← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يُكسبه قوةً يَفْهم منها مراد الشرع من ذلك، (وما يناسب) (١) أن يكون حُكمًا له في ذلك المحل، وإن لم يصرِّح به كما أنَّ مَنْ عاشر ملكًا، ومارس أحوالَه، وخَبَر أمورَه، إذا سُئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرِّح له به، لكن لمعرفته (٢) بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية. فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة، وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد. ولا يُشترط العلمُ بأحوال الرواة من حيث هو، فإن الصحابة كانوا مجتهدين، ولم يحتاجوا إلى ذلك، وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصِّفة لهم، وكذلك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف. وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب، ولكنا تعجلناه هنا. ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة. أما الأول: فبطباعهم. وأما الثاني والثالث: فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي ﷺ . ولما كان الفقه مستندًا إلى الكتاب والسنة، ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد، جُمعت تلك القواعد في علمٍ وسُميت "أصول الفقه"، وهي تسمية صحيحة مطابقة؛ لتوقف الفقه عليها، وتلك القواعد منها ما

стр. 387

لا يُعرف إلا من الشرع، ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تَصدَّى له النحاة واللغويون. فالذي لا يُعرف إلا من الشرع: إثبات كون الخبر الواحد حجةً، وكون الإجماع حجة، والقياس حجة، وكثير من المسائل التى تذكر فيه. والذي يُعرف من اللغة: ما يُذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية. وما فيه من علم الكلام ونحوه، فاقتضاه انجرار الكلام إليه، وتوقُّفُ فَهْمِ بعض مسائل هذا العلم عليه. و (١) هذا حين أبتدئ في شرح هذا الكتاب، مستعينًا بالله تعالى، وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وإلى الله أتضرع، وإياه أسأل: أن ينفع به بمنِّه وكرمه، إنه قريب مجيب. (قال المصنف ﵀ (٢): (تَقَدَّس مَنْ تَمَجَّد بالعظمة والجمال (٣)). تَقَدَّس، أي: تطهر، ومن أسمائه تعالى التى نطق بها القرآن "القدوس"، وفيه لغتان: ضَمُّ القاف، وهي أشهر، (وكان سيبويه) (٤) يقول

стр. 388

بفتحها (١). وأصل الكلمة من القُدُس بضم الدال، وسكونها (٢): وهو الطهارة (٣)، سُمِّي جبريلُ روحَ القدس؛ لطهارته في تبليغ الوحي إلى الرسل ﵈. والأرض المُقَدَّسة: المُطَهَّرة، وبيت المَقْدِس: بيت الطَّهَارة (أو بيت مكان الطهارة) (٤)، والمعنى الطهارة من الذنوب؛ لتطهيره من الكفار بالمسلمين (٥). وقال تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (٦) أي: نُقَدِّسُك، إنْ جعلت اللام زائدة، أو نُقَدِّس أنفسنا لك، إن لم تَرْض زيادتَها (٧).

стр. 389

ومعنى تقديس (١) الله: تنزيهه عن (٢) كل ما لا يليق بكماله ، فننزهه عن كل وصف يُدركه حس، أو يصوِّره (خيال وَهْم) (٣)، أو يختلج به ضمير. وننزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون: من الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، وعن كل محال نسبه إليه أهل الضلال، مما يَسْري (٤) إلى نقص، أو يُومئ إلى عيب. ولولا ما وقع فيه أهل الكفر والضلال من ذلك - لكان الأدب بنا تنزيهه عن أن ننطق بنفي ذلك عنه؛ لأنَّ نفي الوجود يكاد يُوهم إمكانَ الوجود، وتطرقُ العيبِ والنقصِ إليه محال، لا يخطر بالبال تصوره، فضلًا عن كونه ينْفيه ويقَدِّره. وقولنا: "تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله" عبارة محررة، أولى مِنْ قول مَنْ يقول: بأوصاف الكمال، فإن أكثر ما يتصور الناس من أوصاف الكمال ما هو كمال لأنفسهم، كعلمهم وسمعهم وبصرهم، والله تعالى منزه عنها (٥)، فإن صفاته تعالى لا تشبه صفات البشر، وعلمه وسمعه

