فِقْهٌ، ولا يلزم أن يُسَمَّى العالم بها فقيهًا؛ لأنَّ فعيلًا صفةُ مبالغةٍ مأخوذة من فَقُه بضم القاف إذا صار الفِقْه له سجية (١).
وقال بعضهم: إنها للعموم (٢) والمراد التهيؤ، أي: يكون له قوة قريبة من الفِعْل يمكنه بها العلم بجميع الأحكام إذا نَظَر، كما هي وظيفة المجتهد (٣)، وهذا حسن (٤) في اسم فقيه اسم الفاعل المقصود به المبالغة، لا في اسم الفِقْه المصدر (٥).
وقال بعضهم: إنها للعَهْد، والمراد: جملة غالبة بحكم أهلِ العُرْف، عندها يَصْدق الاسم، وهذا ليس بشيء (٦).
ومن التنبيهات: أنَّ قولنا: العلم بالأحكام - يصدق على ثلاثة أشياء:
стр. 457
أحدها: تصور الأحكام، وقد تَحَيَّلْنا في إخراجه.
والثاني: إثباتها، بمعنى: اعتقاده أنَّ الله أوجب وحَرَّم وأباح مِنْ غير علمٍ بأنه أوجب كذا، أو حَرَّم كذا، أو أباح، وهذا أيضًا ليس من الفقه في شيء، بل هو من أصول الفقه (١).
الثالث: وهو المقصود، إثباتُها مُعَيَّنة لموضوعاتٍ مُعَيَّنة، وقد عَبَّر بعضهم عن هذا بقوله: "الأحكام الجزئية" وأشار إلى أنَّ هذا لا بد من زيادته في الحد.
الوجه الرابع قوله: "الشرعية ": يُخرج الأحكام العقلية، مثل: كون فعل العبد عَرَضًا (٢)، أو جنسا وغير ذلك (٣).
والمراد بالشرعية: ما يتوقف معرفتُها على الشرع. والشرع: هو الحكم، والشارع: هو الله تعالى، ورسوله مبلِّغ عنه، فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله ﷺ .
стр. 458
وبما ذكرناه (١) يندفع قولُ مَنْ قال: إنَّ الأحكام العقلية شرعية، باعتبار أنَّ الله تعالى خلقها، وأنها تحت قضائه وقدره.
وقد وقفتُ على شرحٍ لهذا الكتاب (٢) فيه أنَّ قولَه: "الشرعية" احتراز عن الأحكام العقلية، وتنبيه على أنَّ الحق: أنَّ الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل، كما هو مذهب المعتزلة (٣).
واعلم أنَّ المعتزلة لا يُنكرون أنَّ الله تعالى هو الشارع للأحكام، وإنما يقولون: إن العقل يُدرك أنّ الله شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها، فهي طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، فليس في قوله: "الشرعية" تنبيه على خلاف قول المعتزلة، وإنْ كان قول المعتزلة باطلًا، ولعله اسْتَنَد في هذا إلى قول الإمام، فإنه قال: قولنا: الشرعية احترازٌ عن العلم بالأحكام العقلية، كالتماثل والاختلاف، والعلم بقُبْح الظلم وحُسْن الصدق، عند مَنْ يقول بكونهما عقليين (٤).
وكلام الإمام هذا صحيح، ومعناه: أن الحُسن والقُبح لا يُدْرَكان بالعقل عندنا، فلا يُحْترز عنهما، وأما عند المعتزلة فَيُدْرَكان بالعقل وهما حكمان عقليان يُحترز عنهما، وليس العلم بهما فِقْها، والحكم الشرعي تابع لهما على رأي المعتزلة لا عَيْنُهما، فما كان حَسَنًا جَوَّزه الشرع، وما
стр. 459
كان قبيحًا منعه، فصار عند المعتزلة حكمان: أحدهما: عقلي، والآخَرُ: شرعي تابع له.
والفقه هو العلم بالثاني؛ فلذلك (١) احترز عن الأول عندهم.
وكلام هذا الشارح يقتضي أنهم يطلقون على العلم بالأحكام العقلية فِقْهًا، وليس كذلك (٢).
فإذا تُؤُمِّل كلام الإمام كان رادًّا على ما قاله هذا الشارح.
وهذا "المعتمد" وغيره من كتب المعتزلة وفيها الأحكام الشرعية في
стр. 460
تعريف الفقه (١).
