Полный текст (3 260 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
متعبِّدًا، زاهدًا" (١) وسألقي بعض الضوء على علوم البيضاوي التي بَرَّز فيها وبَزّ، وألَّفَ فيها وفَذّ:
البيضاوي الأصولي:
يقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن حفظه الله: "درج القاضي ناصر الدين البيضاوي كأصولي على نهج الإمام فخر الدين الرازي، وتاج الدين الأرموي (٢) وصنف على طريقتهما، وفي ظل تأليفهما جاءت تآليفه المشهورة في أصول الفقه، فشرح كلًا من "المحصول"، و"المنتخب" للإمام الرازي، وصنف كتابه "منهاج الوصول إلى علم الأصول" من كتابي "الحاصل" و"المحصول"، فكانا العمدة في اعتماده، والقدوة لآرائه وطريقته. كما شرح مختصر ابن الحاجب (٣) الذي أعجبته طريقة الآمدي
_________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧.
(٢) هو محمد بن الحسين أو الحسن بن عبد الله، تاج الدين أبو الفضل الأُرْموي - بضم الهمزة وسكون الراء - نسبة إلى أرْمِيَة، مدينة عظيمة بأذربيجان. قيل: إنه ولد في سنة ٥٧٣ هـ، وتتلمذ على الإمام الرازي وهو من أكبر تلامذته. كان بارعًا في العقليات، عريض النعمة واسع الجاه، وفيه تواضع. من مؤلفاته: الحاصل من المحصول. توفي سنة ٦٥٣ هـ، وقيل: ٦٥٥ هـ، وقيل: ٦٥٦ هـ. انظر: مقدمة محقق كتاب الحاصل ١/ ٥٨ - ٦٠، ٥٦, ٨٥، ٩٧ - ٩٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٢٠، طبقات الإسنوي ١/ ٢١٦، كشف الظنون ٢/ ١٦١٥، هدية العارفين ٦/ ١٢٦.
(٣) هو جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عصر بن أبي بكر بن يونس، المشهور بابن الحاجب، الفقيه المالكي. ولد بإسنا - وهي بليدة صغيرة بالصعيد الأعلى من مصر - ثم انتقل به والده إلى القاهرة. كان ﵀ إمامًا فاضلًا فقيهًا أصوليًا متكلمًا نظَّارًا متبحرًا محققًا أديبًا شاعرًا. أخذ عنه كثير من العلماء منهم شهاب الدين القرافي وغيره. وقد صنف تصانيف غاية في التحقيق والإجادة منها: الكافية في النحو، =
стр. 37
في مصنفه "الإحكام في أصول الأحكام" فتتبعها في كتابيه: "المنتهى"، و"المختصر"، إلا أن صاحبنا لم يتأثر بها.
وقد اتخذ القاضي ناصر الدين البيضاوي طريقة الإمام التى اكتمل بها أصول الفقه، والتي جمع فيها بين طريقة الأشاعرة وطريقة المعتزلة، وأفرغ فيها الكتب المعتمدة الأربعة: "العهد"، و"المعتمد"، و"البرهان"، و"المستصفى"، وقد شُغف بها كل مَنْ جاء بعد الإمام الرازي، واتخذها القاضي ناصر الدين البيضاوي منهجًا له، فسار على غرارها" (١).
البيضاوي الفقيه:
أخذ البيضاوي الفقه عن والده، وقد أوردنا فيما سبق سنده في الفقه إلى رسول الله ﵌. وقد اختصر البيضاوي كتاب "الوسيط" للإمام الغزالي ﵀ في كتابه "الغاية القصوى في دراية الفتوى". يقول الدكتور علي محيي الدين حفظه الله: "كتاب "الغاية القصوى" فيه الدلالة القصوى على مدى تمكنه من الاستنباط والترجيح، وما يتحلى به من قوة الأسلوب وجمال الرد" (٢).
_________
= والمقصد الجليل في العروض، ومنتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، وغيرها. توفي ﵀ سنة ٦٤٦ هـ بالإسكندرية.
انظر: الديباج ٢/ ٨٦، وفيات ٣/ ٢٤٨، الفتح المبين ٢/ ٦٥.
(١) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٥٩.
وانظر أيضًا: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٨ - ٨١.
(٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨١.
стр. 38
وقد شرح البيضاوي كتاب "التنبيه" لأبي إسحاق الشيرازي (١) ﵀، في أربعة مجلدات، لكنه مفقود (٢).
البيضاوي المتكلم:
يقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن: "كما درج القاضي ناصر الدين البيضاوي على طريقة الإمام الرازي، وتاج الدين الأُرْموي - في أصول الفقه درج أيضًا على طريقتهما في أصول الدين، وصنف كتبه المشهورة: "طوالع الأنوار من مطالع الأنظار"، و"الإيضاح"، و"مصباح الأرواح"، و"منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى" - على طريقة الأُرْموي، وطريقة الرازي الذي يُعتبر إمامًا في المعقولات" (٣).
والذي عُثر عليه من هذه الكتب الأربعة هو "طوالع الأنوار"، كما يقول الدكتور علي محيي الدين (٤)، و"الطوالع" مختصر في علم الكلام يقول الإمام ابن السبكي في حقه: "أما الطوالع فهو عندي أجل مختصر
_________
(١) هو الشيخ الإمام المجتهد أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي، نزيل بغداد الملقب بجمال الدين. ولد بفيروز أباد - بلدة قريبة من شيراز - سنة ٣٩٣ هـ. تتلمذ على أبي بكر البرقاني وأبي الطيب الطبري وغيرهما، وكان وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. من مصنفاته العظيمة: "المهذب في المذهب"، "اللمع"، و"شرحها" في أصول الفقه، "التبصرة"، وغيرها. توفي سنة ٤٧٦ هـ. انظر: سير ١٨/ ٤٥٢، الطبقات الكبرى ٤/ ٢١٥، طبقات الإسنوي ٢/ ٧، شذرات ٣/ ٣٤٩، الفتح المبين ١/ ٢٥٥.
(٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨١.
(٣) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٦٢.
(٤) انظر: مقدمته على الغاية القصوى ١/ ٧٥.
стр. 39
أُلِّف في علم الكلام" (١).
وقد شرح "الطوالع" شمس الدين الأصفهاني في كتابه "مطالع الأنظار في شرح طوالع الأنوار" (٢)، وهو مطبوع.
البيضاوي المفسِّر:
أقبل القاضي البيضاوي على تفسير القرآن في الحِقْبة الأخيرة من حياته، واعتمد في تفسيره على كتب ثلاثة: "الكشاف" للزمخشري (٣)، و"التفسير الكبير" للرازي (٤)، وتفسير الراغب الأصفهاني (٥). قال الحاج
_________
(١) انظر: تعليق محقق الكتاب الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧، وهو نقلها عن "الطبقات الوسطى" للتاج رحمه الله تعالى.
(٢) انظر: مطالع الأنظار للأصفهاني ص ٤.
(٣) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري الخُوارَزْمي، أبو القاسم، وتلقب بجار الله لأنه جاور بمكة زمانًا. ولد في رجب سنة ٤٦٧ هـ. وله من التصانيف: "الكشاف" في التفسير، "الفائق" في غريب الحديث، "المفصَّل" في النحو، وغيرها. توفي ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ.
انظر: وفيات ٥/ ١٦٨، بغية الوعاة ٢/ ٢٧٩، طبقات المفسرين ٢/ ٣١٤، لسان الميزان ٦/ ٤، الجواهر المضية ٣/ ٤٤٧، الأعلام ٧/ ١٧٨.
(٤) هو محمد بن عمر بن الحسين التيمي البكري الرازي، فخر الدين. ولد بالري سنة ٥٤٤ هـ. تفقه على والده عمر، وتلقى عليه أصول الفقه، ثم قصد الكمال السمناني وغيره بعد وفاة والده. وأخذ عنه ما لا يحصى كثرةً من فضلاء أهل زمانه. تبحر في شتى الفنون والمعارف. من تصانيفه: "التفسير الكبير"، و"المحصول" في أصول الفقه، وغير ذلك. توفي سنة ٦٠٦ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٨١، سير ٢١/ ٥٠٠، وفيات ٤/ ٢٤٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٥، الفتح المبين ٢/ ٤٧.
