فنقول: الحوالة (١) وصفٌ، فإمّا أنْ لا تقتضي شيئًا، أو تقتضي شيئا (٢) وبطلان الأوّل ظاهر فيثبت الثاني، وحينئذ فذلك الشيء؛ إمّا أنْ يَكُون هو تحول الحقّ عن المحيل أوْ لَا، والثاني: باطل، وإلَّا لزمَ أنْ يدوم له المطالبة، كما في الضمان (٣) فثبت الأول ووجب أن تبرأ ذمته ولا يعود إليه كما لو أبرأه.
السادس: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالإيماء والطرد، كذا ذكره المصنف (٤).
стр. 3152
فأمّا تقديمه على الطرد فظاهر، إذ لا يمتري الطاردون في ضعف الظنّ الحاصل منه.
وأمّا على الثابت بالإيماء (١) فهو بحث ذكره الإمام بعد أنْ حكى اتفاق الجمهور على أنّ ما ظهرت عليته بالإيماء راجع على ما ظهرت عليته بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر.
ووجهه بأنّ الإيماء لما (٢) لم يوجد فيه لفظ يدل على العليّة فلا بد وأنْ يكون الدال على عليته أمرا آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما تقدم في الإيماء. وإذا ثبت أنّ الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق، كانت هي الأصل، والأصل أقوى من الفرع، فكان كلّ واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات (٣).
وهذا لا يقتضي ترجيح دلالة الشبه على الإيماء، إلَّا إذا ساوى الشبه الأمور الثلاثة، أوْ كان أقوى منها، وهو خلاف ما رتبه في الكتاب.
ثمّ إنّه مدخول من وجهين:
أحدهما: أنّ ما ذكره هو من الدليل، وهو استقباحُ أكرِمْ الجاهلَ وأهِنِ العالم على أنّ ترتيب الحكم على الوصف، مشعر بالعليّة، دليل غير
стр. 3153
هذه الثلاثة، فلم يلزم افتقار دلالة الإيماء إلى أحد الطرق الثلاثة، فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلًا لها، فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها.
وثانيهما: أنَّه اختار عدم اشتراط المناسبة في الوصف المُومَى إليه، ولم يشترط فيه الدوران والسبر وفاقًا، فجاز وجدان عليته بدون هذه الأمور الثلاثة.
ومما نُذَنِّبه على هذا الموضع أنّ القاضي أبا بكر مع قوله ببطلان قياس الأشباه، قال هنا: الأظهر أنَّه يجوز الترجيح به وإن لم يجز التمسك به ابتداءً (١).
وقد حكينا هذا في الكلام على قياس الشبه (٢).
السابع: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء على الثابت بالطرد لأنَّ الطرد لا يناسب الحكم أصلًا والإيماء قد يناسب (٣)، ولقصور الطرد عند الطاردين عن مراتب إخوانه من الأدلة (٤). وأمَّا نحن فلا نقيم للطرد وزنًا.
هذا شرح ما في الكتاب، وقد يؤخذ منه أنّ تنقيح المناط متأخر الرتبة
стр. 3154
عن الطرد؛ لأنّه رَتَّبَ الأدلةَ ترتيبًا خَتَمَ به الطرد، ومقتضاه تقديم الطرد على ما لم يذكره، وهذا لا يستقيم، بل الصوابُ تقديمُ تنقيح المناط، ولا احتفال بما اقتضاه سياق الكتاب، فإنّه على هذا الترتيب يقتضي أيضًا تأخرَ رتبةِ ما ثبتت عليته بالإجماع، حيث لم يذكره ولا مرية (١) في أنَّه ليس كذلك (٢).
قال: (الثالث بحسب دليل الحكم فيرجح النص ثم الإجماع لأنّه فرعه) .
يرجح من القياسين المتعارضين ما يكون دليل حكم أصله أقوى من دليل حكم أصل الآخر.
ومن فروع المسألة: أنَّه يُرَجَّحُ القياس الثابت حكم أصله بالنّص سواء كان كتابًا أم سنة على القياس الثابت حكم أصله بالإجماع؛ وذلك لأنَّ الإجماع فرع عن النّص لتوقف ثبوته على الأدلة اللفظية (٣)، والأصل يقدم على الفرع، وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه (٤).