وقال هذا الشارح أيضًا: إنَّ وجه نسبة الأحكام إلى الشرع: أن تعلقاتها التنجيزية، أو العلم بتعلقاتها التنجيزية - مستفادٌ من الشرع، لا أنَّ نفس الأحكام، أو تعلقاتها العلمية - مستفاد (٢) من الشرع؛ فإنَّ الشرع حادث، والأحكام وتعلقاتها العلمية قديمة، والقديم لا يستفاد من الحادث (٣). انتهى ما قاله، وكأنه لما رأى الأصحاب يقولون: لا حكم قبل الشرع، وأمثال هذه العبارة، قاصدين: لا حكم قبل البعثة - تَوَهَّمَ أنَّ الشرع: هو البعثة، فقال: إنه حادث، وليس كما قاله ولا كما توهمه، وإنما الشرع ما قدمناه (٤).
وأما قول الأصحاب فمرادهم به: لا حكم قبل العلم بالشرع، أو عَبَّروا بالشرع عن البعثة على سبيل المجاز؛ لأن بها يُعرف ويَظْهر (٥)، وهذا هو الأظهر من مرادهم، وصاحب هذا الكلام لم يَذْكر كلامَ الأصحاب هذا، ولكني أنا ذكرته مأخذا له ودفعتُه، فإني استنكرتُ قولَه: الشرع (٦) حادث، أما سمع قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ
стр. 461
نُوحًا﴾ (١) فإنْ كان الشرع حادثًا فالحكم حادث، وهو لا يقول به، وإنْ قال به رُدَّ عليه.
ثم مضمون كلام هذا القائل أن تكون الأحكام في الأزل ثابتةً وهي غير شرعية، وهذا شيء لم يقل به أحد.
أما أنَّ ذلك مضمون كلامه - فلأنه صَرَّح بأن الأحكام قديمة، وفَسَّر نسبتها إلى الشرع بشيء حادث، وأما أنَّ ذلك لم يقل به أحد - فلأن الناس منهم مَنْ قال: الحكم الشرعي قديم، ومنهم مَنْ قال: الحكم حادث.
أما قِدَم الحكم وحدوث كونه شرعيًا فلا قائل به.
فإنْ قال أُسَمِّيه شرعيًا؛ لأنه بصدد أن يُستفاد من الشرع الحادث.
قلنا: سَمِّه (٢) شرعيًا؛ لأنه حكم من الشارع الحقيقي القديم.
الوجه الخامس قوله: "العملية " قيدٌ (٣) لم يذكره ابن الباقلاني (٤)،
стр. 462
وذكره غيره.
وقال الإمام: إنه احتراز عن العلم بكون الإجماع حجة، والقياس حجة، فإن كل ذلك أحكام شرعية مع أنَّ العلم بها ليس (من الفقه؛ لأن العلم بها ليس) (١) علمًا بكيفية عمل (٢).
وأشار الغزالي إلى ما ذكره (٣)، وهو يُبَيِّن أنَّ المراد بالأحكام الشرعية هنا: ما استفيد من الشرع. وهو أعم من تفسير الحكم الشرعي الذي سيأتي (٤)، فإنه لو أريد ذلك لاستغنى عن قوله هنا: العملية. وأخص من مطلق الحكم (٥)، ويصير لفظ الحكم الشرعي مشتركًا بين ما ذكره هنا وهناك.
وكان شيخنا أبو الحسن الباجي يختار أنَّ قيد: "العملية"
стр. 463
احتراز عن أصول الدين.
(وفيه نظر؛ لأن أصول الدين) (١) منه ما يثبت بالعقل وحده، كوجود الباري تعالى، ومنه ما يثبت بكل واحد من العقل والسمع كالوحدانية، ومنه وجوب اعتقاد ذلك، ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع لقصور العقل عن معرفته (٢).
فأما الأول والثاني فخرجا بقولنا: "الشرعية"، وتفسيرنا إياها (بما يتوقف) (٣) على الشرع.
وأما الرابع فقد يقال: إنه داخل في الشرعية، والأَوْلى أن يُجْعل هو والأَوَّلان خارجة عنها (٤)؛ (بأن يراد بالحكم) (٥) الإنشائي لا الخبري، ولا شيء من الثلاثة بإنشاء. وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي، فإنْ كان ذلك لا يُسمى فقهًا (فيصح الاحتراز عنه، وهذا مستند للشيخ (٦)، فإنَّ الظاهر أنَّه لا يُسمى فقهًا) (٧) فلا بد من إخراجه، وما في الحد ما يُخرجه إلا القيد المذكور (٨).
стр. 464
ويَرِد على إخراجها وإخراج أصول الفقه بذلك أنَّه (١) إنْ أريد بالعمل عَمَلُ الجوارح والقلب - فلا تَخْرج لدخولها في أعمال القلوب، وإنْ أريد عمل الجوارح فقط خرجت النية، وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء في الردة وغيرها فيها مما يتعلق بالقلب (٢)؛ ولذلك ترك الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية، وقالا: الفرعية؛ لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل القلب (٣).