(٥) هو العلامة الماهر، المحقق الباهر، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل =
стр. 40
خليفة (١):
"وتفسيره هذا كتاب عظيم الشأن غني عن البيان، لخص فيه من "الكشاف" ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن "التفسير الكبير" ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات، وضم إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة، والتصرفات المقبولة، فجلا رَيْن الشك عن السريرة، وزاد في العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشي:
أولو الألباب لم يأتوا ... بكشف قناع ما يُتلى
ولكن كان للقاضي ... يدٌ بيضاءُ لا تَبْلى" (٢)
_________
= الأصبهاني، الملقَّب بالراغب، صاحب التصانيف. وقد ذكر السيوطي وتبعه الداودي أن اسمه: المفضل بن محمد الأصبهاني. من مصنفاته: "الذريعة إلى مكارم الشريعة"، "جامع التفسير"، "المفردات في غريب القرآن". توفي سنة نيف وخمسمائة، وذكر بعض المؤرخين أنه توفي سنة ٥٠٢، وقيل غيرها.
انظر: سير ١٨/ ١٢٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٧، طبقات المفسرين ٢/ ٣٢٩، كشف الظنون ١/ ٣٧٧، الأعلام ٢/ ٢٥٥.
(١) هو مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي، المعروف بالحاج خليفة. مؤرخ بحاثة، تركي الأصل، مستعرب. ولد بالقسطنطينية سنة ١٠١٧ هـ. تولى أعمالًا كتابية في الجيش العثماني. من مصنفاته: "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" وهو أنفع وأجمع ما كتب في موضوعه بالعربية، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول"، وغيرهما. توفي سنة ١٠٦٧ هـ بالقسطنطينية.
انظر الأعلام ٧/ ٢٣٦، مقدمة كشف الظنون للمرعشي ١/ و - ح.
(٢) انظر: كشف الظنون ١/ ١٨٧.
стр. 41
وقد عَدَّ بروكلمن (١) الحواشي والتعليقات على هذا التفسير فبلغت ٨٣ حاشية (٢).
البيضاوي النحوي:
مما يدل على تمكنه في النحو اختصاره لكافية ابن الحاجب، وشرحه للكافية أيضًا، و"الكافية" من أعظم كتب النحو المؤلفة في القرن السابع، ويكفي لبيان أهميتها أن لها ١١٧ شرحًا، غير المختصرات والحواشي (٣)، وقد سمى البيضاوي مختصره هذا: "لب الألباب في علم الإعراب" (٤).
_________
(١) كارل بروكلمن، مستشرق ألماني، عالم بتاريخ الأدب العربي. ولد في روستوك بألمانيا سنة ١٢٨٥ هـ (١٨٦٨ م)، ونال شهادة الدكتوراه في الفلسفة واللاهوت، وأخذ العربية واللغات السامية عن "نولدكه" وآخرين، ودَرَّس في عدة جامعات ألمانية، وكانت ذاكرته قوية، يكاد يحفظ كل ما يقرأ، ودَرَّس العربية في معهد اللغات الشرقية ببرلين. صنف بالألمانية: "تاريخ الأدب العربي" في مجلدين، وأتبعهما بملحق في ثلاثة مجلدات، و"تاريخ الشعوب الإسلامية"، و"نحو اللغة العربية"، وغيرها. توفي سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م). انظر: الأعلام ٥/ ٢١١ - ٢١٢.
(٢) انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٤١٨ - ٤١٩ نقلًا عن الغاية ١/ ٧٧.
(٣) قد عَدَّ الدكتور موسى العليلي في تحقيقه لشرح الوافية نظم الكافية الشروح والمختصرات والحواشي على كافية ابن الحاجب فبلغت (١٢٤) انظرها في الكتاب المذكور ص (٢٧ - ٥١).
(٤) انظر نُسَخه الموجودة في: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٢، مقدمة محقق شرح الوافية نظم الكافية ص ٥٠، ولشرح البيضاوي على الكافية نسخة مخطوطة في مكتبة طوب قابي سرايي في استانبول، رقم ١٨٨٢، H، ٧٧٦٨). انظر: مقدمة محقِّق شرح الوافية ص ٢٨. يقول الدكتور علي: "ورغم شغفنا الكثير بأن نرى له أحد شروحه فإننا لم نعثر عليه". مقدمته على الغاية ١/ ٨٣، ومثله الدكتور جلال الدين عبد الرحمن قال عن شرح الكافية للبيضاوي: "وهو من كتبه المفقودة". القاضي البيضاوي ص ٢٥٥. والحمد لله الذي هدى الدكتور موسى للعثور عليه.
стр. 42
البيضاوي المؤرخ:
ألف البيضاوي باللغة الفارسية تأريخًا من عهد آدم إلى العصر الذي عاش فيه، وسماه "نظام التواريخ"، وقد ذكر بروكلمن أنه أرخ إلى سنة ٦٧٤ هـ (١).
يقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن: "وقد اعتمد كتابه هذا كثير من المؤرخين ممن جاء بعده، فنقل عنه القرماني في تاريخه "أخبار الدول وآثار الأُول"، وأحمد بن زيني دحلان في "تاريخ الدولة الإسلامية": ما ذكره عن إسلام "هولاكو" على يد بعض العارفين، وهو الذي لم يقف عليه غيره" (٢).
هذا عدا ما ألفه البيضاوي في شرح الحديث النبوي، إذ شرح مصابيح السنة للإمام البغوي (٣) ﵀، وشرح "مطالع الأنوار" لسراج الدين الأُرْموي (٤) في فن المنطق، كما ألف في علوم الفلك والإرصاد كتابين:
_________
(١) انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٤١٨ - ٤١٩.
(٢) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٦٥.
(٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ شيخ الإسلام، الملقب بمحيي السنة، وبركن الدين. ولد سنة ٤٣٦ هـ، وتفقه على القاضي الحسين المروروذي شيخ الشافعية، وهو أخص تلامذته به. وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة. بُورك له في تصانيفه ورُزق فيها القبول التام لحسن قصده، وصدق نيته، ومنها: شرح السنة، معالم التنزيل، المصابيح، وغيرها. توفي سنة ٥١٦ هـ. انظر: سير ١٩/ ٤٣٩، الطبقات الكبرى ٧/ ٧٥، وفيات ٢/ ١٣٦، الأعلام ٢/ ٢٥٩.
(٤) محمود بن أبي بكر بن أحمد الأُرْموي، سراج الدين أبو الثناء، الشافعي. ولد سنة =
стр. 43
أولهما: مختصر في الهيئة. وثانيهما: شرح "الفصول" للطوسي (١)، وهو أهم كتاب في الهيئة. وألف في الفنون العامة رسالته "موضوعات العلوم وتعاريفها" (٢).
_________
= ٥٩٤ هـ، له تصانيف منها: "التحصيل من المحصول" في أصول الفقه، "البيان" و "المطالع" في المنطق، وغيرها. توفي سنة ٦٨٢ هـ بمدينة قونية.
انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٣٧١، كشف الظنون ٢/ ١٧١٥، الأعلام ٧/ ١٦٦.
(١) محمد بن عبد الله الطوسيّ، كان يُقال له المولى نصير الدين، ويقال الخواجا نصير الدين، اشتغل في شبيبته وحَصَّل على الأوائل جيدًا، وصَنَّف في علم الكلام، وشرح الإشارات لابن سينا، وَوَزَر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية، ثم وَزَر لهولاكو، وكان معه في واقعة بغداد. تُوفي في بغداد في ثاني عشر ذي الحجة سنة ٦٧٢ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٨٣.
(٢) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦، مقدمة محقِّق الغاية القصوى ١/ ٨٤ - ٨٦.
стр. 44
المبحث الثاني: تقلده منصب القضاء
لا شك أنَّ تولي القضاء مع العدل والنزاهة، والديانة والأمانة - مرتبة عظيمة في الدين، ومنقبة كبيرة من مناقب المتقين؛ إذ التقوى لا تظهر إلا مع البلاء ومخالفة الهوى، ومصادمة أهواء أهل الدنيا.
وحُقَّ على مَنْ وجد في نفسه ذلك من أهل التقوى أن يقبل تولي تلك المناصب الخطيرة خشية أن يتولاها مَنْ رقَّت ديانته، وضعفت أمانته، فيضيع الدين والدنيا، ويشيع الفساد في الأرض، لكن مِن علامة صحة النية، وصدق السريرة: أن لا يجد التقيُّ مَنْ يكفيه البلية، ويُريحه من تلك المسؤولية، فلا بد أن يكون كارهًا للمنصب، مبغضًا للشهرة، مُعرضًا عن ثناء الناس، قائلًا بالحق، مُنازِلًا لأهل الباطل قدر الطاقة والجهد، غير مريد الوصول إلى دنيا حقيرة، وأموال وشهوات خسيسة، قريبًا من أهل الدين، بعيدًا عن أهل الدنيا.
