← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(وإنما يُوصف به وبعدمه ما يحتمل وجهين، كالصلاة، لا المعرفة بالله (١) وَرَدِّ الوديعة). الصلاة تقع تارة على وجه يكفي في سقوط التعبد بها، وتارة على وجه لا يكفي، فوصفت بالإجزاء وبعدمه؛ لاحتمالها للوجهين المذكورين (٢). وأما المعرفة فلا يقال فيها مجزئة، وغير مجزئة؛ لأنَّه إن تعلق العلم بالله تعالى فهو المعرفة وإلا فلا معرفةَ بل الجهل (٣). وكذلك رَدُّ الوديعة والمغصوب، إنْ حصل إلى المالك أو وكيله برئ، وإلا فلا رَدَّ. وقال الأصفهاني (٤) (٥) في "شرح المحصول": إنه لا يقال في العبادة

стр. 562

المندوب إليها: إنها مجزئة أو غير مجزئة (١). وهذا الذي قاله بعيد، وكلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد ورد في الحديث: "أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي" (٢)، واستدل به مَنْ قال بوجوب الأضحية. وأُنكر عليه (٣).

стр. 563

وفي حديث أبي بردة (١): "تجزئ عنك" (٢)، ضبطه ابن الأثير بالوجهين: بضم التاء مع الهمزة، وفتحها مع الياء. يُقال: أجزأ، بمعنى

стр. 564

كفى. وجَزَا بمعنى قضى (١). ولا تُوصف المعاملات بالإجزاء، وإنما يوصف به ما كان مأمورًا به. فالصحة أعم محلًا منه؛ لأنها تكون في المعاملات والعبادات، ولا يوصف بها أيضًا إلا ما يحتمل وجهين: أن يقع صحيحًا وفاسدًا، كالصلاة والعقود، فإنها إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة، وإن وقعت على غير ذلك الوجه كانت فاسدة، بخلاف المعرفة ليس لها إلا وجه واحد. وهذا (٢) إذا جعلنا اسم الصلاة موضوعًا للصحيح والفاسد (٣) - ظاهرٌ، وأما إذا قلنا هو (٤) موضوع للصحيح فقط، ولا يطلق على الفاسد إلا مجازًا - فإنه لا يكون لها إلا وجه واحد. فكأنهم نظروا إلى المعنى الأعم الموجِب للإطلاق المجازي، وجعلوه مورد التقسيم إلى الصحيح وغيره، ولا يرد هذا السؤال في الإجزاء؛ لانقسام الصحيح إلى مجزئ وغير مجزئ، كصلاة المتيمم في الحضر (٥) ونحوه. وعند أبي حنيفة ﵀ كل صلاة وجب قضاؤها لا يجب أداؤها، وكل صلاة وجب (٦) أداؤها لا يجب قضاؤها، فيستوي عنده

стр. 565

الصحة والإجزاء (١)، ويكون انقسام العبادة إليهما (٢) باعتبار الإجزاء (٣) (٤) (٥). (الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن ، ولم تُسْبق بأداء مُخْتل فأداء، وإلا فإعادة. وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء، وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدًا، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض، أو امتنع عقلًا كصلاة النائم، أو شرعًا كصوم الحائض). هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أنَّ الأمر قد يكون بالأداء، وقد يكون بالقضاء، وقد يكون بالإعادة.

стр. 566

وقوله: "العبادة" يشمل الفرض والنفل، فكلٌّ منهما إذا كان مؤقتًا يُوصف بالثلاثة، وزعم بعضهم أَنَّه لا (١) يُوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب، وزعم بعضهم أنَّ القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكل ذلك خَلْط، والصواب أنَّ الواجب والمندوب كلٌّ منهما يوصف بالأداء، والإعادة، والقضاء. وقوله: "إن وقعت"، لو قال: إنْ أُوقِعَت (٢) كان أحسن؛ لأنَّ الأداء والإعادة والقضاء أنواع للإيقاع لا للوقوع، لكن لك أن تنتصر لتصحيح كلامه بأن العبادة: فِعْلُ الفاعل، ففعلها وإيقاعها وأداؤها ووقوعها سواء (٣). وقوله: "في وقتها المعيَّن"، الأحسن عندي في تفسيره: أَنَّه الزمان المنصوص عليه لفعلها مِنْ جهة الشرع؛ فإن المأمور به تارة يُعَيِّن الآمر وقته، كالصلوات الخمس وتوابعها، وصيام رمضان، وزكاة الفطر، فإنَّ جميع ذلك قُصِد فيه زمان معيَّن. وتارة يَطْلب الفعلَ من غير تعرض للزمان (٤)، وإنْ كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعُه في زمان، ولكنه ليس (مقصودًا للشارع) (٥)، ولا مأمورًا به قصدًا.

