← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي: وهو المصطلح عليه. ولا شك أنَّ كلًا من الأدلة التفصيلية، والعلمِ بها غيرُ داخلٍ فيه؛ لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه والخلافي، فلم يوضع أصول الفقه في الاصطلاح لكل ما يَحْتاج إليه الفقيه (١)، بل لبعض ما يحتاج إليه (٢)، كدأب أهل العُرْف في تخصيص الأسماء العرفية ببعض مدلولاتها في اللغة. والأدلة التفصيلية مثل: قوله (٣): ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤)، ودلالته على وجوب الصلاة، ونحو ذلك. ثم بعد إخراج الأدلةِ التفصيلية وعِلْمِها من الوضع (٥)، تبقى الإجماليةُ وعِلْمُها. والمراد بالإجمالية: كليات الأدلة، فإنَّ قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٦)، و ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، ونَهْيُه ﷺ عن قَتْل النساء والصبيان (٨)، وإطلاقُ الرقبة في موضع، وتقييدُها بالإيمان في موضع،

стр. 422

وصلاتُه ﷺ في الكعبة (١)، وإجمالُ الصلاة في الآية المذكورة، وبيانُ جبريلَ لها، ونسخُ التوجه إلى بيت المقدس، والإجماعُ على أنَّ بنت الابن لها السدس (مع البنت) (٢) عند عدم العاصب (٣)، وخبر ابن مسعود في ذلك (٤)، وقياس الأُرْز على البُّر، ومُرْسل سعيد بن

стр. 423

المسيَّب (١) في النهي عن بيع اللحم بالحيوان (٢)، وقول عثمان

стр. 424

في بيع البراءة (١)، والمصلحة المرسلة في التترس (٢)، والأخذ بالأخف في دية

стр. 425

اليهودي (١) (٢)، والاستحسان في التحليف على المصحف (٣)، ونحو ذلك، كُلُّها أدلةٌ مُعَيَّنة، وجزئياتٌ مُشَخَّصَةٌ، والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء، وإنما هو (٤) وظيفة الفقيه (٥). ولهذه الأدلة وأمثالِها كلياتٌ، وهي مُطْلق الأمر والنهي والعموم والتخصيص (٦)، والإطلاق والتقييد، والفِعْل، والإجمال والتبيين، والنسخ، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس،

стр. 426

والمرسل، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والأخذ بالأخَفّ، والاستحسان عند مَنْ يقول به. وهذه الكليات داخلة في الجزئيات، فإنَّ الكلي الطبيعي (١) موجود في الخارج وفي الذهن في ضِمْن مُشَخَّصاته (٢). ففي الأدلة اعتباران: أحدهما: من حيث كونُها مُعَيَّنة، وهذه وظيفة الفقيه، وهي المُوصِلة القريبة إلى الفقه، والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليًا، وقد يَعْرفها بالتقليد ويتسلمها من الأصولي (٣)، ثم يرتب الأحكامَ عليها، فمعرفتها حاصلةٌ عنده. والاعتبار الثاني: مِنْ حيث كونُها كلية، أعني: يَعْرِف ذلك الكليَّ المندرجَ فيها، وإن لم يعرف شيئًا من أعيانها، وهذه وظيفة الأصولي، فمعلوم الأصولي: الكليُّ، ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونُه أصوليًا، ومعلومُ الفقيه: الجزئيُّ، ولا معرفة له من حيث كونُه فقيهًا بالكلي، إلا

стр. 427

لكونه مندرجًا في الجزئي المعلوم، وأما من حيث كونه كليًا فلا. فالأدلة الإجمالية: هى الكلية، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تُعلَم مِنْ حيث الجملة لا من حيث التفصيل، وهي مُوصلةٌ بالذات إلى حكمٍ إجمالي، مثل: كونُ (كلّ مأمورٍ به) (١) واجبًا، وكل منهيٍّ عنه حرامًا، ونحو ذلك. وهذا لا يسمى فِقْهًا في الاصطلاح، ولا يُوصل إلى الفقه التفصيلي (٢) وهو معرفة سنية الوتر أو وجوبه، والنهي ببطلان (٣) بيع الغائب أو صحتِه مثلا إلا بواسطة. فقَيْد الإجمالِ مأخوذٌ في الأدلةِ والمعرفةِ معًا أيضًا (٤). وليست مأخوذة في الفقه؛ ولذلك لا يلزم من النظر في الأصول حصولُ الفقه، والحكمُ الكليُّ متوقفٌ على الأصول توقفًا ذاتيًا. والحكم التفصيليُّ وهو الفقه موقوفٌ عليه أيضًا وعلى غيره، لكنه (٥) قد يكون بالتقليد للأصولي، كما أشرنا إليه. وبهذا يظهر أنّ الاجتهاد في الفقه على الإطلاق شَرْطُه الأصول،

