكم العقلي صار شرعيًا، ولا نرجح أحد الخبرين لموافقته الأصل كما هو قضية تقرير الإمام والمصنف، ونحمل قولهم إن المقرر راجح على أنّ العمل بمضمونه ثابت (١) بالدليل العقلي لا أنَّه قدّم لموافقته الدليل العقلي. الثاني: ذهب الأكثرون وبه جزم المصنف إلى ترجيح المقتضي للتحريم (٢). وقال آخرون (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3120

بترجيح (١) المقتضي الإباحة (٢)؛ لأنَّ الإباحة تستلزم نفي الحرج الذي هو الأصل. وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين (٣). وذهب الغزالي إلى أنّهما يستويان؛ لأنّهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة (٤). واحتج الأولون بوجهين ذكرهما في الكتاب: أحدهما: ما روي من قوله ﷺ : "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" (٥) وهو حديث لا أعرفه.

стр. 3121

والثاني: أنّ الأخذَ بالتحريمِ احتياطٌ؛ لأنَّ الفعلَ إن كان حرامًا، ففي ارتكابِه ضررٌ، وإنْ كان مباحًا، فلا ضررَ في تركهِ، وهذا ما (١) اعتمد عليه الشيخ أبو إسحاق (٢). ولهذا إذا طلّق إحدى زوجتيه حرمتا إلى البيان (٣). ومن أمثلة الفصلِ: روى أحمد بن حنبل بطريقين متصلين أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٤) وروى الدارقطني بسنده: "سئل النبي ﷺ عن النبيذ حلال أو حرام قال حلال" (٥) فيرجح الأوّل. الثالث: إذا ورد خبران مقتضى أحدِهما التحريم

стр. 3122

والآخر الإيجاب. فذهب المصنف إلى التسوية بينهما وإليه أشار بقوله: "ويعادل الموجب" أي يعادل الخبر المحرِّم الخبر الموجب (١)؛ لأنّ المحرّم يقتضي استحقاق العقاب على الفعل كتضمن الموجب العقاب على الترك (٢). ورجّح آخرون المقتضي للتحريم؛ لأنَّ المحرِّم يستدعي دفع المفسدة، وهي أهمّ من جلب المصلحة وبه جزم الآمدي (٣). ومن أمثلة الفصل ما روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ "إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غمَّ عليكم فاقْدُرُوا له" (٤) قال نافع: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من

стр. 3123

ينظر، فإن رُئِيَ، فذاك، وإن لم يُرَ ولم يحل دون منظره سحاب ولا قَتَرٌ، أصبح مفطرًا، وإنْ حال دون منظره سحابٌ أو قترٌ أصبح صائمًا (١). وهذا يستدل به من يقول بوجوب صوم يوم الشك ويعارضه خصمه بما روي عن عمار بن ياسر: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (٢) قال الترمذي: حديث صحيح (٣). ومنها ما روي من قوله ﷺ : "في مال اليتيم زكاة" (٤) إذ يدل على أنَّه يجب على الولي إخراجها مع قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" (٥) إذ

стр. 3124

يدلّ على عدم الوجوب، وإذا لم تجب حرُم على الولي إخراجها؛ لأنّه لا يتصرف إلا (١) بالمصلحة والغبطة (٢). وذكر القاضي أبو بكر في مختصر التقريب باختصار إمام الحرمين في تعارض العلّة المقتضية للإيجاب مع العلّة المقتضية للندب أنّ بعضهم قدّم الإيجاب. قال: وفي هذا نظر فإنّ الوجوب فيه قدر زائد على الندب والأصل عدمه (٣). الرابع: إذا كان أحد الخبرين مثبتا للطلاق أو العتاق، والآخر نافيًا له. فمنهم من قدّم المثبت على النافي؛ لأنَّ الأصل عدم القيد أي قيد النّكاح، وقيد الرقبة فما دلّ على ثبوت الطلاق أو العتاق فقد دلّ على زوال قيد النكاح أو ملك اليمين فكان موافقًا للأصل، فليرجح، وهذا ما جزم به المصنف (٤).