стр. 567

فالقسم الأول يسمى مؤقتًا، والقسم الثاني يسمى غير مؤقت، وسواء قلنا في القسم الثاني: إن الأمر يقتضي الفور أو التراخي، أو كان قد دل على ذلك (١) قرينة، كإنقاذ الغريق ونحو ذلك، أوْ لا (٢) فإن المقصود من (٣) هذا كله إنما هو الفعل مِنْ غير تعرض إلى الزمان. والقسم الأول قُصِدَ فيه الفعل والزمان، إما لمصلحةٍ اقتضت تعيين ذلك الزمان، وإما تعبدًا محضًا. والقسم الثاني ليس فيه إلا قصد الفعل، فالقسم الثاني لا يُوصف فعله بأداء ولا قضاء؛ لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له، وينبغي أنْ يوصف بالإعادة إذا تقدم فعلٌ مثله على ما سأبينه. ومن هذا القسم: (الإيمان، فإنه لا وقت له (٤)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان وقته) (٥) وَقتَ سَبَبِه، ولكنه ليس وقتًا مُعَيَّنًا من حيث هو، وإنما هو حضوره، وكذا زكاة المال إذا حال الحول، كل هذه واجبات فورية غير مؤقتة (٦). وكذا الواجبات

стр. 568

على التراخي بلا حد. وقد أطلق الفقهاء على الحجِّ الأداءَ متى أَوْقعَ حجة الإسلام في عُمُره، والقضاء في صورتين: إحداهما: إذا قُضِي عنه بعد موته. والثانية: إذا حَجَّ العبدُ وأَفسد حجه، ثم عَتَق - فيحج عن حجة الإسلام ثم عن القضاء. وعندي أن إطلاقهم الأداء والقضاء في ذلك بطريق المجاز، فإنَّ الحج من القسم الثاني الذي لم يُقصد فيه غير الفعل، وإن وُسِّع فيه مدةَ العمر عندنا، أو ضُيِّق وجب فيه الفور عند غيرنا، فإن ذلك لا يُصَيِّر الوقت مقصودًا فيه. وأما إذا أَفسد حجة الإسلام وأمرناه بقضائها فقد صَرَّحوا أنَّ ذلك ليس بقضاء، يَعْنُون: بل هو أداءٌ مُعَاد. وإذا عرفتَ هذا فلنتكلم في مقصودنا، وهو القسم الأول المؤقت بوقت معيَّن، سواء أكان (١) مُضَيَّقًا كصوم رمضان، أم (٢) مُوَسَّعًا، كالصلاة، فإنْ فُعِل في وقته فهو أداء، سواء أفعله (٣) مرة أخرى قبل ذلك

стр. 569

أم لا (١). هذا هو الذي نختاره، وهو مقتضى إطلاقات الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين: القاضي أبي بكر في "التقريب والإرشاد" (٢)، والغزالي في "المستصفى" (٣)، والإمام في "المحصول"، ولكن الإمام لما أطلق ذلك (٤) ثم قال: " (إنه إنْ فُعِل ثانيًا بعد خَلَلٍ) (٥) سُمِّي إعادةً - ظَنَّ

стр. 570

صاحبا "الحاصل" و"التحصيل" أنَّ هذا مخصِّص للإطلاق المتقدم، فَقَيَّداه، وتبعهما المصنف، فإنه كثيرًا ما يتبع "الحاصل" (١)، وليس لهم مساعد من

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 572

إطلاقات الفقهاء، ولا من كلام الأصوليين، فالصواب أنَّ الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقًا مسبوقًا كان أو سابقًا، أو منفردًا. وقد قال القاضي حسين من الشافعية: إنه إذا شَرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك (١). ومأخذه في ذلك أَنَّه لما شَرَع فيها تَعَيَّن ذلك الوقت لها، حتى لا يجوز له الخروج منها، ولم يبق لها وقتُ شروعٍ، وإنما بقي وقت استدامة (٢)، فإذا أفسدها أو فَسَدت وقد فات وقت الشروع لم يكن فِعْلُها بعد ذلك إلا قضاءً؛ لأنَّ وقت الاستدامة وحده لا يكفي، ولا يكون إلا مبنيًا على وقت الشروع، كما أنَّ المغرب عند العراقيين مِنْ أصحابنا لها وقت ابتداء بقدر (ما يَشْرع) (٣) فيها، ووقت استدامة، فإذا أخَّرها مقدار الشروع صارت قضاء عندهم، وإن بقي قدر ركعتين وشيء.

