← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يحتج المصنف إلى زيادة قيد آخر (١). وأنا أقول في الأختين كذلك: إن الحرام الجمع فقط، وأُثْبِت الحرامَ المخيَّر كما أثبته القاضي أبو بكر وغيره من الأشعرية (٢) وأُمَثِّلُه بما إذا أعتق إحدى أمتَيْه، فإنه يجوز له وطء إحداهما، ويكون الوطءُ تعيينًا للعِتْق في الأخرى. وكذا إذا طلَّق إحدى امرأتيه، وقلنا: الوطء تعيين على أحد القولين، ففي هذين المثالين الحرام واحدة لا بعينها. وقسَّم القاضي الأفعال إلى: متماثلة، ومختلفة، ومتضادة. فالمتماثلة: لا يتعلق الأمر (ولا النهي) (٣) باثنين منها (٤) (لا جمعًا ولا تخييرًا) (٥) كالكونين (٦) في مكان واحد لعدم تمييزهما (٧)، والمختلفان:

стр. 527

كالكون (١) والكلام يصح الأمر والنهي عنهما جمعًا وتخييرًا. والضدان: يجوز [النهي] (٢) تخييرًا والنهي عنهما جميعًا (٣)، ولا يصح الأمر بهما جميعًا (٤). وصورة التحريم المُخَيَّر صريحًا أن (٥) يقول: حرمت هذا أو هذا. وكذا لو قال: لا تفعل كذا أو لا تفعل كذا. فإن قال (٦): لا تفعل كذا (٧) أو تفعل كذا (٨) (بإسقاط لا) (٩)، أو قال: لا تفعل كذا أو كذا - احتمل النهي المخيَّر والنهي عن كل منهما، وهو في الثاني أظهر (١٠)، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١١). وقريبٌ مِن هذا في المأخذ، وإن اختلفا في الصورة - قولُك: ما ضربتُ زيدًا وعَمْرًا، محتمل، فإذا قلت: ولا عمرًا - كان نَصًّا في أَنَّه لم يضرب واحدًا منهما.

стр. 528

وعند عدمها لا نَصَّ، ولا ظهور في ذلك (١). (والمكروه: ما يُمدح تاركه ولا يُذَمُّ فاعله). بقوله: "يمدح تاركه" (٢) خرج الواجب والمندوب والمباح، وبقوله: "ولا يذم فاعله" خرج (٣) الحرام. وليس معنى المكروه أنَّ الله لم يُرِدْ فعلَه، وإنما معناه ما ذكرناه، وليس هو حسنًا ولا قبيحًا (٤). وفي المكروه ثلاثة اصطلاحات: أحدهما: الحرام، فيقول الشافعي: أكره كذا، ويريد التحريم، وهو غالب إطلاق المتقدمين (٥)، تحرزًا عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ الْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٦)، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.

стр. 529

الثاني: ما نُهِي عنه نَهْيَ تنزيه، وهو المقصود هنا. الثالث: تَرْكُ الأولى، كترك صلاة الضحى لكثرة الفضل في فعلها، والفرق بين هذا والذي قبله ورود النهي المقصود. والضابط: أنَّ (١) ما ورد فيه نهيٌ مقصودٌ يقال فيه مكروه، وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال: تَرْكُ الأَولى، ولا يقال مكروه. وقولنا: "مقصود"، احتراز من النهي التزامًا، فإن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده التزامًا، فالأَوْلى (٢) مأمورٌ به، وتركه منهي عنه التزامًا لا مقصودًا (٣). (والمباح: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم). لا بد من الإتيان بـ "لا" بين الفعل والترك، وبين المدح والذم، وبذلك تخرج الأحكام الأربعة، فإن الواجب يتعلق بفعله مدح وبتركه ذم، والحرام عكسه، والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا ذم في تركه، والمكروه يتعلق بتركه مدح ولا ذم في فعله. هذا تمام الرسوم، وفيها زيادة على ما اقتضاه التقسيم من تعريف حقائقها (٤)، وهي فائدة جليلة كما إذا رأينا فعلًا لم يَرِد في الشرع في فعله

стр. 530

مدح، ولا ذم، ولا في تركه، أو ورد (مدح أو ذم) (١)، فَيُحْكم بمقتضى ذلك، وإن لم تأت صيغةُ طلبٍ ولا تخيير. وقد تقدم التنبيه على أَنَّه (لا بد من التقييد بالشرع في الكل) (٢)، وقد تعرض له الإمام في المندوب (٣)، وصاحب الكتاب تعرض له في الواجب والحرام؛ لأنَّ الذم فيهما، وكما أنَّ الذم الذي ثبوته علامة الواجب أو الحرام هو الذم الشرعي (كذلك انتفاء الذم الذي هو علامة الثلاثة، هو انتفاء الذم الشرعي) (٤)، وهو أخص من انتفاء الذم مطلقًا (٥)، فبدون هذا القيد يكون الرسم غير جامع؛ لخروج المباحات التي انتفى الذم الشرعي فيها، ووُجِد فيها ذم عقلي أو عرفي.