ولعل الفقهاء إنما ذكروا ذلك لما يترتب عليه من الصحة والبطلان (٤)، والمؤاخذة، المتعلِّقات بالأعمال، كما يُذكر في بعض العلوم ما يَتَعَلَّق به من علم آخر.
ثم إن كون الإجماع حجةً مثل: كون الزنا سببًا لوجوب الحد، وقد منع الإمام بعد ذلك أنَّه حكم شرعي (٥)، فَعَلَى طريقته (٦): لا حاجة له إلى إخراجه (٧).
стр. 465
وطريق (١) الجواب عنه: أنَّ مراده هناك أنَّه ليس بحكم زائد على إيجاب الحد (٢)، وكذا كون الإجماع حجة معناه:
إيجاب العمل به (٣) وبمقتضاه فوجب (٤) الاحتراز عنه (٥).
стр. 466
الوجه السادس: قوله: "المكتسب من أدلتها " صفةٌ للعلم، وفي بعض النسخ: المكتسبة، صفة للأحكام، والأول أحسن بل يتعين، وإلا لاحتاج الحد إلى زيادة قوله: إذا حصل بالاستدلال.
وعلى كلا التقديرين فهو احتراز عن علم الله تعالى، وما يُلقيه في قلب الملائكة والأنبياء من الأحكام من غير اكتساب.
واحترازٌ أيضًا عن العلم بوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوه، مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنَّ لفظ الفقه يُشْعِر بالعلم بما فيه دِقَّة ولا دقة في ذلك؛ ولأن العوام يعلمون ذلك ولا يُسَمَّوْن فقهاء.
وقال التِّبْريزيُّ (١) في هذا القسم المعلوم بالضرورة: إنه فِقْه وإن لم يسم المتصِف به فقيهًا؛ فذلك لأنَّ للعلماء في اسم الفقيه عرفًا كما أنّ لهم في اسم الفِقْه عرفًا، وكون تلك العلوم ضرورية، لا يخرجها عن كونها فِقْهًا
стр. 467
فإنَّ معظم علوم الصحابة بشرائع الأحكام كان كذلك.
وهذا الذي قاله التبريزي هو المختار، وأن ذلك يُسَمَّى فقهًا، ولذلك يُذْكر في كتب الفقه، وإنما لا يطلق على العالم به وحده اسم "فقيه" لما فيه من المبالغة، وفقيه اسم فاعل من فَقُه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية. وهو وصف له في نفسه لا يتعدى إلى غيره. والفِقْه هو مطلق الفهم، وهو صفة يتعدى إلى المفهوم (١).
والضمير في "أدلتها" للأحكام، ولو قال: عن أدلته - لصح أيضًا على ما في النسخ المشهورة من جعل المكتسب صفة للعلم.
الوجه السابع: قوله: "التفصيلية ": جعله الجمهور احترازًا عن اعتقاد المقلد؛ فإنه (اعتقاد لحكم) (٢) شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي: وهو أنَّ هذا أفتاني به المفتي (٣)، (وكل ما أفتاني به
стр. 468
المفتي) (١)، فهو حكم الله في حقي (٢).
وهو دليل عام لا يختص بمسألة بعينها (٣)، ومقدمته الأولى حسية، والثانية إجماعية، ولذلك (٤) قال الإمام هنا: إنَّ هذا القيد يُخْرج ما للمقلِّد من العلوم (٥).
فجعل الحاصل عند المقلِّد علمًا، وأدرجه في جنس حد الفقه، وأخرجه بهذا الفصل، لكنه بعد ذلك جَعَله قسيم العلم؛ فإنه لغير مُوجِب، والعلم لموجِب (٦).
وإذا لم يكن اعتقاد المقلد علمًا لم يدخل في الجنس، وهو
стр. 469
قوله (١): "العلم"، فلا يحتاج إلى إخراجه بالفصل، إلا أن يريد بالعلم: الاعتقاد الجازم المطابق (٢). أعم مِنْ أن يكون لموجب أوْ لا.
وهنا تم الحد.
والنسخة التي فيها: "المكتسبة" بالهاء لا يتم الحد هنا، لأنَّ المسائل التي يعلمها المقلِّد هي مُسْتَدَل عليها في نفس الأمر بأدلة تفصيلية مكتسبةٍ لغيره، فلا يخرج إلا بأن تقول: إذا حَصَلت أو حَصَل علمها بالاستدلال (٣).
