← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نموذج رقم (٢) اللوحة الثانية من نسخة (غ) من الجزء الخاص بشرح التقي السبكي

стр. 352

نموذج رقم (٣) اللوحة الأخيرة من نسخة (غ) من الجزء الخاص بشرح التقي السبكي

стр. 353

نموذج رقم (٤) اللوحة الرابعة من نسخة (غ) من الجزء الخاص بشرح التاج السبكي

стр. 354

نموذج رقم (٥) اللوحة الأخيرة من نسخة (غ) من الجزء الخاص بشرح التاج السبكي

стр. 355

نموذج رقم (١) اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ت)

стр. 356

نموذج رقم (٢) اللوحة الثانية من الجزء الأول من نسخة (ت)

стр. 357

نموذج رقم (٣) اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ت)

стр. 358

نموذج رقم (٤) اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة (ت)

стр. 359

نموذج رقم (٥) اللوحة الثانية من الجزء الثاني من نسخة (ت)

стр. 360

نموذج رقم (٦) اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ت)

стр. 361

نموذج رقم (١) اللوحة الأولى من نسخة (ك)

стр. 362

نموذج رقم (٢) اللوحة الثانية من نسخة (ك)

стр. 363

نموذج رقم (٣) اللوحة الأخيرة من نسخة (ك)

стр. 364

نموذج رقم (١) اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ص)

стр. 365

نموذج رقم (٢) اللوحة الثانية من الجزء الأول من نسخة (ص)

стр. 366

نموذج رقم (٣) اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ص)

стр. 367

نموذج رقم (٤) اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة (ص)

стр. 368

نموذج رقم (٥) اللوحة الثانية من الجزء الثاني من نسخة (ص)

стр. 369

نموذج رقم (٦) اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ص)

стр. 370

دَولة الإمَارَات العَربية المتحدة حُكومَة دُبي سلسلة الدّراسَات الأصوليَّة "١٧" الإِبهَاجُ فِي شَرح المِنهَاجِ شرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ لِلقاضِي البَيْضَاوي المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ تَأليفُ شيخ الإسلام على بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ وولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدكتور أحمَد جَمال الزَمْزَمى الدكتور نُورُ الدين عَبد الجَبَار صَغِيرى الجزء الثّاني دَار البُحوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإِحْياء التّراث

стр. 371

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر بكرمك يا كريم (١) الحمد لله الذي أسس دينه على أثبت قواعد، وأعلى أعلامَ ملَّته فخضعت لها أعناقُ كل جاحد، وأحكم أصول شريعته فأعيى تفريعُها كلَّ معاند، ورفع قَدْر علمائها فَعُدَّ واحدٌ منهم بألفٍ لَمَّا عُدَّ ألفٌ (٢) منْ غيرهم بواحد. أحمده على نعمه التي عَمَّت كلَّ صادر ووارد (٣)، وأعترف بالعجز

стр. 372

عن شكره ولا يبلغ مِعْشارَ عُشْره حَمْدُ كُل حامد، وأستغفره استغفار عبد في بحر الذنوب راكد (١)، ولا يجد ملجأ من الله إلا إليه قد أحاطت به الشدائد، وقعد له عدوه بالمراصد، وسَوَّلت له نفسُه بالمكايد (٢)، وغلب عليه هواه الفاسد، ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنك أنت الإله الواحد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توحيدًا أنا له في صميم القلب واجد، وعليه في الدنيا والآخرة شاهد، وأصفه بما وصف به نفسه من صفات الكمال والمحامد، وأنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله (٣) وأُباعد (٤)، وأقدس له عن وَضَر التشبيه (٥) والتعطيل ما تكنه القلوب من العقائد، وأستودعه ذلك ليوم لا يَجْزي فيه ولد ولا والد. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي قَدْرُه على جميع الخلائق صاعد، وشَرَفه بين البرية ناهد (٦)، المصفى مِنْ خير القبائل الأماجد، والمُجْتبى مِنْ