стр. 573

هذا مأخذ القاضي حسين، ومع ذلك هو مردود بوجهين: أحدهما: على رأي الإمام والغزالي في (١) قولهما: إنه يجوز الخروج من الفريضة إذا أمكن تداركها في الوقت، فلا يصح ما احتج به له (٢). والثاني: أنَّ تَعَيُّن ذلك الوقت بالشروع بفعله لا بأمر الشرع (٣)، والنظر في الأداء والقضاء إلى أمر الشرع لا إلى فعله، وبهذا فارقت المغرب. وبما ذكرناه مِنْ مأخذ القاضي حسين يُعلم أنَّه ليس مخالفًا لما ذكرناه في حد الأداء، فإنه إنما قال بالقضاء وعدم الأداء لظنه أنَّ الوقت قد خرج، فلا مخالفة في المصطلح، وإذا قلنا بقول القاضي حسين: فلو دخل في الجمعة ثم أفسدها وأراد إعادتها في الوقت، فعلى مقتضى قول القاضي يكون قضاء، فإن قال: بأنه يعيدها جمعة، وهو الذي يَظْهَر - فيدخل القضاء في الجمعة، ولم أر أحدًا من الأصحاب تَعَرَّض له. وإنْ قال: إنه يعيدها (٤) ظهرًا - فبعيد؛ لأنَّ وقت الجمعة على الجملة باق. وقول المصنف: "وإلا فإعادة" أي: وإن سُبقت بأداء مختل فإعادة، ومراده (٥) بالمختل: ما فَقَد ركنًا أو شرطًا، هكذا صَرَّح

стр. 574

به (١) القاضي أبو بكر، فمعنى المختل: الفاسد (٢)، فالإعادة على قول المصنف فِعْل مِثْلِ (٣) ما مضى فاسدًا في الوقت. وقد يُورد على هذا بأن الثاني صحيح، فليس مِثْلًا للفاسد، ويجاب بأنهما اشتركا في الحقيقة الموصوفة بالصحة والفساد، وجُعل اسم الصلاة شاملًا للصحيح والفاسد حقيقة أو مجازًا، ولو صلى في أول الوقت صلاة صحيحة، ثم صلاها في الوقت إما على وجه أكمل من الأول أو على خلافه، فكلام الأصوليين يقتضي أنها لا تسمى إعادة بل أداء (٤). والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء أَنَّه تَصْدُق الإعادة عليها، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هذا هو المعتمد (٥)، ولا يجيء مِثْلُ هذا في الصوم، ولا

стр. 575

في الحج، فإنَّ مَنْ حج صحيحًا، ثم حج ثانيًا - كانت حجته (الثانية غير الأُولى) (١)، بخلاف الصلاة فإن الثانية هي الأُولى، ولهذا يَنْوي فيها الفرض، ولعل الأصوليين لا يوافقون على نية الفرض في الثانية، ويقولون: إنَّ الثانية صلاة مُئتدَأةٌ؛ فلذلك عرَّفوا الإعادة بما ذكروه (٢)، ولكن نفس الشريعة تخالفه. ولو حج فاسدًا ثم حج - فقد قلنا: إنه لا يسمى قضاء حقيقة (٣)، وأما تسميته إعادة فلا يَمْتنع، وهذا هو الذي وَعَدنا به مِنْ قبل، فخرج مِنْ هذا أنَّ الإعادة: فِعْلُ مِثْلِ ما مضى، فاسدًا كان الماضي أو صحيحًا، أداءً أو غيره. فبين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه، ينفرد الأداء في الفعل الأول، وتنفرد الإعادة فيما إذا قضى صلاةً وأفسدها ثم أعادها (٤)، وفي الحج كما صورناه (٥). ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما

стр. 576

اخترناه (١)، خلافًا للمصنف ومَنْ وافقه (٢)، وكذا يكون بين الإعادة والقضاء عموم وخصوص من وجه (٣). وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداءَ فيها؛ إذ لا وقت معيَّن (٤)، ولا يُسَمَّى القضاء الأول إعادة؛ لأنَّ القضاء بأمر جديد، فهو غير المأمور به في الوقت، وإنْ سميناه قضاءً للمشابهة. فإنَّ (٥) الإعادة

