← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أصحابنا: إنَّ الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا. وقول بعضهم: تجب في أول الوقت، وينصبون الخلاف في ذلك مع الحنفية، وقولهم (١): (إنها تجب) (٢) بآخره. وقَصْد أصحابنا بقولهم: تجب الصلاة في أول الوقت - كون الوجوب في أول الوقت، لا كون الصلاة في أول الوقت واجبة، فحصل الالتباس في العبارة، ومُتَعَلَّقِ الجار والمجرور (٣). ثم وقفت في "الأم" (في كتاب الحج، وذلك في الجزء الخامس) (٤): قال الشافعي: "ذهب بعض أهل الكلام أنَّ فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقتٍ يُمكنه، فتركه في أوَّل ما يمكنه - كان آثما، كمَنْ ترك الصلاة حتى ذهب الوقت، ويجزئه حجةٌ بعد أول سنة من مقدرته قضاءً، كالصلاة بعد ذهاب الوقت. ثم أعطانا بعضُهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتُها الأول، فتركها وإن صلاها في الوقت، وفيما نذر مِنْ صوم أو وَجَب عليه بكفارة أو قضاء، فقال فيه كله: متى أمكنه فأَخَّره فهو عاص بتأخيره. ثم قال في المرأة يُجْبَر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى (٥).

стр. 632

وقاله معه غيره ممن يفتي (١) (٢). انتهى. (فقد ثبت هذا المذهب بنقل الشافعي عن غيره) (٣)، فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي، فالتبس ذلك على مَنْ بعده، وظن أَنَّه من مذهب الشافعي. وعلى كلِّ تقدير لا يخرج نقلُه عن أصحابنا عن الوَهَم، ثم ظاهر كلام الشافعي كما ترى أنَّ القائل به يقول بالإثم والعصيان بالتأخير عن أول الوقت، والقاضي أبو بكر نقل إجماع الأمة على أنَّ المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت (٤). ولذلك قال بعضهم: إنه في آخر الوقت قضاء يَسُدُّ مَسَدَّ الأداء. وما نقله الشافعي أثبتُ وأولى (٥)، فينبغي (٦) إسقاط هذه اللفظة (٧) والاقتصار على قوله: "قضاء" كما فعل المصنف، وعدم نسبة

стр. 633

ذلك إلى بعض أصحابنا بل يُنقل قولًا مطلقًا، كما نقله القاضي قولا (١) مطلقا (٢). ولم يَرُدَّ المصنف على هذا القول. وَوَجَّه الردِّ عليه: عدم دلالة الأمر المطلق على الفور، مع ظهور الأدلة من الكتاب والسنة وسِيَرِ السلف على جواز التأخير إلى أثناء وقت الصلاة (٣). الفرقة الثانية: الحنفية. قالوا: يختص بالآخِر، وفي الأول تعجيلٌ يَسْقُط الفرض به، أو نفلٌ يَمنع من الوجوب على اختلاف عنهم في المنقول (٤). الثالثة: مقالة الكرخي (٥).

стр. 634

المقالة الرابعة: حكيت عن الكرخي أيضًا (١): أنَّ الواجب يتعيَّن (٢) بالفعل في أي وقت كان. المقالة الخامسة: أنَّ الوجوب يختص (٣) بالجزء الذي يتصل الأداء به، وإلا فآخِر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفْضُلُ عنه. وهذا هو المشهور عند الحنفية؛ لأنَّ سبب الوجوب عندهم كلُّ جزء من الوقت على البدل، إن اتصل اتصل به الأداء، وإلا فآخِره (٤). وإنما عُدَّت هذه الفرقة من المنكرين للواجب الموسَّع مع قولهم إنَّ الصلاة مهما أُدِّيت في الوقت كانت واجبة؛ لأنهم لم يُجَوِّزوا أنْ يكون الوقت فاضلًا عن الفعل. وقول المصنف: "احتجوا" أي: الحنفية ومَنْ قال قريبًا مِنْ قولهم كالكرخي وبقية المقالات التي حكيناها. وقولهم: "لو (٥) وجب في أول الوقت" فيه ما نبهنا عليه من الإلباس؛