стр. 3155
والإمام إنما ذكره هنا بعد أن نقل أنهم قالوا بتقديم الإجماع؛ معتلين بأنّ الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية (١) يقبل التخصيص والتأويل، والإجماع لا يقبلهما، وهذا هو المختار (٢). وما ذكره الإمام مدخول.
وقوله: الأصل يقدم على الفرع.
قلنا: على فرعه، أمَّا على فرعِ آخر فَلِمَ لا يُقَدَّم؟ وكيفَ لا يقدِّم الإجماع مع أنَّه إنْ كان صادرًا عن نصٍّ، فالمتعارض إذ ذاك ليس إلَّا نَصَّانِ يُرَجَّحُ جانبُ أحدهما بالإجماع، وإنْ كان عن قياسٍ، فدليلان عارضهما دليلٌ واحدٌ، وأيضًا فالإجماع متفق عليه، والنّص - والحالة هذه - غيرُ متفقٍ عليه، والمجمعُ عليه مقدَّمٌ على المختلف فيه، وإنْ فرضت أنّ النّصَّ غير (٣) مختلفٍ فيه، فذلك حينئذ إجماع عن نص عارضَ مِثلَه وليس صورة المسألة (٤).
قال: (الرابع بحسب كيفية الحكم وقد سبق لأن الترجيح بحسب كيفية الحكم قد ذكرنا فيه قولًا بليغًا في باب ترجيح الأخبار فاعتبر مثله هنا (٥).
стр. 3156
قال: الخامس: موافقه الأصول في العلّة أو الحكم والإطراد في الفروع).
هذا الوجه في الترجيح بحسب الأمور الخارجية وهو على ثلاثة أضرب:
أولها: أنْ يكون أحد القياسين موافقًا للأصول في العلّة بأنْ يكون علّة أصلِه على وِفْقِ الأصول الممهدَةِ في الشريعة، دون الآخر، فيرجح الأوَّل؛ لشهادةِ كلّ واحد من تلك الأصول؛ لاعتبار تلك العلّة، وكلَّما كان العدولُ عن القياسِ فيه أكثر كان أضعف.
وثانيها: يرجح الموافق للأصول في الحكم بأن يكون حكم أصله على وفق الأصول المقررة على ما ليس كذلك للاتفاق على الأول.
الثالث: يرجح الذي يكون مطرد الفروع بأن يلزم الحكم عليه في جميع الصور على ما لا يكون كذلك، وبنجاز هذا تمّ كتاب التعادل والتراجيح (١).
واعلم أنّ طرق الترجيح لا تنحصر فإنها تلويحات تجول فيها الاجتهادات ويتوسع فيها من توسع في فنّ الفقه، فلذلك اقتصرنا على شرح ما في الكتاب، وأما الأمثلة في بابي تراجيح الأخبار والأقيسة فإذا
стр. 3157
ضرب الضارب بعضها في بعض وأراد الإتيان لكلّ قسم بمثال كان طالبًا لتطويل عظيم فإنَّ ذلك يحتمل مع الاستيعاب وِقْر (١) بعيرٍ، فلذلك أضْربنا عن هذا الغرض، وجئنا بالنَّزْرِ اليسير في البابين، والله الموفق والمعين بمنه وكرمه.
стр. 3158
الكتاب السابع: الاجتهاد والإفتاء
стр. 3159
الباب الأول: الاجتهاد
стр. 3160
قال ﵀: (الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء .
وفيه بابان: الأول: في الاجتهاد وهو: استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية)
الاجتهاد (١) لغةً: هو استفراغ الوسع في تحصيل الشيء (٢).
وقد علمت من ضرورة كونه استفراغ الوسع أنَّه لا يكون إلا فيما فيه مَشَقَّة وكُلْفَة.
وفي الاصطلاح: ما ذكره في الكتاب (٣).
فقوله: "استفراغ الوسع" جنس.
وقوله: "في درك الأحكام" فصل (٤)، خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلًا.
стр. 3161
وقوله: "الشرعية" فصل ثان، تُخْرِجُ اللغوية والعقلية والحسية.
والأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع، ودَرْكُهَا أعمُّ من كونه على سبيل القطع أو الظنّ. هذا مدلول لفظه، ويجوز أنْ يريدَ بالأحكام الشرعية: خطاب الله تعالى المتعلق (١)، فيخرج (٢) الاجتهاد في الأصولية (٣).
وهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل (٤)، وهو من أجود التعاريف فلا نطوّل بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعاريف كبير فائدة (٥).
قال: (وفيه فصلان: الأول في المجتهد.
وفيه مسائل:
الأولى يجوز له ﷺ أنْ يجتهد لعموم ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ووجوب العمل بالراجح؛ ولأنه أشقّ وأدلّ على الفطانة فلا يتركه.
ومنع أبو علي وابنه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
قلنا: مأمور به فليس بهوى.
ولأنه ينتظر الوحي.
قلنا: ليحصل اليأس عن النّص أو لأنّه لم يجد أصلًا يقيس عليه).
اختلفوا في أنّ الرَّسول ﷺ هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نصّ فيه؟
فذهب الشافعي وأكثر الأصحاب (١)، وأحمد (٢) والقاضيان أبو يوسف (٣) وعبد الجبار وأبو الحسين (٤). . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3165
إلى جوازه (١).
ثمّ منهم من قال: بوقوعه وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب (٢).
ومنهم من أنكر وقوعه (٣).
وتوقف فيه جمهور المحققين (٤).
وذهب أبو علي وابنه أبو هاشم إلى أنَّه لم يكن متعبدًا به (٥).
стр. 3166
وشذّ قوم فقالوا: بامتناعه عقلًا (١) كما حكاه القاضي في التلخيص لإمام الحرمين (٢).
ومنهم من جوزه في أمور الحرب دون الأحكام الشرعية (٣).
وقد احتج في الكتاب على الجواز بأوجه أربعة وهي دالة على الوقوع أيضا:
أحدها: عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤) وكان عليه أفضل الصلاة والسلام أعلى النّاس بصيرة (٥)، وأكثرهم اطلاعًا على شرائط القياس، وذلك إنْ لم يرجح دخوله في هذا الأمر، فلا أقلّ من المساواة فيكون مندرجًا في الأمر، ومتى كان مأمورًا به كان فاعلًا له ضرورة امتثاله أوامر ربه ووقوفه عندها ﷺ (٦).
стр. 3167
وثانيها: إذا غلب على ظنّه ﷺ كون الحكم في (١) الأصل معللًا بوصفٍ، ثم عَلِمَ أو ظنّ حصولَ ذلك الوصفِ في صورةٍ أخرى، فلا بد وأنْ نظنّ أنّ الحكم في الفرع مثله في الأصل، وترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات بداية العقول (٢).
ولقائل أنْ يقول: إذا وجب ترجيح الراجح فليمتنع عن العمل بهذا الراجح لقدرته على أرجح منه وهو النّص (٣).
وثالثها: أنّ العمل بالاجتهاد أشقّ من العمل بالنّص، فيكون أكثر ثوابًا، فلا تختص الأمّة (٤) بفضيلة لا توجد فيه (٥).
ورابعها: أنّ العمل بالاجتهاد أدلّ على الفطانة والذكاء من النّص لتوقفه على النظر الدقيق والقريحة المستجادة فلا يتركه ﷺ لكونه نوعًا من الفضيلة (٦).
стр. 3168
واحتج الجبائيان بوجهين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، فإنّه دال على انحصار الأحكام الصادرة منه ﷺ عن الوحي.
وأجاب عنه الإمام: بأنّه متى قال له متى ظننت كذا فاعلم أنَّه حكمي، فالعمل حينئذ بالظنّ عمل بالوحي لا بالهوى (٢)، وهذا قد ذكره الغزالي (٣).
ولقائل: أنْ يقول ليس هذا أمرًا بالاجتهاد فإنّه تعالى لو قال: كُلَّمَا ملكت النِّصاب وحالَ عليه الحوْل أوجبتُ عليك الزّكاة، لا يكون هذا أمرًا بملكية النّصاب، ثمّ إنْ مَلَكَه كذلك، وجبت عليه الزكاة بالنّصِّ، لا بالاجتهاد، وإنّما الكلام في الحكم الثابت بالاجتهاد، وهو لا يوجد فيه مثل هذا القول، فلا يكون النطق بذلك نطقا بالوحي.
وأجاب عنه المصنف بأن الاجتهاد إذا كان مأمورًا به (٤) لم يكن النطق به هوى، وهو مدخول لإشعاره بأنّ الخصم احتج بصدر الآية وليس كذلك إذ هو لا يقول بأنّ القول بالاجتهاد قول بالهوى (٥).