(قيل: الفقه من باب الظنون).
هذا سؤال على قوله: العلم (٤)، فاقتضى أنَّه لا شيء من الفقه بظني، ونحن نبين أَنَّه كله ظني؛ لأنَّه موقوف على الظني (٥)، والموقوف على الظني ظني (٦).
стр. 470
أما كون الموقوف على الظني ظنيًا (١)؛ فلأن الظني يحتمل العدم، وعلى تقدير عدمه يُعْدَم الموقوف عليه، فلزم كونه (٢) ظنيًا غير مقطوع به.
وأما كون الفقه موقوفًا على الظني (٣)؛ فلأنه موقوف على أدلته، وأدلته: نص، أو إجماع، أو قياس.
فالقياس كله ظني، والإجماع اختلف فيه.
وعلى تسليم أنَّه قطعي، فوصوله إلينا بالظن، على أنَّه في غاية الندور (٤).
والنص قسمان:
آحاد: لا يفيد إلا الظن.
ومتواتر: وهو مقطوع المتن مظنون الدلالة، وإن اقترن به قرائن حتى أفاد العلم الْتَحَق بالمعلوم من الدين ضرورة، وأنتم قلتم: إنه لا يكون فقهًا، ومقتضى ذلك أن يكون كل الفقه مظنونًا، ولا شيء منه بمعلوم (٥) على عكس ما اقتضاه الحد (٦).
стр. 471
وفي بعض النسخ: (قيل: من باب الظنون)، أي الفقه، وحَذَفه (١) لدلالة الكلام عليه.
(قلنا: المجتهد إذا ظَنَّ الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به، للدليل القاطع على وجوب (اتباع الظن) (٢)، فالحكم مقطوع والظن في طريقه).
مضمون هذا الجواب أنَّ الفقه كله قطعي لا ظني وهذه المقالة نُسِبت (٣) إلى أكثر الأصوليين، وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف.
وتقريره بالمثال أن نقول في الوتر مثلا: الوتر يصلى على الراحلة (٤)،
стр. 472
(وكل ما يصلى على الراحلة) (١) فهو سنة، فالوتر سنة (٢).
والمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد، والثانية بالاستقراء، وهما لا يفيدان إلا الظن، فالنتيجة ظنية، لتوقفها على الظن. وهذا الظن هو (٣) الذي أراده المصنف بقوله: "والظن في طريقه".
وأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة وقفوا عندها واعتقدوا أنها الفقه، وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء، وعليه بنى السائل سؤاله.
والأصوليون لم يقفوا عند ذلك؛ لأنَّ الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل، فنظروا (٤) وراء ذلك، وقالوا: لما حصلت هذه النتيجة: وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنًا - ركَّبْنا قياسًا آخر من مقدمتين هكذا: الوتر مظنون سنيته، وكل ما هو مظنون سنيته فهو سنة في حق مَنْ ظنه.
والمقدمة الأولى قطعية، لأنها وُجْدانية (٥)، فإنَّ الظَّانَّ يجد من نفسه الظَّنَّ كما يجد الجوع والشَّبَع.
стр. 473
والمقدمة الثانية: قطعية؛ لقيام الإجماع على أن حكم الله تعالى في حق كل مجتهدٍ ما أدَّاه إليه اجتهادُه، وفي حق مَنْ قلّده، حتى لو اعتقد خلافَ الإجماع لدليلٍ - كان حكمَ الله في حقِّه إلى أن يطلع على مخالفته الإجماع (١)، وهذا الإجماع (٢) نقله الشافعي في "الرسالة"، والغزالي في "المستصفى".
وإذا تقررت المقدمتان - كانت النتيجة: الوتر سنة في حَقِّ مَنْ ظنه، وهي قطعية؛ لأنها تابعة لمقدمتين قطعيتين، ولا يضرها وقوعُ الظن في مقدمتي القياس الأول ونتيجته (٣)، وهي طريق القياس الثاني؛ لأنَّ الظن إنما يضر إذا كان في مُقَدِّما الدليل، وهنا مُقَدِّمتا القياس قطعيتان، والمظنون خارج عنهما (٤)، ووجود الظن (الذي هو مقدمة
стр. 474
القياس) (١) الثاني ليس مظنونا (٢).
وهذا التقرير على حُسْنه إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل (٣)؛ فلذلك اختار جماعة أنَّ الفقه هو العلم أو الظن (٤)، والإنصاف أنهما مقامان: اعتقاد كون الحكم عند الله كذا لا يمكن دعوى القطع فيه، واعتقاد وجوب العمل بما ظَنَّه من ذلك - دعوى القطع فيه ممكنة.
