← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

السماء في غروب، طالعًا في أفق الفخار على أحسن أسلوب، حائزًا لما يُراد منه في كل طريقة، جائزًا حَقًّا (١) على مقالات (٢) المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمنْ مجازُه حقيقة، فأسأل الله تعالى أن يعم النفعَ به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وقد وصل (والدي الشيخ الإمام) (٣) جزاه الله الخير (٤) إلى مسألة مقدّمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق و (٥) المعين بخفيّ ألطافه، والمحقق لرجاء العبد (٦) بإسعاده وإسعافه. قال المصنف ﵀: (الرابعة: وجوبُ الشيء مطلقًا يوجب وجوبَ ما لا يتِمّ إلا به وكان مقدورًا). قال والدي (أطال الله بقاه) (٧): قوله: "مطلقًا" احتراز (٨) من الوجوب المقيَّد بشرط كالزكاة (٩) وجوبُها متوقّف على النصاب ولا

стр. 667

يجب تحصيلُه، والجمعة وجوبها متوقّف على الجماعة والإقامة في بلد، ولا يجب تحصيلهما، وهذا متفق عليه. وقوله: "وكان مقدورًا" احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقَتَين لله تعالى، لا تتم الواجبات المطلقةُ عليه كالصلاة وغيرها إلا بهما، ولا يجب تحصيلهما، ولا يتوقف الوجوب عليهما. وجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى، أو فعل العبد، وكلٌّ منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أوْ لا، فالذي من فعل الله تعالى ويتوقف عليه الوجوب: كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل، والذي لا يتوقف عليه الوجوب: خَلْق قدرة العبد وداعيته. والذي منْ فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب كما سبق، والذي لا يتوقف عليه الوجوب إما أن يكون مقدورًا أوْ لا، فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، فلا يصح اشتراطُ كونه مقدورًا، فلذلك لم أرَ له مثالًا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرةَ والداعية، ورأيتُ جماعة خبطوا في ذلك. وقولنا: ما لا يتم الواجب إلا به - يشمل بالوضع ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط. لكن الجزء ليس مرادًا هنا؛ لأن الأمر بالكل أمرٌ به تضمنًا ولا تردد في ذلك، وإنما المراد السببُ والشرط، وأن الأمر بالشيء

стр. 668

هل يستلزم الأمرَ بسببه أو شرطه أوْ لا؟ ولذلك عبَّر بعضهم عنه بالمقدّمة، والمقدّمة خارجة عن الشيء متقدّمة عليه، بخلاف الجزء فإنه داخل فيه. والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكره المصنف، والجزء إذا لم يكن مقدورًا سَقَط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق، ومن ضرورة ذلك عدمُ وجوب الكل حينئذ، لكن يبقى وجوبُ ما سواه من الأجزاء؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قلت: هذا ما وقف عنده والدي (١) أطال الله عمره، ومِنْ هنا أبتدئ وبالله التوفيق. فأقول: لا مزيد على حُسْن ما ذَكَره، وأما قوله (٢): إذًا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى (٣) وجوب ما سواه من الأجزاء - فصحيح (٤)، ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور، وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها. (٥) (٦)

стр. 669

قال: (وقيل: يُوجب السببَ دون الشرط. وقيل: لا فيهما). عرفتَ المذهب المختار، وقال قوم: يُوجب السبب، ولا يُوجب الشرط، سواء كان شرطًا شرعيًا: كالوضوء للصلاة، أو عقليًا: كترك ضد الواجب، أو عاديًا: كغسل جزء من الرأس لغَسْل الوجه. وقيل: لا يوجبه مطلقًا. هذه المذاهب التي حكاها المصنف. وفي المسألة مذهب رابع ارتضاه إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب أنَّ وجوب الشيء مطلقًا يوجب الشرط الشرعي دون العقلي والعادي (١) (٢). قال: (لنا التكليف بالمشروط دون الشرط محال. قيل: يختص بوقت وجود الشرط. قلنا: خلاف الظاهر. قيل إيجاب المقدمة أيضًا كذلك. قلنا: لا، فإن اللفظ لم يدفعه). لما اشترك المذهبان اللذان حكاهما آنفًا في عدم إيجاب الشرط - ردّ عليهما بالدليل المذكور (٣).