стр. 531

وأعني بالقيد (١) أن يكون كل من الوصفين المذكورين في طرفي الأحكام الثلاثة ثابتا بالشرع (٢). ولْيُتَنبه (٣) لذلك في قول المصنف: "المباح ما لا يتعلق بفعله وتركه (٤) مدح ولا ذم" إنْ أراد أنَّه عُرف من الشرع انتفاء ذلك فصحيح، وإن أراد أنَّه لم يوجد في الشرع مدح ولا ذم لذلك (٥) - فلا يلزم كونه مباحًا، فقد يكون باقيًا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ ولذلك قال الإمام: المباح ما أُعلم فاعله (أو دُلَّ على) (٦) أَنَّه لا حرج في فعله ولا في تركه، ولا نفع في الآخرة. وقول الإمام هذا احتراز عن فعل البهيمة، وغير المكلف، (فلا يكفي) (٧) في الإباحة عدم الحكم بذلك، بل الحكم بعدمه (٨).

стр. 532

ويَحْتاج في المندوب والمكروه أن يأتي بقوله: "شرعًا" في طرفي الفعل والترك جميعًا. وتصحيح كلام المصنف أنْ يحمل على أَنَّه أراد ذلك، فإنه مُحْتمِل له، على أني أقول: إنَّ ما لم يوجد في الشرع دليل على مدح ولا ذم في فعله، ولا في تركه - مباحٌ بأدلة شرعية، وإنما أُوردَ عليه فِعْلُ غير المكلف: كالساهي، والنائم، والبهائم. وطريق الاعتذار عنه ما ذكرته (١)، أو يقال: إنه إنما يتكلم (٢) في فعل المكلف (٣).

стр. 533

(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف) (١). الحكم ينقسم بذاته إلى التحسين والتقبيح، وتنقسم صفة الفعل الذي هو مُتَعَلَّقُه إلى الحُسْن والقُبْح، ويتبع ذلك انقسامُ اسمه إلى حَسَنٍ وقبيح؛ فلذلك قسَّم الفعل إلى ما نُهِي عنه شرعًا وهو القبيح، وما لم يُنه عنه شرعًا وهو الحَسَن (٢)، ومنه يُعْرَف الحُسْن والقُبْح والتحسين والتقبيح. وإطلاق الحُسْن على الواجب والمندوب لا شك فيه، وعلى المباح فيه خلاف، والأصح إطلاقه عليه (٣)؛ للإذن فيه؛ ولجواز الثناء على فاعله وإن لم يُؤمر بالثناء عليه. وفِعْلُ الله حسَن باتفاق مَنْ به (٤) يُعتمد؛ لوجوب الثناء عليه.

стр. 534

وفعل ما سواه مِنْ غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة فيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأَوْلى بالمنع (١)، وهو الذي اختاره إمام الحرمين (٢)، ولا شك في عدم إطلاق القبح في المباح وفعل غير المكلف، فإذا أخرجناهما عن قسم الحَسَن، كانا واسطة بين الحَسَن والقبيح (٣). وأما المكروه فقال إمام الحرمين: إنه ليس بحَسَن ولا قبيحٍ، فإن القبيح: ما يُذم عليه، وهنا (٤) لا يُذَم عليه، والحَسَن: ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يسوغ الثناء عليه. ولم نَر (٥) أحدًا نعتمده (٦) خالف إمام الحرمين فيما قال، إلا ناسًا