والفقهاء نظروا للأول، والأصوليون نظروا للثاني، ولا مشاحة (٥) في الاصطلاح، ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد.
على أني أقول: قولهم: حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، معناه: أنه يجب عليه اتباعه، ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح، وبغير هذا التفسير ممنوع، فإنا إذا قلنا: المصيب واحد
стр. 475
والمخطئ معفو عنه، لا يستمر هذا الإطلاق (في حقه) (١)(٢)، وإن كان بعضهم قال: إنه يتعين التكليف، ولكن يجب حمله على أنّه يأثم بترك ما ظنه واجبًا، وبفعل ما ظنه حرامًا؛ لجرأته على ربه بحسب اعتقاده.
وأما أنَّ ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر (فلا، كمن ظَنَّ زوجته أجنبية فَوَطِئها يأثم، ولكن ليس إثمه يساوي إثم الزاني) (٣).
وقول المصنف: "للدليل القاطع على وجوب اتباع الظن" يشير به إلى الإجماع الذي جعلناه دليل المقدمة الثانية من القياس الثاني، ومَنْع بعضِ الناس قطعية هذا الدليل ليس بجيد (٤)؛ لأنَّه لا بد لنا من دليل قاطع على اتباع الظن دفعًا للتسلسل، أو إثبات الظن بنفسه (٥)، فلا بد من قاطع: إما
стр. 476
إجماعٌ وحده، وإما مع قرائن تحتف به تفيد القطع.
وهذا المعنى والتقرير يحصل في كل (١) مسألة من مسائل الفقه، سواء كان دليلها نصًا، أم قياسًا، أم غيرهما مما يفيد الظن.
وقوله: "مقطوعٌ" أي: مقطوع به، ولكنه حَذَف الجار وتَوَسَّع بتعدية الفعل إلى الضمير (٢)(٣).
(ودليله المتفق عليه بين الأئمة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس).
قوله: "المتفق عليه" إشارةٌ إلى أنَّ ثَمَّ أدلةً مختلفًا فيها وسنذكرها.
وقوله: "بين الأئمة"، أي: المُعْتَبَرين، وإلا فقد أنكر بعض الناس القياس، وبعضهم الإجماع، ولعله لا يُسمِّي (مَنْ أنكر) (٤) ذلك إمامًا، وهو
стр. 477
حقٌّ؛ لأنَّ الإمام مَنْ يُقتدى به وهؤلاء لا يقتدى بهم، فلذلك أطلق الأئمة (١).
ووقع في بعض النسخ: "الأمة"، والأول أصح لبعد التجوز في الثاني.
(ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها).
لا بد معناه: لا فراق (٢)؛ ولذلك قال ابن عبد السلام: إنه إذا حَلَف لا بد أنْ يفعل كذا، ولم يفعله على الفور - حنث.
والمختار (أنها لا تفيد الفور للعُرْف) (٣).
والأصولي: نسبة إلى الجمع؛ لأنّه (سُمّي به) (٤) كالأنصاري والأنباري (٥)، ولو لم يسم به لم تجز النسبة إلا إلى المفرد فيقال: أصلي (٦).
стр. 478
والحكم على الشيء بالإثبات أو النفي مسبوق بتصور، والأصولي يريد أنْ يُثبت الوجوب مثلًا للأمر، والتحريم للنهي، أو ينفيهما، وكذلك بقية الأحكام؛ فلذلك لا بد أن يتصورها أوَّلًا وقَصْدُه بهذا وَجْهُ الحاجة إلى تقديم (١) هذه المقدمة.
(لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب).
الذي يسبق إلى الذهن مِنْ "لا جرم" في هذا الموضع أنَّ معناها: لأجل ذلك، أي: لأجل ما سبق رتبناه (على كذا) (٢).
وقد جاءت "لا جرم" في القرآن في خمسة مواضع مَتْلُوَّةٍ بأنَّ واسمها ولم يجيء بعدها فعل.
والذي ذكره المفسرون واللغويون في معناها أقوال:
أحدها: أنَّ "لا" نافيةٌ، و"جَرَم" فِعْلٌ معناه: حَقَّ، (وأنَّ وما في حَيِّزه فاعلُه) (٣). وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش (٤).
стр. 479
فقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ (١) معناه: رَدٌّ على الكفرة، وتحقيق لخسرانهم.
والثاني: أنَّ "لا" زائدة، و"جَرَم" معناه: كَسَب، أي: كسب لهم عملُهم الندامة.
(فأنَّ وما في حَيِّزها) (٢) على هذا القول في موضع نصب، وعلى الأول في موضع رفع (٣).