стр. 373

من خير البطون الأقارب والأباعد، المبرأُ في نَسَبِه (١) وذاته عن كل شَيْنٍ يتعلق به حاسد، المقدَّم على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرَّبين في جميع المشاهد، المبعوث (٢) إلى كلّ إنسيّ وجنيّ والمنقذ لهم من رِبْقة (٣) الشيطان المارد، الهادي إلى سبيل الرشاد، ولولاه لم يكن أحدٌ منا براشد، ﷺ (٤) ما سجد لله ساجد، ودام في الجِنَان خالد. ورضي عن أصحابه الذين كلٌّ منهم (في الله) (٥) جاهِدٌ مُجَاهِد، وحامي حوزةَ الدين (٦) من كلّ مارقٍ في الدين مُجَالِد، الذين قاموا بخلافة (٧) نبيه في جميع المعاهد (٨)، وشيَّدوا أركان دينه وحَفِظُوا شرائعه في جميع المصادر والموارد (٩)، وقاموا

стр. 374

بأعباء الملة الحنيفية وذَبُّوا عنها كل زائد، وحَمَوْا حِمَاها عن الشبهات، ووقفوا عند حدودها تحصيلًا للمصالح ودرءًا للمفاسد، رضي (١) الله عنهم أجمعين وعن جميع علماء المسلمين الذين خَلَفوا الصحابة والتابعين في تمهيد القواعد، واستخراج الفوائد، وضبط الأصول الشوارد، وتبيين الأدلة والمقاصد (٢)، والتوسع في علوم القرآن التي يتيه في بحارها كُلُّ عالم ناقد،

стр. 375

ومعرفة السنة ولا يحظى (١) ببعضها إلا مَنْ (هو أسهد) (٢) الليل (٣) مكابد. وقد تجرد لذلك في المائة الثانية جماعة من العلماء، ما منهم إلا مِنْ جاهِدٍ مُجَاهِد، وكَدَّ ودَأبَ ونَصَب واجتهد والله لسعيه شاهد، فما منهم إلا من بلغ الذروة وكان من أعظمهم منةً على مَنْ بعده من طلاب الفوائد الإمام الشافعي ﵁، فإن له أجل العوائد (٤)؛ لجمعه (٥) بين الحديث والفقه، وكان غيره يقتصر منهما على واحد؛ ولبناية كلامه (في الفقه) (٦) على أصول، هو أول من صنفها لما سأله ابنُ مهدي (٧)، فصنف له "الرسالة" وكم فيها من الفوائد (٨)، فهو أول (من

стр. 376

صَنَّف) (١) في أصول الفقه لا يمتري في ذلك إلا (٢) معاند. وإن علم أصول الفقه لَمِن أعظم العلوم نفعًا عند مَنْ أنصف ولم يُعانِد، فإن العلومَ ثلاثة أصناف: عقلية محضة: كالحساب، والهندسة، والنجوم، والطب. ولغوية: كعلم اللغة، والنحو، والتصريف، والعَرُوض، والقوافي، والبيان. وشرعية: وهي علوم القرآن، والسنة، وتوابعهما. ولا ريبة في أن الشرعية أشرف الأصناف الثلاثة في الوسائل والمقاصد، وأشرف العلوم الشرعية بعد الاعتقاد الصحيح، وأنفعها: معرفة الأحكام التي تجب للمعبود على العابد، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن (٣)، ولا ينشرح الصدر له لعدم أخذه بالدليل، وأين سامع الخبر من المشاهد؟ ! وأين أجر مَنْ يأتي بالعبادة لفتوى إمامه له (٤) أنها واجبة أو سنة، مِنَ الذي يأتي بها وقد ثَلِجَ (٥) (٦)