стр. 577

تستدعي من المماثلة أكثر مما يستدعي القضاء (١). وقول المصنف: "وإنْ وقعت بعده، ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء" - موافق لقول "المحصول": إنَّ الفعل لا يُسمى قضاء إلا إذا وُجد سبب وجوب الأداء، مع أَنَّه لم يوجد الأداء (٢). ومِنْ هنا تَوَهَّم بعضهم أنَّ المندوب لا يُسمى قضاء، وأنَّ قول الفقهاء بقضاء (٣) الرواتب مجاز (٤). والذي يقتضيه كلام الأكثرين والاصطلاح أنَّه لا فرق بين الواجب والمندوب، فينبغي أن يقال: وَوُجد فيه سبب الأمر بها (٥). واعلم أنَّ الشرط المذكور أعني: تقدم السبب يُذكر في شيئين:

стр. 578

أحدهما: في الأمر بالقضاء، فلا يُؤمر بقضاء عبادة إلا إذا (١) تقدم سبب الأمر بأدائها، ونعني بالسبب: ما هو مُقتضِي لوجوبها أو الندب إليها، سواء أقارنه مانع من ترتب الحكم (٢) عليه أم لا، ومتى تقدم السبب ولم تُفعل أُمِر بقضائها، ومتى لم يتقدم السبب أصلًا لم يُؤمر بالقضاء؛ فلذلك تارك الصلاة عمدًا يقضي لوجود السبب والوجوب (٣). والنائم يقضي لوجود السبب الذي قارنه مانع الوجوب، وهو النوم، والطفل لم يوجد في حقه السبب أصلا (٤)، فلا يُؤمر بالقضاء بعد البلوغ لا إيجابًا ولا ندبًا. ولو أنَّ المميز ترك الصلاة ثم بلغ فالظاهر أَنَّه يستحب له قضاؤها، كما كان يستحب له أداؤها، إنْ قلنا: كان مأمورًا بأمر الشرع (٥). والحائض لا يُستحب لها بعد الطهر قضاء الصلاة؛ لأنَّ سقوطها في حقها عزيمة، فليست أهلًا للصلاة، فلم يُوجد سبب الوجوب. والمجنون سقوط القضاء في حقه رخصة؛ لأنَّه إنما سقط عنه تخفيفًا (٦).

стр. 579

الثاني: مما يذكر فيه تقدم السبب، تسمية القضاء (١)، فقد اقتضى كلام الإمام أَنَّه لا يُسَمَّى قضاء إلا إذا وُجد السبب، فيقتضي هذا أنَّ الطفل لو أراد أن يقضيَ ما فاته في طفوليته لا يُسمى ذلك قضاء، ولا يَصِح قضاءً، بل إنْ صَحَّ - صَحَّ نفلًا مطلقًا، وهذا صحيح؛ لأنَّ القضاء يستدعي تَقَدُّمَ أمرٍ وفوات، فمتى لم يُوجدا استحالت هذه التسمية. فقد تحرر أنَّ الأداء: فعلُ العبادة في وقتها. والقضاء: فعل العبادة خارج وقتها. ولا حاجة إلى قيد آخر؛ لأنَّه متى لم يتقدم سَبَبُها لا يكون المفعول بعد الوقت تلك العبادة، بل غيرها. والإعادة: فِعْل العبادة مرة (٢) بعد أخرى، إذا كانت أداء (٣) أو قضاء أو غيرهما (٤). وقولنا: فعل العبادة، نعني به الواقعة، فخرج به إنشاء التطوع بحجٍّ بعد حجِّ الفرض، أو بصلاةٍ مطلقةٍ بعد الفريضة والراتبة (٥)، وظهر: أنَّ الإعادة

стр. 580

تدخل في جميع العبادات، والأداء والقضاء يدخلان في المؤقتة فقط. وكل عبادة مؤقتة (١) يصح وصفها بالأداء والقضاء إلا الجمعة، فإنها توصف بالأداء، ولا توصف بالقضاء؛ لأنها لا تُقضى. وأُورد على هذا أنه لا يُوصف بالشيء إلا ما أمكن وصفه بضده، كالإجزاء والصحة لا يُوصف بهما إلا ما أمكن وقوعُه غير مُجْزئ وغير صحيح، فكيف تُوصف الجمعة بالأداء؛ إذ لا تقع (٢) غير مؤداة! والجواب من وجهين: أحدهما: منع تلك القاعدة على الإطلاق، فقد يُوصف بالشيء ما لا يُوصف بضده، وإنما خصوص الإجزاء والصحة اقتضى ذلك. والثاني: أنّ الجمعة تُقضى ظهرًا، وبين الجمعة والظهر اشتراك في الحقيقة، فقَبِلت الوصف بذلك في الجملة (٣)، وأيضًا لو أَنَّها وقعت بعد الوقت جمعة بجهل مِنْ فاعليها (٤) -