стр. 635

لأنَّ فيه معنيين: أحدهما: لو وجب في أول الوقت - فِعْلُه في أول الوقت وهذا هو الذي قصدوه. وقولهم مع ذلك: "لم يجز تركه" يمكن مَنْعُه على مذهب المتكلمين؛ لأنَّ الواجب لا يجوز تركه وتَرْكُ بَدَلِه، أما تركه وَحْده مع الإتيان ببدله فجائز، ويمكن تسليمه ولا يضرنا. والمعنى الثاني: لو (١) وَجَبَ في أول الوقت فِعْلُه في أي جزء كان، وهذا مقصودنا. ومع هذا لا يصح قولُهم: "لم يجز تركه في أول الوقت"؛ لأنَّ الذي لا يجوز تركه هو الواجب، وفعله أول الوقت ليس بواجب، والواجب هو الفعل في أيِّ جزء كان، وهذا لا يجوز تركه، وهذا معنى قول المصنف: "قلنا المكلف مخيَّر (٢) ". (فائدة): قول المصنف: "إنْ تَعَلَّقَ بوقت" يَحْتَمل أنْ يريد به (٣) إنْ تَعَلَّق بوقت (٤) على سبيل القصد، كما فسرنا العبادة المؤقتة به (٥) فيما سبق، ويحترز به عما لا يكون (كذلك) (٦)،

стр. 636

فلا يقال فيه إنه (١) ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع وإنْ كان يلزمه الوقت. لأنَّ الفعل لا بد له من وقت. وعلى هذا الواجبُ على الفور الذي لم يُنَصَّ على وقته لا يقال فيه (مضيَّق، والواجب على التراخي إذا لم ينص على وقته لا يقال فيه) (٢) موسَّع. ويَحْتَمل أنْ يريد أنَّه متى تَعَيَّن وقته، سواء كان تعيينه بالنصِّ عليه، أم بدلالة الأمر عند من يراه - فينقسم إلى مضيق وموسع، ويكون كل واجب مضيقًا أو موسعًا، فما كان للتراخي فهو موسع بلا إشكال، وما كان للفور [فـ] ليس (٣) بموسع (٤)، والحج من قال بفوريته إنْ أطلق يلزمه ذلك. وإنْ أراد إيقاعه في السنة الأولى من سِنِيِّ الإمكان يصير أشهر الحج من تلك السنة بالنسبة إلى ابتدائه كالوقت الموسَّع (٥)، لكن ينبغي أن يُعذر

стр. 637

في التأخير إلى آخرها؛ لأنّه مُغَيًّا بيوم عرفة، وأما التوسعة فيما بعد السنة الأولى فلا وجه لها مع القول بالفور (١). (فرع) (٢) الموسَّع قد يَسَعُه العمر كالحج وقضاء الفائت، فله التأخير ما لم يتوقع فواتَه إن أخَّر (لمرض أو كِبَر) (٣). إذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون وقته محدودًا بغايةٍ معلومة (٤)، كالصلاة، وقد يكون مدة العمر كالحِج، وقضاء الفائت (٥) حيث قلنا بأنه على التراخي. وهو إذا فات بعذر على الصحيح، دون الفائت بغير عذر، فإنه على الفور على الصحيح عندهم. وهكذا فَصَّلُوا في الكفارات بين ما سببها معصيةُ وغيرُها (٦).

стр. 638

وحيث جَوَّزْنا التأخير في ذلك، وفي النذور مدة العمر، فإن حَكَمْنَا بأنه لا يَعْصِي إذا مات - لم يتحقق معنى الوجوب، وإنْ قلنا يَضِيق (١) عليه عند الانتهاء إلى غاية معيَّنة من غير دليل - لزم تكليف ما لا يطاق (٢)، كذا في "المحصول" قال: فلم يبق إلا أنْ نقول يجوز له التأخير بشرط أن يَغْلب على ظنه أنَّه يَبْقى سواء بقي أم لا، وإذا غلب على ظنه أنَّه لا يبقى عَصَى بالتأخير سواء مات أم لا (٣). وهذا الذي قاله قولٌ، والصحيح أنَّه إذا (٤) مات عَصَى سواءٌ غَلَب على ظنه قبلَ ذلك البقاءُ أم لا، ولا يلزم (تكليف ما لا يطاق) (٥)؛ لأنَّه كان يمكنه المبادرة، فالتمكن موجود، وجواز التأخير بشرط سلامة العاقبة، وتَبَيَّنَ خلافُه، فَتَبَيَّنَ عدمُ الجواز، والوجوب مُحَقَّق مع التمكن فَيَعْصي. والفرق بينه وبين ما إذا مات في أثناء وقت الصلاة، فإنه لا يعصي على الصحيح: بأن بالموت خرج وقت الحج، وبالموت في أثناء وقت الصلاة لم يخرج وقتها، ونظيرُ الحج أن يموت (٦) آخرَ وقتِ الصلاة، فإنَّه