стр. 377

صدره (١) عن الله ورسوله بأن ذلك دِيُنه؟ ! تالله إن أجر هذا لزائد (٢) وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد (٣) ولا يكمل فيه إلا الواحد بعد الواحد، وكل العلماء في حضيض عنه إلا من تغلغل بأصول (٤) الفقه، وكَرَع (٥) مِنْ (٦) مناهله الصافية بكل الموارد (٧)، وسبح في بحره وتروى (٨) مِنْ (٩) زُلاله (١٠) وبات يَعُلُّ (١١) به وطرفه ساهد (١٢). وإني لم أزل مُذْ (١٣) نشأت محبًا في هذا العلم مُولَعًا بالبحث

стр. 378

فيه مع كل زائد (١) وقد أكثر الناس من (٢) التصنيف فيه، فكم من مُصَنَّف (٣) مبسوطٍ (ومتوسطٍ) (٤) ومختصرٍ وناقصٍ وزائد، ومن أحسن مختصراته كتابه "المنهاج في الوصول إلى علم الأصول" الذي صنفه القاضي الفاضل (٥) ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي ﵀، فلقد أحسن فيه المعاقد (٦) وقد قُرِئ عليَّ مراتٍ كثيرة مِنْ جماعات، حتى سئمت إقراءه من كثرة الوارِد (٧) (والشارد) (٨)، وانتشرت طلبته (فكم انتفع) (٩) به من واحد، وفي هذا الوقت شرع في الاشتغال به ولدي أبو حامد أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة ما هو قاصد، وزاده مما (١٠) ليس في حسابه كلَّ خير، إنه الكريم الماجد، فأحببت أن أضع له شرحًا لينتفع هو وغيره به إن شاء الله، وعسى دعوة من أخ في الله تنفعني وأنا في القبر فاقد. وسميته "الإبهاج في شرح المنهاج"،

стр. 379

وأخذتُ هذا الاسم مِنْ قول ذي الرُّمَة (١): تَزْدادُ للعين إبهاجًا إذا سَفَرتْ ... وتَحْرَجُ (٢) العينُ فيها حِينَ تَنْتَقِبُ (٣) وذلك من قصيدته التي قرأتُها على أبي محمد الحسن بن عبد الكريم سِبْطِ زيادة (٤) في سنة سبع وسبعمائة سماعه من

стр. 380

عيسى بن عبد العزيز بن عيسى (١) قال: أخبرنا السِّلَفي (٢) قال أخبرنا جعفر السَّرَّاج (٣) قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: قرأت على أبي الحسن علي بن عيسى الرماني (٤)

стр. 381

قال: سمعت ديوان ذي الرُّمَّة على أبي بكر بن دُرَيْد (١) عن أبي حاتم (٢) عن الأصمعي (٣) عن أبي عمرو بن العلاء (٤) عن ذي الرُّمَّة واسمه

стр. 382

غيلان بن عقبة العدوي. فإن قلت: قد عَظَّمْتَ أصولَ الفقه، وهل هو إلا نُبَذٌ جُمِعَت مِنْ علومٍ متفرقة: نبذةٌ من النحو: وهي الكلام في معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه، والكلام في الاستثناء (١)، وما أشبه ذلك. ونبذةٌ من علم الكلام: وهي الكلام في الحُسْن والقُبْح (٢)، والكلامُ في (٣) الحكم الشرعي وأقسامه، وبعض الكلام في النسخ وأفعاله (٤)، ونحو ذلك. ونبذةٌ من اللغة: وهي الكلام في معنى الأمر والنهي، وصِيَغ العموم، والمجمل، والمبيَّن، والمطلَق والمقيَّد، وما أشبه ذلك. ونبذةٌ من علم الحديث: وهي الكلام في الأخبار.