وظننا بالإمام القاضي البيضاوي ﵀ أنه ما طلب القضاء لدنيا، ولا لجاه، ولا غير ذلك، بل طلبه لإقامة الحق، ونشر العدل، والدفاع عن الدين، ولا أدل على ذلك من أنه مكث في قضائه ستة أشهر ثم عزل، فلو كان من أهل الدنيا المنافقين لبقي دهرًا (١)، ولَمَا وُصف بأنه: "قَابَل
_________
(١) لا يقال: قد مكث مجد الدين الشيرازي - الذي عُزل بالقاضي البيضاوي ثم أعيد - =
стр. 45
الأحكام الشرعية بالاحترام والاحتراز" (١)؛ ولذلك قال الشيخ المراغي ﵀: "ثم صرف عن القضاء لشدته في الحق" (٢).
ومما يدل أيضًا على صدق نيته في طلب القضاء، ونزاهته وديانته - تركه للقضاء لما طلبه في المرة الثانية بعد عزله عن قضاء شيراز، بسبب كلمات ذلك العارف الذي طلب من السلطان: "أن يقطع قطعة من رباع جهنم لشخص كان يتوقعها من جنابك"، فلما قَبِل السلطان وأصدر مِنْ فوره الأمر بتوليه القضاء - رفض البيضاوي ذلك المنصب متأثرًا بكلمات ذلك العارف، ثم لازم خدمته وصحبته؛ ليستفيد من معرفته وتقواه، وقد سبق ذكر هذه القصة كاملة في مبحث رحلاته.
وقد سبق أن بينت في مبحث رحلاته أنه ذهب إلى تبريز في المرة الأولى طالبًا قضاء شيراز، ولم يكن آنذاك قاضيًا عليها، ومَنْ ظن بأنه ذهب إلى تبريز في المرة الأولى ليطلب إعادته لقضاء شيراز بعد عزله (٣) - فظنه بعيد، ورواية ابن السبكي ﵀ ليس فيها دلالة على ذلك، بل على
_________
= سنين كثيرة في القضاء مع العدل والنزاهة؛ لأنَّ حكمنا أغلبي، مع أن القاضي مجد الدين ﵀ عُزل، وحصلت له محن نَصَره الله فيها، وظهرت له كرامات أظهرت ولايته، فعظم قدره، واحترمه الخاصُّ والعام.
(١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢، شذرات ٥/ ٣٩٣.
(٢) انظر: الفتح المبين ٢/ ٨٨.
(٣) وهم: الدكتور جلال الدين عبد الرحمن. انظر: القاضي البيضاوي ص ١٤٩، والدكتور علي محيي الدين. انظر: مقدمته على الغاية القصوى ١/ ٩٢، والدكتور محمد الزحيلي. انظر كتابه: القاضي البيضاوي ص ٥٥، مقدمة د/ فتحية عبيد في تحقيقها مختصر تيسير الوصول إلى منهاج الوصول ١/ ٣٠.
стр. 46
نقيضه، إذ قال: "وَلِي قضاء القضاة بشيراز، ودخل تبريز، وناظر بها، وصادف دخولُه إليها مجلسَ درسٍ قد عُقد لبعض الفضلاء، فجلس القاضي في أُخريات القوم، بحيث لم يعلم به أحد. . . فأقامه الوزير من مجلسه، وأدناه إلى جانبه، وسأله من أنت؟ فأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز، فأكرمه، وخلع عليه في يومه، وردَّه وقد قضى حاجته" (١).
فقول ابن السبكي ﵀: ولي قضاء القضاة بشيراز، ودخل تبريز. . . الخ - ليس فيه دلالة إطلاقًا على أنه ولي قضاء القضاة قبل الدخول؛ إذ إن ابن السبكي إنما أراد بكلامه هذا: ودخل تبريز. . . الخ بيان كيفية توليه لقضاء القضاة، وسؤال الوزير للبيضاوي عنه بقوله: من أنت؟ يدل على أنه لم يكن قاضيًا على شيراز آنذاك، وإلا لعرفه الوزير، ولو جهل شخصه فلن يجهل اسمه؛ لكونه قاضي القضاة.
وقول ابن السبكي أيضًا: "وأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز" ظاهر في كونه ليس قاضيًا عند طلبه، وإلا لقال: وأنه جاء في إعادته للقضاء، أو: جاء في أمر عزله عن القضاء. أو نحو ذلك من العبارات المشيرة إلى ذلك، وابن السبكي رحمه الله تعالى إمام في التدقيق فهو أصولي بارع، ومحدث بارز، ومؤرخ دقيق، وبعيد عليه إهمال مثل هذا: وهو عزله عن القضاء، وطلبه بعد ذلك؛ لأن العزل عن القضاء من الأحداث المهمة. وأما ما ذكره الحاج خليفة في كشف الظنون (١/ ١٨٦)
_________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٨.
стр. 47
وهو قوله: "ذكر التاج السبكي في "الطبقات الكبرى": أن البيضاوي لما صُرِف عن قضاء شيراز رحل إلى تبريز. . ." فظاهر أن عبارة "لما صرف عن قضاء شيراز" من تصرفه، لا من كلام ابن السبكي ﵀، إذ العبارة ليست كذلك في "الطبقات الكبرى"، وقول الدكتور محمد الزحيلي حفظه الله: "والجملة الأولى (١) غير موجودة في "الطبقات الكبرى" للتاج السبكي المطبوعة الآن، ولعلها سقطت من المخطوطة" (٢) احتمال بلا دليل، والنسخة المطبوعة محققة على نسختين مخطوطتين (٣).
ويخدش في هذا الاحتمال أيضًا: أن الداودي ذكر هذه القصة، وعبارته كما هي في "الطبقات الكبرى" المطبوعة، وهو ناقل عنها (٤).
هذا وقد سبق في مبحث أقران البيضاوي، في ترجمة القاضي مجد الدين الشيرازي: أن البيضاوي مكث في القضاء ستة أشهر، ثم عزل (٥) ﵀ رحمة واسعة، وألحقنا به والمسلمين في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
_________
(١) أي: في نقل الحاج خليفة عن "الطبقات الكبرى".
(٢) انظر كتابه: القاضي البيضاوي ص ٥٥.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ١/ ٣١.
(٤) انظر: طبقات المفسرين ١/ ٢٤٢.
(٥) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٤٠١.
стр. 48
المبحث الثالث: مؤلفاته العلمية
قد سبق ذكر مؤلفات عدة للقاضي البيضاوي ﵀، وقد شملت مؤلفاته فنونًا عديدة، وهي تدل على رسوخه في العلم، وتبحره وتمكنه، وسأذكر مجموع مؤلفاته التي ذكرتها المصادر التي بين أيدينا، سواء سبق ذكرها أم لم يسبق، وهي:
١ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل. وهو المعروف بتفسير البيضاوي، وهو مطبوع.
٢ - الإيضاح. وهو في أصول الدين، ولم يعثر عليه، كما سبق بيانه.
٣ - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة. في الحديث، ولم يُعثر عليه (١).
٤ - تعليق على مختصر ابن الحاجب. في أصول الفقه، ولم يعثر عليه (٢).
٥ - التهذيب والأخلاق. ولم يعثر عليه (٣).
٦ - شرح التنبيه. في الفقه، ولم يعثر عليه (٤).
٧ - شرح الفصول. في الهيئة والفلك، ولم يعثر عليه (٥).
_________
(١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٥.
(٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.
(٣) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦.
(٤) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٨١.
(٥) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦.
стр. 49
٨ - شرح الكافية. في النحو، وهو مخطوط.
٩ - شرح المحصول. في أصول الفقه، ولم يعثر عليه (١).
١٠ - شرح المطالع في المنطق. ولم يعثر عليه (٢).
١١ - شرح مقدمة ابن الحاجب. في أصول الفقه، ولم يُعثر عليه (٣).
١٢ - طوالع الأنوار. في أصول الدين، وهو مطبوع.
١٣ - العين. في التفسير، ولم يعثر عليه (٤).
١٤ - الغاية القصوى في دراية الفتوى. في الفقه، وهو مطبوع محقق.
١٥ - لب الألباب في علم الإعراب. وهو مخطوط.
١٦ - مختصر في الهيئة. ولم يعثر عليه (٥).
١٧ - مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام. في أصول الفقه، وهو شرح لمختصر ابن الحاجب، ولم يعثر عليه (٦).
١٨ - مصباح الأرواح. في أصول الدين، ولم يُعثر عليه (٧).
١٩ - منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى. في أصول الدين، ولم يعثر عليه (٨).
_________
(١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.
(٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٥.
(٣) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٧٩.
(٤) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٨.
(٥) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٦، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه: ١٦٦.