стр. 639

يَعْصِي بخروج (١) الوقت (٢). وقول المصنف: "فله التأخير" على رأي الإمام ظاهرًا وباطنًا، وعلى رأينا ظاهرًا فقط، والباطن مجهول الحال (٣)، ولا يلزم تكليف ما لا يطاق لما قلناه. وقوله: "ما لم يتوقع فواته" يعني فلا يجوز التأخير كما قدمناه عن الإمام، وعبارة الإمام: "إذا غلب على ظنه" (٤)، وهو صحيح، وأما التوقُّع فلا يلزم منه الظن، بل قد يحصل خوفٌ فقط مِنْ غير غلبة ظن، كما قدمناه في الكلام على الواجب المخير والمرتب، فكان الصواب أن يقول

стр. 640

المصنف: ما لم يظن فواتَه إنْ (١) أخَّر. وهي الحالة التي قدمها في الصلاة أنَّه إذا غلب على ظنه أنَّه لا يعيش إلى آخر الوقت - تَضَيَّق عليه، فصار الموسَّع بالعمر يَعْصِي فيه لشيئين (٢): أحدهما: الموت، على الصحيح. والثاني: التأخير عن وقتٍ يظن فوتَه بعده. والموسَّع بما دون العمر يَعْصِي فيه لشيئين: أحدهما: خروج وقته. والثاني: تأخيره عن وقتٍ يظن فوتَه بعده، كالموسَّع بالعمر. ومن القضاء ما لا يجوز تأخيره مدةَ العمر، كقضاء رمضان لا يجوز تأخيره حتى يجيء رمضان آخر، فهو بالنسبة إلى المعصية بالتأخير كالصلاة، وبالنسبة إلى عدم فواته كالحج (٣) (٤). (الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس ، أو واحدًا (٥) معيَّنًا كالتهجد - فَيُسمى فرضَ عيْن أو غير معيَّن كالجهاد - يُسمى فرضًا على الكفاية. فإنْ ظَنَّ كلُّ طائفة أنَّ غيره فَعَل - سقط عن

стр. 641

الكل، وإنْ ظن أنَّه لم يَفْعَل وجب) (١). قيل: إنَّ الوجوب على الكفاية مخالف بالحقيقة للوجوب على الأعيان، وإنَّ اسمَ الوجوب صادقٌ عليهما بالاشتراك (اللفظي، والصحيح أنَّ حقيقتهما واحدة، والوجوب صادق عليهما بالاشتراك) (٢) المعنوي (٣)، وزعم بعضهم أنَّ المخاطَب بفرض الكفاية طائفةٌ لا بعينها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤). والصحيح أنَّ المخاطب به الجميع (٥)؛ لتعذر خطاب

стр. 642

المجهول، بخلاف خطاب المعيَّن بالشيء المجهول فإنه ممكن (١) كالكفارة. وإنما يفترق فرض الكفاية وفرض العين في أنَّ فرض الكفاية المقصود منه تحصيل مصلحته من غير نظر إلى فاعله (٢)، وفي تحقيقه ثلاثة معان: أحدها: أنَّ كلَّ مكلَّف مخاطب (٣) بالجهاد مثلا، فإذا قامت (٤) به طائفة سقط عن الباقين رخصةً وتخفيفًا؛ ولحصول المقصود. والثاني: أنَّ كل مكلف مخاطَب به إن لم يقم غيرُه به. وعلى هذا إذا قام غيرُه به تَبَيَّن أنَّه لم يكن مخاطبًا، ليس أنَّه خُوطب ثم سَقَط. والثالث: أنَّ كل مكلف مخاطَب به، (٥) ومجموعهم مخاطبون بأن يكون مِنْ بينهم طائفة تقوم بهذا الفعل. ولا يقال يَلزم أن يكون الشخص مكلفًا بفعل غيره؛ لأنا نقول كُلِّفُوا