стр. 535

أدركناهم قالوا: إنه قبيح؛ لأَنَّه منهيٌ عنه، والنهيُ أعم من نهي تحريم وتنزيه (١). وعبارة المصنف بإطلاقها تقتضي ذلك (٢)، وليس أخذ الحكم المذكور من هذا الإطلاق بأولى مِنْ ردِّ هذا الإطلاق بقول إمام الحرمين (٣). فإن قلت: إدراج المصنف وغيره لفعل غير المكلف في (اسم الحسَن، يقتضي (٤) الحكم عليه بالحُسْن) (٥)، وفعل غير المكلف لا يتعلق به الحكم؛ لأنَّ الحكم هو المتعلِّق بأفعال المكلفين. قلت: الفعلُ الذي هو مُتَعَلَّقُ الحكم، والفعل الحَسَن، بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه، فَقَسَّمنا الأول إلى حَسَن وغيره. والحسَن من هذه القسمة لا يشمل فعلَ غير المكلف، ثم قسمنا مُسَمَّى الحسَن مطلقًا إلى فعل المكلف وغيره، مما ليس متعلِّقًا بالحكم (٦)، فخرج

стр. 536

من التقسيمين أنَّ الواجب والمندوب والمباح من قسم الحسن المحكوم فيه. وأنَّ فعل غير المكلف من قسم الحسن غير المحكوم فيه. وهذا شأن العام من وجه حيث وقع (١) (٢)، (وإنما يلزم أن يكون المقسَّم إلى المقسَّم إلى الشيء) (٣) صادقًا على ذلك الشيء مطلقًا، إذا كان التقسيم في الأعم والأخص مطلقا (٤).

стр. 537

(والمعتزلة قالوا: ما ليس للقادر عليه، العالم بحاله أنْ يفعله (١)، وما له أنْ يفعله (٢)، وربما قالوا: الواقع على صفة يُوجب الذم والمدح، فالحسن بتفسيرهم الأخير أخصُّ). يعني أنّ المعتزلة قالوا: إنَّ (٣) القبيح: ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أنْ يفعله. والحَسَن: ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله (٤). هذا تفسيرهم الأول، والإمام نقله عن أبي الحسين، واعتَرض عليه بأنَّ قولك: "ليس له أن يفعله" تقال للعاجز عن الفعل، وللقادر عليه إذا مُنِع منه، وإذا كان شديد النفرة عنه (٥)، وإذا زجره الشرع عنه.

стр. 538

والأولان غير مرادين (١)، ولا الثالث؛ لأنَّ الفعل قد يكون حسنًا مع النفرة الطبيعية عنه (٢). والرابع يُصَيِّر القبحَ مفسَّرًا بالمنع الشرعي (٣)، يعني وهو قولنا: وأنتم لا تقولون به، فصار الحد غير كاشف عن مرادكم (٤). وأصل هذا أنَّ صفة الحُسْن والقُبْح عندهم بالعقل، وعندنا بالشرع، فلا بد لهم من بيانها. وذكر الإمام تفسيرهم الأخير أيضًا عن أبي الحسين (٥). واعتُرض عليه: بأنه يجب تفسير الاستحقاق، فقد يقال: الأثر يستحق المؤثِّر، أي: يفتقر إليه لذاته، والمالك يستحق الانتفاع بملكه، أي: يحسن منه.

стр. 539

والأول ظاهر الفساد (١). والثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحَسَن، مع أَنَّه فسر الحسن بالاستحقاق حيث قال: الحَسَن هو الذي لا يستحق فاعله الذم، فيلزم الدور (٢). فإن أراد معنى ثالثًا فليبينه، ثم نازعهم في تفسير الذم، قال: وهذه الإشكالات غير واردة على قولنا (٣) (٤). والمصنف أخذ معنى الحد الثاني دون لفظه (٥)، ومراده أنَّ القبيح هو الواقع على صفة تُوجب الذم، والحَسَن هو الواقع على صفة توجب المدح. وفي بعض نسخ المنهاج: "فالحسن بتفسيرهم أخص"، وفي بعضها: "فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص"، وكلاهما صحيح، فإن الحسن بتفسيرهم الأخير أخص منه بتفسيرهم الأول؛ لدخول المباح في الأول دون الأخير، والحسن بتفسيرهم الأول أخص منه بتفسيرنا؛ لدخول فعل غير المكلف في تفسيرنا دون تفسيرهم.