(٦) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.
(٧) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٥.
(٨) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٥.
стр. 50
٢٠ - منهاج الوصول إلى علم الأصول. في أصول الفقه، وهو مطبوع.
٢١ - موضوعات العلوم وتعاريفها. وهو مخطوط (١).
٢٢ - نظام التواريخ. في التاريخ، وهو مطبوع (٢).
_________
(١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٦، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦
(٢) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٨٤، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦
стр. 51
الباب الثاني: ترجمة الشارحين تقي الدين وتاج الدين
стр. 52
الفصل الأول: بيان العصر الذي نشأ فيه الشارحان
стр. 53
المبحث الأول: الحياة السياسية
عاش الإمامان تقي الدين السبكي وابنه تاج الدين - رحمهما الله - في فترة من الزمن كان العالم الإسلامي فيها متأثرًا بأحوال سياسية مضطربة مرت به من قبل، ولا زال أثرها باقيًا، حيث قد تعرض لهجمات وحشية في مطلع القرن السابع الهجري سنة ٦١٦ هـ، قام بها المغول الذين قدموا مِن أقصى الشرق، واجتاحوا العالم الإسلامي، وعاثوا فيه فسادًا، وأشاعوا فيه الرعب والخوف بين الناس، بقيادة طاغيتهم المفسد "جنكيزخان"، ولم يكن قصدهم الفتح والاستيطان، ولا الغُنْم والاستلاب فحسب، بل إراقة الدماء، وتعذيب الأرواح، ودَرْس البلاد، وملاشاة العمران، فذبحوا الشعوب، ودَكُّوا المدن، بحيث لم تنج بلاد حَلَّ فيها المغول من الهول، وكان شأنُهم في قطر شأنَهم في سائر الأقطار.
ولما مات جنكيزخان عام ٦٢٦ هـ تابع أولاده اجتياح الأقاليم الإسلامية ونهب خيراتها، وإذلال أهلها، إلى أن تولى حفيده هولاكو القيادة عام ٦٥٤ هـ، وسار على نهج جده في القتل والإبادة، وكلما مرَّ على مدينة خَرَّبها وأذل أمراءها وحكامها، وضرب عُنق مَنْ عصى منهم، وسفك الدماء، وغصب الأموال.
стр. 54
ثم أغار هولاكو على بغداد بالتآمر مع الوزير ابن العلقمي الرافضي (١) - قبحه الله ولعنه - فاستولى عليها، وقتل الخليفة المستعصم (٢)، آخر خلفاء بني العباس، وأنهى الخلافة العباسية.
قال ابن السبكي ﵀: "واستمر القتل ببغداد بضعًا وثلاثين يومًا ولم ينج إلا مَن اختفى. وقيل: إن هلاكو أمر بعد ذلك بِعَدِّ القتلى، فكانوا ألف ألف وثمانمائة ألف، النصف من ذلك تسعمائة ألف، غير من لم يُعَدّ ومَنْ غَرِق" (٣).
وكان جيش المغول يبني الإصطبل لخيله من الكتب، وأُلقيت ملايين الكتب في دجلة، وأقاموا بها ثلاثة جسور.
وبعد أن ملك هذا الطاغية جميع العراق، توجه إلى الشام فملك حلب وبعض الشام وجملة من أراضي الروم، ونفذت مفاتيح دمشق وحماة إلى
_________
(١) هو محمد بن أحمد، مؤيد الدين أبو طالب بن العلقمي، وزير المستعصم البغدادي، وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب، وكان رافضيًا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله. مات كمدًا في جمادي الآخرة سنة ٦٥٦ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٢٥، شذرات ٥/ ٢٧٢.
(٢) هو الخليفة الشهيد أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله منصور بن الظاهر محمد الهاشمي العباسي البغدادي. ولد سنة ٦٠٩ هـ. كان فاضلًا متدينًا، لكن فيه لين وعدم تيقظ، ومحبة للمال وجمعه، واستبد بالأمور في عهده ابن العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل. قتلته التتار في صفر من سنة ٦٥٦ هـ. انظر: سير ٢٣/ ١٧٤، البداية والنهاية ١٣/ ٢١٧، شذرات ٥/ ٢٧٠.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٧١.
стр. 55
هولاكو، وتسلم قلعة بعلبك، وأخذ نابلس بالسيف، وكاد الأمر يتم للتتار، ولولا هذا النصر الذي حققه المماليك لدمَّر التتار مزيدًا من تراث المسلمين وحضارتهم. وقد كان المماليك أولَ مَنْ وقف في وجه التتار، فلم يؤثر في نفوسهم ما ذاع عنهم، ولم يَفُتَّ في عَضُدهم، وانضم إليهم الكثير من أمراء الشام وجنوده، وتوجه الجيش الإسلامي من مصر بقيادة الملك المظفر قطز (١)، والتقى الجمعان فأنزل جند الله بالتتار هزيمة نكراء عند عين جالوت (٢)، وذلك في العشر الأخير من رمضان سنة ٦٥٨ هـ، وأخذوا في التراجع والتقهقر، وأرسل المظفر قطز قائده بيبرس (٣) في ملاحقة التتار وطردهم، فاستخلص الشام برمته من أيديهم.
_________
(١) هو السلطان الشهيد الملك المظفَّر سيف الدين قُطُز بن عبد الله المُعِزِّي. كان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا. وثب عليه بعض الأمراء وهو راجع إلى مصر فقتله، وذلك في شهر ذي القَعْدة، سنة ٦٥٨ هـ، ولم يكمل سنة في السلطنة. انظر: سير ٢٣/ ٢٠٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٨، شذرات ٥/ ٢٩٣.
(٢) قال ياقوت الحمويُّ في معجم البلدان ٤/ ١٧٧: "عَيْنُ الجالوت: اسم أعجميٌّ لا ينصرف، وهي بُليدة لطيفة بين بَيْسان ونابُلس من أعمال فلسطين. . .".
(٣) هو الملك الظاهر، والسلطان الكبير، ركن الدين أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري ثم الصالحي. كان شجاعًا فارسًا مقدامًا، يُضرب بشجاعته المثل، له أيام بيض في الإسلام، وفتوحات مشهورة، ومواقف مشهودة، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحايين لَعُدَّ مِن الملوك العادلين، وقد ذكر ابن كثير ﵀ كثيرًا من مواقفه الحسنة التي تدل على حسن طويته وسريرته. توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر: شذرات ٥/ ٣٥٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٩٠.
стр. 56
هذا وكانت الصليبية الحاقدة قد نظمت جيشًا قويًا في مطلع القرن السابع الهجري بعد أن عرفت بضعف المسلمين وتناحرهم؛ للهجوم على مصر والشام واحتلالهما، ثأرًا لما أصابها أيام السلطان صلاح الدين (١) الأيوبي، واحتلالًا للديار المقدسة، فنزل جيشهم قرب دمياط، واحتلوها بعد قتال وحصار، وقتلوا أكثر أهلها عام ٦١٥ هـ، ثم هزمهم المسلمون، فأعادوا الكرة واستخدموا المكر والحيلة، واستلموا القدس عام ٦٢٦ هـ، وقلعة صفد عام ٦٢٨ هـ، واتجهوا ثانية إلى دمياط عام ٦٤٧ هـ، فانهزموا ورُدوا على أعقابهم، وطهر الله الأراضي الإسلامية منهم.
هذان الحدثان العظيمان هما أهم الأحداث التى حصلت في القرن السابع، واللذان كان لهما الأثر الواضح في الأحداث بعدهما في القرن الثامن، وقد برز في خلال هذين الحدثين دور المماليك العظيم الذين كانوا جنودًا للأيوبيين، ومماليك مُسْتَرَقِّين لهم، وكان الأيوبيون في حالة من الضعف والتناحر، مما أدى إلى زوال دولتهم لا سيما مع الأحداث الجسام، وظهور دور المماليك البارز، فكانوا خلفًا لسادتهم الأيوبيين في الملك.
_________
(١) هو السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبو المظفر يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي الدُّوَيْني، ثم التكريتي المولد. ولد سنة ٥٣٢ هـ. كان خليقًا للإمارة، مهيبًا شجاعًا حازمًا، مجاهدًا كثير الغزو، عالي الهمة، وكان ردءًا للإسلام، وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام. توفي سنة ٥٨٩ هـ. انظر: سير ٢١/ ٢٧٨، البداية والنهاية ١٣/ ٣.