стр. 428

ومَعْرِفَتُها بالاجتهاد، وأما (١) بدون ذلك فيكون مُقَلّدًا وإن اجتهد في تفريع المسائل. ثم هذه الأدلة الكلية لها حقائق في أنفسها (من حيث دلالتُها، وتَعَلُّقُ العلمِ بها، فهل وضع أصول الفقه لتلك الحقائق في أنفسها) (٢)، أو للعلم بها؟ . كلام المصنف يقتضي الثاني. وكلام الإمام وغيره يقتضي الأول (٣). ولكل منهما وجه، فإن الفقه كما يَتَوقَّف على الأدلة يتوقف على العلم بها، وقد يُرَجَّح ما فعله المصنف بأن العلم بالأدلة يُوصِل إلى المدلول، والأدلة لا توصل إلى المدلول، إلا بواسطة العلم بها؛ لأنَّ الفقه علم، لكل أهل العُرْف يسمون المعلوم أصولًا، وكذلك يسمون المعلوم فقهًا، فتقول: هذا كتاب أصول، وكتاب فقه، والأولى جَعْل الأصول للأدلة، والفِقْه للعلم، لأنّه أقرب إلى الاستعمال اللغوي (٤). ثم الأدلة لها اعتباران:

стр. 429

أحدهما: حقيقتها في نفسها. والثاني: من حيث دلالتُها على الفقه. والمأخوذ في حد أصول الفقه إنما هو هذا الثاني، وهو مستفاد من الإضافة في قولنا أدلة الفقه؛ لما قدمناه أنّ الإضافة تُفيد اختصاصَ المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظة المضاف، فالشَّرْط في الأصولي معرفةُ أدلة الفقه من حيث دلالتُها على الفقه خاصة، وقد يكون لها عوارض أخرى لا يجب معرفتُه بها. ثم معرفةُ الأدلة من حيث كونُها أدلة - لا بد معه في الاستدلال من شروط، وهي كيفية الاستدلال، ومعظمها يُذكر في باب التعارض والتراجيح، فَجُعِلَت جزءًا آخر من أصول الفقه؛ لتوقف الفقه عليها. وليس كل أحد يتمكن من الاستدلال، ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة، وكيفية الاستدلال؛ لأنها أدلة ظنية ليس بينها وبين مدلولاتها ربطٌ عقلي، فلا بد من اجتهاد يحصل به ظَنُّ الحكم. فالفقه موقوف على الاجتهاد، والاجتهاد له شروطٌ يُحْتَاج إلى بيانها، فَجُعِلَت جزءًا ثالثًا من أصول الفقه؛ لتوقف الفقه عليها. وهذا مجموع ما يذكر في أصول الفقه: الأدلة، وكيفيةُ الاستدلال، وكيفيةُ حال المُسْتَدِل.

стр. 430

والإمام ومَنْ وافقه (١) يجعلون أصول الفقه عبارة عن الثلاثة. والمصنف وطائفة يجعلونه عبارة عن معرفة الثلاثة (٢)، فالمعارف الثلاثة عندهم هي أصول الفقه، وقد تقدم البحث في ذلك. فقول المصنف: "وكيفية الاستفادة" معطوف على دلائل الفقه، أي: ومعرفة كيفية الاستفادة، وكذا قوله: "وحال المستفيد" أي: ومعرفة حال المستفيد، والمراد بالمستفيد: المجتهد؛ لأنّه الذي يستفيد الأحكام من أدلتها، ويقع في بعض النسخ: حال المُسْتَدِل وحال المستفيد. وهي غلط، كان في بعض النسخ: حال المستدل، وفي بعضها: حال المستفيد، فجمع بعض النُّسَّاخ بينهما، واقتضى هذا الغلط أن يُحْمل المستدل على المجتهد، والمستفيد على المقلّد؛ لأنّه يستفيد من المجتهد، لكن الفقه ليس موقوفًا على التقليد بوجه أصلًا، فلا يجوز أن يكون جزءًا من أصول الفقه، بخلاف الاجتهاد، فإن الفقه موقوف عليه، نعم إذا عُرِف المجتهد عُرف أن مَنْ سواه مقلّد، وهذا جاء بالعَرَض لا بالقصد، أعني: معرفة المقلّد. نعم بعض الناس (قد يُسَمُّون) (٣) علمَ المقلّد فقهًا، فمِنْ هذا الوجه يحسن إدراجه في أصول الفقه؛ لتوقف فِقْهِه عليه.

стр. 431

وفيه فائدةٌ لا تُذْكر إلا فيه، وهي حُكْمُه إذا اختلف عليه المجتهدون، ونحو ذلك. وقول المصنف: "دلائل"، لو قال أدلة لكان (١) أحسن؛ لأنَّ فعيلًا لا يُجْمع على فَعَائْل إلا شاذًا (٢). وقوله: "إجمالًا" مصدرٌ في موضع الحال، أو تمييزٌ إما مِنْ (معرفة، وإما من) (٣) دلائل، كلٌّ منهما يَصِحُّ أن يُراد به على ما بينَّا، ويزداد على جَعْله من معرفة وجهٌ آخر، وهو أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، تقديره: عرفانًا إجمالًا، وإعرابه تمييزٌ أقوى؛ لأنّه يُبَيِّن جهةَ الإضافة، كقولك: هذا أخوك رضاعةً أو نسبًا. وهذا القيد أعني: قَوله: "إجمالًا" لإخراج (٤) العلم بالأدلة على التفصيل، فليس من أصول الفقه، ولا هو الفقه أيضًا (٥)، كما وقع في