стр. 390

وبصره مباين لسمعهم (وبصرهم وعلمهم) (١)، فتنزيه كثير من الجهال يحتاج إلى تنزيه، ومجامع التقديس أن نقدِّسه عن الشركاء والأضداد (٢) والنظير والولد، وإحاطة الأبصار (٣)، والحاجة إلى غيره، وغير ذلك مما (٤) يستحيل عليه. وأكثر الناس يعتقدون أنَّ معنى القدوس: الطاهر، ولا شك أَنَّه يدل على ذلك، ولكنه ليس كل معناه، فإنَّ بناء "طاهر" لازم، و"قدوس" مأخوذ من فعل متعد (٥)، فمعناه: مطهِّر، بكسر الهاء، أي: أنَّه تعالى مُقَدِّس لنفسه بإخباره عنها بالتوحيد والإجلال والإكرام، واستحالةِ النقائص عليه، وعَجْزِ الأوهام عنه، وخالقُ الأدلة على ذلك (٦). ومُقَدِّس لخلقه عن اعتقادهم فيه ما لا يليق بذاته. والأول صفة ذات، والثاني

стр. 391

والثالث صفتا فعل (١). وعن ابن عباس وقتادة (٢): القُدُّوس (٣) الذي منه البركات (٤). إذا عرفت ذلك - فقوله: تَقَدَّس؛ لا يجوز أن يكون مُطَاوِعًا لقَدَّس، فإن المطاوِع شَرْطه التأثر، مثل: كَسَّرتُه فتكسَّر (٥). وذلك مفقود هنا، والتقديس هنا مثل التصديق، في أنّ المراد منه الإخبار عن الصدق، فلا يأتي

стр. 392

منه مُطَاوِع (١)، لكن يصح استعمال تَقَدَّس هنا (٢) لموافقة المُجَرَّد (٣). وقد قال الراجز: الحمد لله العلي القادس (٤). ومن جملة معاني تَفَعَّل أن يوافق المجرَّد، وإن لم يُنطق بالمجرَّد ههنا في الفعل (٥)، وقد قال الفراء (في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ (٦)) (٧) أنَّ معناه: تَقَدَّس (٨).

стр. 393

وللمصنف في الفراء (١) أسوة في استعماله تَقَدَّس. وكذلك السهيلي (٢) وهو من المتقنين في العلم، وقع في كلامه: تَقَدَّس سبحانه عن مضاهاة الأجسام. وقُدُّوس مثل سُبُّوح. كان سيبويه (٣) يفتح أولهما، والمشهور الضَمُّ فيهما. والتسبيح: التنزيه، ولم يَرد السُبُّوح في القرآن، ولا في حديث أبي هريرة، ولكن جاء

стр. 394

في التسبيح. واختلف العلماء هل كونه سُبُّوحًا قُدُّوسًا يرجع إلى معنى خاصٍّ يُسمى قُدْسًا وسُبْحة، أو وَصْفُه بذلك يرجع إلى نفيٍ محض وتنزيه عن النقائص، ومعنى ذلك أنَّه هل هو صفة ثبوتية أو سلبية؟ وقوله: "تَمَجد": الكلام فيه كالكلام في تَقَدَّس، وهو مأخوذ من اسم المجيد، وقد نطق به القرآن والسنة، (وأجمعت عليه الأمة) (١). والمَجْد: معناه الشرف، والعظمة، والكثرة، والارتفاع (٢)، فسمي (٣) تعالى بذلك؛ لكثرة جلاله وشرفه وعلوه بما يخرج عن طَوْق البشر. واختلف العلماء هل هو صفة خاصة كالعلم والقدرة، أو هو عبارة عن استجماع صفات المعاني (٤)، ووجوه نفي النقائص، فلا كمال إلا وهو له، ولا نقص إلا وهو منزه عنه وقوله: "بالعظمة والجمال" (٥) متعلّق

стр. 395

بتمَجَّد، واسم "العظيم" نطق به القرآن والسنة، وهو تعالى عظيم في ذاته، وصفاته، وقَهْره، وسلطانه، فكل عظيم بالنسبة إلى عظمته عدمٌ محض، واسم "الجميل" لم يرد في القرآن، ولا في حديث أبي هريرة، لكن في الحديث: "إن الله جميل يحب الجمال" (١)، وورد أيضًا في بعض طرق حديث (٢) أبي هريرة (٣).

стр. 396

ولما كان تعالى كاملًا في ذاته وصفاته وأفعاله - وُصِف بالجمال وهو تعالى مُقَدَّس عن الصورة، وعن الصفات البشرية. ومشاهدة صفة الجمال تُثِير المحبة، ومشاهدة صفة الجلال تُثِير الهيبة، والعظمة تُثِير الهيبة أيضًا، فلهذا (١) قَرَن المصنِّف العظمة بالجمال (٢)؛ لتفيد معنى زائدًا على الجلال، فالباء (٣) تحتمل أن تكون بمعنى "في"، أي: تمجد في عظمته وجماله، فارتفع فيهما (٤) على كل عظيم وجميل. ويَحْتمل أن تكون للسببية، على معنى أنَّه ارتفع بعظمته وجماله (٥) على كل شيء، فلا (٦) شيء إلا وهو دون مجده تعالى، وهو تعالى مجيد بذاته (عظيم بذاته) (٧)، فليس المعنى أنّ بعض الصفات أثَّر في بعض، وإنما لما كانت هذه الصفاتُ تشير إلى مجموع معان، وملاحظةُ كلَّ منها (٨)