стр. 57
المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية
لم يكن عصر المماليك - وهو العصر الذي نشأ فيه الشارحان - عصرًا عاديًا من العصور الهادئة أو الخامدة في التاريخ، وإنما هو عصر حركةٍ دائمة، ونشاطٍ دائب: في الخارج حروبٌ وتوسعٌ وانتصارات ترتب عليها تأمين الوطن العربي في الشرق الأدنى. وفي الداخل حياةٌ صاخبة حافلة بالتيارات الاقتصادية والدينية والعلمية والاجتماعية. فلا عجب إذا احتلت دولة المماليك مكانةً هامة بارزة في التاريخ، لا تاريخ مصر والشام والشرق الأدنى فحسب، بل تاريخ العالم أجمع أواخر العصور الوسطى. وخير شاهدٍ على ذلك تلك السفارات العديدة التي قصدت بلاط سلاطين المماليك في القاهرة مِنْ قِبَل ملوك الشرق والغرب جميعًا، وذلك العدد الضخم من المراسلات والمكاتبات التي كان يتلقَّاها ديوان الإنشاء بالقاهرة في ذلك العصر من مختلف الحكام، والتي كان يقوم بالرد عليها وفقًا لتقاليد وقواعد دقيقة معروفة (١).
وقد ألقينا الضوء على جهاد المماليك وبلائهم ضد التتار والصليبيين في المبحث الأول، وسنلقي الضوء في هذا المبحث على الحياة الاجتماعية في
_________
(١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام، صفحة (هـ)، د. سعيد عاشور.
стр. 58
عصر المماليك، بادئين بالكلام على الحياة الاقتصادية؛ إذ هي أهمُّ ما يَمَسُّ حياة المجتمع بعد الدين والأخلاق.
الحياة الاقتصادية في العصر المملوكي:
غدت مصر والشام في عصر المماليك قَصَبة التجارة العالمية، والمعبر الرئيسي لتجارة الشرق في طريقها إلى الغرب، الأمر الذي يجعلنا نفسِّر في ضوئه تلك الثروة الواسعة التي تمتع بها المماليك، وذلك الثراء المحض وما ارتبط به من مظاهر السَّعَةِ والأُبَّهة الذي اتصف به عصرهم. وما زالت مُخَلَّفات وآثار المماليك مِنْ جوامع شامخة، وقصور فخمة، ومصنوعات فنية دقيقة، فضلًا عما حفلت به مراجع العصر المماليكي من وصف لحياة المماليك، وما فاض به مجتمعهم من ألوان البذخ والغنى العريض. . . ما زال ذلك شاهدًا على أنَّ ثمة موارد مالية إضافية ضخمة تمتع بها الحكام في ذلك العصر، وأصاب المحكومون بعضًا مِنْ فتاتها (١).
لقد عُنِي المماليك بأوجه الاقتصاد المختلفة من زراعة وصناعة بأنواعها المختلفة، وتجارة داخلية وخارجية، حتى غدت مصر والشام في عصرهم أهم مراكز التجارة في العالم أجمع.
ففي الزراعة:
اهتم سلاطين المماليك بالزراعة اهتمامًا كبيرًا، حيث إن الزراعة في تلك العصور كانت الحرفة الأولى لغالبية السكان، والمورد الأول الذي
_________
(١) العصر المماليكي في مصر والشام، صفحة (د).
стр. 59
عاش عليه معظم الأهالي، والمعروف أن أراضي مصر الزراعية توزعت في ذلك العصر إقطاعات على السلطان والأمراء والأجناد بعد أن قُسِّمت إلى أربعةٍ وعشرين قيراطًا، اختَصَّ السلطانُ نفسَه بأربعة قراريط، والأمراء بعشرة، وما تبقّى كان من نصيب الأجناد (١).
ولقد زاد محصول الأراضي الزراعية في عصر المماليك نتيجةً للعناية بمرافق الزراعة من جسورٍ وتُرَعٍ ومقاييس النيل وغيرها.
والجسور في ذلك العصر نوعان:
الجسور السلطانية: وهي الجسور العامة الجامعة للبلاد الكثيرة، التي تُعمر في كل سنة من الديوان السلطاني.
والجسور البلدية: وهي الخاصة ببلدٍ دون بلد، ويتولى عمارتها الأمراء والأجناد وغيرهم من أموال البلاد الجارية في إقطاعهم.
وقد بلغ من عناية سلاطين المماليك بالجسور أنهم كانوا يرسلون في كل سنة عددًا من الأمراء إلى مختلف الأعمال لعمارة الجسور، ويُعَبَّر عن الأمير منهم باسم "كاشف الجسور"، كما كان للجسور خَوَلة ومهندسون لكل عمل، يقومون في خدمة الكاشف في عمارة الجسور إلى أن تنتهي عمارتها. وعُرف عن بعض سلاطين المماليك أنهم كانوا يَخْرجون بأنفسهم أحيانًا لتفقد أحوال مرافق الزراعة وبخاصة الجسور كالسلطان الناصر محمد.
_________
(١) العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢٨٣.
стр. 60
أما عن أهم الحاصلات الزراعية في مصر في ذلك العصر فمنها القمح الذي كان محصوله يفيض عن حاجة البلاد أحيانًا، وعندئذٍ كان السلاطين يمدون بلاد الشام والحجاز والنُّوبَة (١) بمقادير وفيرةٍ منه. كذلك كان الكتان من أهم مزروعات مصر في عصر المماليك، وكانت تصدَّر كميات كبيرة من المنسوجات الكتانية إلى البلاد المجاورة. واشتهرت مصر في ذلك العصر بزراعة قصب السكر، هذا عدا أنواع الفواكه والخضروات لسد حاجة السوق المحلية، وهذا كله فضلًا عن الزهور والرياحين التي زُرعت في الحدائق والبساتين. وأدت الأراضي الزراعية ضريبة الخراج للدولة، واختلف ذلك باختلاف البلاد.
وبالإضافة إلى الثروة الزراعية عُنِي السلاطين في عصر المماليك بالثروة الحيوانية، فأكثروا من نتاج الأغنام وجَلْب الأنواع الممتازة منها لتربيتها حتى ازداد عدد المواشي وارتفعت سلالتها.
على أن هذه العناية بالزراعة ومرافقها في عصر المماليك لا تعني بأي حال تقدم أحد الفلاحين أو ارتفاع مستوى معيشتهم، فالفلاح المصري عاش في ذلك العصر قِنًّا مربوطًا إلى الأرض التي يَفْلَحها ويُفني حياته في خدمتها، وليس له من خيراتها إلا القليل؛ ذلك أن خيرات البلاد ومحصولات الأراضي الزراعية كانت في الواقع نهبًا موزَّعًا بين السلاطين والأمراء ومماليكهم، في حين لم يبق للفلاحين سوى الكدِّ والعمل ودفع ما
_________
(١) النوبة، بضم النون، وسكون الواو: بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر بعد أسوان. انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٠٩.
стр. 61
يُطلب منهم من أموال وهم صاغرون (١).
وأما الصناعة:
فقد ازدهرت في عصر المماليك نتيجةً لكثرة الثروة. والمعروف أن الصانع أو الفَنَّان يحاول دائمًا أن يرقى بإنتاجه إذا اطمأنَّ إلى أنه سيجني في النهاية ثمنَ أتعابه، ويتقاضى جزاءً يناسب ما يبذله من جهدٍ ووقت، ومن ناحية أخرى فإن المستهلك إذا عظمت ثروته وفاضت عن مطالبه الأساسية فإنه يفكِّر في اقتناء الكماليات، ولا يضن بمالٍ يبذله في شراء التحف والحصول على النفائس. وكان هذا الوضع الذي أثَّر في ارتقاء الصناعة والصُّنَّاع على عصر المماليك عندما فاضت الخزائن بالثروة العظيمة، فانعكس أثر ذلك فيما خلَّفه ذلك العصر من مصنوعات راقية، بلغت شأوًا بعيدًا في الدقة والإتقان.
ومن المعلوم أن دولة المماليك دولةٌ حربية بكل معاني الكلمة، قامت وليدة المعركة الصليبية في أرض المنصورة (٢)، وأثبتت جدارتها في ساحة الحرب ضد التتار والصليبيين في الشام، واستمدت بقاءها من نجاحها في الدفاع عن مصر والشام ضد الأخطار الخارجية الكبرى التي هددتهما في ذلك الدور الهام من العصور الوسطى. هذا إلى أن المماليك أنفسهم من سلاطين وأمراء وأجناد كانوا يمثِّلون طبقةً حربية تعتمد على الفروسية، ويستطيع كلُّ فردٍ فيها أن يصل إلى أسمى الدرجات، ويحقِّق أضخم الآمال
_________
(١) انظر: العصر المملوكي في مصر والشام ص ٢٨٥ - ٢٨٨.