стр. 432

عبارة بعض شارحي هذا الكتاب (١)؛ لأنَّ الفقه عنه (٢)، بل هو يذكر في الفقه، ومن وظيفة الفقيه، وأصول الفقه: الأدلة الإجمالية وعِلْمُها. وهل أصول الفقه بحسب الاصطلاح يصدق على القليل من ذلك والكثير، أو لا يصدق إلا على المجموع؟ . اختيار (٣) الإمام الثاني (٤)، فلم يَجْعل أصول الفقه يُطلق على بعضه، وهذا إنما يظهر إذا أُخِذ مضافًا ومضافًا إليه، أما إذا أُخِذ اسمًا على هذا العِلْم فينبغي أن يصدق على القليل منه والكثير، كسائر العلوم، ولهذا إذا رأيت مسألةً واحدةً منه تقول: هذه أصول فقه. والاعتذار عن الجمع في لفظة: الأصول، بأمرين:

стр. 433

أحدهما: أنَّه (١) بعد التسمية به (٢) لا يجب المحافظة على معنى الجمع. والثاني: أنَّه جمع مضافٌ إلى معرفةٍ فَيَعُم، والعموم صادق على كل فرد. وكلام المصنف محْتَمِل لما قاله الإمام، ولما قلناه بالطريق المذكور. وعدول المصنف عن علم إلى معرفة (٣)، نُقَدِّم عليه مقدِّمة: وهي أنّ المعرفة تتعلق بالذوات، وهي التصور، والعلم يتعلق بالنِّسب وهو التصديق (٤)، فإذا أراد أنّ علم الأصول (٥) تصورٌ محضٌ فليس كذلك؛ لأنَّ العلم بكون الأمر للوجوب، والنهي للتحريم - من أصول الفقه، وهو تصديق، فالإتيان بلفظ العلم في هذا المقام أحسن، لأنه أعم من المعرفة، ولهذا يُقَسَّم (٦) العلم إلى: التصور، والتصديق. ويقول النحاة في العلم إذا لم يكن عرفانًا.

стр. 434

ثم سواء (١) قلنا: عِلْمٌ أو مَعْرفةٌ أو أدلةٌ أو طُرُقٌ، كما قال الإمام - فيرد على جميع ذلك سؤال قوي، وهو أنّ الطريق: ما يُفْضي النظر الصحيح فيه إلى علم المدلول أو ظنِّه (٢)، والدليل: ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى المدلول (٣)، وعلم الدليل أو الطريق كذلك. والمدلول ها هنا هو الفقه؛ لقوله: أدلة الفقه أو طرق الفقه (٤). وقد قدمنا أن الفقه بحسب الاصطلاح لا يصدق إلى على معرفة الأحكام التفصيلية، فيلزم من هذا أن يكون أصول الفقه معرفة

стр. 435

أدلة الأحكام التفصيلية، وأنَّ مَنْ عرفها عرف الفقه (١) ضرورة، بما قررناه (٢) من أنَّ النظر في الدليل يوجب العلم بالمدلول، فيلزم أن يكون الأصول فقهًا، وأن يكون كل أصولي فقيهًا، وهذا ظاهر البطلان، ولا يُنْجِي عن هذا (٣) قيدُ الإجمال في المعرفة، أو في الأدلة (٤)؛ لأن الإجمالي إن كان دليلًا للتفصيلي - لزم مِنْ حصولِه (٥) حصولُه، وإن لم يكن دليلًا للتفصيلي - فسدت إضافته إلى الفقه؛ لأن الفقه تفصيلي. ودليل الفقه مجموع أمرين: أحدهما: الإجمالية. والثاني: التفصيلية. والأول مندرج في الثاني، فكلُّ مَنْ علم الثاني علم الأول تقليدًا أو اجتهادًا، ولا يحصل الفقه إلا بعلمهما، والأصول بالأول (٦) فقط. وقد سَلِم من هذا السؤال ابنُ الحاجب حيث قال: إن حَدَّه لقبًا: العلمُ بالقواعد التي يُتَوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. ومع ذلك يرد عليه أنَّ مِنَ القواعد النحوية وغيرها ما هو

стр. 436

كذلك، ولم تدخل في أصول الفقه، فالحد غير مانع، وغير جامع أيضًا؛ لأنه أخرج الأدلة عن الأصول جملة. فإن قلت: هل مِن اعتذار عن المصنِّف والإمام وغيرهما في السؤال الذي قدمتُه؟ . قلتُ: نعم، وهو أنَّ الأدلة التفصيلية التي يحصل عنها الفقه لها جهتان: إحداهما: أعيانها. والثانية: كلياتها. وكل دليلٍ هكذا، فليست الأدلة منقسمةً على ما هو إجمالي غير تفصيلي، وتفصيلي غير إجمالي، بل كلها شيء واحد له جهتان، فالأصولي يعلمه من إحدى الجهتين، والفقيه يعلمه من الأخرى، ويصدق على ذي الجهتين أنَّه معلوم مِنْ وجه. فالمراد بالأدلة التفصيلية التي هي موصلة إلى الفقه، والأصولي يعرفها من جهة الإجمال، فلها اعتباران، والنظر في الدليل إنما يفيد العلمَ بالمدلول إذا نُظِر فيه على سبيل التفصيل، والأصولي لم ينظر فيه كذلك (١)، لا جرم لم يحصل له الفقه؛ لانتفاء شرط نظره، لا لانتفاء كون المنظور فيه دليلًا في نفسه. وهذا جوابٌ حسن (يصح به كلامُهم ويندفع السؤال، وبه يترجَّح أن يُجعل قيد الإجمال للمعرفة لا للأدلة) (٢)، وإنْ كان جعله للأدلة صحيحًا