стр. 397

يُوجب العلمَ بالكمال بها (١) - حَسُن ذلك كُلُّه (٢). (وتَنَزَّه مَنْ تَفَرَّد بالقِدَم والكمال). التنزيه: بمعنى (٣) التسبيح، وقد ورد مصرحًا به في الحديث: (أنَّه كان يصلي من الليل، (فلا يمر بآية) (٤) فيها تنزيه لله إلا نَزَّهه) (٥). وأصل النُّزْه: البعد (٦)، وتنزيه الله: تبعيده عن ما لا يليق به، ولا يجوز عليه. فمعنى تنزه: بَعُد.

стр. 398

والتفرد: الانفراد، يقال تَفَرَّد به، وانفرد به، واستفرد به، بمعنى واحد. والقِدَم: وجودٌ لا أولَ له. وكلُّ شيء سوى الله وصفاته فهو حادث، لوجوده أولٌ. وصفاتُه لا يقال فيها: إنها غيره (١). والكمال المطلق ليس إلا لله تعالى، فهو الكامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله. وكل ما سواه مُفْتَقِر إليه، والافتقار ينافي الكمال، بَلْه (٢) حدوثه عن العدم، وغير ذلك مما للمخلوق من صفات (٣) النقص (٤).

стр. 399

(عن مناسبة الأشباه والأمثال، ومصادمة الحدوث والزوال) هذا مُتَعَلّق بقوله: تَنَزَّه، وأما تَقَدَّس، فإما أن يُجْعل كلامًا تامًا (١)، وإما أن يجعل (٢) من باب التنازع، ويُضْمر في تَقَدَّس عما ذكره هنا (٣). والمناسبة: المشاكلة (٤). والشِّبْه والشَّبَه والشَّبِيه بمعنى واحد: وهو ما يشبه الشيء (٥)، وبينهما شَبَه بالتحريك، وكل منها يُجْمع على أشباه (٦)، والمِثْل والمَثَل كالشِّبْه والشِّبَه: وهو ما يساوي الشيء، ويقوم كلٌّ منهما مقامَ الآخر في حقيقته وماهيته (٧)، كالأجسام متساوية في الجسمية، وإن اختلفت بالألوان والأشكال وغيرهما (٨) من الأعراض،

стр. 400

(واختلافهما بذلك لا يخرجها) (١) عن التماثل في الحقيقة، هذا حقيقة المثلين، وبه تزول شبهاتٌ يُورِدها المجسِّمة وكثيرٌ ممن وقع في التشبيه ظانًا أنَّه سالم منه. والمصادمة: المُمَاسَّة، والمراد بها ههنا الإلصاق واللحاق. والحدوث: وجودٌ مسبوقٌ بعدم، فهو ضد الأزلية. والزوال: طريان العدم، وهو ضد الأبدية. والأزلية والأبدية واجبان لله تعالى؛ لأنّه تعالى (٢) واجب لذاته يستحيل عليه العدم، لا أولًا ولا آخِرًا. (مُقَدِّر الأرزاق والآجال، ومُدَبِّر الكائنات في أزل الآزال) هذا مما لا يَجْحد مسلمٌ ولا كافر تَفَرُّدَ الربِّ به، وما فيه مِنْ عظيم العلم والقدرة والمنة. (والأزَل: القِدَم، والأزلي: القديم) (٣)، وأصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يَزَل، ثم نُسِب إلى هذا، فلم يستقم إلا باختصار، قالوا: يَزِلي، ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لأنها أخف، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يَزِن: أزني. وقوله: "أزل الآزال" على سبيل المبالغة في اللفظ.

стр. 401

(عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) الغيب والشهادة قيل: السِّرُّ والعلانية، وقيل: الدنيا والآخرة، وقيل: ما غاب عن العباد (وما شاهدوه) (١)، وقيل: الغيب: المعدوم، والشهادة: الموجود و (٢) المُدْرَك كأنه مشاهد. والكبير: الكامل في ذاته وصفاته، المُتَقَدِّم في المنزلة والسَّبْق في المرتبة، مِنْ كَبُر بضم الباء. والمتعالي: المستعلي على كل شيء بقدرته، كَبُر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها (٣). (نحمده على فضله المترادِف المتوال، ونشكره على ما عَمَّنا من الإنعام والإفضال) الحمد: الثناء بجميل الصفات والأفعال، ولا يكون إلا بالقول، سواء كان ذلك الجميلُ في المحمود خاصًا به، أم كان واصلًا منه إلى غيره. والثاني: شكرٌ، والشكر، يكون بالقول والفعل والاعتقاد، فبينه وبين الحمد عمومٌ وخصوصٌ من وجه، وبين الحمد والمَدْح فرق آخر ادعاه السهيلي: وهو أن الحمد يُشترط فيه أن يكون صادرًا عن عِلْم، وأن