стр. 3125

ومنهم من قدّم النافي؛ لكونه على وفق الدليل المقتضي لصحة النّكاح، وإثبات ملك اليمين (١). وهذا هو الصحيح عندي (٢). وقولهم الأصل (٣) عدم القيد لا يصح مع ثبوت وجوده فإنّ الأصل بعد ثبوت وجوده إنما هو بقاؤه. ومنهم من سوّى بينهما (٤). وتجري هذه الأقوال في تعارض الخبر المثبت والنافي في غير الطلاق والعتاق أيضًا كخبر بلال: "دخل النَّبي ﷺ البيْتَ وصلَّى فيه" (٥) وخبر

стр. 3126

أسامة: "لم يصل فيه" (١). ونقل إمام الحرمين هنا عن جمهور الفقهاء ترجيح الإثبات، ثم قال: وهو يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا، فإنْ كان الذي ينقله الناقل إثبات لفظ عن رسول الله ﷺ مقتضاه النفي، فلا يرجح على ذلك اللفظ المتضمن للإثبات؛ لأنَّ كلّ واحد من الراويين مثبت فيما ينقله. ومثاله أن ينقل أحد الراويين أنَّه أباح شيئا وينقل الآخر أنَّه قال لا يحل، وأمّا إذا نقل أحدهما قولًا أو فعلًا ونقل الآخر أنَّه لم يقله ولم يفعله فالإثبات مقدم، لأنَّ الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدثًا، والذهول عن بعض ما يجري أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر (٢). وهذا التفصيل حق ولا يتجه معه خلاف في الحالتين بل ينبغي حمل كلام القائل بالاستواء على الحالة الأولى. والقائل بتقديم الإثبات على الثانية، ولا يجعل في المسألة خلاف. نعم قد يقال في الحالة الثانية بعدم ترجيح الإثبات إذا كان النفي

стр. 3127

محصورًا كخبر أسامة، فإنّ قوله: "لم يصل" نفي محصور، في وقت يمكن نفي الفعل فيه، فهذا له احتمال. الخامس: يُرَجَّحُ الخبر النافي للحدِّ على الموجب له (١). خلافا لقوم (٢). واستدل عليه المصنف بأن الحدّ مُدْرَأٌ بقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" (٣) وهذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ إلا في مسند أبي حنيفة لأبي محمد البخاري (٤)، وروى الترمذي: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما

стр. 3128

استطعتم" (١) ثم صحح أنَّه موقوف. ووجه الحجّة: أنّ الخبر المعارض لوجوب الحدِّ، أقلّ درجاتِه أنْ يكون شبهةً، والشبهةُ تَدْرأ الحدَّ؛ للحديث. فائدة: الخلاف في أنَّه هل يرجّح النافي للحدّ جار في أنَّه هل ترجّح العلّة المثبتة للعتق على النافية له لتشوف الشارع إلى العتق ذكره ابن السمعاني (٢).

стр. 3129

قال: (السابع بعمل أكثر السلف) الترجيح بالأمر الخارجي على وجوه: اقتصر منها في الكتاب على عمل أكثر السلف. فالمختار (١) ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف به (٢)؛ لأنَّ الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقلّ، وهذا ما جزم به المصنف (٣). ومنع قوم من حصول الترجيح به؛ لأنّه لا حجّة في قول الأكثر (٤).

стр. 3130

ومن فروع (١) المسألة: التقديم بعمل الشيخين ولذلك قدمنا رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعًا وخمسًا (٢) على رواية من روى أربعًا كأربع الجنائز (٣)؛ لأنَّ الأوّل قد عمل به أبو بكر وعمر. وقد بقيت مرجحات أخر في كل قسم من الأقسام السبعة أهملها المصنف فتابعناه في ذلك؛ لأنَّ الخطب فيها يسير، وهل المدار إلا على زيادة ظنّ بطريق من الطرق، وقد انفتحت (٤) أبوابها بما ذكرناه، فلا يحتاج الفطن من بعده إلى مزيد تطويل، ففيما ذكرناه إرشاد عظيم لما لم نذكره.