стр. 437

أيضًا، باعتبار أنَّ للأدلة نسبتين (كما قدمناه) (١)، فهي باعتبار إحدى النسبتين غَيْرُها باعتبار الأخرى، هذا كُلُّه في تعريف المعنى اللقبي، إذا قطعنا النظر عن أجزاء اللفظ، وكذلك إذا لاحظناها مع التخصيص الذي أشرنا إليه فيما سبق، فإن التعريف يحصل مما ذكره أيضًا. وليس من شرط الحد أن يكون بأجزاء محمولة كما ظنه بعضهم (٢)، بل بأجزاء داخلة في الحقيقة، وأجزاء المحدود هنا (٣)، وهي المعارف الثلاث كذلك، والمعرفة جنس للأصول (٤)، (وما أضيفت) (٥) إليه من الأدلة والكيفيتين فصولٌ، تقديره: معرفةٌ متعلّقةٌ بالأدلة والكيفيتين، فالمتعلقة فصل، وإنما جعلناه فصلًا؛ لأن التعلق داخلٌ في ذات العلم، فإن جَعَلْتَه خارجًا كان خاصة، وكان التعريف رسمًا تامًا (٦) (٧).

стр. 438

البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب . أما المعنى الأول وهو معنى أصول الفقه قبل التسمية: فهو أعم مطلقًا من الثاني والثالث اللذين هما بعد التسمية، وتعريفه أعم من تعريفهما، ولا يحصل به تعريف هذا العلم كما سبق، وإطلاقه عليه إطلاقٌ للأعم (١) على الأخص، ولم يذكر المصنف ولا غيره ممن أراد تحديد علم أصول الفقه ذلك، إلا على سبيل التَّقْدِمة، كما فعله الإمام، فإنه ذكر المفردات، ثم ذكر تعريف أصول الفقه مُسَمًّى به (٢)؛ ولذلك أخذ فيه قيدّ الإجمال، ولو راعى مدلوله قبل التسمية لم يأخذ فيه قيدَ الإجمال. وأما معناه اللقبي، ومعناه الإضافي بعد التسمية إذا لُوحِظَت أجزاء لفظه - فهما سواء، وتعريفهما سواء، سواء (٣) أفسرنا (٤) الأصول بالأدلة، أم بالمحتاج إليها، يصح على كلّ من التقديرين أن نجعل أصول الفقه اسمًا للأدلة، وهي مُحْتَاجٌ إليها، فيتحد المعنى اللقبي والإضافي. أما الإضافي فظاهر.

стр. 439

وأما اللقبي؛ فلتسمية الأدلة بذلك. ويصح أن نجعله اسمًا للمعرفة، فيتحدان أيضًا. أما اللقبي فظاهر. وأما الإضافي فظاهر إنْ جعلنا الأصل: المُحْتاج إليه، وإنْ جعلناه: الدليل - فنكون (١) قد سمَّينا به العلمَ بالدليل، من باب تسمية العلم باسم المعلوم (٢). فإن قلتَ: إذا جعلنا الأصول: الأدلة، والتسمية للمعرفة تغاير المعنى اللقبي والإضافي قطعًا، فيجب أن يكون لكل منهما حد؟ . قلتُ: ليس المراد بالإضافي معناه قبل التسمية، وإلا لورد المعنى الأول، وقد قدمنا أنَّه خارج قطعًا، فإنما المراد تعريف المعنى اللقبي باعتبار ملاحظة أجزاء اللفظ، فلا بُدَّ أن يُوجد فيها تغييرٌ: إما بمجاز، أو بتخصيص؛ حتى يوافق اللقب، وحينئذ يتحد التعريفان. ويستحيل أن يكون لعلم أصول الفقه المصطلح عليه حدان: أحدهما: باعتبار الإضافة قبل التسمية. والثاني: باعتبار اللقب.

стр. 440

(والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية) في معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال: أحدها: مُطْلق الفهم (١). والثاني: فهم الأشياء الدقيقة (٢). والثالث: فَهْم غرض المتكلم مِنْ كلامه (٣). وقولنا: "غرض المتكلم" إشارة إلى أنَّه زائد على مجرد دلالة اللفظ الوضعية؛ فإنه يشترك في معرفتها الفقيه وغيره ممن عرف الوضع، وبهذا الاعتبار يُسْلب عمن اقتصر على ذلك من الظاهرية اسمَ الفقه.

стр. 441

وأما في الاصطلاح فقد ذكره المصنف، والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: "العلم" جنس يشمل التصور والتصديق القطعي (١)، وإنما قلنا ذلك؛ لأن العلم صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض (٢)، ويلزمها التعلق بمعلوم، فإنْ كان المعلوم ذاتًا (٣)، أو معنى مفردًا (٤)، أو نسبة غير خبرية (٥) - فهو التصور. وإنْ كان نسبة خبرية فهو التصديق القطعي. مثاله: العالم حادث، ههنا أمور (٦) أربعة: ذات العالم، ومعنى الحدوث في نفسه، والارتباط بينهما من غير حكم بثبوته أو بانتفائه.