стр. 402

تكون الصفات المحمودة صفات كمال؛ ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله، والله هو المستحق الحمدَ على الإطلاق. والمدح قد يكون عن ظن، وبصفة مستحسنة، وإن كان فيها نَقْصٌ ما. والإتيان بالنون في هذا الفعل ينبغي أن يُقصد به أنَّ جميع الخلائق حامدون وليست للتعظيم (١)، والمترادِف: المتتابع، والمتوالي كذلك، فينبغي أن يكون مقصودُه بالمترادف: الذي يأتي بعضُه على بعض، والمتوالي: الذي يأتي بعضه في إثر بعض؛ ليسلم من التأكيد (٢)، ويفيد كثرة الفضل في الزمان الواحد، واستمرار ذلك في كل زمان، وفضل الله هكذا هو. وفي: "عَمَّنا" ضميرٌ مرفوع عائدٌ على الموصول، أي: عَمَّنا هو، ومن "الإنعام والإفضال" بيانٌ لذلك في محل رفع. وقد قَدَّمنا أنَّ بين الحمد والشكر عمومًا من وجه، وأنهما يتفقان فيما كان منةً فيسمى حمدًا وشكرًا، وقد استعمل المصنِّف هنا الحمدَ على ما هو مِنْه، واستعمل الشكر بالقول؛ فتوافقا في هذا المحل وإن تغايرا في وَضْعهما.

стр. 403

والفضل هنا (١) مِنْ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، ومن قوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٣). والإفضال: الإحسان، والتفضل. (وقد يُسْتعمل) (٤) الفضل على خلاف النقص؛ فيكون الثناء عليه حمدًا مباينًا للشكر، لكنه ليس المراد هنا؛ لقوله: "المترادِف المتوال"، فإنهما يقتضيان الوصول إلى الغير. (ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان في (٥) ظلمات الكفر والضلال) معنى نصلي هنا: نطلب الصلاة من الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ سئل: "كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" (٦).

стр. 404

ومعنى نَطْلب: إنشاءُ الطلب، وكذلك نحمد معناه: إنشاءُ الحمد، وليس معناه الخبر، فَعَطَف إنشاءً على إنشاءٍ. ووصفه ﷺ بالهداية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، وبَيْن الهداية والضلال، والنور والظلمات، والإيمان والكفر، ما لا يخفى مِنَ الطّبَاق (٢). (وعلى آله وصَحْبِه خيرِ صَحْب وآل)

стр. 405

آله ﷺ : بنو هاشم وبنو المطلب، هذا اختيار الشافعي وأصحابه. وقيل: عِتْرته (١) وأهل بيته. وقيل: جميع أمته، وهو قول مالك (٢). والصحيح جواز إضافة الآل إلى مُضْمَر كما استعمله المصنف. وقال جماعة من أهل العربية: لا يصح إضافته إلا إلى مُظْهر. والصَّحْب جمع صاحب: وهو كل من رأى النبي ﷺ مسلمًا. وقيل: مَنْ طالت مجالسته. والصحيح الأول (٣)، بخلاف التابعي لا يكفي فيه رؤيةُ

стр. 406

الصحابي (١)، والفرق شَرَف الصحبة، وعِظَم رؤية النبي ﷺ ، وذلك أنّ رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين! فإذا رآه مسلمٌ ولو لحظةً انطبع قلبهُ على الاستقامة؛ لأنَّه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابلَ ذلك النورَ العظيم أشْرَق عليه، وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه. وقوله: "خَيْرِ صَحْبٍ وآل" صحيح؛ لأنه ليس في أصحاب الأنبياء مثل أصحاب نبينا ﷺ . ولأجل السجع قَدَّم الصَّحْب على الآل في الثاني، وجاء على أحد طريقي العرب، وهي (٢) رَدُّ الأول على الثاني، والثاني على الأول (٣)، ولولا هذا لقال خير آل وصحب، فَرَدَّ الأول للأول