стр. 643

بما هو أعم مِنْ فِعْلهم وفِعْلِ غيرهم (١)، وذلك مقدورٌ تحصيلُه (٢) منهم؛ ولأنهم قادرون أن يُخرجوا طائفة منهم لذلك. وفرضُ العين المقصود منه امتحانُ كلِّ واحدٍ بما (٣) خُوطب به لحصول ذلك الفعل منه بنفسه، لا يقوم غيرُه مقامَه. وقد يكون من فرائض الأعيان على جماعةٍ - ما يُشترط في فِعْلِ كلٍّ منهم فِعْلُ غيره (٤)، كالجمعة لا تصح إلا من جماعة. فصارت الواجبات ثلاثة: أحدها: ما يجب على الشخص ويَسقط بفعل غيره، وهو فرض الكفاية. والثاني: ما لا يعتبر مَعَه غيرُه أصلا. والثالث: ما يُعتبر في الأداء. وكلاهما فرض العين، ولا يسقط بفعل الغير.

стр. 644

إذا عرفتَ هذا فقول المصنف: "إنْ تناول كلَّ واحدٍ فيسمى (١) فرض عين" - لك أن تعترض عليه فيه؛ لما علمت أنَّ فرض الكفاية كذلك على الصحيح، وتعتذر عنه بأنه استغنى بالمثال بالصلوات الخمس (٢). وقوله: "أو واحدًا مُعَيَّنًا كالتهجد". قاله جماعة غيره، وهو تفريع على أنَّ التهجد كان واجبًا على النبي ﷺ وحده، وأنَّ ذلك مِنْ خصائصه، وهذا وإنْ كان مشهورًا عند أكثر المتأخرين من الشافعية - فالصحيح الذي نَصَّ عليه الشافعي خلافُه، وأنَّ وجوب التهجد منسوخ عنه ﷺ وعن غيره (٣)، وحين كان واجبًا كان عليه وعلى غيره (٤). وقد اختُصَّ النبي ﷺ بوجوب أشياء لا خلاف فيها:

стр. 645

منها التخيير لنسائه، وغيرُه (١). وقوله: "أو غير معين" إنما يتم عند مَنْ يرى أنَّ فرض الكفاية ليس على الجميع، وقد بينا أنَّ الصحيح خلافُه. ثم إن كل ما يتناول المعيَّن يتناول (٢) غير المعين؛ لدخوله في المعيَّن. فالعبارة المحررة أن يقول: "قُصِدَ" (٣) ويراد بالقَصْد ما قدمناه مِنْ مقصود فرض الكفاية (٤). أما إذا أُرِيدَ معنى خُوطِب - فلا يصح أيضا؛ لما بَيَّنا أنَّ الخطاب فيهما للجميع (٥).

стр. 646

وقوله: "فإنْ ظَنَّ" إلى آخره - قاله الإمام مستدلًا: بأنَّ تحصيل العلم بأنَّ الغير هل فَعَل (١) أوْ لا - غيرُ ممكن، إنما الممكن تحصيل الظن (٢). ولك أن تقول: الوجوب على الكل معلوم، فلا يسقط إلا بالعلم، وليس فيه تكليفٌ بما لا يمكن؛ لأنَّ الفعل (ممكن إلى) (٣) حصول العلم. ثم قولهم: إنه يسقط بفعل البعض، يُوهم أنَّ فعل غيرهم بعد ذلك يقع نفلًا، وليس كذلك، فإنَّ كل (٤) مَنْ جاهد، أو طلب العلم، يقع فعله فرضًا، وإن كان فيمن سبقه كفاية، وكذا إذا صلى على الجنازة طائفة، ثم طائفة - وقع فعل الثانية فرضًا كالأولى (٥). وهذا يحقق أنَّ الخطاب للجميع، وإنما سقط (٦) الإثم بفعلِ مَنْ فيه كفاية رخصةً وتخفيفا (٧). وقول المصنف: "فإن ظن كل طائفة أنَّ غيره" إما أنْ يكون ذَكَّرَ على لفظ: "كل". أو على معنى "طائفة"، وأنها تطلق على الواحد (٨). فإن كان الأول -

стр. 647

فالذي أجمع عليه النحاة أنَّ لفظ: "كل" إذا أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المضاف إليه (١). وإن كان الثاني فالحق أنَّ معنى طائفة لا يكون للواحد؛ لأنها مأخوذة من معنى الطواف والإحاطة، وذلك لا يكون بالواحد (٢)، ولو سُلِّم صدقُها على الواحد - فلا اختصاص فيه، بل يصدق على الجمع كما يصدق على الواحد (٣)، فلا وجه للتذكير إلا إذا أريد الواحد، وليس هو المراد هنا؛ فكان التأنيث في هذا المكان أولى (٤) (٥). (الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ (٦) ما لا يتم إلا به وكان مقدورا) .