стр. 442

والعلم بهذه الثلاثة تصور. والرابع: هو ثبوت ذلك الارتباط أو انتفاؤه، وهو النسبة الخبرية، وهو التصديق، وهكذا في كل قضية موضوعها ومحمولها مفردان، والارتباط بينهما نسبة تقييدية (١) وهي (٢) من قبيل المفرد، ووقوع تلك النسبة أو عدم وقوعها أمر رابع، فتعلق العلم بتلك الثلاث تصور، وتعلقه بالرابع تصديق (٣). والفرق بين الثالث والرابع دقيق، فإنك تقول: علمتُ حَدَث العالم، بمعنى تصورتُه. وعلمتُ حَدَث العالم، بمعنى صَدَّقْتُ به، فالنسبة واحدة، ولكن التصور عِلْمُها في نفسها، والتصديق عِلْم حصولِها، فحقيقة المعلوم في التصديق كحقيقة المُخْبَر به في الخبر، بل هي حقيقةٌ واحدة، إنْ تَعَلَّق بها الكلام سُمِّي خبرًا، وإنْ تَعَلَّق بها العلم سُمِّي تصديقا. والتصور أخص من العلم مطلقًا (٤)، والتصديق أخص منه من وجه؛

стр. 443

لأن التصديق قد يكون بالخبر، وليس بعلم؛ لخروجه (١) من حد العلم (٢). وتفسير التصديق بما قلناه: وهو العلم بالنفي أو الإثبات - يُصَحِّح انقسامَ العلمِ الذي هو الإدراك إلى التصور والتصديق، بخلاف ما إذا فَسَّرناه بالحكم، أو بالحكم مع التصور، فلا يصح انقسام العلم إليه، إلا إذا قيل: إن العلم بالنفي أو الإثبات حكم. والمعروف أنّ الحكم إيقاع النسبة (٣). وكَشْف اللبس في ذلك أنَّ الحكم: هو نسبة أمرٍ إلى أمرٍ بالإثبات أو النفي، وهو قِسْم من أقسام الكلام - قد (٤) يكون بالنفس، وقد يكون

стр. 444

باللسان، فإذا قلنا: حكم الذهن فإنما نريد الإخبار النفساني. ثم إن هذا الإخبار مُحْتَمِل للتصديق والتكذيب، والتصديق والتكذيب إما بالإخبار، بأن يقال لقائله: صدقتَ أو كذبتَ. وإما بالعلم والاعتقاد، فإنَّ مَنْ عَلِم صِدْق المُخْبِر يُقال: إنه (١) مُصَدِّقٌ له، ومَنْ عَلِم كذبه يقال: إنه مكذِّب له، فسمي العلم المتعلِّق بذلك الخبر، أو بمضمون الخبر - تصديقًا، لما قلناه، لأنّه مُصَدِّق له. فالعلم مُتَعَلِّق (٢) بالحكم، أو بمضمونه، (لا منقسِم إليه) (٣). وقولنا: بمضمونه؛ لأنَّ العلم قد يتعلق بالنسبة الخارجية وقد يتعلق بالخبر عنها. فالثاني: (تصديق للخبر، والأول: تصديق لمضمونه) (٤). والحكم مِنْه ما هو تصديق: وهو الإخبار بصِدْق الصادق، ومنه ما ليس بتصديقٍ: وهو بقية (٥) الأحكام. وإنما ساغ (٦) في العُرْف إطلاقُ

стр. 445

التصديقات على القضايا مطلقًا؛ لأنها قابلة لأنْ تُصَدَّق، فكأنهم قالوا: الصادقة. ومن هنا يتبين أنَّ أحق القضايا باسم التصديق ما كان مقطوعًا به؛ لأنَّه الذي يُصَدِّقه العلم. أما المظنونة، والمشكوك فيها، والموهومة - فلا يُوثَق بأيِّها إذا عُرِضت على العلم يُصَدِّقها أو يُكَذِّبها. فإنْ أُطلق عليها اسمُ التصديق فإنما هو بطريق احتمالها له، وإنما تُسَمَّى (١) حكمًا. وجميعُ الأشياء معروضةٌ على العلم وهو الميزان لها، فالمفردات يتصورها، والأحكام الصحيحة يُصَدِّقها، والباطلة يُصَدِّق نقيضها (٢). ولما كان دائمًا في القضايا مُصَدِّقا لها أو لنقيضها (٣) - سُمِّي تعلقه بها تصديقًا، وتُرِك لفظ التكذيب، للاستغناء عنه بنقيضه، ولقبح لفظه، وإنما سُمِّي العلمُ بالصدق تصديقًا لأنَّ به يُصَدّق (فهو الأصل في التصديق) (٤)، وإطلاق التصديق على الحكم بالصدق للزومه له. وإطلاقه على الحكم بذلك بطريق الظن فيه بُعدٌ (٥) (٦).