стр. 670

وقوله: "التكليف (١) بالمشروط دون الشرط" هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان (٢): أحدها: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط، ونُقَرَّر استحالة: بأنه إذا لم يجب الشرطُ جاز تركه، فنقدِّر هذا الجائز واقعًا، فيصير كالمعنى الثاني، وسنقرر إن شاء الله استحالته (٣). ولكن هذا المعنى ليس مراده؛ لأنه محل النزاع، فلو أراده لكان مصادرًا على المطلوب، ولأنه يُحْوج إلى إضمار؛ ولأن قوله بعد ذلك: "قيل: (يختص بوقت وجود) (٤) الشرط" يُرشد إلى خلافه؛ ولأن الإمام صَرّح بالمقصود فقال: حال عدم المقدِّمة (٥). المعنى الثاني: أن يكون التكليف حال عدم الشرط - وهذا هو المقصود - وهو على قسمين أيضًا: أحدهما وهو الثاني من المعاني: يُكَلَّف وقتَ عدم الشرط بإيقاع

стр. 671

المشروط حينئذ (١). ولا شك أن هذا تكليف بما لا يطاق، والاستحالة جاءت من تضاد متعلِّق التكليف ووقته، لا مِنْ خصوصه ولا مِنْ خصوص وقته (٢). وقريب من هذه العبارة (٣): أن يختص التكليف بوقت عدم الشرط. والثاني من القسمين وهو الثالث من المعاني: أن يُكَلَّف وقت عدم الشرط بإيقاع المشروط مطلقًا (٤). ومقتضى ذلك أن لا يختص التكليف بوقت، بل يوجد حال وجود الشرط وعدمه، والمكلَّف به في القسمين: المشروط من حيث هو لا بقيد الشرط ولا بقيد عدمه. والتقييد بقيد عدمه مستحيل في نفسه، وبقيد وجوده يلزم منه طلب الشرط كما هو المدعى (٥)، أعني: إذا كان المطلوبُ المشروطَ ووقتُ طلبه غيرُ مُقيَّد (٦).

стр. 672

إذا عرفتَ ذلك فنقول: لو لم يُوجب إيجابُ الشيء مطلقًا ما يتوقف عليه ذلك الشيءُ - لكنا قد كُلِّفنا بالمشروط من غير التكليف بالشرط، وهو تكليف بمحال (١)؛ لأنه إذا كان المشروط مكلَّفًا به دون الشرط لم يجب الإتيان بالشرط، وإذا جاز ترك الشرط لَزِم منه جواز ترك المشروط؛ لأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط؛ فيلزم كونُ المشروط جائزَ الترك واجبَ الفعل، وهو تكليف بما يلزم منه المحال، فتعيَّن أن يكون التكليف بالمشروط مُوجبًا للتكليف بالشرط. (وإذا ثبت) (٢) ذلك في الشرط ففي السبب بطريق أولى (٣)، فإنَّ مَنْ قال بوجوب الشرط قال بوجوب السبب من غير عكس. هذا تقرير الدليل. وقول المصنف: "التكليف بالمشروط دون الشرط محال" فيه نظرٌ؛ لأنا نفرق بين التكليف بالمحال، والتكليف المحال. فالأول: هو تكليف العاقل الذي يَفْهم الخطاب بما لا يُطيقه، وهو محل الخلاف في تكليف ما لا يطاق؛ لأن المخاطَب به يعلم أنه مكلَّف

стр. 673

بذلك. والثاني: مثل تكليف الميت والجماد ومَنْ لا يعقل (١) من الأحياء، فهذا تكليفُ محالٍ، واتفق أهل الحق قاطبة على أنه لا يصح، نقلَ هذا الاتفاق القاضي أبو بكر ﵀؛ فكان الأحسن للمصنف أن يقول: تكليفٌ بمحالٍ كما قررناه، وعذره في ذلك أنه فرَّع على منع (٢) تكليف ما لا يطاق، فإنَّ الأصحاب وإنْ أقروا بتكليف ما لا يطاق في موضعه - لا يُفَرِّعون عليه، ويُحيلون (٣) ما لَزِم عنه؛ لكونه غير واقع في الشريعة، فحينئذ التكليف به محال عند المانعين منه، فيصح كلامه (٤). قوله: " (قيل: يختص بوقت وجود الشرط) (٥) " اعترض الخصم على الدليل المذكور بأنه: لِمَ لا يجوز أن يختص التكليف بالمشروط بحال وجود الشرط، ولا امتناع في ذلك؛ فإن غايته أن يقيَّد الأمر ببعض