والثاني: أنّه لو جاز له ﷺ الاجتهاد، لامتنع عليه
стр. 3169
انتظار الوحي لفصل الحكومات وغيرها؛ لأنَّ الفصل يجب على الفور، وقد تمكن منه بالاجتهاد، ولكنّه قد أخَّرَه، وانتظر الوحي كثيرًا (١).
وأجاب بوجهين:
أحدهما أنّ العمل بالقياس لما كان مشروطاً بعدم وجدان النَّص، فكان انتظاره للوحي لكى يحصل اليأس عن النّص (٢).
فإن قلت: إنما شرط فقدان النّص إذا احتمل أنْ يكون ثَمَّ نَصٌ، فإنّه يؤمر المجتهد إذ ذاك بالفحص الشديد، أمّا إذا تحقق عدمه (٣) فلا يتجه انتظار تشريعه، ولو كان كذلك لانقدح (٤) للمعترض أنْ يقول: لينتظر
стр. 3170
المجتهد إجماع الأمّة ولطوينا بساط الاجتهاد.
قلت: كأنَّ احتمال نزول النّص في حقِّه ﷺ ، بمنزلة احتمال كونه موجودًا في حقِّ سائر المجتهدين لقرب وجدانه في (١) الجهتين (٢).
والثاني: أنَّه يحتمل أنْ يكون انتظاره الوحي، إنَّما كان (٣) فيما لا مساغَ للاجتهاد فيه، ولا أصل يقيس عليه (٤).
فائدتان:
إحداهما: قال الغزالي: يجوز القياس على الفرع الذي قاسه النبي ﷺ ، وعلى كلّ فرع أجمعت الأمّة على إلحاقه بأصل. قال: لأنّه صار أصلًا بالإجماع والنَّص، فلا ينظر إلى مأخذهم (٥).
الثانية: النبي ﷺ يتصرف في الفتيا (٦)، والتبليغ، والقضاء، والإمامة، وقد ادَّعى القرافي (٧) أنّ محل الخلاف في هذه المسألة
стр. 3171
في الفتاوى، وأنّ الأقضية يجوز فيها من غير نزاع وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من (١) كلام القرافي.
ومما يدل على جوازه في الأقضية ما روى أبو داود من حديث أبي سلمة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال: "إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه" (٢).
فإنْ قلت ما الفرق بين هذه الأمور وبين الرسالة والنبوة؟ .
قلت: تصرفه ﷺ بالفتيا (٣) هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تعالى كما نقول في سائر المفتين.
وتصرفه بالتبليغ هو مقتضى الرسالة. والرسالة (٤) هي أمرُ الله تعالى في ذلك التبليغ فهو ﷺ يَنقُلُ عن الحقِّ للخلقِ في مقامِ الرسالة: ما وصَل إليه
стр. 3172
عن الله تعالى فهو في هذا المقام مبلِّغٌ وناقِلٌ عن ربّ العالمين كما ينقل الرواة لنا أحاديثه، فالمحدثون ورثوا عنه هذا المقام كما ورث عنه المفتي الفتيا.
وإذا اتضح بهذا الفرق بين الراوي والمفتي لاح الفرق بين تبليغه ﷺ عن ربه وبين فتياه في الدّين بهذا الفرق بعينه.
وأما تصرفه ﷺ بالحكم (١) فهو مغاير للرسالة والفتيا؛ لأنَّ الفتيا والرسالة تبليغٌ محضٌ واتباعٌ صِرْفٌ، والحكمُ إنشاء وإلزام من قبله ﷺ بحسب ما يسنح من الأسباب والحجاج، ولذلك قال ﷺ : "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم انْ يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له في شيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقتطع له قطعة من النار" (٢) دلّ على أنّ القضاء يتبع الحجاج وقوّة اللحن به فهو ﷺ في هذا المقام منشئ وفي الفتيا والرسالة مبلِّغ متَّبِع، وهو في الحكم أيضًا متبع لأمر الله تعالى له بأن ينشئ الأحكام على وفق الحجاج والأسباب؛ لا أنّه متبع في نقل ذلك
стр. 3173
الحكم عن الله تعالى، لأنَّ ما فوض إليه من أمر (١) الله تعالى لا يكون منقولًا عن الله تعالى.