стр. 581

فنسميها (١) قضاءً فاسدًا، فصح وصف الجمعة بالقضاء (٢) (٣) كما صح وصف الصلاة بالفساد. وبقي من الأقسام الممكنة أنْ تقع العبادة المؤقتة قبل وقتها تعجيلًا، كإخراج صدقة الفطر في رمضان، فلا توصف بأداء ولا قضاء مع صحتها (٤)، ووقوع الظهر قبل وقتها لا توصف بأداء ولا قضاء مع فسادها. وقول المصنف: "وأمكن" أي: الفعل، ومَثَّل بالمسافر والمريض؛ ليبين (٥) أنَّه لا فرق (بين أن يكون) (٦) مانع الوجوب من جهة العبد كالسفر، أو من جهة الله تعالى كالمرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة السابعة من الفصل الثالث من هذا الباب الكلام مع (٧) الفقهاء القائلين بأنه يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر.

стр. 582

وقوله: "أو امتنع"، أي: الفعل، فإنَّ النائم يمتنع منه عقلًا أن يصلي. والفقهاء يطلقون (١) أنَّ الصلاة واجبة عليه، (ولا معنى لذلك) (٢) إلا ثبوتها في ذمته، كما تقول: الدَّين واجب على المُعْسِر. وقد ذكر القاضي أبو بكر أنَّ الفقهاء يُطلقون التكليف على ثلاثة معان: أحدها: المطالبة بالفعل أو الترك. والثاني: بمعنى أنَّ عليه فيما سهى عنه أو نام فرضًا، وإنما يُخاطب بذلك قبل زوال عقله وبعده، فيقال له: إذا نسيت أو نِمْت في وقتٍ لو كنت فيه ذاكرًا أو يقظانًا لزمتك - فقد وجب عليك قضاؤها. والثالث: على الفعل الذي ينوب مناب الواجب، كصلاة الصبي، وصوم المريض، وجمعة العبد إذا حضرها وفعلها، وحجُّ غير المستطيع، ويطلقون التكليف في ذلك (٣). وهذا الذي نقله القاضي من اصطلاحهم فائدة توجب رفع الخلاف بين الفريقين في المعنى. وامتناع الصوم شرعًا على الحائض بالإجماع، يحرم عليها ولا يصح (٤). وإمكانه من المسافر وصحته والاعتداد به لم يخالف فيه إلا

стр. 583

الظاهرية، فقالوا: إنه لا يجزئه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٢)، وهم محجوجون بالأخبار التي تدل على الصوم في السفر في رمضان، ومعنى الآية: فأفطر فَعِدُّة من أيام أخر (٣). (ولو ظَنَّ المكلف أَنَّه لا يعيش إلى آخر الوقت تَضَيَّق عليه، فإن عاش وفَعَل في آخره فقضاءٌ عند القاضي، أداءٌ عند الحجة؛ إذ لا عبرة بالظن الْبَيِّنُ خطؤُه). قوله: "تَضَيَّق عليه" - معناه: يَقْضِي بالتأخير عنه (٤). والحجة هو

стр. 584

الغزالي، والحق معه في هذه المسألة (١)، وبدليله يُعرف أنَّ التضييق ليس في نفس الأمر، والقاضي هو ابن الباقلاني، ورأيته في كلامه في "التقريب"، وهو إنما يَعتبر الظاهرَ فيحكم بالتضييق فيكون الوقت قد خرج، وهو ضعيف؛ لأنا نَعْرف من نفس الشرع الفرقَ بين إثم (٢) الزاني والواطئ لامرأته يظنها أجنبية. فالثاني إنما يأثم لجرأته (٣) بحسب ظنه، والأول يأثم (لجرأته ولحصول) (٤) المفسدة التي نهى الشارع (٥) عنها (٦). (السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة كحل، الميتة للمضطر، والقصر والفطر للمسافر، واجبًا ومندوبًا ومباحًا، وإلا فعزيمة). الرخصة، بإسكان الخاء وضمها مع ضم الراء: التسهيل. فرخصة الله تسهيله على عباده، هكذا يقتضيه كلام أهل اللغة (٧)، وهو يقتضي أنَّ