стр. 540

ولم يتعرض للقبيح ما حاله على التفسيرين، ولا شك أَنَّه بالتفسير الأخير لا يقع على غير الحرام، وبتفسيرهم الأول هل يختص به فيستوي على التفسيرين، أو يقع عليه وعلى المكروه، فيكون بتفسيرهم الأخير أخص كالحسن؟ فيه احتمال، والأقرب الأول. وقد نقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة أَنَّه ارتكب إطلاق القبيح على فعل البهيمة. وهذا يخالف التفسيرين، ولم يرتكب ذلك في الحسن (١). (الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب ، كجعل الزنا سببًا لإيجاب الجلد على الزاني (٢)، فإن أُريد بالسببية الإعلام فحق، وتسميتها حكمًا بحث لفظي، وإنْ أُريد التأثير فباطل؛ لأنَّ الحادث لا يؤثر في القديم؛ ولأنه مبني على أنَّ للفعل جهاتٍ تُوجب الحُسْن والقُبْح وهو باطل). هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار أَنَّه كما يكون بالاقتضاء أو التخيير،

стр. 541

يكون بالوضع (١)، كجعل الزنا سببا. وقد تقدم الكلام في هذا في تعريف الحكم، وهذا التقسيم منسوب إلى الأشعرية (٢)، وهو مُطَّرِدٌ (٣) في كل حكم عُرِفَتْ علته (٤)، فلله فيه حكمان: أحدهما: الحكم بالسببية (٥)، واختلف الناس في جواز القياس عليه (٦) (٧). والثاني: الحكم بالمسبب، والقياس عليه جائز باتفاق القايسين. واتفق الأشعرية على أَنَّه ليس المراد من الأول كون السبب مُوجبًا

стр. 542

للحكم لذاته، أو لصفة ذاتية (١) بل المراد منه إما المُعَرِّف، وعليه الأكثرون، وإما المُوجِب لا لذاته، ولا لصفةٍ ذاتية، ولكن بجعل الشرع إياه مُوجبًا، وهو اختيار الغزالي (٢). والإمام وافق الأكثرين (٣) معنىً وخالفهم لفظًا، وخالف الغزالي معنىً ولفظًا. وإلى موافقة الأكثرين في المعنى دون اللفظ أشار المصنف بقوله: "فإنْ أُرِيد بالسببية الإعلام (٤) - فحقٌّ، وتسميتها حكمًا بحث لفظي" (٥). وإلى مخالفة الغزالي لفظًا ومعنى أشار ببقية كلامه، فإن الإمام زَيَّف كلام الغزالي من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الزنا حادث، والإيجاب قديم، والحادث لا يؤثر في القديم.

стр. 543

الثاني: أنَّ الزنا قَبْل الجَعْل لم يكن مؤثِّرًا، فإنْ بقي بعد الجَعْل كما كان وجب أن لا يصير مؤثِّرًا، وإن لم يبق كان إعدامًا لتلك الحقيقة، والشيء بعد عدمه لا يكون مؤثرًا. الثالث: أَنَّه لو جَعَل الزنا علةً فالصادر بعد الجعل إما الحكم، فالمؤثر في الحكم هو الشارع، فلم يكن الزنا مؤثِّرًا، وإما شيء يُوجب الحكم، فيكون المؤثر في الحكم وصفًا حقيقيًا، وهو قول المعتزلة في الحُسْن والقُبْح، وهو باطل، وإن لم يكن الحكم ولا ما يوجبه - فهو محال؛ لأنَّ الشرع لما أثَّر في شيء غير الحكم، وغير مُسْتَلْزِم الحكم (١) - لم يكن لذلك الشيء تعلق بالحكم أصلا (٢). والمصنف اقتصر على الأول، وأخذ أقسام الثالث؛ لأنها صفوة الكلام (٣). قال سراج الدين: "ولقائل أن يقول على الأول (٤): لعلهم أرادوا جعل

стр. 544

الزنا سببًا لتعلق الحكم به (١)، وعلى الثاني أَنَّه يجوز بقاء الحقيقة مع طَرَيان صفة المؤثرية (٢). وعلى الثالث: أنَّ الصادر من الشارع المؤثرية وهي غيرهما (٣)، ولها (٤) تعلق بالحكم" (٥). ولك أن تقول على الأول (٦): إنَّ التعلق قديم، فالسؤال بحاله (٧)، وعلى الثاني: إنَّ المؤثرية نسبة، والمؤثر لا بد أن يشتمل على صفة