стр. 446

وإطلاقُه على الحكم مطلقًا سواء أكان (١) تصديقًا لخبر (٢) أم لا - بعيدٌ عن اسم التصديق. وقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد مَنْ حَقَّقه هكذا. وفي العلم اصطلاح آخر خاص لا يندرج فيه التصور يقال فيه: الاعتقاد الجازم المطابِق لموجِب. وهذا هو أحد قسمي العلم العام، وهو العلم التصديقي فإنا قدمنا أنَّه لا بد وأن يكون قطعيا. فقولنا: جازم - يُخْرج (٣) الظَّنَّ والشك والوهم. وقولنا: مطابق - يُخْرج (٤) الجهل. وقولنا: لموجِب - يُخْرج (٥) التقليد. ومنهم مَنْ يقول: الثابت، بدل قولنا: لموجب؛ لأنَّ اعتقاد المقلِّد غير ثابت؛ لأنه يمكنه اعتقاد نقيضه، واليقين لا يمكن اعتقاد نقيضه. وهذا النوع من العلم لا يكون معلومه إلا حكمًا: بإسناد أمرٍ إلى أمرٍ مُحْتَمِلًا للتصديق والتكذيب، (أو مضمون) (٦) ذلك الحكم: وهو وقوع

стр. 447

تلك النسبة في نفس الأمر، كما بيناه. إذا عرفتَ الاصطلاحين في العلم فلك أن تجعله في كلام المصنف بالمعنى الأعم، ويَخْرج التصور بما بعده وهو الذي سلكه (١) الإمام وعليه سؤال سنورده. ولك أن تجعله بالمعنى الأخص فلا يكون التصور داخلا فيه، ولا يكون قوله بالأحكام مُخْرِجًا لشيء بل توطئةً للشرعية. وعلى كلا التقديرين لا يندرج الظن فيه: ولذلك أُورد عليه السؤال الذي سيأتي. وقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول: عِلْمُ النحو، أي: صناعته، فيندرج فيه الظَّنُّ واليقين، وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات (٢) لتحصيل مطلوبٍ يُسمى عِلْمًا، ويُسمى صناعة. وعلى هذا الاصطلاح لا يرد سؤالُ الظَّنِّ لكنهم كلهم أوردوه فكأنهم (٣) لم يريدوا هذا الاصطلاح، أو أرادوه ولَحَظوا معه معنى العلم في الأصل، ويُطلق النحاة العلم أيضًا على المعرفة، (وهي أحد نوعيه) (٤)،

стр. 448

ولكن ليس فيها اعتقاد ولا ظن بل تصور محض، ولا يجوز أن تكون هي المراد ههنا؛ لأنَّ الفقه تصديق لا تصور. الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام) . ولْنُقَدِّم مقدمةً: وهي أنَّ "عَلِم" فِعْل مُتَعَدٍّ بنفسه، وقد جاء بالباء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (١) فاحتمل زيادتَها، واحتمل أن (٢) يكون عَلِم مُضَمَّنًا معنى أحاط. ومما يتنبه له أنّ "علم" المتعدية إلى مفعولين لم يُدْخِلوا الباءَ على واحد من مفعولَيْها إذا ذُكِرا صريحَيْن، ودخلت على أنَّ وصلتها السادة مَسَدَّهما؛ لدلالتها على النسبة التى هي المعلومة، وهذا يُقَوِّي التضمين، ويُقَوِّي قول أكثر النحويين أنها سادة مسد المفعولين، يُضْعِف قولَ مَنْ يُقَدِّر معها مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ المفعول الأول لا يدخل عليه الباء وليس هو المعلوم، أعني: المُخْبَر بعلمه، إنما المُخْبَر بعلمه نسبة الثاني إليه، وإذا قلت (٣): علمتُ قيامَ زيدٍ، بمعنى أنَّه قام أو يقوم - جاز دخول الباء في المفعول، كما تدخل على "أنْ"؛ لأنَّ المعلوم فيهما ثبوت النسبة. وإذا كانت عَلِم بمعنى عَرَف (٤) جاز دخول الباء على مفعولها، وتكون زائدة كقولك: عرفته وعرفت به.

стр. 449

فإن أردتَ مُخْبَرَه صح أن يكون عَلِم على حقيقتها. إذا علمتَ هذا فدخولُها في قوله: "العلم بالأحكام" - لا بد منه. أما على طريقة التضمين في الفعل فظاهر. وأما على طريقة الزيادة في الفعل فلأنَّ المصدر المُعَرَّف بالألف واللام ضعيف العمل جدًا (١). (والعامل إذا ضعف) (٢) يُقَوَّى بالحرف، كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣) ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٤) (٥). وعلى كل تقدير هي متعلِّقة بالعلم، وأما تقدير محذوف يتعلق به، كقولنا: العلم المتعلق بالأحكام فلا حاجة إليه إلا إذا فَسَّرنا العلم بالصناعة فيظهر تقديره. الوجه الثالث: قوله: "بالأحكام ": يخرج به العلم بالذوات (٦)،

стр. 450

والصفات الحقيقية (١)، والإضافية (٢) غير الحكم والأفعال (٣). وإنما قلنا غير الحكم؛ لأنَّ الحكم الشرعي كلام متعلِّق (٤)، فهو صفة عرضت لها الإضافة. وهنا تنبيهات: منها أنَّ الحكم يطلق على النسبة الخبرية: وهي معلوم التصديق (٥)، وبه يخرج التصور كلُّه، وعلى إنشاء الأمر والنهي والتخيير، ومنه الحكم الشرعي. والعلم قد يَتَعَلَّق به على جهة التصور، ألا ترى إلى قول المصنف، ولا بد للأصولي مِنْ تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها،