стр. 585

الرخصة من أقسام الحكم، كما اقتضاه كلام المصنف، لا من أقسام متعلَّقاته كما اقتضاه قول غيره: الرخصة ما جاز الإقدام عليه مع قيام المانع (١). ولم أر لهذا الثاني مستندًا من اللغة إلا قولَهم: هذا رُخْصتي من الماء، أي: شُربي (٢) منه، ويناسبه قول بعض الأصوليين: إنها اليسر والسهولة (٣). وأما بفتح الخاء فلم أرها في اللغة، ولا أحفظ (٤) هذا الوزن (٥) إلا في الثلاثي المجرد، كلُقَطَة، وهُزَأَة، ولُمَزة، وهُمزة (٦) وحُطَمة، وخُدَعة، وهو

стр. 586

يكون للفاعل وللمفعول (١). فإن ثبت هنا فقياسه أن يكون للشخص الكبير الترخيص على غيره (٢)، أو المرخَّص فيه. وذكر الإمام أنَّ الرُخْصة ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع. فأُورد عليه الحدود والتعازير الجائزة، مع تكريم الآدمي المقتضِي للمنع منها (٣)، فَقَيَّده بعضهم: باشتهار المانع (٤)، وبعضهم: بكونه لضرورة أو حاجة، وبعضهم: بكونه لغرض التوسع (٥)، وربما زِيدَ فيه: في حالةٍ جزْئية،

стр. 587

احترازٌ من القصاص والعفو، فإنه تخفيف من الله ورحمة، ولا يسمى رُخْصةً؛ (لأنَّه قاعدة كلية) (١). وقولنا: "مع قيام المانع" احتراز مِنْ أن يكون منسوخًا، كالآصار التي كانت على مَنْ قبلنا ونسخت في شريعتنا تيسيرًا وتسهيلا، ولا يُسَمَّى ناسخها رخصة (٢). وقول المصنف: "على خلاف الدليل" هو معنى قولنا: مع قيام المانع. وقوله: "لعذر" (٣) يريد به التسهيل في بعض الأحوال، فيخرج به التخصيص ونحوه، ويستقيم به حَدُّ الرخصة. وقوله: "كحِلِّ"، لو قال: كإحلال - كان أحسن؛ لأنَّ نوع الحكم الإحلال لا الِحلُّ، وقد عُهد له مثل هذا التَّسَمّح (٤)، و (٥) مَنْ يفسر (٦) الرخصة باليسر يكون (٧) الحلُّ مطابقًا بغير تسمح (٨).

стр. 588

وقوله: "والقصر والفطر"، لك أن تعطفهما على "حلِّ" أي: وكالقصر، وعلى "الميتة"، أي: وكحِلِّ القصر. وقوله: "واجبًا ومندوبًا ومباحًا" أحوالٌ إما مِنْ قوله: "فرخصة، " وإما من "حِل" (إن لم يُعطف) (١) عليه (٢)، ويكون قد استعملته في القدر المشترك بين الثلاثة، وإما أنْ يتعدد صاحب الحال لتعددها، فتقدر: كحل الميتة للمضطر واجبًا، والقصر مندوبًا، والفطر مباحًا (٣). واعلم أنَّ الإيجاب والندب واستواءَ الطرفين أو رجحانَ أحدهما أمرٌ زائد على معنى الرخصة؛ لأنَّ معناها التيسير، وذلك يحصل بجواز الفعل أو الترك: يُرَخَّص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه. وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر الكتاب العزيز على الجواز (٤) في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبتمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ

стр. 589

تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، بل اقتصر كما تراه على نفي الإثم والجُناح، ولم يُصَرِّح بالإذن، فعلمنا الجواز برفع الإثم والجناح، وإنما يكون القصر مندوبًا إذا بلغ سفره ثلاثة أيام (٢)، وإباحة الفطر قد تكون مع رُجْحانه إذا كان المسافر يَجْهده الصوم، وقد تكون مع مَرْجوحيته إذا كان يُطيقه ويَسْهل عليه (٣). وقوله: "وإلا فعزيمة"، أي: وإنْ ثبت لا على خلاف الدليل، أو على خلاف الدليل لكن ليس لعذر على وجه التيسير فعزيمة، سواء أكان (٤) واجبًا، أو مندوبًا، أم مباحًا، أم مكروهًا، أم حرامًا، من جهة أَنَّه عَزَم (٥) أمره، أي: قَطَع وحَتَم، سَهُل على المكلف أم (٦) شَقَّ، مأخوذ من العَزْم: وهو القصد المُصَمَّم. والعزيمة: مصدر عَزَمَ (٧)، فهي أيضًا قِسْم من أقسام الحكم، لا من

стр. 590

أقسام الفعل الذي هو مُتَعَلَّقه. وقول غيره (١): العزيمة: ما جاز الإقدام عليه لا مع قيام المانع. فيه من التسمح ما قَدَّمناه (٢).