стр. 383

والعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في (شيء من ذلك، وغير العارف بها لا تُغنيه أصول الفقه في) (١) الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع، (والقياس، والتعارض والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع) (٢) من أصول الدين أيضًا، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقبل به الفقيه، فصارت فائدةُ أصول الفقه بالذات قليلةً جدًا، بحيث لو جُرِّد الذي ينفرد به ما كان إلا شيئًا يسيرًا. قلتُ: ليس كذلك، فإن الأصوليين دَقَّقُوا في فَهْم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تَضْبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التى تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراءٍ زائدٍ على استقراء اللغويّ. مثاله: دلالةُ صيغة "افعل" على الوجوب، و"لا تفعل" على التحريم، وكون: كُلّ وأخواتِها للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة. لو فتشتَ كتبَ اللغة لم تجد فيها شيئًا (٣) في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبتَ معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلةٍ

стр. 384

خاصة لا تقتضيها صناعةُ النحو - فهذا ونحوه مما تكفَّل به أصول الفقه، ولا يُنْكَر (١) أن له استمدادًا من تلك العلوم، ولكن تلك الأشياء التي استمدها منها لم تُذكر فيه بالذات بل بالعَرَض، والمذكور فيه بالذات ما (٢) أشرنا إليه (٣) مما لا يوجد إلا فيه، ولا يصل إلى فهمها إلا مَنْ تكيَّف به. فإن قلتَ: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين (وأتباع التابعين) (٤) من أكابر المجتهدين، ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي وصنف فيه، فكيف تجعله (٥) شرطًا في الاجتهاد! قلت: الصحابة ومَنْ بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم، كما كانوا عارفين النحو (٦) بطباعهم، قبل مجيء الخليل (٧) وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمةً، وأذهانهم مستقيمةً، وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيدٌ (٨)؛ لأنهم أهله الذين (٩) يؤخذ عنهم، وأما بعدهم

стр. 385

فقد (١) فَسَدَت الألسن، وتَغَيَّرت الفُهُوم، فيُحتاج إليه كما يُحتاج إلى النحو. واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف (٢) على ثلاثة أشياء: أحدها: (التَّكَيُّف بالعلوم) (٣) التى يتهذب بها الذهن: كالعربية، وأصول الفقه، وما يُحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ (٤)، بحيث تصير هذه العلوم ملكةً للشخص فإذ ذاك يُثَق بفهمه لدلالات الألفاظ من حيث هي هي، وتحريرهُ لصحيح (٥) الأدلة من فاسدها، والذي نشير إليه من العربية وأصول الفقه كانت الصحابة (أعلم به منا) (٦) من غير تعَلُّم، وغاية المتعلّم منا أن يصل إلى (أن يفهم) (٧) بعض فهمهم، وقد يُخطئ وقد يصيب. الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يَعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.

стр. 386

الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يُكسبه قوةً يَفْهم منها مراد الشرع من ذلك، (وما يناسب) (١) أن يكون حُكمًا له في ذلك المحل، وإن لم يصرِّح به كما أنَّ مَنْ عاشر ملكًا، ومارس أحوالَه، وخَبَر أمورَه، إذا سُئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرِّح له به، لكن لمعرفته (٢) بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية. فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة، وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد. ولا يُشترط العلمُ بأحوال الرواة من حيث هو، فإن الصحابة كانوا مجتهدين، ولم يحتاجوا إلى ذلك، وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصِّفة لهم، وكذلك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف. وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب، ولكنا تعجلناه هنا. ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة. أما الأول: فبطباعهم. وأما الثاني والثالث: فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي ﷺ . ولما كان الفقه مستندًا إلى الكتاب والسنة، ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد، جُمعت تلك القواعد في علمٍ وسُميت "أصول الفقه"، وهي تسمية صحيحة مطابقة؛ لتوقف الفقه عليها، وتلك القواعد منها ما