стр. 407

والثاني للثاني، وهما طريقان للعرب جائزان. (وبعد: فأولى (١) ما تَهُمُّ به الهِمَم العوالي، وتُصْرَف فيه الأيامُ والليالي - تَعَلُّمُ المعالمِ الدينية، والكشفُ عن حقائق الملة الحنيفية، والغَوْصُ (٢) في تَيَّار بحار مُشْكِلاته، والفَحْصُ عن أستار أسرار مُعْضِلاته). بَعْدُ: بضم الدال على الصحيح - مقطوعٌ عن الإضافة، أي: بَعْدَما سَبَق من التقديس والتنزيه، والحمدِ والصلاة، والعاملُ فيه فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تقديره: أقول، وهو معطوف بالواو على: نَحْمَد ونُصَلِّي، وبَعْدَه فعلٌ آخر مُقَدَّرٌ تقديره: تَنَبَّه، هو معمول القول؛ لأجله دخلت الفاءُ على أولى، وفي الفاء فائدةٌ أخرى، وهي رَفْعُ تَوَهُّمِ إضافة "بعد" إلى أوْلى. وقوله: "تَهُمُّ" بضم الهاء، يُقال: هَمَّ بالأمر يَهُمُّ هَمًّا، أي: أراده. فأما بكسر الهاء فهو من الهميم: وهو الدبيب. والهِمَمُ جَمْع هِمَّة وهي الواحدة (٣)، تقول: هَمَّة مثل: جَلْسة بالفتح للمرة، وبالكسر للهيأة، والجمع لِهًا (٤). وإسناد الفِعْل للهِمَم

стр. 408

وهو في الحقيقة لفاعلها من باب قوله: شِعْرٌ شاعر. والمعالم جَمْع مَعْلَم: وهو ما جُعِل علامةً للطرق والحدود، مثل: أعلام الحرم، ومعالمه المضروبة عليه، ويقال المَعْلم: الأثر (١)، وهو راجع إلى معنى العلامة، ولا (٢) خلاف في المعنى. و"المعالم (٣) الدينية": الأدلة الشرعية، وكلُّ ما يَهْدي إليها، وتَعَلُّمُها: تَعَرُّفُها. و"الملة الحنيفية": هذه الملة. قال ﷺ : "بعثت بالحنيفية "السهلة السمحة) (٤) " (٥)، وسُمِّيت حنيفية؛ لأنها على ملة إبراهيم، والحَنِيف (٦) عند العرب: مَنْ كان على دين إبراهيم ﵇. وسُمِّي إبراهيم عليه

стр. 409

السلام حنيفًا؛ لميله عن دين الصابئة: وهم عباد الكواكب، وسُمِّي أتباعه حنفاء لذلك؛ ولميلهم عن اليهودية والنصرانية (١)، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (٢). والملة: الدين (٣). والدليل على أنَّ هذه الملةَ ملةُ إبراهيم قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤). وادعى بعض العلماء أنها موافقةٌ لها في الأصول والفروع، والمشهور أنها موافقةٌ لها في الأصول فقط، وعلى هذا لا اختصاص لملة إبراهيم بذلك؛ لأنَّ دين الأنبياء كلّهم واحدٌ في الأصول، وإنما اختلفت الشرائع في الفروع، ويكون تسمية هذه الملةِ حنيفيةً؛ لمخالفتها ما كان عليه أهل الشرك واليهود والنصارى، كمخالفة إبراهيم مَنْ كان في زمانه من الكفار وهم الصابئة، واتِّبَاعُه دينَ الأنبياء قبله وبعده وهو الإسلام، وحقائقها على هذا (٥) أصول الدين. ولا تَشْمل أصولَ الفقه الذي تَصَدَّى له، والمعالم الدينية شاملةٌ له (٦)،

стр. 410

وإنْ جعلنا اسم الملة شاملًا للأصول والفروع فكلا الأمرين - أعني: المعالم الدينية وحقائقَ الملة - شاملٌ للأصول والفروع؛ فيندرج فيه (١) أصولُ الفقه الذي تَصَدَّى له، وهو أحسن (٢)؛ لتكون مناسبته للتصنيف الذي تصدى له أكثر، ويشهد له قوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة" فإنه يشير إلى الأصول والفروع جميعًا، ولا يلزم من ذلك موافقتها (٣) لشريعة إبراهيم في جميع الأشياء، بل لموافقتها في (٤) الأصول (٥) سُمِّيت بذلك. وحقائقها على هذا: جميعُ أحكامها ومعانيها وأسرارها. والضمير في مشكلاته ومعضلاته عائدٌ على الكشف؛ لأن الإشكال والإعضال فيه لا فيها، فإنها بَيِّنَةٌ جَلِيَّةٌ بيضاءُ نقيةٌ، إذا ارتفع الحجاب عن الناظر رآها. ولا خفاء بحسن استعاراته، وترشيحها في الغوص في تيار البحار، والفحص عن أستار الأسرار، وكم مِنْ بحر لا يُدْرك له قرار، وسرْ تتعب (٦) في أبكاره الأفكار.