والثالث: أنَّ "لا جرم" كلمتان رُكِّبَتَا وصار معناهما حَقًّا (٤)، وكثيرًا (٥) ما يقتصر المفسرون على ذلك.
الرابع: أنَّ "لا جرم" معناها: لا بُدَّ، و"أنَّ" الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر (٦).
стр. 480
قال الفراء: "لا جَرَم كلمة كانت في الأصل بمعنى: لا بد ولا محالة، فكثر استعمالُها حتى صارت بمنزلة حَقًّا، تقول: لا جرم لآتينك" (١).
قال الواحدي (٢): "وُضِع مَوْضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن، كما قالوا: حَقًّا لأفعلن" (٣).
وأنتَ إذا تأملتَ هذه الأقوال لم ينطبق شيءٌ منها على معنى التعليل الذي قَصَده المصنف (٤)، والذي يظهر أنَّ التعليلَ مستفادٌ من ترتيب الحكم على الوصف.
وتصحيح كلام المصنف (٥) بأنْ يُقَدَّر: فلا جرم أنا رتبناه، فإضمار الفاء لإفادة التعليل، وتقدير أنَّ واسمِها لِتُوَافق مواقعَها من القرآن (٦).
стр. 481
أو يُنَزَّل الفعل منزلةَ المصدر ويُستغنى عن إضمار أنَّ، والتقدير: فحقًا ترتيبنا (١)
والمقدمة: بكسر الدال وفتحها وهو أشهر، فالكسر لأنها تُقَدِّم الناظرَ فيها إلى ما بعدها، والفتح لأنَّ الناظر يُقَدِّمها بين يديه إلى مقصوده.
هذا في مُقَدِّمة الكتاب، ومُقَدِّمة الدليل.
أما مُقَدِّمة الجيش فلم يحك الجوهري (٢) فيها إلا كسر الدال؛ لأنها تُقَدِّم الجيش (٣).
стр. 482
ووجه تقديم المقدمة في أول الكتاب كونه (لا بد للأصولي) (١) من تصور الأحكام (٢).
والكتب السبعة: منها الأربعة التي قدمها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، لكلٍّ منها كتاب.
والخامس: الأدلة المختلف فيها.
وهذه الخمسة هي الأدلة التي تضمنتها المعرفة الأولى مِنْ أصول الفقه.
والسادس: في التعادل والتراجيح المقصود بالمعرفة الثانية.
والسابع: في الاجتهاد المقصود بالمعرفة الثالثة.
وهذا جملة أصول الفقه.
(أما المقدمة: ففي الأحكام، ومتعلقاتها، وفيها بابان: )
لما كانت مُتَعَلِّقات الأحكام يُحتاج إليها ذَكَرها معها، وإن لم يُبَيِّن فيما سبق إلا وجه الحاجة إلى تصور الأحكام.
стр. 483
مقدمة
الباب الأول: في الحكم
الفصل الأول: تعريف الحكم
стр. 484
(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:
الفصل الأول: في تعريفه .
الحكم: خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير) (١).
لما كان الكلام في الحكم الشرعي - لم يحتج إلى تقييده (٢). وقد تقدم الكلام في كونه إنشائيا أو خبريا. وتفسيره بالخطاب، وتقسيمه إلى الاقتضاء أو التخيير، يدل على أنَّ المرادَ الإنشائي.
والخطاب: مصدرُ خَاطَب يخاطب خطابًا ومخاطبة (٣)، وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابًا خلاف (٤).
стр. 485
قال القاضي أبو بكر: الكلام لا (١) يوصف بأنه خِطَاب دون وجود مخاطَب؛ ولذلك أحلنا أن يكون كلام الله في أزله، وكلام الرسول ﷺ في وقته - مخاطبةً على الحقيقة، وأجزنا كونه أمرًا أو نهيًا، وعلى هذا لا يُقال للمُوصِي إنه مُخَاطِبٌ بما يُودِعُه وصيتَه، ويقال: أَمَر مَنْ تُفْضِي (٢) إليه الوصية. انتهى.
فعلى هذا لا يصح أن يُؤخذ الخطاب في حَدِّ الحكم (٣)؛ لأنَّ الحكم عندنا قديم، ويجب أن يقال: الكلام (٤).
стр. 486
والمصنف تبع الإمام في لفظ "الخطاب" (١)، وكأنَّ الإمام رأى أنَّه يُقال في القديم باعتبار ما يصير إليه، وإذا قلنا لا يطلق الخطاب في الأزل، فهل يطلق بعد ذلك عند وجود المأمور والمنهي؟ .