(٢) انظر: معركة المنصورة في العصر المماليكي ص ٧ - ٨.
стр. 62
بفضل مهارته في القتال، واستعمال القوس والنشاب والحربة.
لذلك لا عجب إذا احتلت الصناعات الحربية مكانًا بارزًا في النشاط الصناعي لدولة المماليك، وقد وُجد بالقاهرة في ذلك العصر سوق كبير اسمه سوق السلاح ذَخَر بالأسلحة المتنوعة، وبالصُّنَّاع الذين كانوا يصنعونها، فإذا حدثت فتنة أو نشبت حربٌ هَرَع الأمراء والجنود إلى ذلك السوق، وعندئذٍ يرتفع سعر الحديد، وأجور الحدَّادين وصُنَّاعِ آلات السلاح؛ لإقبال الناس على شرائه.
ويرتبط بالصناعات الحربية صناعة السفن، إذ حَرِص سلاطين المماليك على إنشاء أسطول بحري قوي يحمي شواطئ دولتهم الواسعة، ويَصُدُّ غارات المعتدين، ويؤدِّب القراصنة الذين دأبوا على مهاجمة السفن الإسلامية في البحر المتوسط.
وكانت السفن الحربية على أنواع، منها الشواني والحراريق والطرائد:
أما الشواني: فكانت أعظمها شأنًا، وهي مراكب حربية كبيرة أقيمت فيها أبراج وقِلاع للدفاع والهجوم، وتكونت هذه الأبراج من عدة طبقات، تقف في الطبقة العليا منها العساكر المسلحة بالأقواس والسهام والحِراب، وفي الطبقة السفلى الملَّاحون بالمجاديف.
وأما الحراريق: فكانت أقلَّ حجمًا، وهي بمثابة ناقلات الجند والذخيرة، فكان يُحمل فيها المشاة المقاتلون فضلًا عن الذخيرة والبارود والنفط.
стр. 63
أما الطرائد: فهي السفن الخاصة بحمل الخيل، وكانت تتسع لنحو أربعين فرسًا، وأحيانًا لثمانين فرسًا (١).
هذا عن الصناعات الحربية، أما الصناعات المدنية فكانت عديدة، وعلى جانب كبير من الرقي في عصر المماليك، ومن أهم هذه الصناعات صناعة المنسوجات المتنوعة، حتى غدت لمصر في ذلك العصر شهرة خاصة في صناعة أنواع معينة من المنسوجات، مثل قماش الفستيان نسبة إلى الفسطاط (٢)، والقماش الدبيقي نسبةً إلى دَبِيق (٣). وكذلك اشتهرت دمياط بصناعة أقمشة من التيل ذات عدة ألوان بحيث يتغير لونها باختلاف الضوء الواقع عليها.
وسواءٌ كانت الأقمشة التي صُنعت في مصر في عصر المماليك من الحرير أو القطن أو الصوف أو الكتان، فإنها امتازت جميعًا بدقة الصناعة، وثبات الألوان، وجودة الخامة، ومتانة النسج، كما تشهد على ذلك قِطَع النسيج المتبقاة من ذلك العصر.
كذلك اشتهرت مصر في ذلك العصر بصناعة الفرش، والستور،
_________
(١) انظر: العصر المماليكي ص ٢٨٨ - ٢٩١.
(٢) الفسطاط: هي المدينة التي بناها عمرو بن العاص ﵁ في مصر، وسبب تسميتها بالفسطاط أن عمرو بن العاص نصب فسطاطه في تلك البقعة، ثم أمر المسلمين أن يحيطوا حول فسطاطه ففعلوا. انظر: معجم البلدان ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، حسن المحاضرة ١/ ٢٥.
(٣) قال ياقوت ﵀: "دَبِيقٌ: بُليدة كانت بين الفَرَما وتِنِّيس من أعمال مصر، تنسب إليها الثياب الدبيقية، والله أعلم". معجم البلدان ٢/ ٤٣٨.
стр. 64
والخيام، والفساطيط، والحبال المكسوة بالقطن والحرير.
ولم تكن العنايةُ بصناعة المعادن في عصر المماليك أقلَّ منها بصناعة المنسوجات، فاستخدم النحاس بصفةٍ خاصةً في صناعة الثُّرَيَّات والأواني المنزلية والأباريق والصحون والطسوت وغيرها.
كذلك استخدم النحاس في عيسر المماليك في تغطية بعض أبواب المساجد وقصور السلاطين والأمراء، وكان النحاس عند استخدامه في هذا الغرض يُعَدُّ على هيئة صفائح رقيقة مُقَسَّمة إلى أشكال هندسية بديعة المنظر، وما زال بدار الآثار العربية بالقاهرة باب من مِصْراعين مُصَفَّحَيْن بصفائح من النحاس، منقوشة برسومات عربية رائعة، تتخللها كتابة بالنسخ الجميل، وهذا الباب كان لأحد أمراء السلطان قلاوون.
وازدهرت صناعة الزجاج في مصر في العصر المماليكي، وتشهد بذلك أعداد المِشْكاوات الزجاجية المحفوظة بدور الآثار، والتي تمتاز بجمال أشكالها، وانسجام زخرفتها، وإتقان صنعها.
وبالإضافة إلى ذلك صُنع في مصر الزجاج الملون المستخدم في الشبابيك، وكذلك بعض أنواع البلور الصخري المحبَّب.
أما الخزف فكانت مصر من المراكز الأساسية لصناعته في العالم الإسلامي، ومنها انتشر كثير من نماذجه إلى البلاد الأخرى.
وبلغت المصنوعات الخشبية درجةً كبيرة من التقدم في عصر المماليك، واتبع المصريون في زخرفة المصنوعات الخشبية عدة طرق.
стр. 65
ويضيق بنا المقام عن تتبع كافَّة الصناعات الصغيرة التي ازدهرت في عصر المماليك، ولكن يكفي أن نختتم هذا العرض السريع بالإشارة إلى أن مصر شهدت أيضًا في ذلك العصر عددًا من الصناعات الغذائية أهمها صناعة السكر، ويذكر المقريزي (١) أنه كان في سَمْهود (٢) سبعة عشر معصرًا لعصير القصب، كما كان في ملوى عدة معاصر.
هذا عن الصناعة، أما الصُّنَّاع وأصحاب الحِرَف فقد خضعوا في عصر المماليك لنظام النقابات، فكان أفراد كل حرفة يُكَوِّنون نقابةً خاصةً بهم، لها نظام ثابت يحدِّد عددَهم ومعاملاتهم فيما بينهم وبين بعضٍ من ناحية، وفيما بينهم وبين الجمهور من ناحيةٍ ثانية، وفيما بينهم وبين الحكومة من ناحيةٍ ثالثة، ولكل نقابة من هذه النقابات رئيس أو شيخ يرأسهم، يفض مشاكل أفراد النقابة، ويرجعون إليه في كل ما يهمهم.
ولما كان دخول أيِّ فردٍ غريبٍ في حِرْفةٍ من الحِرَف يؤدي إلى منافسة
_________
(١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد الحسيني العبيدي، البعلي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، ويعرف بابن المقريزي وهي نسبة لحارة في بعلبك تُعرف بحارة المقارزة. ولد سنة ٧٦٦ هـ بالقاهرة.
من تصانيفه: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، وعقد جواهر الأسفاط في ملوك مصر والفسطاط، والسلوك بمعرفة دول الملوك، والتاريخ الكبير، وغيرها. مات سنة ٨٤٥ هـ. انظر: الضوء اللامع ٢/ ٢١، حسن المحاضرة ١/ ٥٥٧، معجم المؤلفين ٢/ ١١.
(٢) سمهود: بفتح السين وبالدال في آخرها على المشهور، ويقال بالطاء بدل الدال: قرية كبيرةٌ غربيَّ نيل مصر بالصعيد. انظر: تاج العروس ١٠/ ٢٩٨، مادة (سمهط)، معجم البلدان ٣/ ٢٥٥.
стр. 66
أصحابها الأصليين - فإنهم كانوا لا يُمَرِّنون أحدًا على طرق صناعتهم، إلا أن يكون من أبنائهم، ولا يسمحون لأي شخصٍ في مشاركتهم إلا أن يكون قد أتى ليحل محل أحدهم، وفي هذه الحالة يقبل بشروط خاصة (١).