стр. 648

قوله: "مطلقًا" احتراز من الوجوب المقيَّد بشرط، كالزكاة وجوبُها متوقف على النصاب، ولا يجب تحصيله، والجمعة وجوبها متوقف على الجماعةِ والإقامةِ (في بلد) (١)، ولا يجب تحصيلهما، وهذا متفق عليه (٢). وقوله: "وكان مقدورا" احترازٌ (٣) من قدرة العبد على الفعل وداعيته (٤) المخلوقتَيْن (٥) لله تعالى، لا تتم الواجبات المطلقة عليه كالصلاة (٦) (٧) وغيرها إلا بهما، ولا يجب

стр. 649

تحصيلهما (١)، ولا يتوقف الوجوب عليهما (٢). وجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أنْ يكون من فعل الله سبحانه أو فعل العبد، وكلُّ منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أوْ لا. فالذي من فعل الله، ويتوقف عليه الوجوب: كالعقل، وسلامة الأعضاء التي بها الفعل (٣).

стр. 650

والذي لا يتوقف عليه الوجوب: خلق (١) قدرة العبد وداعيته (٢). والذي مِنْ فعل العبد، ويتوقف عليه الوجوب (٣) كما سبق، والذي لا يتوقف عليه الوجوب: إما أن يكون مقدورًا أوْ لا، فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وحينئذ (٤) يصح وجوبُ غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، فلا يصح اشتراط كونه مقدورًا؛ فلذلك لم أرَ له (٥) مثالًا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة والداعية (٦). ورأيتُ جماعة خبطوا في ذلك. وقولنا: ما لا يتم الشيء إلا به، يشمل بالوضع ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط. لكن الجزء ليس مرادًا هنا؛ لأنَّ الأمر بالكل أمرٌ به تضمنًا، ولا تردد في ذلك.

стр. 651

وإنما المراد السبب والشرط، وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمرَ بسببه أو شرطه أوْ لا (١)؟ . ولذلك يُعَبِّر بعضُهم عنه (٢) بالمقدِّمة، والمقدِّمة خارجة عن الشيء مُتَقَدِّمة (٣) عليه، بخلاف الجزء فإنه داخل فيه (٤).

стр. 652

والمختار وجوبُ السبب والشرط كما ذكره (١) المصنف (٢). والجزء إذا لم يكن مقدورًا سقط وجوبه (إذا لم نقل) (٣) بتكليف ما لا يطاق، ومن ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ، لكن يبقى (٤) وجوب ما سواه من الأجزاء (٥)؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٦)

стр. 653

وهذا (١) آخر ما كتبه الشيخ الإمام (٢) العلامة المجتهد (٣) شيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين بقية المجتهدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي ﵀ ورحم أموات المسلمين وتَمَّمَه (٤) ولدُه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب (فَسَح الله في مدته) (٥)، ونفع به آمين (٦).

стр. 654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وبه نستعين، رب يسر) (١). قال (سيدنا ومولانا) (٢) الشيخ الإمام العالم العلامة، (الأوحد البارع، الحافظ شيخ الإسلام، مفتي الأنام، قدوة الأئمة، حبر الأمة، ناصر السنّة، قامع البدعة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، فريد دهره، ووحيد عصره) (٣)، قاضي القضاة، تاج الدين عبد الوهاب (٤) (ابن سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، أوحد العلماء العاملين، آخر المجتهدين) (٥)، تقي الدين (أبي الحسن السبكي) (٦) الشافعي (متع الله بحياته المسلمين، وأيده وأمده بعونه، وأدام النفع به آمين) (٧). ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٨) (٩).