стр. 545

حقيقية لأجلها يصدر الأثر عنه، والمؤثرية بدون ذلك محال. وعلى الثالث: إن المؤثرية بدون صفة حقيقية محال؛ لما سبق، ومعها يوافق قول المعتزلة (١). وكلام الإمام يُرشد إلى هذا، فإنه قال: إنْ كان الصادر ما يُوجب الحكم - كان المؤثر في الحكم وصفًا حقيقيًا (٢)، فدخل في قوله: ما يوجب الحكم - المؤثِّرُ والمؤثرية (٣)؛ ولذلك لم يقل: كان وصفًا حقيقيًا، بل قال: كان المؤثر في الحكم، فأخذ اللازم على التقديرين (٤)، وقال: إنه مذهب المعتزلة، فاستوعب كلامُه الأقسام، ومبنى البحث كلِّه على أَنَّه: هل يُعْقل تأثيرٌ مِنْ غير أن يكون المؤثِّر مؤثِّرًا بذاته، أو بصفة قائمة به (٥)، أو لا يُعقل ذلك؟ وعلى هذا ينبني كون العبد مُوجِدًا لفعل نفسه بإقدار الله تعالى له، وخَلْقِه له ما يقتضي تأثيرَه في الفعل، من غير أن يكون العبد مؤثِّرًا بذاته،

стр. 546

أو بصفة ذاتية. فأصحابنا ينكرون ذلك (١)، ويقولون: الصادر عنه فعل الله تعالى، والمعتزلة لا يتحاشون من القول بتأثيره بذاته أو بصفة (٢). وشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل ما قالوا به هنا في الحكم بالسببية (٣) , ويلزمهم ما لزمهم. هذا ما يتعلق بكلام الإمام.

стр. 547

وأما المصنف وقوله: إنه ينبني على أنَّ للفعل جهاتٍ توجب الحسن والقبح - فيحتاج إلى مقدمة، وهي أنَّ المعتزلة مع إجماعهم على القول بالحسن والقبح العقليين افترقوا: فطائفة منهم قالوا: إن الفعل لذاته يكون حسنًا أو قبيحًا من غير صفة، وطائفة قالوا بصفة، وطائفة قالوا بوجوه واعتبارات، وهو الذي أشار إليه المصنف. ويلزم من بطلان قولهم في ذلك بطلانُ قولهم في الصفة، وفي الذات من طريق الأَولى، فما سلكه المصنف (١) أتَمُّ في إلزام مذهب المعتزلة مما سلكه الإمام في الصفة؛ لأنَّه قد لا يوافق قائل هذه المقالة المعتزلة في الذات والصفة الحقيقية، ويوافقهم في الوجوه والاعتبارات. فإذا بَيَّن بطلان قولهم فيه بطل قوله، والراد بالوجوه: أنَّ الوطء مثلا له جهة نكاح، وجهة زنا، فيحسن بالأُولى ويقبح بالثانية (٢). (الرابع: الصحة: استتباع الغاية . وبإزائها البطلان والفساد. وغاية العبادة: موافقة الأمر عند المتكلمين، وسقوط القضاء عند الفقهاء. فصلاة مَنْ ظَنَّ أَنَّه متطهر صحيحة على الأول (لا الثاني) (٣)). تفسير الصحة باستتباع الغاية (٤) جيد من جهة كونه شاملًا للعبادات

стр. 548

والمعاملات، إلا أنَّ الأولى في تحرير العبارة أن يُقال: كون ذلك الشيء يستتبع غايته، فإن استتباع الغاية يقتضي حصول التبعية، وقد يتوقف ذلك على شرط كالعقد في زمن الخيار. وكونه يستتبع الغاية صحيح وإنْ توقفت التبعية على شرط؛ لأنَّ معناه أَنَّه بهذه الحيثية. وتفسير المتكلمين جيد؛ لأنَّ الصحة في اللغة مقابلة للمرض (١)، وعلى هذا النحو ينبغي أن يكون في الاصطلاح فما وافق الأمر (٢) - لا خَلَل فيه، فيسمى صحيحًا، وَجَب قضاؤه أم لم يجب، وما لم يوافق الأمر - فيه خلل فيسمى فاسدًا، والخلاف بين الفريقين في التسمية، ولا خلاف في الحكم، وهو وجوب القضاء على مَنْ صلى ظانًا الطهارة فتبين حدثُه إذا كانت الصلاة فريضة (٣)، وتسمية الفقهاء إياها فاسدة ليس لاعتبارهم سقوط

стр. 549

القضاء في حد الصحة، كما ظنه الأصوليون (١)، بل لأنَّ شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر (٢)، والصلاة بدون شرطها فاسدة، ولا مأمورٌ بها، بل هو ظَنَّ أَنَّه متطهِّر فترتب عليه الحكم، بمقتضى ظَنِّه، وأمْرُه (ظاهرًا بها) (٣) كأمر المجتهد المخطئ بما ظنه، وغايته أَنَّه سقط عنه الإثم، وأما أَنَّه أتى بالمأمور به فلا. وقولهم: إنَّ المأمور به صلاة على مقتضى ظنه (٤) ممنوع (٥)، بل صلاة على شروطها في نفس الأمر، ويسقط عنه الإثم بظنه وجودَها (٦).