ينبغي أن يقال: إنْ حَصَل إسماعه لذلك كما في موسى ﵇، فيسمى خطابًا بلا شك، وإلا فلا، على قياس قول القاضي.
وإذا سمينا ما يحصل إسماعه خطابًا، فلا يخرجه ذلك عن كونه قديمًا، على أصلنا في جواز إسماع الكلام القديم (٢).
وفي بعض نسخ الكتاب: (خطاب الله القديم) كأنه رأى أنَّ الخطاب يطلق على الكلام القديم، على غير مذهب القاضي، وعلى الأصوات والحروف الدالة على ذلك (٣)، وهي حادثة، فقال: "القديم"؛ ليخرجها.
وفي بعض النسخ لم يقل: القديم، نظرًا إلى أنَّ الخطاب هو الكلام،
стр. 487
والكلام حقيقة في النفساني فقط، وهو المشهور عند المتكلمين (١)، فلا حاجة إلى قوله: القديم.
فحصل في الخطاب قولان:
أحدهما: أنَّه الكلام: وهو ما تضمن نسبة إسنادية.
والثاني: أنَّه أخص منه، وهو ما وُجِّه من الكلام نحو الغير لإفادته (٢).
وإضافته إلى الله يُخرج خطابَ غيره.
"والمتعلِّقُ بأفعال المكلفين" يُخْرج المتعلِّق بذاته تعالى، والجمادات، وذوات المكلفين، وفعله تعالى، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣)(٤)
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (٥)(٦)، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ (٧)(٨).
стр. 488
والمراد بالمكلفين: مَنْ كان بالغًا عاقلا.
ولنا في الصبي خلاف: هل هو مأمور بالصلاة والصوم بأمر الشارع، أو بأمر الولي؟
وعلى كل تقدير ليس تكليفًا؛ لأنَّ أمر الندب لا كلْفة فيه.
ومَنْ رأى أَنَّه مأمور بأمر الشرع قال في حد الحكم: الخطاب المتعلِّق بأفعال العباد. ولا يَرِد عليه المجنون؛ لأَنَّه لم يُوَجَّه له خطاب.
ومنهم مَنْ يقول: بأفعال الإنسان؛ لأنَّ كلامنا فيما يتعلق بهم، وإنْ كانت الملائكة والجن مكلّفين لكنهم خارجون عن نظرنا (١).
وقوله: "بالاقتضاء أو التخيير"، يخرج قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) فإنه خطاب متعلِّق بأعمالنا على وجه الإخبار عنها بكونها مخلوقة؛ لكنه ليس اقتضاءً، ولا تخييرًا، فخرج عن الحد.
والمراد بالاقتضاء: الطلب، فيشمل طلب الفعل إيجابًا أو ندبًا، وطلب الترك تحريمًا أو كراهة.
والمراد بالتخيير: الإباحة (٣).
стр. 489
(قالت المعتزلة: خطاب الله قديم عندكم، والحكم حادث؛ لأَنَّه يُوصف به، ويكون صفة لفعل العبد، ومُعَلَّلًا به، كقولنا: حَلَّت بالنكاح وحرمت بالطلاق).
هذا سؤال على الحد مركب على مقدمتين:
الأولى: مُسَلَّمة، وإنْ كانت المعتزلة لا يقولون بها (١)، فإنا نقول بقِدَم الكلام.
والثانية: لا نقول نحن بها، فاستدلوا عليها بثلاثة:
(أحدها: أَنَّه - أي: الحكم -) (٢) - يُوصف به، أي: بالحدوث، فنقول: حَلَّت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالًا، وحَرُمت بعد أن لم تكن حرامًا، والبعدية تصريح بالحدوث.
والثاني: أَنَّه - أي: الحكم - يكون صفة لفعل العبد، فتقول: هذا الفعل حلال، (وهذا فعل حرام) (٣)، والعبد حادث ففعله أولى أن يكون حادثًا، فصفة فعله أولى بأن تكون حادثة.
стр. 490
والثالث: أَنَّه - أي: الحكم - يكون معلَّلًا به، أي بالحادث، كقولنا: حَلَّت بالنكاح، فالنكاح علة في الحل، وحَرُمت بالطلاق، فالطلاق علة في التحريم.
(وأيضًا فموجبية الدلوك (١)، ومانعية النجاسة (٢)، وصحة البيع وفساده (٣)، خارجة عنه) (٤).
هذا سؤال ثانٍ: وهو أنّ الحد غير جامع، والحد يجب أنْ يكون جامعًا لجميع أفراد المحدود، مانعًا مِنْ دخول غيره فيه، فمتى خرج منه شيء، أو دخل فيه غيره فسد (٥).