стр. 657

(الحمد لله الذي) (١) جعل لنا من هذا الدين القَيّم (٢) شرعة ومنهاجًا، وأطلع لنا في (٣) سماء العلم (٤) الشريف من الكتاب والسنّة سراجًا وهاجًا، وقَدَّرَ للفقيه أن يكون على الإجماع محتالًا، وإلى القياس محتاجًا، نحمده على نِعَمِهِ التي خَصَّتنا (٥) بعمومها، ورجَّحتنا على مَنْ سوانا بأدلة مَفْهومِها، واستوعَبتَ لَنا ما وُجدَ منها عند سَبْرها وتقسيمها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ظاهرةً غيرَ مُؤَوَّلة، دائمةً نستصحب منها أحكامًا غير مُبدَّلة، ناميةَ الثواب (٦) يوم المعاد، فلا يُحتاج إلى بيان أحكامها المجملة. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي نُسخَ شرعُ مَنْ قَبْله بشرعه المؤيَّد، وأمَر ونهَى فأوجب وندب وحَرَّمَ وأباح وأطلق وقَيَّد، واجتهد في إبلاغ ما أُمر به فذبَّ (٧) العقل عن فعل (٨) ما قَرَّره وشَيَّد (٩)،

стр. 658

صلى الله عليه (١) وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطابَ وضْعِه، وقاموا بشرائط دينه، وعَلِموا أدلة شَرْعِه واتبعوه. فما منهم إلا مَنْ قال بمُوجِب أصله وفَرْعِه، صلاةً تَصِل أخبارُها إليهم بكرة وعشيا، وتَفِد أجناسها المتنوعة بفصولها المتمَيَّزة عليهم فتسلك صراطًا سويا، وتَخْلصُ (٢) فتُخَلِّص قائِلَها من الأهوال يوم يموت ويوم يُبعث حيًا، دائمةً ما افتقر فَرْعٌ إلى الرجوع إلى أصله، واحتاج المجادِل إلى تجويد نَصِّه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نَصْلِه، باقيةً لا ينعكسَ طَرْدُها ولا يشتبه محكمُها بتُرَّهات الملحد وزُخْرُفِ قولِه (٣). ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان، المقتفين آثارهم الحسان، وخَصَّ بمزيد الرضوان العلماءَ الحامين حِمَى الشريعة أن

стр. 659

يُضام (١) أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هَدْي النبوة الذي لا يُرام (٢) ولا يُراع (٣)، الوافدين على حِياطته (٤) بالهمة الشريفة حتى لا يَنْفَكَّ (٥) أو يُشَادَّ (٦) ويُشَاع (٧) (٨)، لا سيما الإمام المطَّلِبِيُّ مُسْتخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصَّل وأنشا، وسار نبأ مَجْده والبرق وراءه يَتَحرَّق عَجَلةً وهو أمامَه على مَهْلِ يتمشَّى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غَشَّاها مِنْ تقوى الله ما غَشَّى، وقَدَّس أرواح أصحابه الذين زَيَّنوا سماءَ العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب،

стр. 660

وهاموا باتِّباع مَذْهبه المذَهَّب، وللناس فيما يَعْشقون مذاهب، وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله والعلومُ عطايا من الله ومواهب، رضًا يتكفل بنجاة كلٍّ منهم ونجاحه، ويمر برَوْض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رِيًّا ورياحِهِ، ويَفْخَر عِطْف الجوزاء (١) إذا كان دُرّةً في وِشَاحِهِ (٢). أما بعد: فإنَّ العلوم وإن كانت تتعالى شَرَفًا، وتَطَّلِعُ في أفق الفخار من كواكبها شُرَفًا (٣)، فلا مِرْية في أن الفقه نتيجة مقدِّماتها، وغاية نهاياتها، وواسِطَةُ عِقْدها، ورابطةُ حَلِّها وعَقْدِها. به يُعرف (الحرام من الحلال) (٤)، وتستبين مصابيح الهدى مِنْ ظلام الضلال، وهيهات أن يَتَوصَّل طالبٌ وإِنْ جَدَّ المسير إليه، أو يتحصَّلَ بعد الإعياء والنَّصَب

стр. 661

عليه، إلا بعد العِلم بأصول الفقه، والمعرفة والنهاية فيه، فإنّه صِفَتُه وكيف يفارق الموصوف الصِّفَة! . وقد نظرنا فَلم نر مختصرًا أعذب لفظًا، وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع (١) الثناء - من كتاب "منهاج الوصول إلى علم (٢) الأصول" للشيخ الإمام العالم (٣) العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي، بَيَّض الله وجهه يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه وروَّض تربتَه بغَمَام الغُفْران (٤) حتى يأتي يوم القيامة وما ثُلِم جانبُه ولا فُضّ فوه، فإنه موضوع على أحسن مِنْهاج، محمول على الأعين وليس له منها مِنْ هَاج، بعبارة أعذبَ من ماء السحاب، وألعبَ مِنَ ابنة الكَرْم (٥) بعقول أولي الألباب، آل فضلُ البلاغة إليه، وآلى (٦) فَصْلُ الخطاب (٧) (أن لا يَتَمَثَّلَ) (٨) إلا بين يديه.