وقد يفرق بين الحكم والفتيا بوجه آخر وهو أنّ الفتيا لقبل النسخ دون الحكم فإنّه لا يقبل إلا النّقض عند ظهور بطلان ما رتّب عليه الحكم، وهذا في زمن النبي ﷺ وأمّا بعده فالفتيا لا تقبل النسخ لتقرر الشريعة.
وأما الرسالة من حيث هي فلا تقبل النسخ ولا النقض.
وأما النبوة فهي الإيحاء لبعض الخلق بحكم الشيء له يختص به كما أوحى الله لمحمد ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢).
فهذا تكليف يختص به. قال: العلماء فهذه نبوة وليست برسالة فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٣) كان هذا رسالة؛ لأنّه تكليف يتعلق بغير الموحى إليه فوضح لك بهذا أنّ كلّ رسول نبي من غير عكس.
وأما تصرفه ﷺ بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ لأنّ الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق
стр. 3174
وضبط معاقد المصالح ودرء مواقع (١) المفاسد إلى غير ذلك.
وهذا ليس داخلًا في مفهوم شيء مما تقدم؛ لتحقق الفتيا بمجرد الإخبار عن الله تعالى، والحكم بالتصدي لفصل الخصومات دون السياسة العامة لا سيما الحاكم الضعيف الذي لا قدرة له على التنفيذ إذا أنشأ الحكم على الملوك الجبابرة فهو إنما ينشئ الإلزام على ذلك الملك ولا يخطر بباله السعي في تنفيذه لتعذر ذلك عليه فظهر أنّ الحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء، وأمّا قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكمًا فصارت السلطة (٢) العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث كونه حكمًا وأما الرسالة فليس يدخل فيها إلا التبليغ عن الله تعالى ولا يستلزم هذا تفويض السياسة العامة إليه (٣)، فكم بعث الله من رسول لم يطلب منه غير التبليغ لإقامة الحجة من غير أنْ يأمره بالنظر في المصالح العامة.
وبوضوح الفرق بين الرسالة والإمامة يظهر بينها وبين النبوة؛ إذ النبوة خاصة بالموحى إليه لا تعلق لها بالغير.
فإن قلت: فهل لهذه الحقائق المفترقة آثار في الشريعة؟ .
قلت: نعم فإنّ كلّ ما فعله ﷺ بطريق الإمامة من إقامة الحدود وترتيب الجيوش وغير ذلك لم يجز لأحدٍ أنْ يفعله إلا بإذن
стр. 3175
إمام الوقت الحاضر؛ لأنّه ﷺ إنما فعله بطريق الإمامة ولا استبيح إلا بإذنه.
وكلما فعله بطريق الحكم كفسوخ الأنكحة والعقود وغير ذلك، لم يقدم عليه أحد إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر، اقتداء برسول الله ﷺ فإنّه لم يقرر تلك الأمور إلا بالحكم.
وأما تصرفه ﷺ بالرسالة والتبليغ أو الفتيا، فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدّين من غير اعتبار حكم ولا إذن إمام، وإنما هو ﷺ بلّغ الخليقة ارتباط ذلك الحكم بذلك السبب، وخلَّى بينهم وبين ربّهم كأنواع العبادات وغيرها فإذا تصرف ﷺ تصرفًا فقد يتضح كونه تصرفًا بالإمامة أو بالقضاء أو بالفتيا.
وقد علمت حكم كلّ قسم وقد يتردد بين هذه الأقسام ويتشاجر العلماء على أيّها نحمل وفي المسائل الداخلة في هذا كثرة.
- ولكنا نورد منها ما شهدت به النظر فمنها قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (١).
стр. 3176
قال أبو حنيفة هذا تصرف منه ﷺ بالإمامة فلا يجوز لأحد أنْ يحيِيَ بدون إذن الإمام (١).
وقال الشافعي ﵁ بل بالفتيا؛ لأنّه الغالب من تصرفاته ﷺ فلا يتوقف الإحياء على إذن الإمام (٢).
- ومنها قوله ﷺ لهند بنت عتبة لما شكت إليه شحّ أبي سفيان: "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف" (٣).
فذهب الشافعي إلى أنّ هذا تصرف بالفتيا، فعلى هذا من ظفر بجنس حقّه أو بغير جنسه إذ لم يظفر بالجنس مع تعذر أخذ الحق
стр. 3177
ممن هو عليه جاز له أخذه حتى يستوي حقه (١). وحكى في التهذيب وجهًا أنَّه يجوز أخذ غير الجنس مع الظفر بالجنس، وقد يوجه بعدم التنفيذ في الحديث (٢).