стр. 591

الفصل الثالث: أحكام الحكم

стр. 592

(الفصل الثالث: في أحكامه. وفيه مسائل: الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة . وقالت المعتزلة: الكل واجب، على معنى أنَّه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب الإتيان به، فلا خلاف في المعنى. قيل: الواجب مُعَيَّن عند الله تعالى دون الناس، ورُدَّ بأنَّ التعيين يُحيل تَرْك ذلك (١) الواحد، والتخيير يُجَوِّزه، وثبت اتفاقًا في الكفارة، فانتفى الأول (٢). قيل: يَحْتمل أنَّ المكلف يختار المعيَّن، أو يُعَيِّن ما يختاره، أو يَسْقط بفِعْل غيره. وأجيب عن الأول: بأنه يُوجب تفاوت المكلَّفين فيه، وهو خلاف (النص و) (٣) الإجماع. وعن الثاني: بأن الوجوب مُحَقَّق (٤) قبل اختياره. وعن الثالث: بأن الآتي بأيها (٥) آتٍ بالواجب إجماعًا.

стр. 593

قيل: إنْ أَتى بالكل معًا - فالامتثال: إما بالكل - فالكل واجب، أو بكل واحد - فتجتمع مؤثرات على أثر واحد، أو بواحد غير معيَّن ولم يوجد، أو بواحدٍ (١) معيَّن، وهو المطلوب. وأيضًا الوجوب معَيَّن، فيستدعي محلًا معيَّنًا، وليس الكل ولا كل واحد، وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك، فإذًا الواجب واحدٌ معيَّن. وأُجيب عن الأول (٢): بأن الامتثال بكل واحد، وتلك معرِّفات. وعن الثاني: بأنه يستدعي أحدَها لا بعينه، كالمعلول المعيَّن المستدعِي علةً مِنْ غير تعيين. وعن الآخَرَيْن (٣): بأنه يستحق ثوابَ (وعقابَ) (٤) أمورٍ لا يجوز تَرْكُ كلِّها ولا يجب فعلُها). قوله: "في أحكامه"، يعنى: في أحكام الحكم، وذَكَر في هذا الفصل سبع مسائل، والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية (٥)، وجَعَل المسائلَ الثلاث الأولى في أقسام الوجوب؛ لأنَّه

стр. 594

بحسب المأمور به ينقسم إلى معيَّن ومخيَّر، وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع، وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية. وجَعَل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب (١)، ولو فعل المصنِّف كذلك كان أحسن (٢)، وكأن عذره في ذلك أنَّ المخيَّر والموسَّع وفرضَ الكفاية مما وقع الكلام فيه، وفي تحقيق عروض ذلك للواجب، فَحَسُن البحث في أنَّ الوجوب هل يَعْرِض (٣) له ذلك أَوْ لا (٤)، وهو حكم له. وبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثةُ المذكورةُ أقسامًا، للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم، فصح كلٌّ من الاعتبارين. وقوله: "بمعين" يعني مُعَيَّنَ النوع، وإلا فالتعيين الشخصي لا (٥) يتعلق الوجوب به؛ لأنَّ الشخص دخل في الوجود، وما دخل في الوجود لا يصح التكليف به، فمراده (٦) (٧) بالمعيَّن: المعلوم المتميز (٨) (٩).

стр. 595

وقوله: "وقد يتعلق بمبهم" إشارةً إلى أنَّ المختار أنَّ الواجب واحدٌ لا بعينه، ونَقَل القاضي إجماعَ سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، خلافًا لكثير من المعتزلة، وقومٍ من نوابت (١) الفقهاء المتبعين لهم على بدعتهم (٢) في قولهم (٣): إنَّ الكل واجب (٤)، وحَرَّر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك (٥)، فقال: إن مُتَعَلَّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال، ولا تخيير فيه، ومُتَعَلَّق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوبَ فيها (٦).

стр. 596

وعندي زيادةُ تحريرٍ أخرى: وهو أنَّ القدر المشترك يقال على المتواطئ (١) كالرجل ولا (٢) إبهام فيه، فإن حقيقته معلومة متميِّزة عن (٣) غيرها من الحقائق. ويقال على المُبْهم بين شيئين أو أشياء (٤)، كأحد الرجلين، والفرق بينهما أنَّ الأول: لم يُقْصد فيه إلا الحقيقة التي هي مُسَمَّى الرجولية. والثاني: قُصِد فيه أخص من ذلك، وهو أحد الشخصين (٥) بعينه وإن لم يُعيَّن، ولذلك سُمِيَّ مبهمًا؛ لأنَّه أُبهم علينا أمره. والأول: لم يقل به أحدٌ بأن الوجوب يتعلق بخصوصياته، كالأمر بالإعتاق، فإن مُسَمَّى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل، فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير، ولا يقال فيه واجب مخير، ولا يأتي فيه الخلاف، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك (٦).