стр. 662

وقد رأيت شُرَّاحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز، وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فَعُدَّ مقالُهم في الإلغاز (١)، قَنَع كلٌّ منهم (بحاجة في نفسه) (٢) مِن اسم (٣) التصنيف قضاها، و (جمع نفسه على ما شتت به شمل الكتاب من تقارير إذا أنصف من نفسه لا يرضاها) (٤)، فشروحهم تحتاج إلى مَنْ يشرحها، وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم تُوضِّحها. وقد كان والدي أطال الله عمره (٥) شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم (٦) , وأسرى (٧) وأسرع إلى الهداية مِنْ

стр. 663

طوالع النجوم، عديل (١) شُهُبٍ لائحة، ورَسِيل سُحُبٍ سابحة (٢) (٣)، وسماء عِلمٍ يَهْتدي بكوكبه، وعلاءُ قَدْر أخَذ بِلِمَّة (٤) الفخر (٥) ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته (٦)، ولا يُتوقّع مُعارضتُه، خضعت رقاب

стр. 664

المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات وقَد رأته جاوز الجوزاء وما رَضِيها دارَ مُقامه، لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار، بل أضرب عنه صفحًا بعد لأيٍ (١) قريب، وتركه طَرْحًا وهو الدُّرُّ اليتيم بين إخوانه كالغريب. وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة وأحاديث النفس كثيرة، وأمرتني الأمَّارة بالتكميل عليها (٢) ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت للقلم: أين تذهب، وللفكر: أين تحول (٣) أطنب (٤) لسانك أم أسهب، ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت، وجَرَت على شأوها (٥) منادية: ائت مما أمرتُك بما استطعت. وتوارى اللسانُ وما توارَتْ، فلما تعارض المانع والمقتضي، وعَلمتُ أن الحال إذ حاولت مجهودها قام لها العُذر الواضح، فيما استقبلتْه، ومُضِيٌّ أىُّ مضيٍّ (٦)، أعملت الفكرة في الدُّجنة والوجه والليل كلاهما كالح،

стр. 665

وشرعتُ فيه وقلتُ: لعل الغرض يتم ببركته وبقصده (١) الصالح، وجرّدت همةً ما ردَّ ذائلُها (٢) إلا وقد سئم من النشاط، ولا أُغْمد مُهَنّدها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط، ولا عاد نَصْلُها (٣) إلا وقد قضى المأمول، ولا فَترتْ عزائمها إلا وقد حصلتْ على نهاية السُّول، وأعْملنا هذه الهمة في مُدْلَهمَّ الدَّيْجور (٤)، وصرَّفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكُها يدور، فلم تَنْشب ليالي أسبلتْ جلبابها، وأرخت نقابَها معدودةً ساعاتُها، ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتُها، إلى أن انهزمت تلك الليالي، ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشيرُ الصبح متقدمًّا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مُبْتكر، وجَلا عرائسَ بدائِعِه فشنَّف السمْعَ (٥) وشرّف البصر، وجاء كتابًا ساطعًا نورُ شمسه وشمسُ

стр. 666

السماء في غروب، طالعًا في أفق الفخار على أحسن أسلوب، حائزًا لما يُراد منه في كل طريقة، جائزًا حَقًّا (١) على مقالات (٢) المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمنْ مجازُه حقيقة، فأسأل الله تعالى أن يعم النفعَ به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وقد وصل (والدي الشيخ الإمام) (٣) جزاه الله الخير (٤) إلى مسألة مقدّمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق و (٥) المعين بخفيّ ألطافه، والمحقق لرجاء العبد (٦) بإسعاده وإسعافه. قال المصنف ﵀: (الرابعة: وجوبُ الشيء مطلقًا يوجب وجوبَ ما لا يتِمّ إلا به وكان مقدورًا). قال والدي (أطال الله بقاه) (٧): قوله: "مطلقًا" احتراز (٨) من الوجوب المقيَّد بشرط كالزكاة (٩) وجوبُها متوقّف على النصاب ولا