стр. 3178
وذهب مالك ﵀ إلى خلاف ذلك، وقال: إنه ﷺ تصرف في قضية هند بالقضاء (١).
وجعل بعضهم هذه القضية أصلًا في القضاء على الغائب وهو ضعيف؛ لأنَّ أبا سفياد كان حاضرًا في البلد ظاهرًا لا يمتنع عن الحضور إذا طلبه النبي ﷺ ، والقضاء لا يتأتى على من هو بهذه المثابة على الصحيح من المذهب (٢).
واستنبط القاضي الحسين من كونه تصرفًا بالقضاء أنَّه يجوز أنْ يسمع
стр. 3179
إلى أحد الخصمين دون الآخر (١).
واستنبط الرافعي من كونه تصرفًا بالفتيا؛ أنّه يجوز للمرأة أنْ تخرج لتستفتي (٢).
وفيه نظر؛ فإنّ هندًا خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النّساء لما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (٣) فقال رسول الله ﷺ : "أبايعكن على أنْ لا تشركن بالله شيئا فقالت: هند لو أشركنا بالله شيئًا ما دخلنا في دين الإسلام، فقال: أبايعكن على أنْ لا تقتلن أولادكن فقالت هند: فهل تركتم لنا من ولد ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا. فقال أبايعكنّ على أنْ لا تزنين فقالت هند: أوتزني الحرّة! فقال: أبايعكنّ على أنْ لا تسرقن فقالت هند: إد أبا سفيان رجل شحيح" (٤). . . . . . . . . . . . .
стр. 3180
الحديث (١).
فهند لم تخرج لأجل الاستفتاء فلا يحسن الاستدلال به عليه (٢).
стр. 3181
- ومنها قوله ﷺ : "من قتل قتيلا فله سلبه" (١).
قال بعض العلماء هذا تصرف منه ﷺ بالإمامة فلا يجوز لأحد أنْ
стр. 3182
يختص بسلب إلا بإذن الإمام (١).
وقال الشافعي: هو تصرف بالفتيا فلا يتوقف على إذن الإمام (٢)(٣).
قال: (فرع لا يخطئ اجتهاده وإلا لما وجب اتباعه).
стр. 3183
عبّر عن هذا بالفرع لكونه مبنيًا على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ .
والذي جزم به من كونه لا يخطئ اجتهاده هو الحقّ (١).
وَأَنَا أطهرُ (٢) كتابي أنْ أَحْكِي فيه قولًا سِوَى هذا القوْلَ بل لا نَحْفَلُ به ولا نَعْبَأ.
واستدل في الكتاب بأنه لو جاز الخطأ عليه لوجب علينا اتباعه في الخطأ، وذلك ينافي كونه خطأ (٣).
ونحن نقول: - لمن زخرف قوله، وقال: يجوز بشرط ألَّا يُقِرَّ
стр. 3184
عليه (١) - ألَيْسَ يصدق صدورَ الخطأ المضاد لمنصب النبوة؟ ولقد يلزمك على هذا محال من الهذيان (٢)، وهو أنْ يكون بعض المجتهدين في حالة إصابته أكمل من المصطفى ﷺ في تلك الحالة - معاذ الله - أنْ يكون رسول الله ﷺ كذلك.
وأنا قد اقتصرت على ما ذكرت تطهيرا لكتابي من البحث مع هذا القائل، ووفاء بحقّ الشرح، وإلّا فيعزّ علينا أن نفوه فيه أو نثني نحوه عطفًا (٣).
قال: (الثانية يجوز للغائبين عن الرسول ﷺ وفاقًا وللحاضرين أيضًا إذ لا يمتنع أمرهم به .
стр. 3185
قيل: عرضة للخطأ.
قلنا: لا نسلم بعد الإذن).
اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاة الرسول ﷺ .
فأمّا في عصره فقد اختلفوا فيه:
فمنهم من جوزه مطلقًا، وهو المختار عند الأكثرين منهم الإمام وصاحب الكتاب (١).
ومنهم من منع منه مطلقًا (٢).
وقالت طائفة: يجوز للغائبين عن الرسول ﷺ من القضاة والولاة دون الحاضرين (٣).