стр. 411

(وإن كتابنا هذا منهاج الوصول إلى علم الأصول، الجامع بين المعقول والمشروع (١)، والمتوسط بين الأصول والفروع). المنهاج: الطريق، جُعِل عَلَمًا على (٢) هذا الكتاب. والوصول إلى الشيء إنما يكون عند انتهاء طريقه، فقوله: "منهاج الوصول" معناه: الطريق التى يُتَوصل فيها إلى الوصول إلى علم الأصول، كما تقول (٣): طريق مكة، أي: المُتَوَصَّل فيها إلى مكة، فليس الوصول فيه ولكنه غايته (٤). وقوله: "منهاج" خبر "إنَّ"، ويجوز إطلاق ذلك على هذا الكتاب بمعناه الأصلي غيرِ عَلَمٍ؛ لأن الاشتغال به مُوَصِّلٌ (٥) إلى ذلك. وقوله: "الجامع": مخفوضٌ صفةً لعلم الأصول، ولا خفاء في جمعه بين المعقول والمشروع، فإنه (٦) نَتَج مِن نِكَاح نُورِ الشرع لصافي بناتِ الفكر، فجاء عريقَ الأصالة، شديدَ البسالة. وتوسطه بين الأصول أي: أصول الدين والفروع؛

стр. 412

ولهذا (١) (٢) يستمد من الأول، ويُمِدُّ الثاني. (وهو وإنْ صَغُر حجمه، كَبُر علمه، وكثرت فوائده، وجَلَّت عوائده). وقوله: "وهو"، يعني: هذا الكتاب. وصَغُر، بضم الغين، وكذلك كَبُر بضم الباء؛ لأنَّه بمعنى عظُم، وأصل كبر بضم الباء لكِبَر الجُثَّة، ثم استعمل في كِبَر المعنى، وأما كِبَر السن فلا يُقال فيه إلا كَبِر بكسر الباء (٣)، وراعى المطابقة بين صَغُر وكَبُر لتضادهما، واجتمعا لرجوع الصغر إلى الجُثَّة والكِبَر إلى المعنى (٤). والعوائد: جمع عائدة، وهي العطف والمنفعة، يقال: هذا أَعْوَدُ عليك مِنْ كذا، أي: أنفع، وفلانٌ ذو عائدة، أي: تَعَطُّفٍ ونفع. وإنَّ هذا الكتاب لكَمَا وصف. (جمعته رجاءً أن يكون سببًا لرشاد المستفيدين، ونجاتي يوم الدين، والله تعالى حقيقٌ بتحقيق رجاء الراجين). حَقَّق الله رجاءه، وقوله: "حقيقٌ بتحقيق" أي: خليقٌ له وجدير،

стр. 413

وحَرِيٌّ، وحَرَى، وحَرٍ، كل ذلك بمعنى واحد (١). وقصد المصنف التجانس (٢) بين حقيق وتحقيق (٣)، وإطلاق ذلك على الله ينبني (٤) على أنّ الأسماء توقيفية أوْ لا. (أصول الفقه: معرفةُ دلائل الفقه إجمالًا، وكيفيةُ الاستفادة منها، وحالُ المستفيد). هذه العبارة بعينها عبارة تاج الدين الأُرْمَوِيِّ في "الحاصل" (٥). ولْنُقَدِّم مقدمة: وهي أنَّه ينبغي أن يُذكر في ابتداء كلّ علم حقيقةُ ذلك العلم؛ ليتصورها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه، فَمَنْ عَرَف ما يطلب هان عليه ما يبذل، فلا جرم (٦) احتاج إلى تعريف

стр. 414

أصول الفقه في أوله. وها هنا خمسة أشياء: أحدها: لفظ أصول الفقه قبل أن يُسَمَّى به هذا العلم مركبٌ من مضاف ومضاف إليه. والثاني: هذا اللفظ بعد أن سُمِّي به فإنه صار (اسمًا لهذا العلم) (١)، وكلٌّ من المضاف والمضاف إليه بهذا الاعتبار صار كالزاي والدال من زيدٍ، لا معنى له، وكلُّ مركب سُمِّي به معنىً فقد يتطابق معناه حالَ التركيب وحال التسمية، كعبد الله مُسَمَّى به رجلٌ، فهو صادق عليه بالاعتبارين، وقد لا يتطابقان كأنفِ الناقة مسمى به رجل. ولفظ أصول الفقه مما تطابق فيه معناه حال التركيب، ومعناه حال التسمية من بعض الوجوه، كما سنبينه. الثالث: معنى أصول الفقه قبل التسمية. الرابع: معنى أصول الفقه بعد التسمية، مع قطع النظر عن أجزاء اللفظ المُطْلَق عليه. الخامس: معناه بعد التسمية مع الالتفات إلى أجزاء اللفظ المُطْلَق عليه؛ لأنَّ اللفظ يدل عليه باعتبارين كما قدمناه، فإذا أُخِذ المعنى بأحد الاعتبارَيْن كان مغايرًا له بالاعتبار الآخر، فيصدق على المعنى المذكور أنَّه إضافي لقبي باعتبارَيْن، لكن صِدْق اللفظ عليه بالإضافة إنما هو بطريق المجاز؛ لأنّه أخصُّ من معناه الحقيقي، . . . والحد إنما هو للمعنى