стр. 451

وعلى هذا لا تكون الأحكام مُخْرِجة (١) للتصورات، وإنما تَخْرج بقوله بعد ذلك: "المكتسب من أدلتها"، فإن التصور يُكْتسب من التعريفات لا من الأدلة. وكل مَنْ تكلم على الحد جعل قولَه: "الأحكام" - مُخْرِجًا للتصورات، و (٢) هذا سؤال قوي (٣)، وجوابه: أنَّ الحكم لفظ مشترك والمراد به هنا هو (٤) المعنى الأول. فإن قلتَ: الألفاظ المشتركة لا تُستعمل في الحدود من غير بيان، وأيضا فإنه (٥) قال: الفقه العلم بالأحكام الشرعية، ثم عَرَّف الحكمَ الشرعي بالخطاب، فاستحال أن يكون غيره، وإلا لما انتظم الكلام (٦). قلت: ينتظم من جهة أَنَّه إذا عَرَف أنَّ الحكم الشرعي الخطاب الموصوف ترتب عليه حكمُنا (٧) بثبوت ذلك الخطاب أو نفيه، وهذا هو

стр. 452

المراد بقولنا: الفقه: العلم بالأحكام الشرعية (١). وسمي شرعيًا لكونه لم يُعْرف إلا من الشرع، والمتعلِّق به تصديقٌ لا تصور. والمذكور في حد الحكم هو حكم الله القائم بذاته، وهو طلبٌ أو تخييرٌ، وسُمِّي شرعيًا لأنّه ناشئ من الشارع (٢)، والعلم المتعلق به تصور، وإنما ذُكِر لِنَعْرف (٣) به الحكم المذكور في حد الفقه؛ لتعلقه به. والقاضي أبو بكر يجعل حكمَ الله إخبارَه بجَعْله الحكم لفعلٍ كذلك (٤)، فيَسْتَغْنِي عن هذا التكلف (٥). وأما سؤال الاشتراك فهنا قرينة تُبَيِّن المراد، وهي أنَّ العلم (٦) متعد إلى مفعولين، ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات، كما تقدمت الإشارة إليه في الوجه الثاني. فلما دخلت الباء هنا مع لفظ العلم (٧) الذي ظاهره

стр. 453

التعدي إلى مفعولين على (١) لفظ الحكم الذي هو ظاهر في النسبة - كان ذلك قرينةً في أنَّ المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها. ومن هنا يتبين لك أنَّ المطلوب من الفقه (٢) عِلْمه هو كون الشيء واجبًا، أو حرامًا، أو مباحًا، وهو المذكور في حد الفقه، ويقرب دعوى القطع فيه؛ لأنَّ المراد العمل. والمذكور في حد الحكم هو إيجاب الله، أو تحريمه، أو إباحته، وهو صفة قائمة بذاته تعالى، ويُطْلب تحقيقُها (من الأصولي لا من الفقيه) (٣)، والمطلوب تصورها. ودعوى القطع في العلم بتعلقها بما علمه الفقيه عَثْرة (٤). ولو قال قائل: المراد بالأحكام هنا هو المذكور عند حد الحكم، ويُقَدِّر بإثبات الأحكام، ويَسْتدل على هذا التقدير بما قلناه - كان صحيحًا، والله أعلم. ومن التنبيهات: أنّ الإمام ممن ادَّعى أنَّ بقوله: "بالأحكام"، يخرج العلم بالذوات والصفات (٥)، ثم أورد سؤالَ كونِ الفقه

стр. 454

مظنونًا (١)؟ فيقال (٢): إنْ أراد بالعلم الاعتقاد الجازم - فيرد سؤالُ الظن، ولا يحسن أنْ يُقال خرج بالأحكام العلمُ بالذوات والصفات؛ لأنها لم تدخل في الجنس (٣). وإن أراد الأعم من التصور والتصديق فيصح ما ادعاه من الإخراج، ولا يرد سؤال الظن؛ لأنَّ الظن قسم من أقسام التصديق، الذي هو قسم من العلم. وجواب هذا بالتزام الثاني، ومَنْعُ كَوْنِ الظَّنِّ من أقسام العلم؛ لما بيناه في الوجه الأول. ومن التنبيهات أيضًا: أنَّ بعض مَنْ شرح هذا الكتاب قال: إنَّ الأحكام تُخرِج العلم بالذوات والصفات، كعلمنا بأن الأسود ذات، والسواد صفة. وهذه عبارة غير مُحَرَّرة؛ فإنَّ العلمَ بأنَّ الأسود ذات،

стр. 455

والسواد صفة - تصديق (١)، والتصور العلم بنفس الذات، ونفس الصفة، متمثلةً في الذهن. ومن التنبيهات: أنَّ الألف واللام في الأحكام للجنس، هذا هو الذي نختاره، والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جَمْع قيل تدل على مُسَمَّى الجمع، ويصلح للاستغراق، ولا يُقْتَصر به على الواحد والاثنين محافظة على الجمع. والمختار أنَّه متى قُصِد الجنس جاز (٢) أن يُراد به بعضه إلى الواحد، ولا يَتَعَيَّن الجمع، كما لو دخلت على المفرد (٣). نعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس، فيفارق (٤) بذلك المفرد. و(٥) على ما قلناه يصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه أنها