стр. 3131

الباب الرابع: ترجيح الأقيسة

стр. 3132

قال: (الباب الرابع: في تراجيح الأقيسة . وهي بوجوه: الأوّل: بحسب العلّة فترجح المظنة ثم الحكمة ثم الوصف الإضافي ثمّ العدمي ثم الحكم الشرعي والبسيط والوجودي للوجودي والعدمي للعدمي) . قال إمام الحرمين ﵀: هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافسُ القيَّاسيين (١)، وفيه اتساع الاجتهاد (٢). واعلم أنّ ترجيح الأقيسة بوجوه (٣): الأول: بحسب العلّة: وهو مفرع على جواز التعليل بكلّ واحد من الأوصاف التي نذكرها وذلك خمسة أمور: أولها: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع بين القياسيين على صحة التعليل

стр. 3133

بالمظنّة (١). ومن أمثلته ترجيح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة. وثانيها: يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي؛ لأنَّ العدم لا يكون علّة إلَّا إذا علم اشتماله على الحكمة، فالدّاعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنّما هو الحكمة، فإذا كانت العلّة الحكمة لا ذلك العدم كان التعليل بها أولى (٢). فإنْ قلت: قضية هذا أنْ يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف الحقيقي. قلت: نعم، ولكن التعليل بالحقيقي راجح من جهة كونه منضبطًا، ولذلك وقع الاتفاق عليه (٣).

стр. 3134

قوله: "ثم الوصف الإضافي". اعلم أنّ هذا ساقط في (١) بعض النسخ ولإسقاطه وجه وجيه لدخوله تحت العدمي، إذ الإضافات من الأمور العدمية، وقد قررنا أنّ التعليل بها مرجوح، ولإثباته وجه من جهة أنَّه مختلف في كونه وجوديًا، فيكون مرجوحًا بالنسبة إلى المتفق على كونه وجوديًا (٢). ومثال تعارض التعليل بالحكمة والوصف (٣) الإضافي أنْ يقول القائل: في النكاح بلا ولي: ناقضة بالأنوثة، فلا ينفذ منها عقد النكاح كالصغيرة، فيكون أولى منه أنْ يقول: قلّة العقل والدّين مع فرط الشهوة حكمة تقتضي أنْ تسلب الولاية، فإنّ هذا تعليل بالحكمة وذاك بالنقصان وهو أمر إضافي. وثالثها: - وإن شئت قلت: رابعها على تقدير صحة إحدى النسختين - يرجح القياس المعلل حكمه بالوصف العدمي على المعلل حكمه بالحكم الشرعي؛ لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبًا للحكم، والحكم الشرعي لا يكون علّة إلا بمعنى الأمارة، والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة. وهذا ما اختاره المصنف وصاحب التحصيل (٤) وصفي الدين

стр. 3135

الهندي (١) والإمام ذكر في المسألة احتمالين ولم يرجح شيئا. أحدهما هذا. والثاني عكسه، قال: لأنَّ الحكم الشرعي أشبه بالموجود (٢). فإن قلت: لا نسلم ذلك، وهذا لأنَّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية بدليل أنَّه يجوز تبدلها وتغيرها (٣) بحسب الأشخاص والأزمان والأمور الاعتبارية أمور عدمية. قلت: لما كان الحكم هو الخطاب المتعلق ولا شك أنّ الكلام أمر وجودي سقط هذا (٤). ورابعها: يرجح المعلل بالحكم الشرعي على المعلل حكمه بغيره مما عدا الأقسام المذكورة، كالوصف التقديري (٥) مثلا لكون التقديري على خلاف الأصل (٦). وخامسها: المعلل بالبسيطة (٧) مرجح على المعلل بالمركبة، وهذا هو