التجارة الخارجية:
شاءت الأقدار أن يكون قيام دولة المماليك في مصر والشام في منتصف القرن السابع الهجري مصحوبًا بازدهار طريق البحر الأحمر وموانئ مصر، واضمحلال ما عداه من طرق التجارة الرئيسية الأخرى بين الشرق والغرب، ذلك أنه لم يكد يمضي على قيام دولة المماليك سنوات معدودة حتى استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م)، وامتد نفوذهم إلى الشام وآسيا الصغرى، فضلًا عن بلاد فارس التي اتخذها هولاكو مركزًا لدولته في الشرق الأوسط، وبذلك اضمحل طريق التجارة البري بين الصين من جهةٍ، وآسيا الصغرى وموانئ البحر الأسود من جهةٍ أخرى.
وقد ترتب على غزوات المغول انعدام الأمن في تلك الطرق، واعتداء اللصوص على القوافل والتجارة. وكان ذلك في الوقت الذي قَلَّ فيه إقبال السفن التجارية الآتية من الشرق الأقصى على الخليج الفارسيّ، بسبب ازدياد نشاط القراصنة من سكان جزر البحرين في ذلك الخليج، ومِنْ ثَمَّ تحولت السفن التجارية إلى اليمن وميناء عدن بالذات، مما أدى إلى انتعاش طريق البحر الأحمر - مصر، الأمر الذي أتاح لسلاطين المماليك في مصر
_________
(١) انظر: العصر المماليكي ص ٢٩١ - ٢٩٦.
стр. 67
فرصةً ذهبيةً للإفادة من القيام بدور الوسيط بين تجار الشرق وتجار الغرب، وذلك بتنشيط التجارة في البحر الأحمر بمختلف الطرق، فقام السلطان قلاوون يتودد إلى القوى الإسلامية الواقعة في حوض البحر الأحمر ويحسِّن علاقته بحكامها، فأرسل يعاهد ملك اليمن على التحالف والمودة وبعث إليه بالهدايا، وكذلك فعل مع شريف مكة.
على أنَّ جعل مصر حلقة الوصل في النشاط التجاري بين الشرق والغرب كان يتطلب أمرين:
أولهما: تأمين طرق التجارة داخل مصر ذاتها حتى تصل البضائع سليمة من موانئ البحر الأحمر إلى موانئ البحر المتوسط.
وثانيهما: إغراء تجار الشرق على جلب بضاعتهم إلى موانئ مصر المطلِّة على البحر الأحمر، ثم إغراء التجار الأوروبيين على التردد على الإسكندرية ودمياط لشراء ما يلزمهم من حاصلات الشرق.
أما عن الأمر الأول فإن السلطان قلاوون ومَنْ خَلْفه مِنْ سلاطين المماليك حرصوا على أن يضربوا بيدٍ من حديدٍ على العابثين والمعتدين على قوافل التجارة بين النيل والبحر الأحمر، وبخاصة قبائل الأعراب الذين سكنوا تلك الجهات والذين اعتادوا حياة السلب والنهب, حتى أن قوافلَ الحجاج نفسَها لم تسلم من عبثهم.
وأما عن الأمر الثاني فإن السلطان قلاوون أرسل إلى نُوابه بالثغور يأمرهم بحسن معاملة التجار وملاطفتهم والتودد إليهم وترغيبهم، ومراعاة
стр. 68
العدالة فيما يَجْبونه منهم من أموال بحيث لا يأخذون منهم سوى الحقوق السلطانية.
وفي الوقت الذي دأب سلاطين المماليك على تشجيع تجار الشرق الأقصى بوجه خاص على الحضور ببضائعهم إلى مصر، حرصوا أيضًا على الترحيب بالتجار الأوروبيين الذين يفدون إلى الإسكندرية ودمياط لشراء حاصلات الشرق، ولا أدل على اتساع أفق سلاطين المماليك ورغبتهم الأكيدة في الاستفادة من موقع مصر التجاري، من أنهم فَرَّقُوا بين الحرب والتجارة، فقدموا كافَّة التسهيلات للتجار الغربيين في الوقت الذي كانوا يحاربون الصليبيين ومِنْ خلفهم الغرب الأوروبي.
وقد ترتب على تشجيع سلاطين المماليك للتجار الأوروبيين على القدوم إلى مصر أن كَثُر عددهم، وقد قدَّر بعض الباحثين الأوروبيين عددَ الأجانب في الإسكندرية وحدها في أوائل القرن الرابع عشر للميلاد (أي: أوائل القرن الثامن الهجري) بحوالي ثلاثة آلاف تاجر أوروبي. وكان لكل جالية من هؤلاء الأجانب قُنصل يشرف على شؤون أفراد الجالية ومصالحِهم، وإذا ما حدث مِنْ طائفةِ أحدِهم ما يشين الإسلام يُطلب منه الكفُّ عن ذلك. واتخذت كلُّ جاليةٍ لنفسِها فُندقًا أو أكثر ينزل فيه أفرادها، ورُتِّبت أمور هذه الفنادق بحيث تكون لكلٍّ منها إدارة مستقلة، على رأسها مدير يدير شؤون الفندق.
وهكذا نجحت مصر في عصر سلاطين المماليك في أن تستأثر بالجزء
стр. 69
الأكبر من التجارة العالمية بين الشرق والغرب، ولم يدَّخر سلاطين المماليك وسعًا في تقوية تلك الروابط الاقتصادية بين مصر وبلدان الشرق والغرب، عن طريق المعاهدات والاتفاقيات والاتصالات الدبلوماسية مع ملوك وحكام تلك البلدان (١).
التجارة الداخلية:
أما التجارة الداخلية فكانت على درجة واسعة من النشاط على عصر سلاطين المماليك، فاشْتَهَرت المدنُ المصرية - وعلى رأسها القاهرة - بأسواقها العامرة ذات الطابع الخاص المميَّز، وأهم ما في هذه الأسواق أن كل سوقٍ منها اختص بنوعٍ معيَّن من البضائع، فسوق الشمَّاعين اختص ببيع الشمع، وسوق النحَّاسين اختص ببيع النحاس، وهكذا.
ومن محاسن هذا النظام أن التاجر لم يستطع أن يشذ عن جيرانه أو أن يرفع أسعار السلعة التي يتجر فيها؛ لأن منافسيه على مقربةٍ منه، كما أن المشتري إن لم يعجبه نوعُ السلعة أو ثمنها فإنه يستطيع أن ينتقل في سهولة من متجر لآخر دون أن يتحمل أدنى مشقة. أما عيوب هذا النظام فأهمها أن الفرد إذا أراد شراء عدة أصناف متباينة من البضائع فعليه أن يقطع المدينة كلها طولًا وعرضًا حتى يقضي حاجاته؛ لأنه لن يجد في السوق الواحد سوى نوعٍ واحدٍ من البضائع.
أما المواد الغذائية فوجدت لها أسواق قائمة بذاتها، منها بالقاهرة سوق
_________
(١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢٩٦ - ٣٠١، ٣٠٣.
стр. 70
باب الفتوح، وسوق بين القصرين، وسوق باب الزهومة، وكلها اشْتَهَرت في ذلك العصر بكثرة المعروض فيها من لحوم وخضروات وزيوت وألبان. . . فضلًا عن اكتظاظها بجمهور المشترين.
أما الفواكه فكان لها سوق خاص بها قرب باب زويلة، وعُرف هذا السوق باسم دار التفاح، كانت تحمل إليه ثمار البساتين المحيطة بالقاهرة، حيث يتفنن الباعة في عرضها، ويتأنقون في تنضيدها واحتفافها بالرياحين والأزهار.
وقد حفلت البلاد في ذلك العصر بالمنشآت الخاصة بالتجار الأتراك واليمنيين والهنود والفرس والمغاربة وغيرهم، وجرت العادة أن التجار المسلمين الوافدين من بلدٍ واحدٍ كانوا ينزلون في وكالةٍ معينة حيث يألفون بعضهم ببعض، فوكالة قوصون مثلًا كان ينزلها التجار الوافدين ببضائع بلاد الشام، مثل: الزيت والصابون والفستق واللوز والجوز وغيرها، وفي الوكالة يستطيع التاجر أن يضع أمواله وبضائعه في مأمن من كل سوء، وفي الوقت نفسِه حرص سلاطين المماليك على حراسة الوكالات من عبث العابثين، كما أنهم احتاطوا عليها من خطر الحرائق وغيرها.
ولم يترك سلاطين المماليك حركة البيع والشراء في الأسواق دون رقيبٍ أو حسيب، وإنما عَهِدوا إلى المُحْتَسِبِين بالطواف ليلًا ونهارًا للتفتيش على الباعة، وضبط مَن يحاول التلاعب في الأسعار أو الأوزان أو أصناف البضاعة. وقد رُوعي في المحتسِب دائمًا أن يكون ذا رأيٍ وصرامةٍ وخشونةٍ
стр. 71
في الدين. وكانت رقابة المحتسِب أشدَّ ما تكون على الأطعمة والمشروبات التي تباع في الأسواق والطرقات؛ للتأكد مِنْ سلامتها ونظافتها، حرصًا على صحة الناس، فإذا وجد بعضها فاسدًا أخذ البائع بالشدة (١).