стр. 674

الأحوال لمقتضٍ قام وهو الفرار من تكليف المحال. وأجاب المصنف: بأن اللفظ مطلق لا اختصاص له بوقت وجود الشرط فحينئذ يكون تقييده بوقت وجود الشرط خلاف الظاهر (١). واعترض الخصم أيضًا بأنَّ إيجابكم المقَدِّمة أيضًا خلاف الظاهر؛ لأنَّ ظاهر الأمر لا يدل عليه، فإذا جاز مخالفة الظاهر من هذا الوجه فلم لا يجوز من الوجه الذي ذكرناه! . وأجاب المصنف: بأن مخالفة الظاهر عبارة عن إثبات ما ينفيه اللفظ، أو نفي ما يثبته اللفظ ظاهرًا، وأما إثبات ما لم يتعرض اللفظ له بنفي ولا إثبات فليس مخالفة للظاهر، وحينئذ لا يكون إيجاب المقدمة مخالفةً للظاهر؛ إذ لم يدل اللفظ عليه بنفي ولا إثبات، بخلاف تخصيص الأمر بوقت وجود الشرط، فإن اللفظ يقتضي الوجوب مطلقًا، فتقييده بوقت وجود الشرط دون ما سواه مخالفة للظاهر. فإن قلت: كيف يكون حَمْلُ المطلق - الصادق بصورة - على أحد صُوَرِه خلافَ الظاهر، وليس فيه إثبات ما ينفيه اللفظ، ولا نفيُ ما يثبته (٢).

стр. 675

قلت: لما اقتضى الإطلاق التمكنَ من كل صوَرِه - صار تقييده بصورة منافرًا لكونه مطلقًا (١) (٢). قال: (تنبيه: مقدمةُ الواجب إما أن يتوقف عليها وجودُه شرعًا كالوضوء للصلاة، أو عقلًا كالمشي للحج. أو العلمُ به (٣)، كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي، وسَتْرِ شيءٍ من الركبة لستر الفخذ). عبَّر الإمام عن هذا "بالفرع"، ووَجهُه: أنه مندرج (٤) تحت أصل كلي. ووجه التعبير عنه "بالتنبيه" أن الكلام السابق نَبَّه عليه على سبيل الإجمال (٥). وحاصله أن مقدمة الواجب تنقسم إلى أمرين:

стр. 676

أحدهما: أن يتوقف عليه وجود الواجب، وهو نوعان: أحدهما: أن يتوقف عليه شرعًا: كالوضوء مع الصلاة. والثاني: أن يتوقف عليه عقلًا: كالسير إلى الحج. وعبارة المصنف: "المشي" وقد يُنَاقش فيها، والأمر سهل (١). القسم الثاني: أن يتوقف عليها العِلم بوجود الواجب لا نفس وجود الواجب، فذلك إما لالتباس الواجب بغيره، كالإتيان بالصلوات الخمس إذا تَرَكَ واحدةً ونَسِي عينَها، فإن العلم بأنه أتى بالصلاة المنسية لا يحصل إلا بالإتيان بالخمس، وإما أن يكون لتقارب ما بين الواجب وغيره بحيث لا يظهر حدٌّ مُفَرِّق (٢) بينهما، وذلك كستَر شيءٍ من الركبة لستر الفخذ؛ فإنَّ الفخذ والركبة متقاربان، فالعلم بستر جميع الفخذ الذي هو واجب إنما يحصل بستر شيء من الركبة للتقارب المذكور. هذا ما ذكره، وهو مبني على أن الفخذ نفسه عورة، وذلك في المرأة بلا خلاف، وفي الرجل على الصحيح، وعلى أن الركبة نفسها ليست بعورة، وهو الصحيح أيضًا (٣). فإن قلت: القول بإيجاب الخمس على مَن نسي إحداها (٤) وجهِل

стр. 677

عينَها عند من يُوجب المقدمة واضح (١)، وأما مَنْ لا يوجبها فماذا يفعل؟ وما فائدة الخلاف؟ . قلت: قد لا ينظر الفقيه إلى الخلاف الأصولي في كثير من الفروع، ولا يجعل لها به تعلقًا البتة. وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في أنه هل يصلي الخمس بتيمم واحد أو بخمس تيممات (٢)، لكن الصحيح إيجاب تيمم واحد (٣). وقضيةُ القول بوجوب المقدِّمة إيجابُ خمس تيممات. فإن قلتَ: ما وجه القصور في الإيجاب على تيمم واحد، والخمسُ فرائضٌ ولا يُصَلَّى بتيمم واحد أكثر من فريضة واحدة (٤). قلت: الأربعة من حيث إنها لم تُرَد لنفسها منحطةٌ عن مراتب