стр. 3136

الذي جزم به المصنف، وهو رأي المتأخرين، وعليه الجدليون (١) وعلل بأمرين (٢): أحدهما: أنّ البسيطة تكثر فروعها وفوائدها. والآخر: أنّ الاجتهاد يقلّ فيها وإذا قلّ الاجتهاد قلّ الحظر له (٣). وقال بعضهم بترجيح المركبة (٤). وقيل: هما سواء. قال القاضي في التلخيص لإمام الحرمين: ولعله الصحيح (٥). وقد اعترض إمام الحرمين على ما اعتل به الأوّلون، بأنّه لا ترجيح بكثرة الفروع، ثمّ إنّه رُبَّ علَّة ذات وصف لا يلزم (٦) فروعها، وربما

стр. 3137

كانت قاصرة (١). وأمّا ترجيح البسيطة بقلّة الاجتهاد فقول ركيك إذ النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض لا يتلقى من جهة الحظر. قال: والذي يحقق هذا أنّ صاحب العلّة ذات الوصف الواحد إذا لم يناظر في ذات الوصفين فاجتهاده قاصر وهو على رتبة المقلدين أو المقتصرين على طرف من الاجتهاد، وإن ناظر في ذات الوصفين ولم ير التعلق بهما فقد كثر اجتهاده وتعرض للغرور ولكن أدّى اجتهاده إلى النفي وإن رأى ذات الوصف صحيحة فذات الوصفين عنده عديمة التأثير في أحد وصفيها وكلّ ذلك بعد نهاية الاجتهاد فسقط الركون إلى قلّة الاجتهاد وتبين أنّ اقتحام النظر حتم على من يجتهد (٢). ومن أمثلة الفصل (٣): قول الشافعي في الجديد العلّة الطعم في الأشياء الأربعة مع ضمّه في القديم التقدير إلى الطعم (٤) وسادسها: يرجح القياس الذي يكون فيه الوصف وجوديًا، والحكم

стр. 3138

وجوديًا على ما إذا كان أحدهما عدميًا، أو كانا عدميين، ويرجح تعليل العدمي بالعدمي على ما إذا كان أحدهما وجوديًا هذا حاصل ما في الكتاب (١). فقوله: "والوجودي للوجودي" أي: ويرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة. وقوله: "ثم العدمي للعدمي" أي: يرجح على القسمين الباقيين (٢). ومما ينبه عليه المعتني بلفظ الكتاب أنّ المصنف إنما أتى بالواو في قوله: "والبسيط" لكونه شروعًا في ترجيح الأقيسة باعتبار آخر.

стр. 3139

ونختم الفصل بقولنا: ما اقتضاه كلام المصنف من ترجيح التعليل بالعدمي للعدمي على التعليل بالوجودي للعدمي وعكسه، هو ما صرح به الإمام معتلا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي للعدمي (١). وعندنا (٢) في هذا وقفة، فإنّ مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين، فكان يجب أنْ يقضي عليه بالمرجوحية بالنسبة إليهما، وإنَّما قلنا: إنّ مخالفة الأصل فيه أكثر؛ لأنَّ العليّة والمعلولية وصفان وجوديان، ولا يمكن حملهما على المعدوم إلّا إذا قُدِّر موجودًا، وهو خلافُ الأصل، وزيادةُ المناسبة والمشابهة لا تصلحُ مقاومة؛ لمخالفة الأصل، بل لقائل أنْ يقول: إذا كانت العليةُ والمعلوليةُ صفتين وجوديتين، كما صرح به الإمام هنا، فيستحيل قيامهما بالمعدومين، فإنْ لم يقتض ذلك منع هذا القسم، فلا أقلّ من اقتضائه المرجوحية (٣). ومما يلتحق بأذيال ما قررناه الترجيح بين تعليل العدمي بالوجودي وعكسه وقد سكت عنه المصنف؛ لتوقف الإمام فيه (٤). ونحن نقول (٥): هو أولى من عكسه؛ لأنَّ المحذور في عكسه أشدّ

стр. 3140

لحصوله في أشرف الجهتين وهو العليّة (١). مثال (٢): الوجوديين العدميين قولنا: الخلع (٣) طلاق؛ لأنّه فرقة ينحصر ملكها في الزوج فيكون طلاقًا، كما لو قال: أنت طالق على ألف مع قول القديم هو فسخ؛ لأنّه لا رجعة فيه فلا يكون طلاقًا كالرضاع (٤).