وبعد هذه الدراسة الموجزة عن الحياة الاقتصادية في عصر المماليك نتكلم عن الأحوال الداخلية للمجتمع.
بناء المجتمع:
كان المجتمع في عصر المماليك مجتمعًا طبقيًا، بمعنى أنه تألف من عدة طبقات متميزة بعضها عن بعض في خصائصها وصفاتها ومظاهرها، فضلًا عن نظرة الدولة لها ومقدار ما تتمتع به من حقوق أو تنهض به من واجبات.
وفي ظل مثل هذا التنظيم الطبقي يبدو الفارق كبيرًا بين الحكام والمحكومين، وبخاصة إذا كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، لم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الدم أو الأصل والجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الحالات بروح التجاوب مع الأهالي، والعطف على مصالحهم، والعمل من أجل رفاهيتهم.
والواقع أن المماليك حكموا البلاد دائمًا بوصفهم طبقة عسكرية ممتازة، استأثروا بالحكم وبشؤون الحرب، ونظروا إلى الأهالي على أنهم أقلُّ منهم درجة أو درجات، لا ينبغي لهم أن يشاركوا في الحياة الحربية،
_________
(١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٠٨ - ٣١٠.
стр. 72
وإذا سمح لبعضهم بالمشاركة في شؤون الحكم فبالقدر المحدود الذي تخوِّله صلاحيتهم. وتشير الشواهد التاريخية إلى أن المماليك لم يكونوا جميعًا من أصل واحد، بل كان منهم التركي والجركسي والمغولي والصيني والأسباني والألماني واليوناني والسلافي وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر. وقد شجع التجارَ على مزاولة تلك التجارة الأرباحُ الطائلة التي كانوا يحصلون عليها من وراء الاشتغال بها، إذ لم يضن سلاطين المماليك وأمراؤهم بالمال في شراء مزيد من المماليك يكونوا لهم سندًا ودعامة تقوِّي مركزَهم داخلَ البلاد وخارجَها. وبقدر ما في الملوك من مزايا وصفات طيبة ومواهب بقدر ما يرتفع ثمنه، وبالعكس بقدر ما قد يكون فيه من عيوب بقدر ما ينحط سعره، ولعل هذا هو السر في أن مملوكًا مثل قلاوون عُرف بالألفي؛ لأنه اشْتُرِي بألف دينار، وهو مبلغ كبير يستحق الفخر؛ لأنه يشير إلى عِظَم مواهبه وحُسْن صورته.
وقد عُني سلاطين المماليك عنايةً فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددًا من المماليك أرسلهم أولًا لفحصهم للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك يُنزل كلًا منهم في طبقة جنسه بحيث لا يقيم في طبقةٍ من الطباق المخصَّصة للمماليك بالقلعة إلا المماليك ذوي الأصل المشترك أو المجلوبين من بلدٍ واحد. ويقوم بتربية المماليك في الطباق مجموعة من الطواشية الخِصْيان، فَضلًا عن الفقهاء الذين كانوا يترددون على الطباق لتعليم المماليك القرآن والخط وأحكام الدين الإسلامي، ثم إن الأساتذة - من سلاطين وأمراء - لم يضنوا على مماليكهم
стр. 73
بالأرزاق والأموال، وإنما نظروا إليهم نظرة أبوة مشبعة بالعطف والحنان، فخصصوا لهم أشهر الأطعمة وصرفوا لهم الكسوات الفاخرة.
فإذا شب المملوك وأدرك سن البلوغ بدأ تعليمه فنونَ الحرب والفروسية، حتى إذا انتهت هذه المرحلة التعليمية خرج من الطباق وانتقل في أدوار الخدمة السلطانية رتبةً بعد أخرى حتى يُصبح من الأمراء، وعندما يغادر المملوك الطباق تُعطى له جامكية (١) أو مصروف يبلغ ستة دنانير في المتوسط، ولكنه سرعان ما ينتقل من الجامكيات إلى الإقطاعات وإلى إمرة العشرات (٢) ثم الطبلخانات (٣)، وعندئذٍ يصبح الأمير سلطانًا مختصرًا.
وإلى جانب طبقة المماليك - وهم حكام البلاد - وجدت جماعة المُعَمَّمِين أو أهل العمامة، وهذه الطبقة كانت تشمل أرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكتاب. والملاحظ أن هذه الفئة امتازت طول عصر المماليك بمميزات معيَّنة على الرغم مما تعرض له أفرادها من الامتحان أحيانًا. ويبدو أن المماليك أحسوا دائمًا بأنهم غرباء عن البلاد
_________
(١) الجامكية: وجمعها جوامك، الراتب المربوط لشهر أو أكثر. انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٤٢٦.
(٢) إمرة العشرات: هى درجة من درجات الإمارة، وعدة كل إمرة عشرة فوارس. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥.
(٣) أمراء الطبلخاناه: هم أعلى رتبةً من أمراء العشرات؛ لأن عدة كلٍّ منهم في الغالب أربعون فارسًا، وقد يزيد بعضهم إلى سبعين أو ثمانين فارسًا. ومن أمراء الطبلخاناه تكون الرتبة الثانية من أرباب الوظائف والكُشَّاف بالأعمال، وأكابر الولاة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥.
стр. 74
وأهلها، وبأنهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم، ويستعينون بها على إرضاء الشعب، فلم يجدوا أمامهم سوى فئة العلماء، بحكم ما للدين ورجاله من قوةٍ وأثر. فالمماليك احترموا العلماء ورجال الدين؛ لأنهم قوة لها خطرها في اكتساب الرأي العام في البلاد، ولأن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون.
ومن جهةٍ أخرى فإن المُعَمَّمين اعتدوا بمكانتهم في عصر المماليك فعمدوا أحيانًا إلى معارضة السلاطين في الحق، حتى حكى ابن بطوطة (١) عن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أنه قال: إني لا أخاف أحدًا إلا شمس الدين الحريريَّ (٢) قاضي قضاة الحنفية. على أن هذه المكانة الكبرى التي
_________
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله ابن بطوطة. رحَّالة، مؤرخ. ولد ونشأ في طنجة بالمغرب الأقصى سنة ٧٠٣ هـ. وخرج منها سنة ٧٢٥ هـ ورحل إلى الشرق فطاف بالبلدان، ولقي من الملوك والمشايخ خلقًا كثيرًا. ثم رجع إلى المغرب الأقصى فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده، وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزيِّ الكلبي بمدينة فاس سنة ٧٥٦ هـ، وسماها "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية، ونشرت بها، وترجمت فصول منها إلى الألمانية ونشرت أيضًا. واستغرقت رحلته ٢٧ سنة. ومات في مراكش سنة ٧٧٩ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٨٠، الأعلام ٦/ ٢٣٥، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣٥.
(٢) هو محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري القاضي شمس الدين بن صفي الدين الحريري الحنفي، كان أبوه يتجر في الحرير. ولد سنة ٦٥٣ هـ. ولي قضاء دمشق، ثم طُلب إلى مصر فولي القضاء بها سنة ٧١٠ هـ. له شرح على الهداية، ومصنف في منع استبدال الوقف. توفي سنة ٧٢٨ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٣٩، الجواهر المضية ٣/ ٢٥٠، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٨٢.
стр. 75
وصل إليها العلماء في عصر المماليك لم تمنع بعض السلاطين والأمراء من التعرض لهم بالنقد والتهكم.
ولم يرض المماليك أن تشاركهم فئةٌ من السكان في ركوب الخيل، فاشترطوا على السلاطين حرمان المتعممين من ركوبها، وكثيرًا ما انسابت جموع المماليك في شوارع القاهرة للاعتداء على الفقهاء والمعممين وإنزالهم عن خيولهم وسلبهم إياها.
أما التجار فكانوا يؤلفون طبقة مقربة أحيانًا إلى سلاطين المماليك؛ لأنهم أحسوا بأن التجار دون غيرهم هم المصدر الأساسي الذي يمدهم بالمال في ساعات الحرج والشدة، وتدل جميع الشواهد على أن التجار تمتعوا في عصر المماليك بثروات طائلة، وهذا أمر طبيعي في عصرٍ كانت مصر حلقة النشاط التجاري بين الشرق والغرب. على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حينٍ وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم، بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكُّم الظلمة فيهم (١).
_________
(١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٢٠ - ٣٢٤.
следующие страницы →