стр. 678

الفرائض؛ ولذلك قيل (١): صلاة ركعتين تطوعًا أفضل من إحدى الصلوات الأربع التي هي (٢) غير واجبة في نفس الأمر، وعُدَّ ذلك موضعًا يَفْضُلُ الندبُ فيه الواجبَ، ونحن لنا في هذا نظر ليس هذا موضعه (٣). قال (٤): (فروع: الأول لو اشْتَبَهَت المنكوحةُ بالأجنبية حَرُمَتا على معنى أنه يجب الكف عنهما). لو اشتبهت عليه منكوحته (٥) بالأجنبية حرمتا؛ لوجوب الكف عنهما: أما الأجنبية فواضح، وأما المنكوحة فلاشتباهها بالأجنبية. فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية. وإنما قال (٦): "على معنى أنه يجب الكف عنهما"؛ لأن الحرام عليه في نفس الأمر هي الأجنبية فقط، فمعنى تحريمِها (٧) عليه: وجوبُ الكف عنهما، فَنَبَّه عليه. واعلم أن هذا الفرع (٨) في الحرمة لما لا يتم الواجب إلا به - شبيهٌ في

стр. 679

الوجوب للإتيان بالصلوات (١) الخمس إذا ترك واحدةً ونَسِي عينها. قال: (الثاني: إذا قال: إحداكما طالق - حرمتا؛ تغليبًا للحرمة، والله تعالى يعلم (٢) أنه سيعيِّن إحداهما، لكن ما لم (٣) يُعيِّن لم تتعين). إذا قال: إحداكما طالق ولم يَنْو إحداهما على التعيين - حرمت الزوجتان عليه إلى حين التعيين؛ لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المطلقة فتحرم، أو غير المطلقة فلا تحرم، وإذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّبَ الحرام. والفرق بين هذا والذي قبله: أنَّ إحدى المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمةً بطريق الأصالة، بل للاشتباه، بخلاف الفرع الثاني، فإنهما في ذلك سواء. وأيضًا فالزوج غير (قادر على) (٤) إزالة التحريم في الأول دون الثاني. وهذا الذي جزم به المصنف حكاه الإمام مذهبًا لبعضهم، وقال: "يَحْتمل أن يُقال (بحلِّ وطئهما) (٥)؛ لأن الطلاق شيء معيَّن فلا يحصل إلا في محلٍّ معين، فقَبْل التعيين لا يكون الطلاق نازلًا في واحدة منهن، ويكون الموجود قبل التعيين ليس هو الطلاق، بل أمرٌ له

стр. 680

صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به، لا أنه طلاق، وإذا لم يُوجد الطلاق قبل التعيين وكان الحلُّ موجودًا - وجب (١) القول ببقائه فَيَحلُّ وطؤهما معًا" (٢). هذا كلامه. ونقل ابن الرِّفعة عن كتاب الوزير ابن هبيرة (٣) الذي حكى فيه ما أجمع (٤) عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه: أن ابن أبي هريرة (٥) من أصحابنا قال: إذا طلَّق واحدة من نسائه لا بعينها، أو

стр. 681

بعينها، ثم أُنسيها - طلاقًا رجعيًا: أنه لا يُحال بينه وبين وطئهن، وله وطءُ أيَّتِهن شاء، وإذا وطِئ واحدةً انصرف الطلاق إلى صاحبتها (١). وهذا ما يعضد ما حاوله الإمام، وهو ضعيف؛ لأنا نقول: محل الطلاق القَدْر المُشْترك بينهما: وهو إحداهما لا بعينها، وهو متعيِّن بالنوع وإن لم يكن (٢) متعيَّنا بالشخص، واستدعاء الطلاق من حيث كونُه وصفًا معيّنًا (٣) - مَحَلًا مُعَيَّنًا (٤) (٥) يكفي فيه التعيين بالنوع. سلَّمنا أنه (يستدعي معيَّنًا) (٦) بالشخص، ولكن نقول: هو عند الله متعيَّن بالشخص، ونحن في الخارج لا نَعْلمه حتى يُعيَّنه العبد، فالطلاق نازل (٧) لوجوده مِنْ قادر على التصرف في محل قابل فينفذ، ولا نفوذ له إلا بوقوعه في الخارج مُنَجَّزًا؛ لأنه كذلك أوقعه (٨)، فلو لم يقع كما