стр. 3141

ومثال: العدميين مع الوصف في العدمي والحكم الوجودي قولنا: المرأة لا تلي القضاء، فلا تلي النكاح قياسًا على المجنون، مع قولهم: لا تمنع من التصرف من المال فتتصرف في النكاح قياسًا على العاقل (١). ومثال: العدميين مع الوصف الوجودي والحكم العدمي أنْ يقال: في عتق الراهن: تصرفٌ صادفَ الملْكَ، فلا يُلْغَى، كما لو كان غير راهن فيقال: لم يتصرف فيه وهو مطلق التصرف فيه، فلا يعتبر، كما لو أعتقه غير المالك (٢). ومثال: الوصف العدمي والحكم الوجودي مع عكسه، أنْ يقال في عتق الراهن: ليس تصرفًا من غير مالك، فيكون معتبرًا فيقال: تصرفٌ يبطل حقَّ الغير وهو المرتهن فلا يعتبر (٣). قال: (الثاني بحسب دليل العلية فيرجح الثابت بالنص القاطع ثم الظاهر اللام ثم إنْ والباء ثمّ بالمناسبة الضرورية الدينية ثم الدنيوية [ثم] (٤) التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارًا فالأقرب ثمّ الدوران في محل ثمّ في محلين ثمّ السبر ثم الشبه ثم الإيماء ثم الطرد). الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم على أقسام:

стр. 3142

الأول: يرجح القياس الذي ثبت عليّة الوصف لحكم أصله بالنّص القاطع على ما لم يثبت بالقاطع؛ لأنّه لا يحتمل فيه عدم العلية بخلاف ما ليس بقاطع (١). الثاني: ما ثبت عليّة الوصف فيه بالظاهر على ما لم يثبت بالظاهر من سائر الأدلة سوى النّص القاطع. والألفاظ الظاهرة في إفادة العليّة ثلاثة: (اللام، وإن، والباء). وأقواها (اللام)؛ لأنَّها أظهر في العليّة من (إنْ، والباء)، وقد اقتضت عبارة الكتاب مساواة (إنّ) (للباء) (٢). والإمام تردد في أيهما يقدم (٣). واختار صفي الدّين الهندي تقديم الباء لكونها أظهر في التعليل بالاستقراء (٤).

стр. 3143

الثالث: يرجح ما ثبت علية الوصف فيه بالمناسبة على ما عداها من الدوران وأشباهه (١)؛ لقوة دلالة المناسبة، واستقلالها في إفادة العليّة (٢). ويرجح من المناسبة ما هو واقع في محل الضرورة على ما وقع (٣) في محل الحاجة، وهو المصلحي أو التتمة وهو التحسيني كما تقدم شرح ذلك (٤) في كتاب القياس (٥). وترجح الضرورية الدينية على الضرورية (٦) الدنيوية؛ لأنَّ ثمرتها السعادة الأخروية التي هي أنجح المطالب وأربح المكاسب (٧). فإن قلت: بل ينبغي العكس؛ لأنَّ حقَّ الآدمي مبنيٌ على الشحِّ