стр. 550

وقد رأينا الفقهاء قيدوا فقالوا: كل مَنْ صحت صلاته صِحةً مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به، وهذا التقييد يقتضي انقسام الصحة إلى ما يُغني عن القضاء وما لا يُغني (١). وقالوا فيمن لم يجد ماء ولا ترابًا إنه يصلي على حسب حاله، ويقضي. وحكى إمام الحرمين في هذه الصلاة هل توصف بالصحة أو الفساد؟ وجهين، وهو غريب، والمشهور وصفها بالصحة، وكيف نأمره بالإقدام على صلاة يُحْكم بفسادها! هذا لا عهد به (٢)، وليس بمثابة الإمساك تشبها بالصائمين (٣).

стр. 551

والفرق بين هذه الصلاة وصلاة مَنْ ظَنَّ الطهارة أنّ هذا عالم بحاله، والظان جاهل، فالعالم أتى بجميع ما كُلِّف به الآن. وبقي شرطٌ سقط عنه لعجزه، ووجب استدراكه بعد ذلك بالقضاء، والظان لم يأت بما هو الآن فرضه، فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر، غير أنَّ الفقهاء يقولون: ظانٍّ الطهارة مأمور بها، مرفوع عنه الإثم بتركها (١). والمتكلمون يقولون: ليس مأمورًا بها (٢) (٣)، فلذلك تكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء. ومن أمرناه بصلاة بلا طهارة ولا (٤) تيمم حيث يجب القضاء - صحيحة على المذهبين وإنْ وَجَب (٥) القضاء (٦)، فليس كل صحيح يسقط

стр. 552

قضاؤه (١). واقتصر المصنف على غاية العبادة لذكر الخلاف، ولم يذكر غاية العقود، والمراد من كون العقد صحيحًا عند المتكلمين على ما اقتضاه كلام القاضي أبي بكر: وقوعُه على وَجْهٍ يُوافق حكمَ الشرع من الإطلاق له. وعند الفقهاء: كونُه بحيث يترتبُ أثره عليه. وهو معنى إطلاقهم ترتب الأثر (٢). والباطل: هو الذي لا يترتب أثره عليه. والبطلان والفساد لفظان مترادفان، والإزاء والحِذَاء والمقابِل ألفاظٌ مترادفة (٣). وجَعْل المصنف هذا تقسيمًا رابعًا للحكم يقتضي أنَّ الصحة والبطلان حكمان شرعيان، ويكون الحكم تارة بالصحة، وتارة بالبطلان، وقد تقدم الكلام في رَدِّه إلى الاقتضاء والتخيير، أو في كونه زائدًا عليه (٤).

стр. 553

وخالف ابن الحاجب الجمهور فقال: إنَّ الصحة والبطلان أو الحكمَ بهما أمر عقلي (١). وقال في "المنتهى": القول بأنَّ الحكم بالصحة والبطلان حكم شرعي بعيد. وحجته أنَّ الموافقة أمر عقلي، وقد فسرنا الصحة بها (٢). وأُورِدَ عليه: أنَّ العقلي ما لا مدخل للشرع فيه، وهذا للشرع فيه مدخل، فتسميته شرعيًا غير بعيد. وفَهِم بعضُ مَنْ شرح كتابه أَنَّه لا يطرد قوله في صحة العقود؛ لأنَّ ترتب الأثر شرعي (٣). ولا يَبْعُد طَرْدُه؛ لأنَّ الصحة ليست ترتب الأثر، بل كونه بحيث يترتب الأثر عليه، ومعنى ذلك وقوعه على وجه مخصوص، وذلك أمر عقلي (٤)، لكن تسميته شرعيا باعتبار أنّ للشرع

стр. 554

مدخلا (١) كما قلنا في العبادات. واعلم أنَّ الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنكروا كون الصحة حكمًا زائدًا على الاقتضاء والتخيير (٢)، وأنكروا الحكم بالسببية كما سبق في الموضعين، فلم يبق للصحة معنى عندهم في العقود إلا إباحة الانتفاع، وهو شرعي (٣). ومَنْ يفسر الصحة بكونه مبيحًا للانتفاع يلزمه أنْ يوافق الغزالي في الحكم بالسببية، أو يقول: إنها عقلية (٤). وحُكْم القاضي مثلًا بصحة عَقْدٍ