стр. 682

أوقعه لما نَفَذ التصرف (١)، ولكنا لا نحكم ببطلان الزوجية إلا مِنْ حين عِلْمنا بذلك الشخص الذي كان مُبهمًا علينا، ولا ينعطف على ما مضى لجهلنا في الماضي بالحال. قوله: "والله تعالى (يعلم أنه سيعيِّن) (٢) " جوابٌ عن سؤال مقدر، ويمكن أن يُقَرَّر على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يعلم المرأة التي سيعيِّنها الزوج بعينها، فتكون هي المطلَّقة في علم الله تعالى، وإنما هو مُشْتَبِه علينا. وهذا سؤال أورده الإمام على نفسه في قوله بالإباحة، فإن الاشتباه يقتضي التحريم، وهو خلاف ما مال إليه. وجوابه: أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يَعْلم غيرَ المعيَّن معيَّنًا؛ لأن ذلك جهل، وهو محال في حق الله تعالى، بل عِلْمه في الحال بأنه سيعيِّن في المستقبل (٣). وهذا التقرير ماش على ما في "المحصول"، إلا أنه يلزم منه أن يكون المصنف أورد سؤالًا على دعوى لم يدّعها، ولم يّذكرها البتة، وهي القول بالإباحة (٤).

стр. 683

والثاني: أن يُقال: لا فارق بين هذا الفرع والفرع الذي قبله إلا أن إحدى المرأتين في ذلك وهي الأجنبية محرمة في نفس الأمر، وكل واحدة منهما هنا على حدِّ سواء، ونحن لا نسلِّم أن كل واحدة منهما مُحتَملة للحل والحرمة حتى يحصل ما ذكرت، بل الله تعالى يعلم المحرمة فهي معيَّنة في علمه تعالى، فلا فرق (١)؛ لتعين المحرَّمة في نفس الأمر. (وجوابه: أن المتعيِّن في نفس الأمر) (٢) كونها يقع عليها الطلاق، لا كونها مطلقة الآن لما عرفته (٣). وهذا التقرير لا مُعْتَرَض فيه على

стр. 684

المصنف، إلا أنه مع التعسف مخالف لما في "المحصول" (١). قال: (الثالث: الزائد على ما ينطلق عليه الاسم في المسح غيرُ واجب وإلا لم يجز تركه). وجه تفريع هذا على مقدمة الواجب: أنه لما كان الواجب لا ينفك غالبًا عن حصول زيادة فيه - كانت هذه الزيادة مُقدَّمة للعلم بحصول الواجب. وقد أورد على المصنف: أنه إذا كان هذا الزائد عنده مقدمةً للواجب (٢) فيلزم أن يَحْكم عليه بالوجوب، كستر شيء من الركبة. وأجيب عنه: بأنَّ مراده بالمقدّمة هناك غيرُ القِسم الذي يكون التوقف (٣) فيه من حيث العادة. وإذا عرفتَ هذا فنقول: الواجب إما أن يَتَقَدَّر بقَدر، كغَسْل الرجلين واليدين، ولا كلام فيه. أوْ لا، كمسح الرأس، وكإخراج البعير عن

стр. 685

الشاة الواجبة في الزكاة، وكذبح المتمتع بَدَنَة بدل الشاة، وحَلْقه جميعَ الرأس، وتطويل أركان الصلاة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه، والبَدَنة المضَحَّى بها بدلًا عن الشاة المنذورة - فنقول (١): اختلفوا في القدر الزائد على الذي يُعاقب على تركه، وهو في أمثلتنا (ما تعدى) (٢) أقلَّ ما ينطلق عليه الاسم من (٣) المسح، وقدر قيمة الشاة من (٤) البعير (والبَدَنة) (٥)، وفوق الشعرات الثلاث (٦) في الحلق، وفوق قدر الواجب (٧) في الطمأنينة، هل يُوصف بالوجوب؟ . فذهب الإمام وأتباعه ومنهم المصنف إلى أنه لا يُوصف بذلك؛ لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذه الزيادة جائزة الترك. وقال آخرون: يُوصف بالوجوب؛ لأنه إذا زاد على القدر الذي يسقط به الفرض لا يتميَّز جزءٌ عن جزءٍ لسقوط الفرض به؛ لصلاحية كلِّ جزء لذلك، فتخصيص بعض الأجزاء بوصف (٨) الوجوب ترجيحٌ مِنْ غير مرجح.