стр. 597

والثاني: متعلِّق بالخصوصيات (١)؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وأجمعت (٢) الأمة على إطلاق الواجب المخيَّر عليه (٣). ولا منافاة بين ما قلناه، وما حكيناه عن بعض المتأخرين مِنْ تعلق الوجوب بالقدر المشترك، لكن فيما قلناه زيادة، وهي تبيين أنَّ ذلك القدر المشترك أخصُّ، منظورٌ فيه إلى الخصوصيات (٤).

стр. 598

وقول المصنف: "من أمور معينة"، إنما قيَّد بقوله معيَّنة؛ لأنها إذا كانت غير معينة، فإما أن يقع التكليف بالقدر المشترك بينها من غير نظر إلى الخصوصيات، فذلك لا يُسمى إبهامًا، بل هو كالإعتاق على ما سبق، وليس كلامنا فيه. وإما أن يُنْظر (١) إلى الخصوصيات كما ذكرناه في تفسير (٢) الإبهام، فيستحيل لعدم العلم بها (٣). ونحن مرادنا هنا بالمعيَّنة المعلومة المتميزة (٤)؛ فلذلك قيَّد بقوله: المعينة، ليُبَيِّن صورةَ المسألة. و"خصال الكفارة" يعني: كفارة اليمين، وهي الإعتاق والإطعام والكسوة، فإنها مخير (٥) فيها، وكذا ما هو على التخيير من كفارات الحج. وقوله: "نَصْب أحد المستعدِّين للإمامة"، يعنى: إذا شَغَر الوقت عن إمامٍ وهناك جماعة - يجب نَصْبُ واحد، وكذا قاله (٦) غيره، وهو صحيح،

стр. 599

إلا أنَّه من القسم الأول الذي قلنا: إن الوجوب فيه متعلِّق بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات، كإعتاق رقبة، فينبغي أن لا يُمَثَّل به (١). وجماعة من أصحابنا ومن المعتزلة ذكروا أمثلةً من الواجب المخيَّر من (٢) القسمين جميعًا. والصواب ما قدمته (٣)، نعم في أهل الشورى الذين (٤) جعل عمر ﵁ الأمر فيهم ونحوه يتعلق الأمر بأعيانهم، فيحسن أن يكون مثالًا للواجب المخير. وقول المعتزلة: إنَّ "الكل واجب" على المعنى المذكور، مأخذهم فيه أنَّ الحكم يتبع الحُسْن والقُبْح، فإيجاب شيء يَتْبع حُسْنَه الخاصَّ به، فلو كان واحد من الثلاثة واجبًا، والاثنان غير واجبين - لخلا اثنان عن المقتضِي للوجوب، فلا بد أن يكون كل واحد بخصوصه (٥) مشتملًا على

стр. 600

صفة تقتضي وجوبَه، وكل منها (١) يقوم مقام الآخر، فَوُصِفَ كلُّ منها (٢) بالوجوب والتخيير معا. وتحقيق هذا الكلام إنما يُنتج أنَّ المشتمل على الحُسْن المقتضي للوجوب هو أحدها، لا خصوص كل منها، فلذلك كان معنى كلامهم (٣) إيجابَ أحدها على الإبهام، وإنما قصدوا الفرار من لفظ يُوهم أنَّ بعضها واجب، وبعضها ليس بواجب، (وأنه لا يجوز التخيير بين الواجب وغيره) (٤). وأصحابنا لا يُراعون الحُسْن والقبح، ويُجَوِّزون التخيير بين ما يُظن أنَّ فيه مصلحة، وبين ما لا مصلحة فيه، ومع ذلك لم يقولوا بوجوب واحد معيَّن، وإنما قالوا بوجوب أحدها من غير تعيين؛ لأنَّه مدلول لفظ الأمر، ومدارهم في إثبات الأحكام عليه (٥). فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرقٌ في المعنى بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة، وبذلك صرح طوائف منا ومنهم وتَبِعهم المصنف (٦)، وإذا دققنا البحث، وقررنا ما قدمناه من الفرق
следующие страницы →