стр. 3144

والمضايقةِ، وحقُّ الله تعالى مبنيُّ على المسامحةِ والمساهلةِ. ولهذا كان حقُّ الآدمي مقدمًا على حقِّ الله تعالى لما ازدحمَ الحقَّان في محلٍّ واحدٍ وتعذر استيفاؤهما منه كما يقدم القصاص (١) على القتل في الردّة، والقطع في السرقة وكذا الدَّين على زكاتي المال والفطر في أحد الأقوال. قلت: الذي نختاره (٢): تقديم حقّ الله تعالى لقوله ﷺ في حديث الخثعمية (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3145

"فدين الله أحق بالقضاء" (١)، وفي المسائل التي ازدحم فيها الحقان

стр. 3146

كثيرة (١)، والرأي الأصحّ، تقديم الحج، والعمرة والزكاة، فسقط السؤال بالنسبة إلى الصور الثلاث، وأمَّا القتل والقطع فإنَّ المقصود من الشرع إزالة مفسدة الردّة، ولا غرض له في القتل، بل لما كان وسيلة إلى إزالة تلك المفسدة شرع، فلمّا اجتمع مع حقّ الآدمي ولم يتعارض القصدان، إذ ليس غرض الآدمي سوى التشفي بالاقتصاص، سلمناه إلى ولي الدم ليستوفي منه فيحصل المقصدان في ضمن ذلك، فلم يتقدم حقّ الآدمي، وكذلك القول في القطع فتأمل هذا (٢). ومن المسائل اجتماع الكفارات مع حقّ الآدمي وقد أجرى الأصحاب فيها أقوال الزكاة، والأصحّ تقديم حقّ الله تعالى (٣). قوله: "الأقرب اعتبارًا فالأقرب" أي: يرجح من ذلك ما هو أقرب اعتبارًا في الشرع من صاحبه، فيرجح ما ثبت اعتبار نوع وصفه في نوع الحكم، على المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم، أو المعتبر جنس وصفه في نوع الحكم، وهما مرجحان على المعتبر جنس وصفه في جنس الحكم (٤). وما المرجح منهما؟ قال الإمام: هما كالمتعارضين (٥).

стр. 3147

وقال صفي الدين الهندي: الأظهر تقديم المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم على عكسه (١). وهو كما ذكر لحصول الخصوصية وقلة الإيهام في أشرف الجهتين وهي العلية (٢). الرابع: يرجَّحُ القياسُ الذي ثَبَتَتْ (٣) عليَّةُ وَصْفِهِ بالدورانِ على الثابتِ بالسبرِ (٤)، وما بعده؛ لاجتماع الإطراد والإنعكاس في العليّة المستفادة من الدوران دون غيره، بل قد قدّمه بعضهم على المناسبة؛ محتجًا بأنّ المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، وهذا ضعيف؛ فإنّ سبيل العلل الشرعية سبيل الأمارات، والعقلية - عند القائل بها - موجبة فلا يمكن اعتبار تلك بهذه (٥). قال القاضي أبو بكر في التلخيص باختصار إمام الحرمين في الكلام على البسيطة والمركبة مضاهاة العلل العقلية لا أصل له فإنّ السمعية لا تضاهي العقلية أبدًا فتدبر ذلك (٦).

стр. 3148

ثم القياس الثابت عليته بالدوران الحاصل في محل واحد مرجح على الثابت عليته بالدوران الحاصل في محلين؛ لقلّة احتمال الخطأ في الأوّل؛ لأنّه يفيد القطع بعدم عليّة ما عدا المدار بخلاف الدوران في محلين فإنّه لا يفيد ذلك (١). فإنّا (٢) لما رأينا أنّ العصير لما لم يكن مسكرًا لم يكن محرمًا، ثمَّ صار محرمًا (٣) بالإسكار، وانعدم بعدمه، حصلنا على قطع بأنّ ما عدا المسكرية من الصفات الثابتة في الأحوال الثلاثة ليس بعلّة للحرمة، وإلَّا لزم وجود العلّة بدون الحكم (٤). أمّا الدوران في محلين فليس كذلك. ألا ترى أنّ الحنفي إذا قال في مسألة الحليّ: كونه ذهبًا موجبٌ للزكاة؛ لأنَّ التبر (٥) لما كان ذهبًا وجب فيه الزكاة. وثياب البذلة (٦) لما لم