стр. 686

فإن قلت: ما محل الخلاف في مسح الرأس، هل هو ما إذا وقع الجميع دَفْعة واحدة، حتى إذا وقع مرتبًا يكون الزائد نفلًا جزمًا، أم هو جارٍ في الصورتين؟ . قلتُ: للأصحاب في ذلك وجهان (١): فإن قلتَ: ما فائدة الخلاف في هذه الصور؟ . قلتُ: في مواضع: منها: في الثواب، فإنَّ ثواب الفريضة أكثرُ من ثواب النافلة بسبعين درجة، (كما حكى النووي) (٢) عن إمام الحرمين (٣).

стр. 687

ومنها: إذا عجّل البعير عن شاة واقتضى الحالُ الرجوعَ، فهل يرجع بجميعه أم بسُبْعه؟ وفيه وجهان في "شرح المهذب" (١). ومنها: لو أخرج بعيرًا عن عَشْر من الإبل أو خمسة عشر أو عشرين (٢)،

стр. 688

هل يُجزيه (١)؟ فيه (٢) وجهان مبنيان على هذا الخلاف: إن قلنا بوقوعه كلّه فرضًا فيما إذا أخرجه عن الخَمْس، فلا يكفي بعير واحد، بل لا بد في العشرة من بعيرين، أو بعير وشاة، وهكذا. وإن قلنا: الفرض قَدْر خُمْسِه فيجزئ، ويكون متبرعًا في العشرة (٣) بثلاثة أخماس (٤)، على أنَّ إمام الحرمين وغيره أنكروا هذا البناء، وليس

стр. 689

هذا محلَّ القول فيه. واعلم أنه يُضاهِي قاعدةَ: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - صورٌ في الفقه: منها: مُؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبضُ على البائع، كمؤنة إحضار المبيع الغائب (١) ومؤنة وزن الثمن على

стр. 690

المشتري (١)، وفي أجرة نقد الثمن وجهان (٢) (٣). ومنها: إذا خَفِي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن - غسله كلَّه (٤). ومنها: إذا اكترى دابةً للركوب فأطلق الاكتراء أن على المُكْري الإكاف (٥) والبَرْدعةَ (٦) (٧) والحزامَ وما ناسب ذلك؛ لأنه لا يتمكن من الركوب دونها.

стр. 691

وهي صور عديدة مِنْ أراد الإحاطة بها فعليه بكتابنا "الأشباه والنظائر" أتمه الله تعالى (١). وقد كنا في أول المسألة وَعَدنا بالالتفات إلى قاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور" والصور تحتها كثيرة، ونحن نُحيل طالبها بعد ذكر القليل منها على كتابنا المذكور: فمنها: لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلةٍ بظهره تمنعه الانحناء - لزمه القيام، خلافًا لأبي حنيفة (٢). ومنها: لو لم يقدر على الانتصاب بأن (٣) تقوس ظهرُه لكِبَر أو زَمانة فصار (٤) في حد الراكعين - فقد قال الغزالي تَبَعًا لإمامه: إنه يقعد (٥). وقال غيرهما: لا يجوز له القعود، فإن الوقوف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود، فلا ينزل عن الدرجة القُرْبى إلى البُعْدى (٦). ومنها: لو وجد الجنبُ من الماء ما لا يكفيه لغُسْله، أو المُحْدِث ما لا يكفيه لوضوئه - فأصح القولين أنه يجب استعماله ثم يتيمم؛ لأن القدرة على البعض لا تسقط بالعجز عن الباقي (٧).

стр. 692

ومنها: لو اطلع على عيب المبيع ولم تتيسر (١) له المبادرة بالرد ولا الإشهاد - ففي وجوب التلفظ بالفسخ وجهان جاريان هنا، وفي الشُفْعة (٢) (٣). ومنها: لو لم يَفْضُل معه في الفِطرْة عما لا يجب عليه إلا بعضُ صاع - لزمه إخراجُه على الأصح (٤). ومنها: إذا اشترى الشِّقْص (٥) بثمن مؤجل، فهل يأخذه الشفيع

стр. 693

مؤجلًا كما اشتراه المشتري؟ وأصحّ الأقوال أن الشفيع بالخيار بين أن يعجِّل ويأخذ الشِّقْص في الحال، وبين الصبر إلى حيلولة الأجل (١). وعلى هذا فهل يجب تنبيه المشتري على الطلب؟ فيه (٢) وجهان (٣).

стр. 694

ومنها: إذا كان يُحسن آية فلا خلاف أنه يقرؤها، وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدرُ الفاتحة أو يكررها سبعًا؟ فيه قولان. فإن قلتَ: لِمَ لا جَرَى قولٌ إنه لا يقرأ تلك الآية، بل يأتي ببدل الفاتحة كلها (١)، كما إذا قَدَر على بعض وضوئه ونظائره؟ قلت: كل آية من الفاتحة يجب قراءتُها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها (٢). والله أعلم. قال: (الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه (٣)؛ لأنها (٤) جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه. قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه (٥) محال، وإنْ سُلِّم فمنقوض بوجوب المقدِّمة).

стр. 695

هذه هي المسألة المعروفة بأنَّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (١)؟ . اعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهيٌ عن تركه بطريق التضمن، وإنما اختلفوا في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي (٢)؟ على مذاهب: أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده. الثاني: أنه غيره ولكنه (٣) يدل عليه بالالتزام، وهو رأي الجمهور، منهم الإمام وصاحب الكتاب (٤). وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ (لانتفاء حصول المقصود (إلا بانتفاء كل

стр. 696

ضد) (١)، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده لحصول المقصود) (٢) (٣) بفعل ضدٍّ واحد، فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صَرَّح إمام الحرمين (٤). والثالث: أنه لا يدل عليه أصلًا، ونَقَله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا، واختاره ابن الحاجب (٥). واستدل المصنف على اختياره: بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب؛ لأن الواجب: هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه (٦). وإذا كان

стр. 697

كذلك فالدالُّ على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن؛ لأن المراد مِنْ دلالة التضمن: أن اللفظ يدل على جُزء ما وُضع له. والمراد بدلالة الالتزام هنا: دلالة اللفظ على كلِّ ما يُفهم منه غير المسمَّى، سواء كان داخلًا فيه، أو خارجًا عنه. فيصدق قوله: "يدل بالتضمن" مع قوله: بالالتزام (١). واحتجت المعتزلة: بأن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن نقيضه، فلا يكون النقيض مَنْهيًا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروطٌ بتصوره. وأجاب عنه: بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يَغْفَل عن نقيضه؛ لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوبَ لا يَحْكم به، ويلزم مِنْ تصور الوجوب تصور المنع من النقيض؛ لأنه جزؤه (٢)، وتصور الكل مستلزمٌ لتصور الجزء. ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجِب للشيء قد يغفل عن نقيضه - فذلك لا يمنع حرمة النقيض، بدليل وجوب

стр. 698

المقدِّمة، أعني: ما لا يتم الواجب إلا به، فإن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن مقدمته مع استلزام وجوبِه لوجوبِها، كما تقدم. هذا شرح ما في الكتاب. واعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد مِنَ الأمر المذكور في هذه المسألة: هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا. أو اللساني؟ فيكون نهيًا عن الأضداد بطريق الالتزام، وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة (١). وإذا عرفت هذا فنقول: إنْ كان الكلام في النفساني تعيَّن التفصيل بين مَنْ يعلم بالأضداد ومن لا يعلم (٢). فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر، فأمره عَيْن نهيه وعَيْن خبره، غير أنَّ التعلُّقات تختلف، فالأمر عَيْنُ النهي باعتبار الصفة المتعلّقة نفسها التي هي الكلام (٣)، وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلُّق خاصٍّ: وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل، وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك (٤). والكلام بقيد التعلق الخاص غيرُه بالتعلق

стр. 699

الآخر (١). فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لِمَنْ تصورها، فإنَّ (٢) أمر الله تعالى بالشيء نهيٌ عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي. وأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يُتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلًا؛ لعدم الشعور بها، ولكن يصدق أنه نهيٌ عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طالب للمأمور على التفصيل، ولتحصيله (٣) بكل طريق مفض إلى ذلك، ومن جملتها اجتناب الأضداد. وإن كان في اللساني فلا يتجه أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإن صيغة قولنا: "تَحَرَّك" ليست صيغة قولنا: "لا تسكن". والمكابر في ذلك مُنَزَّل منزلة مُنْكِري المحسوسات، وإنما يتجه الخلاف في