стр. 415

دون اللفظ، فالمقصود بيان المعاني الثلاثة، ويُعَبَّر عن المعنى الأول بالإضافي؛ لأنَّ المعنى مُرَكَّب من مضاف ومضاف إليه في الذهن، كما أن لفظه كذلك في النطق. ويُعَبَّر عن المعنى الثاني باللقبي باعتبار أنَّه مُلَقَّب بهذا الاسم، فإن اللفظ المركب جعل اسمًا عليه، ولقبًا له، وعلمًا كسائر أعلام الأجناس، أو أسماء الأجناس. فإنَّ عَلَم الجنس: هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره، من غير نظر إلى أفراده. واسم الجنس: الذي يُقصد به مُسَمَّى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده. حتى إذا دخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى عَلَم الجنس (١). هذا هو الذي نختاره في الفرق بين اسم الجنس وعَلَم الجنس. ويستنتج (٢) منه أنّ علم الجنس لا يُثَنّى ولا يجمع؛ لأنّه إنما يُثَنَّى ويُجْمع الأفراد (٣)، وجَعْلُه اسمَ جنسٍ أولى من جَعْلِه عَلَمَ جنس؛ لأنّه لو كان علمًا لما دخلت عليه الألف واللام، وكذلك سائر أسماء العلوم من (٤)

стр. 416

فقهٍ ونحوٍ وغير ذلك (١). ويُعَبَّر عن المعنى الثالث بالإضافي (أيضًا بأحد) (٢) الاعتبارين (٣)، كما سبق. إذا عرفتَ هذه المقدِّمة فها هنا ثلاثة مباحث: (أحدها): في تعريف معنى أصول الفقه التركيبي قبل التسمية، ولا بد في ذلك من تعريف المضاف، والمضاف إليه، والإضافة؛ لأنّ العلم بالمركب يتوقف على العلم بالمفرد. ونبدأ في ذلك بتعريف المضاف، وليس كما توهمه (٤) بعض الناس من أنَّه ينبغي البَداءة (٥) بالمضاف إليه، محتجًا بأن المضاف يَتَعَرَّف بتعريف المضاف إليه؛ لأنا نقول التعريف تعريفان (٦):

стр. 417

تعريف يُقَابل (١) التنكير، وهو الذي يكتسبه المضاف من المضاف إليه. وتعريف يقابل الجهل، وهو المقصود هنا، وهذا لا يكتسبه المضاف من المضاف إليه. فنقول: الأصول جمع، وتعريفه (٢) بتعريف مُفْردِه، والأصل ما يتفرع عنه غيرُه. وهذه العبارة أحسن من قول أبي الحسين (٣): ما ينبني عليه غيره (٤)؛ لأنَّه لا يقال: إن الولد ينبني على الوالد، و (٥) يقال: إنه فَرْعُه. وأحسن مِنْ قول صاحب "الحاصل": ما مِنْه الشيء (٦)؛ لاشتراك "مِنْ" بين الابتداء والتبعيض (٧).

стр. 418

وأحسن من قول الإمام: المحتاج إليه (١)؛ لأنّه إنْ (٢) أريد بالاحتياج ما يُعْرف في علم الكلام من: احتياج الأثر إلى المؤثر، والموجود إلى الموجِد - لَزِم إطلاقُ الأصل على الله تعالى، وإنْ أُريد: ما يَتَوَقَّفُ عليه الشيء - لَزِم إطلاقُه على الجزء والشرط وانتفاء المانع (٣). وإن أُريد: ما يَفْهمه أهلُ العُرْف من الاحتياج - لَزِم إطلاقُه على الأكل واللبس ونحوهما (٤). وكل هذه اللوازم مستنكرة، وكل هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة، وإن كان أهلُ اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو مما (٥) نبهنا على أنَّ الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة (٦). وأما في العُرْف: فالأصل مستعمل في ذلك، ولم يترك أهل العرف الاستعمال في ذلك، لكن العلماء يطلقونه مع ذلك على شيئين أخَصَّ منه. أحدهما: الدليل.