стр. 3149

يكن ذهبًا لم تجب فيها الزكاة لم يمكن القطع بأنّ ما عدا كونه ذهبًا ليس علّة لوجوب الزكاة لاحتمال أن يكون المجموع المركب من كونه ذهبًا وكونه غير معد للاستعمال هو العلَّة هكذا قرروه (١). ولك أنْ تقول لا نسلم أنّ الدوران الحاصل في محل واحد يفقد القطع بعدم عليّة ما عدا المدار، كما تقرر في موضعه، وإنما قصاراه - على الرأي المختار - إفادة الظنّ. نعم الظنّ الحاصل فيه أقوى من الحاصل في محلين وقوة الظنّ كافية في الترجيح. الخامس: يرجح القياس الذي يثبت عليّة وصفِه بالسبر على الثابتِ بالشَّبَهِ وما بعدَه. واستدلوا عليه بأنّه أقوى في إفادة الظنّ (٢). ومنهم من قدّمه على المناسبة لإفادة ظنّ العلية (٣) ونفي المعارض بخلاف المناسبة، فإنّها لا تدل على نفي المعارض (٤). واختاره الآمدي وابن الحاجب (٥).

стр. 3150

ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضًا عند من يقدم الدوران على المناسبة (١)، ثمّ محل الخلاف في غير المقطوع به، فإنّ العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أنّ تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السبر المظنون في كل مقدماته. وأما ما اشتملت مقدماته على القطعي والظني فذلك مختلف باختلاف القطع والظنّ، فإنْ كان الظنّ الحاصل من السبر (٢) الذي بعض مقدماته قطعيٌّ أكثر من الظنّ الحاصل بالمناسبة فهو أولى وإلا فهما متساويان والمناسبة أولى (٣). ومن أمثلة السبر مع الشبه قول الحنفي في الدليل على أنَّه إذا أفلس المحال عليه فللمحتال الرجوع على المحيل: عجز عن الرجوع مع بقاء عينه فليرجع لمشابهة البائع من المفلس (٤).

стр. 3151

فنقول: الحوالة (١) وصفٌ، فإمّا أنْ لا تقتضي شيئًا، أو تقتضي شيئا (٢) وبطلان الأوّل ظاهر فيثبت الثاني، وحينئذ فذلك الشيء؛ إمّا أنْ يَكُون هو تحول الحقّ عن المحيل أوْ لَا، والثاني: باطل، وإلَّا لزمَ أنْ يدوم له المطالبة، كما في الضمان (٣) فثبت الأول ووجب أن تبرأ ذمته ولا يعود إليه كما لو أبرأه. السادس: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالإيماء والطرد، كذا ذكره المصنف (٤).

стр. 3152

فأمّا تقديمه على الطرد فظاهر، إذ لا يمتري الطاردون في ضعف الظنّ الحاصل منه. وأمّا على الثابت بالإيماء (١) فهو بحث ذكره الإمام بعد أنْ حكى اتفاق الجمهور على أنّ ما ظهرت عليته بالإيماء راجع على ما ظهرت عليته بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر. ووجهه بأنّ الإيماء لما (٢) لم يوجد فيه لفظ يدل على العليّة فلا بد وأنْ يكون الدال على عليته أمرا آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما تقدم في الإيماء. وإذا ثبت أنّ الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق، كانت هي الأصل، والأصل أقوى من الفرع، فكان كلّ واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات (٣). وهذا لا يقتضي ترجيح دلالة الشبه على الإيماء، إلَّا إذا ساوى الشبه الأمور الثلاثة، أوْ كان أقوى منها، وهو خلاف ما رتبه في الكتاب. ثمّ إنّه مدخول من وجهين: أحدهما: أنّ ما ذكره هو من الدليل، وهو استقباحُ أكرِمْ الجاهلَ وأهِنِ العالم على أنّ ترتيب الحكم على الوصف، مشعر بالعليّة، دليل غير