стр. 456

فِقْهٌ، ولا يلزم أن يُسَمَّى العالم بها فقيهًا؛ لأنَّ فعيلًا صفةُ مبالغةٍ مأخوذة من فَقُه بضم القاف إذا صار الفِقْه له سجية (١). وقال بعضهم: إنها للعموم (٢) والمراد التهيؤ، أي: يكون له قوة قريبة من الفِعْل يمكنه بها العلم بجميع الأحكام إذا نَظَر، كما هي وظيفة المجتهد (٣)، وهذا حسن (٤) في اسم فقيه اسم الفاعل المقصود به المبالغة، لا في اسم الفِقْه المصدر (٥). وقال بعضهم: إنها للعَهْد، والمراد: جملة غالبة بحكم أهلِ العُرْف، عندها يَصْدق الاسم، وهذا ليس بشيء (٦). ومن التنبيهات: أنَّ قولنا: العلم بالأحكام - يصدق على ثلاثة أشياء:

стр. 457

أحدها: تصور الأحكام، وقد تَحَيَّلْنا في إخراجه. والثاني: إثباتها، بمعنى: اعتقاده أنَّ الله أوجب وحَرَّم وأباح مِنْ غير علمٍ بأنه أوجب كذا، أو حَرَّم كذا، أو أباح، وهذا أيضًا ليس من الفقه في شيء، بل هو من أصول الفقه (١). الثالث: وهو المقصود، إثباتُها مُعَيَّنة لموضوعاتٍ مُعَيَّنة، وقد عَبَّر بعضهم عن هذا بقوله: "الأحكام الجزئية" وأشار إلى أنَّ هذا لا بد من زيادته في الحد. الوجه الرابع قوله: "الشرعية ": يُخرج الأحكام العقلية، مثل: كون فعل العبد عَرَضًا (٢)، أو جنسا وغير ذلك (٣). والمراد بالشرعية: ما يتوقف معرفتُها على الشرع. والشرع: هو الحكم، والشارع: هو الله تعالى، ورسوله مبلِّغ عنه، فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله ﷺ .

стр. 458

وبما ذكرناه (١) يندفع قولُ مَنْ قال: إنَّ الأحكام العقلية شرعية، باعتبار أنَّ الله تعالى خلقها، وأنها تحت قضائه وقدره. وقد وقفتُ على شرحٍ لهذا الكتاب (٢) فيه أنَّ قولَه: "الشرعية" احتراز عن الأحكام العقلية، وتنبيه على أنَّ الحق: أنَّ الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل، كما هو مذهب المعتزلة (٣). واعلم أنَّ المعتزلة لا يُنكرون أنَّ الله تعالى هو الشارع للأحكام، وإنما يقولون: إن العقل يُدرك أنّ الله شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها، فهي طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، فليس في قوله: "الشرعية" تنبيه على خلاف قول المعتزلة، وإنْ كان قول المعتزلة باطلًا، ولعله اسْتَنَد في هذا إلى قول الإمام، فإنه قال: قولنا: الشرعية احترازٌ عن العلم بالأحكام العقلية، كالتماثل والاختلاف، والعلم بقُبْح الظلم وحُسْن الصدق، عند مَنْ يقول بكونهما عقليين (٤). وكلام الإمام هذا صحيح، ومعناه: أن الحُسن والقُبح لا يُدْرَكان بالعقل عندنا، فلا يُحْترز عنهما، وأما عند المعتزلة فَيُدْرَكان بالعقل وهما حكمان عقليان يُحترز عنهما، وليس العلم بهما فِقْها، والحكم الشرعي تابع لهما على رأي المعتزلة لا عَيْنُهما، فما كان حَسَنًا جَوَّزه الشرع، وما

стр. 459

كان قبيحًا منعه، فصار عند المعتزلة حكمان: أحدهما: عقلي، والآخَرُ: شرعي تابع له. والفقه هو العلم بالثاني؛ فلذلك (١) احترز عن الأول عندهم. وكلام هذا الشارح يقتضي أنهم يطلقون على العلم بالأحكام العقلية فِقْهًا، وليس كذلك (٢). فإذا تُؤُمِّل كلام الإمام كان رادًّا على ما قاله هذا الشارح. وهذا "المعتمد" وغيره من كتب المعتزلة وفيها الأحكام الشرعية في

стр. 460

تعريف الفقه (١). وقال هذا الشارح أيضًا: إنَّ وجه نسبة الأحكام إلى الشرع: أن تعلقاتها التنجيزية، أو العلم بتعلقاتها التنجيزية - مستفادٌ من الشرع، لا أنَّ نفس الأحكام، أو تعلقاتها العلمية - مستفاد (٢) من الشرع؛ فإنَّ الشرع حادث، والأحكام وتعلقاتها العلمية قديمة، والقديم لا يستفاد من الحادث (٣). انتهى ما قاله، وكأنه لما رأى الأصحاب يقولون: لا حكم قبل الشرع، وأمثال هذه العبارة، قاصدين: لا حكم قبل البعثة - تَوَهَّمَ أنَّ الشرع: هو البعثة، فقال: إنه حادث، وليس كما قاله ولا كما توهمه، وإنما الشرع ما قدمناه (٤). وأما قول الأصحاب فمرادهم به: لا حكم قبل العلم بالشرع، أو عَبَّروا بالشرع عن البعثة على سبيل المجاز؛ لأن بها يُعرف ويَظْهر (٥)، وهذا هو الأظهر من مرادهم، وصاحب هذا الكلام لم يَذْكر كلامَ الأصحاب هذا، ولكني أنا ذكرته مأخذا له ودفعتُه، فإني استنكرتُ قولَه: الشرع (٦) حادث، أما سمع قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ
следующие страницы →