стр. 555

إنما يصح إذا قصد المعنى الشرعي؛ لأنَّه الذي يُنشئه (١) القاضي، بخلاف الأهر العقلي (٢)، وليس للقاضي أنْ يحكم إلا بما يصح أن يكون حكمًا من الشارع، من اقتضاء أو تخيير أو خطاب وضع إنْ قلنا به (٣). وإذا جُعلت الصحة عقلية - لم يكن للقاضي الحكم بها، بل بأثر الصحيح (٤). (وأبو حنيفة سَمَّى ما لم يُشرع بأصله ووصفه كبيع الملاقيح باطلًا، وما شُرِع بأصله دون وصفه كالربا (٥) فاسدًا). عند الحنفية إنْ كان العِوَضان غير قابلين للبيع، كبيع الملاقيح (٦) بالدم مثلًا (٧)، فهو باطل قطعًا. وكذا إن كان المبيع وحده، كبيع الملاقيح

стр. 556

بالدراهم على الصحيح عندهم. وإن كانا قابلين للبيع، ولكن جاء الخلل من أمر آخر، كبيع درهم بدرهمين، كل من العوضين قابل للبيع، والخلل من الزيادة - فهو فاسدٌ قطعًا. وكذا إن كان الثمن فقط، كبيع ثوب بدم، على الصحيح عندهم. والفاسد عندهم إذا اتصل بالقبض يُفيد المِلْكَ الخبيث، والباطل لا يفيد شيئًا (١). وعندنا الباطل والفاسد سواء في المعنى والحكم، ولا يفيد شيءٌ منهما المِلْك. والملاقيح: ما في بطون الأمهات. وقد علمتَ المراد بأصله وهو كون المبيع يصح بيعه، ووصفه (المبطل في الربا هو التفاضل (٢)، والمشروع بأصله ووصفه) (٣) هو الصحيح.

стр. 557

وأما فَرْقُ أصحابنا بين الباطل والفاسد في الكتابة (وغيرها) (١) - فلا يضرنا في نصب الخلاف في البيع (٢)، ومحل الرد عليهم في ذلك كتب الفقه، وكتب الخلاف (٣). (والإجزاء: هو الأداء الكافي لسقوط التعبد به (٤). وقيل: سقوط القضاء. ورُدَّ بأن القضاء حينئذ لم يجب؛ لعدم الموجِب (٥)، فكيف سقط، فإنكم (٦) تعللون سقوط القضاء به (٧)، والعلة غير المعلول). لما كان الإجزاء معناه قريب من معنى الصحة ذكره

стр. 558

معها، ولم يُفْرِدْه بتقسيم، ولكن الصحة أعم، فإنها تطلق على (١) المعاملات، ولا يطلق الإجزاء في المعاملات. وقوله: "الأداء"، يجب حمله على الأداء اللغوي؛ لأنَّ الإجزاء كما يكون في الأداء (٢) يكون في القضاء والإعادة (٣)، فلو قال: الفعل - كان أحسن، والضمير في "به" يعود على الأداء. وما أورده من أنَّ القضاء إذا لم يجب لا يقال: سقط - صحيح (٤)، وهو وارد على مَنْ حَدَّ الصحة بسقوط القضاء أيضًا (٥). وما أورده من تعليل سقوط القضاء بالإجزاء تَبِع فيه "الحاصل" (٦). وعبارة "المحصول": "لأنا نعلِّل وجوبَ القضاء بأنَّ الفعل الأول لم يكن

стр. 559

مجزيًا، والعلة مغايرة للمعلول (١) ". فظن بعض الناس أنَّه انقلب على الإمام. وكان الباجي يقول: إنها إحدى عُقَد "المحصول" ويتبجح بِحَلِّها زاعمًا أنَّه لو ادعى تعليل سقوط القضاء بالإجزاء مَنَعه الخصم، وقال: هذا عين النزاع. فأخذ مقابليهما (٢) وأثبت التغاير بينهما، وهو خارج عن محل النزاع (٣)، (ثم ينقل التغاير إلى محل النزاع) (٤)؛ لثبوت تغاير المقابِلَيْن، ومن ضرورة ذلك تغاير (٥) مقابليهما (٦).