стр. 3153

هذه الثلاثة، فلم يلزم افتقار دلالة الإيماء إلى أحد الطرق الثلاثة، فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلًا لها، فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها. وثانيهما: أنَّه اختار عدم اشتراط المناسبة في الوصف المُومَى إليه، ولم يشترط فيه الدوران والسبر وفاقًا، فجاز وجدان عليته بدون هذه الأمور الثلاثة. ومما نُذَنِّبه على هذا الموضع أنّ القاضي أبا بكر مع قوله ببطلان قياس الأشباه، قال هنا: الأظهر أنَّه يجوز الترجيح به وإن لم يجز التمسك به ابتداءً (١). وقد حكينا هذا في الكلام على قياس الشبه (٢). السابع: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء على الثابت بالطرد لأنَّ الطرد لا يناسب الحكم أصلًا والإيماء قد يناسب (٣)، ولقصور الطرد عند الطاردين عن مراتب إخوانه من الأدلة (٤). وأمَّا نحن فلا نقيم للطرد وزنًا. هذا شرح ما في الكتاب، وقد يؤخذ منه أنّ تنقيح المناط متأخر الرتبة

стр. 3154

عن الطرد؛ لأنّه رَتَّبَ الأدلةَ ترتيبًا خَتَمَ به الطرد، ومقتضاه تقديم الطرد على ما لم يذكره، وهذا لا يستقيم، بل الصوابُ تقديمُ تنقيح المناط، ولا احتفال بما اقتضاه سياق الكتاب، فإنّه على هذا الترتيب يقتضي أيضًا تأخرَ رتبةِ ما ثبتت عليته بالإجماع، حيث لم يذكره ولا مرية (١) في أنَّه ليس كذلك (٢). قال: (الثالث بحسب دليل الحكم فيرجح النص ثم الإجماع لأنّه فرعه) . يرجح من القياسين المتعارضين ما يكون دليل حكم أصله أقوى من دليل حكم أصل الآخر. ومن فروع المسألة: أنَّه يُرَجَّحُ القياس الثابت حكم أصله بالنّص سواء كان كتابًا أم سنة على القياس الثابت حكم أصله بالإجماع؛ وذلك لأنَّ الإجماع فرع عن النّص لتوقف ثبوته على الأدلة اللفظية (٣)، والأصل يقدم على الفرع، وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه (٤).

стр. 3155

والإمام إنما ذكره هنا بعد أن نقل أنهم قالوا بتقديم الإجماع؛ معتلين بأنّ الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية (١) يقبل التخصيص والتأويل، والإجماع لا يقبلهما، وهذا هو المختار (٢). وما ذكره الإمام مدخول. وقوله: الأصل يقدم على الفرع. قلنا: على فرعه، أمَّا على فرعِ آخر فَلِمَ لا يُقَدَّم؟ وكيفَ لا يقدِّم الإجماع مع أنَّه إنْ كان صادرًا عن نصٍّ، فالمتعارض إذ ذاك ليس إلَّا نَصَّانِ يُرَجَّحُ جانبُ أحدهما بالإجماع، وإنْ كان عن قياسٍ، فدليلان عارضهما دليلٌ واحدٌ، وأيضًا فالإجماع متفق عليه، والنّص - والحالة هذه - غيرُ متفقٍ عليه، والمجمعُ عليه مقدَّمٌ على المختلف فيه، وإنْ فرضت أنّ النّصَّ غير (٣) مختلفٍ فيه، فذلك حينئذ إجماع عن نص عارضَ مِثلَه وليس صورة المسألة (٤). قال: (الرابع بحسب كيفية الحكم وقد سبق لأن الترجيح بحسب كيفية الحكم قد ذكرنا فيه قولًا بليغًا في باب ترجيح الأخبار فاعتبر مثله هنا (٥).
следующие страницы →