والمراد بالدلوك: زوال الشمس، هذا هو الصحيح. وقيل: غروبها (٦).
وكل منهما مُوجب لصلاة.
وغيره ذكر مع ذلك شرطية الطهارة، والمراد أنَّ هذه الخمسة أحكام شرعية غير الخمسة الأولى التي تضمنها الحد.
стр. 491
(وأيضا فيه الترديد، وهو ينافي التحديد) (١).
هذا سؤال ثالث على قوله: بالاقتضاء أو التخيير، و"أو" للترديد، والترديد ينافي التحديد؛ لأنَّ المقصود بالتحديد الإيضاح والبيان، والمقصود بالترديد الشك (٢) والإبهام (٣).
واعلم أنَّ مدلول "أو" إما شكٌ كقولك: جاء زيدٌ أو عمرو، وإما إبهامٌ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤)(٥)، وإما تبيينُ قسمةٍ كقولك: العدد زوج أو فرد، وإما إباحةٌ كجالس الحسن أو ابن سيرين، وإما تخييرٌ كخذ درهمًا أو دينارًا (٦).
стр. 492
فالشك والإبهام منافيان للبيان بلا إشكال، والتقسيم ليس فيه بيان المُقَسَّم (١)، والحد إنما يؤتى فيه بما يفيد البيان والتخيير والإباحة لا محل لهما هنا، وفيهما الترديد، فلا يدخلان في الحدود.
(قلنا: الحادث التعلق).
هذا جواب عن الوجه الأول، مِنْ تقرير المقدمة الثانية من السؤال الأول: وهو أن الحكم يُوصف بالحدوث، فمَنَع ذلك، وقال: الحادث إنما هو التعلق (٢)، فإذا قلنا: حَلَّت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالًا، فليس معناه أنَّ إحلالها حدث، وإنما معناه أَنَّه تعلق بالعبد، وهذا اختيار من المصنف أنَّ (٣) التعلق حادث، وهو المذكور في "المحصول" هنا (٤)، وفي موضع آخر خلافه (٥)، وهو المختار (٦). ولو كان التعلق حادثًا؛ لكان
стр. 493
الخطاب المتعلق حادثًا؛ ضرورة أخذ التعلق قيدًا فيه، ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثًا وهو قد فَرَّ منه.
وأن الكلام في الأزل لا يسمى حكمًا، ومِنْ ضرورته أن لا يكون أمرًا ولا نهيًا، ونحن لا نقول به (١)، ولا يُنْجِي من هذا إلا أن يُقال: وُصِف الحكم في الأزل بالتعلق على سبيل الصلاحية، ولكن هذا لا ضرورة إليه،
стр. 494
فالمختار أنَّ الإحلال مثلًا قديم، وكذلك تَعَلُّقه، وأن التعلق (١) نسبة فهو يستدعي حصول مُتَعَلِّقِه في العلم لا في الخارج، وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحِلُّ (٢)، وهو غير الإحلال، ناشئٌ عنه بشروط لما وُجِدت وجد، كما لو قلت: أَذِنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس، فالإذن قبل يوم (٣) الخميس موجود مُتعَلَّقٌ به، وأثره يظهر يوم الخميس، وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق (٤)، فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى، وكأن للتعلق (٥) طرفين:
(من جهة المتكلم يتقدم) (٦)، ومن جهة المخاطَب قد يتأخر (٧).
(والحكم مُتَعَلِّق بفعل العبد لا صفته، كالقول المتعلِّق بالمعدومات)
стр. 495
هذا جواب عن قوله: "ويكون صفة لفعل العبد"، فأجاب بأن الحكم قول متعلِّق بالفعل، لا صفة للفعل؛ لأنَّ معنى الإحلال قول الله: رفعتُ الحرج عن فاعله، وهذا القول صفة لله تعالى قائم بذاته، متعلِّق بغيره، لا صفة، كالقول المتعلِّق بالمعدومات إذا أخبرتَ عنها مثلًا، فليس القول صفة لها، وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم، وأما كون القديم متعلقًا بالحادث (فلا يمتنع) (١)(٢).
(والنكاح والطلاق ونحوهما مُعَرِّفات له، كالعالَم للصانع)
هذا جواب عن الدليل الثالث وهو قوله: "ومُعَلَّلًا به"، أي: بالحادث، كقولنا: حَلَّت بالنكاح، وحرمت بالطلاق.
فأجاب: بأن هذه العِلَل شرعية، والعلل الشرعية مُعَرِّفات لا مُؤَثِّرات (٣)، وكأن الله تعالى قال: إذا تزوج فلانٌ فلانةً (٤) بشروط