стр. 560

وأَيًّا ما كان، فقد أُورد عليه أنَّ العلة قد تكون لشيء، وقد تكون لحكمنا به (١) كما إذا قلتَ: هذا إنسان، وسُئِلت لم حكمت عليه بذلك، فتقول: لأَنَّه حيوان ناطق. فالمغايرة هنا بين العلة وحكمك، لا بينها وبين المحكوم به (٢)، وهذا (٣) الإجزاء علة لحكمنا بسقوط القضاء، لا لسقوط القضاء نفسه، وليس هذا بالقوي. وفي "المحصول" إيراد ثالث: وهو أنَّه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض شرائطه ثم مات - لم يكن الفعل مجزئًا مع سقوط القضاء (٤). ولك أن تمنع سقوط القضاء هنا، بل يبقى في ذمته إن كان مفرطا. وقول المصنف: "لعدم الموجب"، يعني: أنَّ القضاء إنما يجب بأمر جديد بعد خروج الوقت إذا تُرِك (٥)، ولم يوجد ذلك (٦).

стр. 561

(وإنما يُوصف به وبعدمه ما يحتمل وجهين، كالصلاة، لا المعرفة بالله (١) وَرَدِّ الوديعة). الصلاة تقع تارة على وجه يكفي في سقوط التعبد بها، وتارة على وجه لا يكفي، فوصفت بالإجزاء وبعدمه؛ لاحتمالها للوجهين المذكورين (٢). وأما المعرفة فلا يقال فيها مجزئة، وغير مجزئة؛ لأنَّه إن تعلق العلم بالله تعالى فهو المعرفة وإلا فلا معرفةَ بل الجهل (٣). وكذلك رَدُّ الوديعة والمغصوب، إنْ حصل إلى المالك أو وكيله برئ، وإلا فلا رَدَّ. وقال الأصفهاني (٤) (٥) في "شرح المحصول": إنه لا يقال في العبادة

стр. 562

المندوب إليها: إنها مجزئة أو غير مجزئة (١). وهذا الذي قاله بعيد، وكلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد ورد في الحديث: "أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي" (٢)، واستدل به مَنْ قال بوجوب الأضحية. وأُنكر عليه (٣).

стр. 563

وفي حديث أبي بردة (١): "تجزئ عنك" (٢)، ضبطه ابن الأثير بالوجهين: بضم التاء مع الهمزة، وفتحها مع الياء. يُقال: أجزأ، بمعنى

стр. 564

كفى. وجَزَا بمعنى قضى (١). ولا تُوصف المعاملات بالإجزاء، وإنما يوصف به ما كان مأمورًا به. فالصحة أعم محلًا منه؛ لأنها تكون في المعاملات والعبادات، ولا يوصف بها أيضًا إلا ما يحتمل وجهين: أن يقع صحيحًا وفاسدًا، كالصلاة والعقود، فإنها إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة، وإن وقعت على غير ذلك الوجه كانت فاسدة، بخلاف المعرفة ليس لها إلا وجه واحد. وهذا (٢) إذا جعلنا اسم الصلاة موضوعًا للصحيح والفاسد (٣) - ظاهرٌ، وأما إذا قلنا هو (٤) موضوع للصحيح فقط، ولا يطلق على الفاسد إلا مجازًا - فإنه لا يكون لها إلا وجه واحد. فكأنهم نظروا إلى المعنى الأعم الموجِب للإطلاق المجازي، وجعلوه مورد التقسيم إلى الصحيح وغيره، ولا يرد هذا السؤال في الإجزاء؛ لانقسام الصحيح إلى مجزئ وغير مجزئ، كصلاة المتيمم في الحضر (٥) ونحوه. وعند أبي حنيفة ﵀ كل صلاة وجب قضاؤها لا يجب أداؤها، وكل صلاة وجب (٦) أداؤها لا يجب قضاؤها، فيستوي عنده

стр. 565

الصحة والإجزاء (١)، ويكون انقسام العبادة إليهما (٢) باعتبار الإجزاء (٣) (٤) (٥). (الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن ، ولم تُسْبق بأداء مُخْتل فأداء، وإلا فإعادة. وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء، وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدًا، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض، أو امتنع عقلًا كصلاة النائم، أو شرعًا كصوم الحائض). هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أنَّ الأمر قد يكون بالأداء، وقد يكون بالقضاء، وقد يكون بالإعادة.
следующие страницы →