стр. 667

يجب تحصيلُه، والجمعة وجوبها متوقّف على الجماعة والإقامة في بلد، ولا يجب تحصيلهما، وهذا متفق عليه. وقوله: "وكان مقدورًا" احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقَتَين لله تعالى، لا تتم الواجبات المطلقةُ عليه كالصلاة وغيرها إلا بهما، ولا يجب تحصيلهما، ولا يتوقف الوجوب عليهما. وجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى، أو فعل العبد، وكلٌّ منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أوْ لا، فالذي من فعل الله تعالى ويتوقف عليه الوجوب: كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل، والذي لا يتوقف عليه الوجوب: خَلْق قدرة العبد وداعيته. والذي منْ فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب كما سبق، والذي لا يتوقف عليه الوجوب إما أن يكون مقدورًا أوْ لا، فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، فلا يصح اشتراطُ كونه مقدورًا، فلذلك لم أرَ له مثالًا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرةَ والداعية، ورأيتُ جماعة خبطوا في ذلك. وقولنا: ما لا يتم الواجب إلا به - يشمل بالوضع ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط. لكن الجزء ليس مرادًا هنا؛ لأن الأمر بالكل أمرٌ به تضمنًا ولا تردد في ذلك، وإنما المراد السببُ والشرط، وأن الأمر بالشيء

стр. 668

هل يستلزم الأمرَ بسببه أو شرطه أوْ لا؟ ولذلك عبَّر بعضهم عنه بالمقدّمة، والمقدّمة خارجة عن الشيء متقدّمة عليه، بخلاف الجزء فإنه داخل فيه. والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكره المصنف، والجزء إذا لم يكن مقدورًا سَقَط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق، ومن ضرورة ذلك عدمُ وجوب الكل حينئذ، لكن يبقى وجوبُ ما سواه من الأجزاء؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قلت: هذا ما وقف عنده والدي (١) أطال الله عمره، ومِنْ هنا أبتدئ وبالله التوفيق. فأقول: لا مزيد على حُسْن ما ذَكَره، وأما قوله (٢): إذًا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى (٣) وجوب ما سواه من الأجزاء - فصحيح (٤)، ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور، وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها. (٥) (٦)

стр. 669

قال: (وقيل: يُوجب السببَ دون الشرط. وقيل: لا فيهما). عرفتَ المذهب المختار، وقال قوم: يُوجب السبب، ولا يُوجب الشرط، سواء كان شرطًا شرعيًا: كالوضوء للصلاة، أو عقليًا: كترك ضد الواجب، أو عاديًا: كغسل جزء من الرأس لغَسْل الوجه. وقيل: لا يوجبه مطلقًا. هذه المذاهب التي حكاها المصنف. وفي المسألة مذهب رابع ارتضاه إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب أنَّ وجوب الشيء مطلقًا يوجب الشرط الشرعي دون العقلي والعادي (١) (٢). قال: (لنا التكليف بالمشروط دون الشرط محال. قيل: يختص بوقت وجود الشرط. قلنا: خلاف الظاهر. قيل إيجاب المقدمة أيضًا كذلك. قلنا: لا، فإن اللفظ لم يدفعه). لما اشترك المذهبان اللذان حكاهما آنفًا في عدم إيجاب الشرط - ردّ عليهما بالدليل المذكور (٣).

стр. 670

وقوله: "التكليف (١) بالمشروط دون الشرط" هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان (٢): أحدها: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط، ونُقَرَّر استحالة: بأنه إذا لم يجب الشرطُ جاز تركه، فنقدِّر هذا الجائز واقعًا، فيصير كالمعنى الثاني، وسنقرر إن شاء الله استحالته (٣). ولكن هذا المعنى ليس مراده؛ لأنه محل النزاع، فلو أراده لكان مصادرًا على المطلوب، ولأنه يُحْوج إلى إضمار؛ ولأن قوله بعد ذلك: "قيل: (يختص بوقت وجود) (٤) الشرط" يُرشد إلى خلافه؛ ولأن الإمام صَرّح بالمقصود فقال: حال عدم المقدِّمة (٥). المعنى الثاني: أن يكون التكليف حال عدم الشرط - وهذا هو المقصود - وهو على قسمين أيضًا: أحدهما وهو الثاني من المعاني: يُكَلَّف وقتَ عدم الشرط بإيقاع
следующие страницы →