стр. 700

أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا؟ وهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين، فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، ثم قال: "وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة، وهو قول القائل: افْعَلْ، أصواتٌ منظومة معلومة، وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل: لا تَفْعل، ولا يمكنهم أن يقولوا: الأمر هو النهي" (١). وهذا هو مقتضى كلامه في "التلخيص" (٢) الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي أبي بكر. فَحَصَلْنا مِنْ هذا على أنَّ القائل: بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده - إنما كلامه في النفسي، وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب: أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده، واتصافه بكونه أمرًا نهيًا بمثابة اتصاف الكَوْن الواحد بكونه قريبًا من شيء بعيدًا من غيره. والثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو، ولكن يتضمنه (٣). والثالث: أنه لا يدل عليه (٤) أصلًا، وإليه ذهب إمام الحرمين

стр. 701

والغزالي (١). ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق (٢)، وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت، لا تتطرق (٣) الغَيْرِيَّة إليه، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده؛ لعلمه بكل شيء، بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يَذْهل ويَغْفَل عن الضد. وبهذا الذي قلناه صرَّح الغزالي (٤)، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير. وأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين: أحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وهو رأي المعتزلة. والثاني: أنه لا يدل عليه أصلًا. ولبعض المعتزلة مذهب ثالث: وهو أن أمر (٥) الإيجاب يكون نهيًا عن أضداده، ومُقَبِّحًا لها؛ لكونها (٦) مانعةً من فعل الواجب، بخلاف المندوب فإن أضداده مباحةٌ غير منهيٍّ عنها (٧)، لا نهيَ تحريم، ولا نهيَ تنزيه، ولم

стр. 702

يقل أحد هنا: إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده؛ لكونه مكابرة وعنادًا، كما قررناه (١). واختار الآمدي أن يقال: إنْ جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق - فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن الضد، ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن يُؤمر بالفعل وبضده (٢) في الحالة الواحدة. وإن مُنع فالأمر بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده. (٣) هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه. ومنهم مَنْ أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه؟ وقال إمام الحرمين: "مَنْ قال: النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده فقد اقتحم أمرًا عظيمًا، وباح بالتزام مذهب الكعبي (٤) في نفي الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: لا شيءَ يُقَدَّر مباحًا إلا وهو ضدُّ

стр. 703

محظور؛ فيقع من هذه الجهة واجبًا، ومَنْ قال: الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك (١) [وليس النهي عن الشيء أمرًا بأحد الأضداد] (٢) مِنْ حيث تَفَطَّنَ لمقالة (٣) الكعبي - فقد ناقض كلامه؛ فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده، فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الاتصاف بأحد أضداده" (٤) (٥). ونختم الكلام في المسألة بفوائد: إحداها: قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن ﵀ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه إنْ كان ذا ضِدٍّ واحد، وأضدادِه إنْ كان ذا أضداد: إنَّ الشيخ شَرَط في ذلك أن يكون واجبًا لا ندبًا.

стр. 704

قال القاضي عبد الوهاب: وقد حُكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس مأمورًا به. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبًا. قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيَّقًا مستحق العين؛ لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي (١) عن ضده. (قال: ولا بد أيضًا من اشتراط كونه نهيًا عن ضده) (٢) (وضد البدل منه، الذي هو) (٣) بدل لهما إذا كان أمرًا على غير وجه التخيير (٤) انتهى. وما قاله من اشتراط كونه نهيًا عن ضدِّه وضد البدل منه لا يُحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة، فإنَّ صورتها في الأمر الذي على (٥) غير وجه التخيير كما صرَّح به القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد" لإمام الحرمين، فإنَّه قيَّد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير (٦). ثم قال: "وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير؛ لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب أحدهما لا بعينه، فلا سبيل

стр. 705

لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خُيِّر المأمور بينه وبين ضده" (١) ولقائل أن يقول: محل التخيير لا وجوب فيه، فأين الأمر حتى يقال ليس نهيًا عن ضده؟ ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده. وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه، فإن الموسَّع إن لم يَصْدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه، فضده الذي يلزم من فعله تفويتُه منهِيٌّ عنه. وحاصل هذا أنه (٢) إنْ صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيًا عن ضده، وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلناه في المخيَّر. الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور؛ لأن النهي كذلك (٣). وأجاب القرافي: بأنَّ القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية (٤).
следующие страницы →