стр. 387

لا يُعرف إلا من الشرع، ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تَصدَّى له النحاة واللغويون. فالذي لا يُعرف إلا من الشرع: إثبات كون الخبر الواحد حجةً، وكون الإجماع حجة، والقياس حجة، وكثير من المسائل التى تذكر فيه. والذي يُعرف من اللغة: ما يُذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية. وما فيه من علم الكلام ونحوه، فاقتضاه انجرار الكلام إليه، وتوقُّفُ فَهْمِ بعض مسائل هذا العلم عليه. و (١) هذا حين أبتدئ في شرح هذا الكتاب، مستعينًا بالله تعالى، وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وإلى الله أتضرع، وإياه أسأل: أن ينفع به بمنِّه وكرمه، إنه قريب مجيب. (قال المصنف ﵀ (٢): (تَقَدَّس مَنْ تَمَجَّد بالعظمة والجمال (٣)). تَقَدَّس، أي: تطهر، ومن أسمائه تعالى التى نطق بها القرآن "القدوس"، وفيه لغتان: ضَمُّ القاف، وهي أشهر، (وكان سيبويه) (٤) يقول

стр. 388

بفتحها (١). وأصل الكلمة من القُدُس بضم الدال، وسكونها (٢): وهو الطهارة (٣)، سُمِّي جبريلُ روحَ القدس؛ لطهارته في تبليغ الوحي إلى الرسل ﵈. والأرض المُقَدَّسة: المُطَهَّرة، وبيت المَقْدِس: بيت الطَّهَارة (أو بيت مكان الطهارة) (٤)، والمعنى الطهارة من الذنوب؛ لتطهيره من الكفار بالمسلمين (٥). وقال تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (٦) أي: نُقَدِّسُك، إنْ جعلت اللام زائدة، أو نُقَدِّس أنفسنا لك، إن لم تَرْض زيادتَها (٧).

стр. 389

ومعنى تقديس (١) الله: تنزيهه عن (٢) كل ما لا يليق بكماله ، فننزهه عن كل وصف يُدركه حس، أو يصوِّره (خيال وَهْم) (٣)، أو يختلج به ضمير. وننزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون: من الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، وعن كل محال نسبه إليه أهل الضلال، مما يَسْري (٤) إلى نقص، أو يُومئ إلى عيب. ولولا ما وقع فيه أهل الكفر والضلال من ذلك - لكان الأدب بنا تنزيهه عن أن ننطق بنفي ذلك عنه؛ لأنَّ نفي الوجود يكاد يُوهم إمكانَ الوجود، وتطرقُ العيبِ والنقصِ إليه محال، لا يخطر بالبال تصوره، فضلًا عن كونه ينْفيه ويقَدِّره. وقولنا: "تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله" عبارة محررة، أولى مِنْ قول مَنْ يقول: بأوصاف الكمال، فإن أكثر ما يتصور الناس من أوصاف الكمال ما هو كمال لأنفسهم، كعلمهم وسمعهم وبصرهم، والله تعالى منزه عنها (٥)، فإن صفاته تعالى لا تشبه صفات البشر، وعلمه وسمعه

стр. 390

وبصره مباين لسمعهم (وبصرهم وعلمهم) (١)، فتنزيه كثير من الجهال يحتاج إلى تنزيه، ومجامع التقديس أن نقدِّسه عن الشركاء والأضداد (٢) والنظير والولد، وإحاطة الأبصار (٣)، والحاجة إلى غيره، وغير ذلك مما (٤) يستحيل عليه. وأكثر الناس يعتقدون أنَّ معنى القدوس: الطاهر، ولا شك أَنَّه يدل على ذلك، ولكنه ليس كل معناه، فإنَّ بناء "طاهر" لازم، و"قدوس" مأخوذ من فعل متعد (٥)، فمعناه: مطهِّر، بكسر الهاء، أي: أنَّه تعالى مُقَدِّس لنفسه بإخباره عنها بالتوحيد والإجلال والإكرام، واستحالةِ النقائص عليه، وعَجْزِ الأوهام عنه، وخالقُ الأدلة على ذلك (٦). ومُقَدِّس لخلقه عن اعتقادهم فيه ما لا يليق بذاته. والأول صفة ذات، والثاني
следующие страницы →