стр. 419

والثاني: المحقَّق الذي يُشَك في ارتفاعه؛ لتفرع المدلول عن (١) الدليل، والاستصحاب عن (٢) اليقين السابق (٣). والفقه تعريفه سيأتي في كلام المصنف. والإضافة تفيد الاختصاص، فإنْ كان المضاف اسمًا جامدًا أفادت مطلق الاختصاص، كحَجَر زيد (٤)، وإضافة الأعلام إذا وقعت من هذا القبيل، كقول الشاعر: علا زيدُنا يوم النَّقَا رأسَ زَيْدِكمْ (٥) وإن كان المضاف اسمًا مشتقًا - أفادت الإضافة اختصاصَ المضاف بالمضاف إليه في المعنى المشتق منه، كغلام زيد، تفيد اختصاص الغلام بزيد في معنى الغلامية (٦) (وكاتب الملك: تفيد اختصاصه بالمَلِك في الكتابة،

стр. 420

وإضافة الأصول إلى الفقه مِنْ هذا القبيل تُفيد اختصاصَ الأصولِ بالفقه) (١) في معنى لفظة "الأصول"، وهو كون الفقه متفرعًا عنه (٢). وظَهَر بهذا أن أصول الفقه بالمعنى التركيبي: ما يتَفَرَّع عنه الفقه. والفقه كما يتفرع عن دليله، يتفرع عن العلم بدليله، فيسمى كلٌّ منهما أصلًا للفقه، ولا فَرْقَ في الأدلة في هذا المقام بين الإجمالية والتفصيلية، فإن (٣) كلًا منهما يتفرع الفقه عنه، وعن العلم به (٤). فصار أصول الفقه بالمعنى التركيبي يشمل أربعةَ أشياء: الأدلة الإجمالية، وعِلْمُها، والأدلة التفصيلية، وعلمها. وهذا ليس هو المُصْطَلح عليه (٥)، ولا يصح تعريف هذا العلم بمدلول أصول الفقه الإضافي؛ لأنَّه أعم منه، إلا إذا أخِذ بعد التسمية كما سيأتي (٦).

стр. 421

البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي: وهو المصطلح عليه. ولا شك أنَّ كلًا من الأدلة التفصيلية، والعلمِ بها غيرُ داخلٍ فيه؛ لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه والخلافي، فلم يوضع أصول الفقه في الاصطلاح لكل ما يَحْتاج إليه الفقيه (١)، بل لبعض ما يحتاج إليه (٢)، كدأب أهل العُرْف في تخصيص الأسماء العرفية ببعض مدلولاتها في اللغة. والأدلة التفصيلية مثل: قوله (٣): ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤)، ودلالته على وجوب الصلاة، ونحو ذلك. ثم بعد إخراج الأدلةِ التفصيلية وعِلْمِها من الوضع (٥)، تبقى الإجماليةُ وعِلْمُها. والمراد بالإجمالية: كليات الأدلة، فإنَّ قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٦)، و ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، ونَهْيُه ﷺ عن قَتْل النساء والصبيان (٨)، وإطلاقُ الرقبة في موضع، وتقييدُها بالإيمان في موضع،

стр. 422

وصلاتُه ﷺ في الكعبة (١)، وإجمالُ الصلاة في الآية المذكورة، وبيانُ جبريلَ لها، ونسخُ التوجه إلى بيت المقدس، والإجماعُ على أنَّ بنت الابن لها السدس (مع البنت) (٢) عند عدم العاصب (٣)، وخبر ابن مسعود في ذلك (٤)، وقياس الأُرْز على البُّر، ومُرْسل سعيد بن

стр. 423

المسيَّب (١) في النهي عن بيع اللحم بالحيوان (٢)، وقول عثمان

стр. 424

في بيع البراءة (١)، والمصلحة المرسلة في التترس (٢)، والأخذ بالأخف في دية

стр. 425

اليهودي (١) (٢)، والاستحسان في التحليف على المصحف (٣)، ونحو ذلك، كُلُّها أدلةٌ مُعَيَّنة، وجزئياتٌ مُشَخَّصَةٌ، والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء، وإنما هو (٤) وظيفة الفقيه (٥). ولهذه الأدلة وأمثالِها كلياتٌ، وهي مُطْلق الأمر والنهي والعموم والتخصيص (٦)، والإطلاق والتقييد، والفِعْل، والإجمال والتبيين، والنسخ، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس،
следующие страницы →