стр. 3186
وجوزه آخرون للغائبين مطلقًا دون الحاضرين (١).
ومنهم من قال: يجوز إن لم يوجد في (٢) ذلك منع.
قال صفي الدّين الهندي وهذا ليس بمرضي؛ لأنَّ ما بعده أيضًا كذلك فلم يكن له خصوصية بزمانه ﷺ (٣).
ومنهم من قال إن ورد الإذن بذلك جاز وإلا فلا (٤).
ثمّ من هؤلاء من نزّل السكوت عن (٥) المنع منه مع العلم بوقوعه منزلة الإذن (٦).
ومنهم من اشترط صريح الإذن (٧).
هذه جملة المذاهب في المسألة، وبه يعلم أنّ دعوى المصنف الاتفاق على جوازه للغائبين ليس بجيد (٨).
стр. 3187
واحتج المصنف على الجواز بأنّه لا يمتنع أنْ يقول الرسول ﷺ : لقد أوحي إليَّ أنّك مأمورٌ بأنْ تجتهدَ أو بأنْ تعملَ على وِفْقِ ظنّك.
واحتج المانعون بأنّ الاجتهاد في معرض الخطأ والنّص آمن منه وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلًا.
وأجاب عنه تبعا للإمام: بأنّ الشَّرع لا قال له: أنت مأمورٌ بأنْ تجتهد، وتعمل على وفق ظنّك كان آمنا من الغلط؛ لأنّه بعد الاجتهاد يكون آتيًا بما أمر به وهو ضعيف، فإنّ الإذن في الاجتهاد لا يمنع وقوع الخطأ فيه.
وقد يقال: في تقرير الجواب إنَّه بالأمر صارَ آمنًا من الخطأ بفعل الاجتهاد أي يكون فعله الاجتهادَ صوابًا لا أنَّه يأمن من تأدية الاجتهاد إلى الخطأ. وإذا كان الإقدام على الاجتهاد صوابًا فلا عليه أنْ يخطئ بعد إتيانه بما أمر به.
وأجيب عنه أيضًا: بأنّا لا نسلم أنَّه قادر على التوصل إلى النّص؛ وذلك لأنَّ ورود النّص ليس باختياره ومسألته بل جاز أنْ يسأل عن القضية ولا يرد فيها نصّ بل يؤمر بالعمل فيها بالظنّ ولا يمكنكم نفي هذا الاحتمال إلا إذا أثبتم نفي جواز الاجتهاد، فبيان نفي جواز الاجتهاد بناءً على نفي هذا الاحتمال دور.
واعلم أنّ الإمام قال: الخوض في هذه المسألة قليل الفائدة؛ لأنّه لا ثمرة له في الفقه.
стр. 3188
وهذا فيه نظر إذ ينبني على هذا الأصل مسائل:
- منها إذا شكّ في نجاسة أحدِ الإناءين ومعه ماءٌ طاهر بيقين، أو الثوبين ومعه آخر طاهر بيقين، أو ماء يغسل به أحدهما، ففي جواز الاجتهاد له بين الإناءين والثوبين وجهان أصحهما أنَّه يجتهد (١).
- وكذلك إذا غاب عن القبلة فإنّه لا يعتمد على خبر من أخبره عن علمٍ ولا على الاجتهاد إلَّا إذا لم يقدر على معرفة القبلة يقينًا، وكذلك حكى الأصحاب وجهين في المصلي إذا استقبل حِجْر الكعبة وحده وقالوا: الأصحّ المنع؛ لأنَّ كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه فلا يجوز العدول عن اليقين إليه (٢).
قال: (ولم يثبت وقوعه)
هذا عائد إلى اجتهاد الحاضر الذي جعله المصنف محلّ الخلاف.
وقد ذهب الأكثرون إلى ما قاله المصنف من التوقف (٣).
стр. 3189
ومنهم من قال بوقوعه (١).
ومنهم من نفاه (٢). وهذا في حقّ الحاضرين.
وأما الغائبون.
فمنهم من ذهب إلى وقوع التعبد به في حقهم (٣).
ومنهم من منعه (٤).
стр. 3190
وتوقفت فرقة ثالثة (١).
واحتج من قال بالوقوع في الحاضر والغائب؛ بقول الصديق ﵁ لأبي قتادة (٢) حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ غيره سلَبه: "لاها الله (٣)، إذًا لا نعمد إلى أسَدٍ من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك