← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والغزالي (١). ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق (٢)، وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت، لا تتطرق (٣) الغَيْرِيَّة إليه، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده؛ لعلمه بكل شيء، بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يَذْهل ويَغْفَل عن الضد. وبهذا الذي قلناه صرَّح الغزالي (٤)، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير. وأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين: أحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وهو رأي المعتزلة. والثاني: أنه لا يدل عليه أصلًا. ولبعض المعتزلة مذهب ثالث: وهو أن أمر (٥) الإيجاب يكون نهيًا عن أضداده، ومُقَبِّحًا لها؛ لكونها (٦) مانعةً من فعل الواجب، بخلاف المندوب فإن أضداده مباحةٌ غير منهيٍّ عنها (٧)، لا نهيَ تحريم، ولا نهيَ تنزيه، ولم

стр. 702

يقل أحد هنا: إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده؛ لكونه مكابرة وعنادًا، كما قررناه (١). واختار الآمدي أن يقال: إنْ جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق - فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن الضد، ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن يُؤمر بالفعل وبضده (٢) في الحالة الواحدة. وإن مُنع فالأمر بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده. (٣) هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه. ومنهم مَنْ أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه؟ وقال إمام الحرمين: "مَنْ قال: النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده فقد اقتحم أمرًا عظيمًا، وباح بالتزام مذهب الكعبي (٤) في نفي الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: لا شيءَ يُقَدَّر مباحًا إلا وهو ضدُّ

стр. 703

محظور؛ فيقع من هذه الجهة واجبًا، ومَنْ قال: الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك (١) [وليس النهي عن الشيء أمرًا بأحد الأضداد] (٢) مِنْ حيث تَفَطَّنَ لمقالة (٣) الكعبي - فقد ناقض كلامه؛ فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده، فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الاتصاف بأحد أضداده" (٤) (٥). ونختم الكلام في المسألة بفوائد: إحداها: قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن ﵀ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه إنْ كان ذا ضِدٍّ واحد، وأضدادِه إنْ كان ذا أضداد: إنَّ الشيخ شَرَط في ذلك أن يكون واجبًا لا ندبًا.

стр. 704

قال القاضي عبد الوهاب: وقد حُكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس مأمورًا به. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبًا. قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيَّقًا مستحق العين؛ لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي (١) عن ضده. (قال: ولا بد أيضًا من اشتراط كونه نهيًا عن ضده) (٢) (وضد البدل منه، الذي هو) (٣) بدل لهما إذا كان أمرًا على غير وجه التخيير (٤) انتهى. وما قاله من اشتراط كونه نهيًا عن ضدِّه وضد البدل منه لا يُحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة، فإنَّ صورتها في الأمر الذي على (٥) غير وجه التخيير كما صرَّح به القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد" لإمام الحرمين، فإنَّه قيَّد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير (٦). ثم قال: "وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير؛ لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب أحدهما لا بعينه، فلا سبيل

стр. 705

لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خُيِّر المأمور بينه وبين ضده" (١) ولقائل أن يقول: محل التخيير لا وجوب فيه، فأين الأمر حتى يقال ليس نهيًا عن ضده؟ ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده. وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه، فإن الموسَّع إن لم يَصْدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه، فضده الذي يلزم من فعله تفويتُه منهِيٌّ عنه. وحاصل هذا أنه (٢) إنْ صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيًا عن ضده، وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلناه في المخيَّر. الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور؛ لأن النهي كذلك (٣). وأجاب القرافي: بأنَّ القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية (٤).

стр. 706

الثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة، فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب (١). وأجيب: بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلةٌ للواجب لازم التقدم عليه، فيجب التوصل به إلى الواجب؛ لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدم خال عن التكليف؛ لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع، وهو غير مكلف بالمقدمة. فقلنا: هذا غلط، بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة، فعليك فِعْلها، فكان إيجاب المقدمة تحقيقًا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمرٌ يَتْبع حصولُه حصولَ المأمور به من غير قصد، وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول. الرابعة: سأل القرافي أيضًا (٢) عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم: متعلَّق النهي فعل الضد لا نفس: "لا تفعل"، فإن قولهم: نهيٌ عن ضدٍّ (٣) معناه أنه تَعَلَّق بالضد. وقولهم: متعلَّقُه ضد المنهي عنه - هو الأول بعينه. وسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى، فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثَمَّ (٤).

стр. 707

الخامسة: من فوائد الخلاف في هذه المسألة من الفروع ما إذا قال لزوجته: إنْ خالفتِ نَهيي فأنت طالق. ثم قال: قُومي. فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف مُسْتَنِدٌ إلى هذا الأصل (١). قال: (السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي (٢)؛ لأنّ الدالَّ على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه، فإنه يرتفع الوجوب بارتفاع المنع من الترك). ذهب الأكثرون إلى أنه إذا نُسِخ وجوبُ الشيء بقي جوازُه (٣). وخالف الغزالي وقال: "إنه إذا نُسِخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن" (٤). وهذا الذي ذهب إليه الغزالي نقله القاضي في "التقريب" عن بعض الفقهاء وقال: "تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي

стр. 708

التحقيق" (١). واحتج المصنف على اختياره: بأن الجواز جزء من ماهية الوجوب؛ إذ الوجوب مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك، فاللفظ الذي دل على الوجوب يدل بالتضمن على الجواز، والناسخ إنما ورد على الوجوب وهو لا ينافي الجواز؛ لارتفاع الوجوب بارتفاع المنع من الترك، ضرورةَ أنَّ المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه (٢). (هذا تقريره) (٣). ونحن نقول: إنْ أراد القوم بالجواز الذي يُبْقِي التخيير بين الفعل والترك، كما صرَّح به بعضهم، وهو مقتضى كلام الغزالي في الرد عليهم، حيث قال: "حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع" (٤) - فالحق مع الغزالي؛ لأن التخيير بين الفعل والترك (والتساوي بينهما بتسوية الشرع) (٥) قسيم للوجوب، ولم يكن ثابتًا به، فما وجه قولهم: يبقى بعده؟ .

стр. 709

وهذا الدليل الذي ذكروه عليه لا يثبت به مُدّعاهم؛ لأن التخيير بين الفعل والترك ليس في ضمن الوجوب، وإنما الذي في ضمن الوجوب رفع الحرج. وإن أرادوا رَفْعَ حَرَجِ الفعل فلا ينبغي أن يُخَالَفوا في ذلك؛ فإنَّ الوجوب أخص منه، ولما ثبت بالإيجاب الأول ثبت به الأعم (الذي هو رفع الحرج ضرورة كونه ضِمْنَه، ثم ارتفاعه لا يوجب ارتفاع الأعم) (١) (٢).

стр. 710

والظاهر (١) أنهم لم يريدوا غير هذا القسم حيث جعلوا شُبْهة الخصم فيه (٢): أن الجنس يَتَقَوَّم بالفصل (٣)، ولا يحسن ذِكْر هذه الشبهة إلا إذا كان النزاع في رفع الحرج الذي هو جنسٌ غيرُ مقيَّد بالتخيير (٤)، وحينئذ

стр. 711

قد يضعف قولُ الغزالي في الرد عليهم: "إن هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ولا قائل به" (١)؛ لأنا نقول: المدَّعى بقاءُ الجواز الذي هو قَدرٌ مشتركٌ بين الندب والإباحة والكراهة - في ضِمْنٍ وَاحدٍ (٢) من الأنواع الثلاثة، لا بقاء نوع منها على التعيين (٣)، فإنه لا بدَّ له من دليل خاص، فكيف يكون هذا بمنزلة قول القائل: إذا نُسِخ الوجوب بقي الندب! . فإن قلتَ: تَحَرَّر مِنْ هذا أن القوم يقولون ببقاء مطلق الجواز مكتسبًا من دلالة الواجب عليه، (والغزالي ينكر كونه مكتسبًا من دلالة الواجب عليه) (٤)، ولا تَنَازع (٥) في بقاء رفع الحرج، فالخلاف حينئذ لفظيٌّ (٦). قلت: الغزالي كما سَلَفَت (٧) الحكاية عنه يقول: إنَّ الحال يعود إلى ما كان عليه من تحريم وإباحة، فهو منازع في أصل بقاء الجواز. ويظهر

стр. 712

فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريمًا فعند الغزالي الفعلُ الآن يعود محرمًا كما كان، وعند القوم أنَّ مطلق الجواز الذي كان داخلًا في ضمن الوجوب باقٍ يصادم ما دلَّ على التحريم، فوضح أن الخلاف معنوي. واعلم أنَّ الغزالي قد يقول: إذا اقتضى الأمر مجموع الشيئين، أعني (١): الأعم والأخص - فالذي يزيل الواحد نازل منزلة المخصِّص بالقياس إلى اللفظ العام؛ ولذلك يجوز اقترانه بالأمر، بأنْ تَرِد (٢) صيغة: "افعل" ويقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه، فإنا نحملها على الندب أو الإباحة، ولو كان ناسخًا لما جاز اقترانه به؛ لأن من شرط الناسخ التراخي. فإن قلتَ: نحن نسلم أن هذا القيد إذا اقترن لم يكن نسخًا، ولكن لِمَ قلتَ: إنه إذا تأخر وثبت لا يكون نسخًا! . قلتُ: بقي النزاع في هذا، ولعل الغزالي لا يُسَمِّي بالنسخ إلا ما رفع حكمَ الخطاب السابق بالكلية، ويعود النزاع لفظيًا (٣). قال: (قيل: الجنس يَتَقَوَّم بالفصل فيرتفع بارتفاعه. قلنا: لا، وإنْ سُلِّم فيتقوم بفَصْلِ عدمِ الحرج).

стр. 713

احتج مَنْ قال: إنَّ الجواز لا يبقى فيما إذا قال: نَسَخْتُ الوجوبَ أو حرمةَ الترك - بأنَّ كل فصل فهو علة لوجود الجنس (١)؛ لاستحالة وجود جنسٍ مُجَرَّدٍ عن الفصول كالحيوانية المطلقة (٢)، وإليه أشار بقوله: "يتقوم بالفصل". أي: يوجَدُ به. وإذا عُلِم هذا فالجواز جنس للواجب، والمكروه، والمندوب، والمباح، وعلةُ وجودِه في كل منها فَصْلُه، فالعلة في وجوده في الواجب فصل الحرج على الترك، فإذا زال ذلك الفصل زال الجواز ضرورةَ زوالِ المعلولِ بزوالِ علته. وأجاب أولًا: بأنا لا نسلم أنَّ الجنس يتقوم بالفصل. وتقرير ذلك مُحَال على الكتب (٣) الحِكْمية، ولئن سَلَّمنا أنه علة له فلا نسلم أنه يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس؛ لجواز بقائه بفصل آخر يَخْلُف ذلك الفصل: وهو عدم الحرج على الترك، فإنه إذا ارتفع قَيْدُ الوُجوب بقي جنس الجواز ولا دليلَ على الحرج فيتقوم بفصل عدم الحرج، ولا يكون جنسًا مجرّدًا (٤).

стр. 714

واعلم أنَّ خلاف الأصوليين في هذه المسألة (١) يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يَبْقَى العموم؟ وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرًا، وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف (٢). ويضاهيه مسائل: منها: إذا أحال المشتري البائعَ بالثمن على رجلٍ، ثم وجد بالمبيع عيبًا (٣) فرده، فالأصح أنَّ الحوالة تبطل، وهل للمُحْتَال (٤) قبضه للمالك (٥) بعموم الإذن الذي تضمنه خصوص الحوالة؟ فيه هذا الخلاف (٦). ومنها: إذا عَجَّل الزكاة بلفظ: هذه زكاتي المعجَّلة فقط. فهل له الرجوع إذا عَرَض مانع؟ أصح الوجهين: نعم، والثاني: يقع

стр. 715

نفلًا. وَقَرَّ بهما إمام الحرمين من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل يَنْعقد (١) نفلًا (٢). ومنها: الصحيح أنه لا يصح تعليق الوكالة على شَرْطٍ (٣)، ولو عَلَّق وتصرف الوكيل بعد حصول الشرط (٤) فأصح الوجهين الصحة؛ لأن الإذن حاصل وإنْ أفسد (٥) العقد (٦).

стр. 716

وخالف الشيخ أبو محمد وقال: لا اعتبار بما يتضمنه العقدُ الفاسدُ من الإذن (١). ومنها: لو قالت: وَكَّلْتك بتزويجي. قال الرافعي: فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنًا؛ لأن توكيل المرأة في النكاح باطل (٢). قال: لكن الفرع غير مسطور (٣)، ويجوز أن يُعتد به إذنًا لما ذكرناه في الوكالة (٤). قلت: ويتجه بناءُ فروعٍ على هذا الأصل لم أَرَ مَنْ بناها: منها: قال الماوردي (٥): إذا فسدت الشركة بطل أصل الإذن في التصرف، ولم يجز لواحد منهما (٦) التصرف في جميع المال (٧). وينقدح لك

стр. 717

أن تحكم بجريان الخلاف في الوكالة (١). ومنها: إذا باع بلفظ السَّلم (٢)، فإنه ليس بسلم قطعًا (٣)، وفي انعقاده بيعًا قولان: أظهرهما لا، وبناهما الأصحاب على أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى (٤)، ويتجه بناؤهما، على هذا الأصل أيضًا (٥). ومنها: إذا شَرَطا الخيار لثالث وأبطلناه - فهل يكون الخيار لهما؛ لكونهما شَرَطا مطلق الخيار؟ يتجه فيه هذا البناء (٦).

стр. 718

ومنها: إذا أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس - لم يصح، سواء قلنا: الحوالة استيفاء أم اعتياض. قال صاحب "التتمة": "ونعني بقولنا: إنها غير صحيحة أن الحقَّ لا يتحول بها من الدنانير إلى الدراهم وبالعكس، ولكنها إذا جَرَت فهي حوالة على من لا دين عليه وفيها خلاف" (١). قلت: وإنما تكون حوالةً على مَنْ لا دين عليه ببطلان خصوصِ الحوالة على الوجه الذي أورده - إذا قلنا: إنَّ الخاص إذا ارتفع يبقى العام. قال: (السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل) . القصد بهذه المسألة أن ما يجوز تركه لا يكون فعله واجبًا، والخلاف في هذا الفصل مع فرقتين:

стр. 719

الأولى: الكعبية (١): فنقول: لاح من قول أبي القاسم الكعبي وهو البلخي وشيعتِه إنكار المباح، وقد خالفوا في ذلك عصابة المسلمين حيث أجمعوا على انقسام الأحكام إلى الخمسة، ولا بد من تلخيص محل النزاع ليقع الحِجاج على محزٍّ واحد. واعلم أن إنكارهم المباح يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ليس فِعْلٌ مِنْ أفعال المكلفين بمباح أصلًا (٢)، وقد صرح بحكاية هذا عن الكعبي جماعةٌ، منهم إمام الحرمين في البرهان فإنه قال: إن الكعبي أنكر المباح في الشريعة (٣). وكذلك نقل أبو الفتح بن بَرْهان في "الوجيز" (٤) والآمدي (٥) وغيرهم، وهذا ظاهر الفساد.

стр. 720

والثاني: وهو الذي أشعر به دليله، أنَّ كل فعل يُوصف بأنه مباح باعتبار ذاته - فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام، ولا يكون الكعبي حينئذ مفاجئًا بإنكار المباح، وقد نقل عنه القاضي في "مختصر التقريب" (١) والغزالي في "المستصفى" (٢): أن المباح مأمور به دون الأمر بالندب، والندب دون الأمر بالإيجاب. (وقد) (٣) صَرَّح في "مختصر التقريب" بأنه لا يُسمِّي المباح واجبًا، ولا الإباحة إيجابًا (٤). إذا عرفتَ ذلك فقد اسْتَدل الكعبي على (٥) هذا: بأن فعل المباح تَرْك الحرام؛ لأنه ما مِنْ مباح إلا وهو تركٌ لمحظور (٦)، وترك الحرام واجب؛ فيلزم أن يكون فِعْل المباح وَاجبًا من جهة وقوعه تَركًا لمحظور (٧). وأجاب عنه المصنف: بأنا لا نسلِّم أن فعل المباح هو نفس ترك الحرام، يعني: أنه يلزم من فعل المباح ترك الحرام، ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح؛ لجواز تَرْكه بواجب أو مندوب، فلا يكون المباح تَرْكَ الحرام، بل شيئًا يحصل به تَرْكُه، لما عرفت من أن تركه قد يحصل به، وقد يحصل بغيره، فلم ينحصر تَرْكه في المباح.

стр. 721

وقد ضَعَّف الآمدي وغيره هذا الجواب، وقال (١): هو صادر ممن لم يَعْلم عَوْر (٢) كلامه، فإنه إذا ثبت أنَّ تَرْكَ الحرام واجب، وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده، وقد تقرر أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتلبس (٣) بضدٍ من أضداده واجب، غايته أن الواجب مِنَ الأضدادِ غيرُ معين قبل تعيين المكلّف له، ولكن لا خلاف في وقوعه واجبًا بعد التعيين. وقال: "لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة. قال: "وغاية ما أُلْزم أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب، بل المحرم إذا تُرِك به محرمٌ آخر، كالزنا إذا حصل به ترك القتل - أن يكون واجبًا، وكان يجب أن تكون الصلاة حرامًا على هذه القاعدة عند ما إذا ترك بها واجبًا آخر، وله أن يجيب: بأنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم بالنظر إلى جهتين مختلفتين كما في الصلاة في الدار المغصوبة" قال: "وبالجملة إن استُبْعد فهو غاية العَوَص (٤) والإشكال،

стр. 722

وعسى أن يكون عند غيري حَلُّه" (١). قلت: وهذا صحيح، ولكنا نقول للكعبي: نحن لا ننكر أن الإباحة تقع ذرائع إلى الانكفاف (عن المحظور، كغيرها من الأفعال التي يلزم منها الانكفاف) (٢) عن غيرها، ووقوعها كذلك لا يخرجها عن أن تكون في نفسها مباحةً، فتَرْك الحرام الذي لَزِم عن فعل المباح ليس هو نفس فعل المباح بل أمرٌ وراءه، وإنْ زعم أنها ذات جهتين فلا ننازعه في ذلك، ولكن ننكر عليه تخصيصَه المباح بذلك، وقد بَيَّنا أنه لا يختص به. ويعظم النكير عليه في إنكاره أصلَ المباح في الشريعة إنْ صَحَّ عنه، وما ذكره من الدليل لا يقتضي ذلك (٣). قال: (وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر؛ لأنهم شهدوا الشهر وهو موجب، وأيضًا عليهم القضاء بقَدْره. قلنا: العذر مانع، والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب، (وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت) (٤)).

стр. 723

الفرقة الثانية: كثير من الفقهاء، فإنهم خالفوا في ذلك، وزعموا أن الصوم واجب على الحائض (والمسافر والمريض) (١) مع أنهم يجوز لهم تركه. وقد احتجوا على مذهبهم: بأن هؤلاء شهدوا الشهر فيجب الصوم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، وبأن القضاء يجب عليهم بقدر ما فاتهم، وذلك دليل على أنه بدل عنه. وأجاب (عن الأول) (٣): بأن شهود الشهر إنما يكون موجِبًا للصوم عند انتفاء الأعذار، والعذر هنا قائم، أما في الحائض فلأن الشرع منعها من الصوم، وأما في المسافر فلأنه جعل السفر مانعًا من تحتم الصوم فيه، وأما في المريض فلعدم القدرة إن كان عاجزًا، أو بمنع الشرع إنْ أفضى به إلى هلاك نفسه، أو بمنع الشرع من الإيجاب كالمسافر إن لم يفض إلى ذلك. وعن الثاني: بأن القضاء إنما يتوقف على تحقق سبب الوجوب في الوقت، (وسبب الوجوب وهو شهود الشهر متحقق فيما نحن فيه في الوقت) (٤)، ولا يتوقف على وجوب الأداء، وإلا لما وجب قضاء الظهر على مَنْ نام جميع الوقت؛ لعدم تحقق الوجوب عليه؛ لإفضائه

стр. 724

إلى تكليف الغافل (١). وذهب الإمام إلى أنه لا يجب على الحائض والمريض ألبتة، ويجب على المسافر صوم أحد الشهرين: إما الحاضر أو آخر غيره، وأيَّهما أتى به فهو الواجب، كما في الكفارات (٢). (وهذا هو مذهب القاضي نَصَّ عليه في التقريب) (٣) (٤). ونقل الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" هذا عن بعض الأشعرية (٥). فإنْ قلت: هذا مدخول؛ لأن المريض يجوز له الصوم كالمسافر فلْيُسَوِّ الإمام بينهما. قلت: المريض إنْ أفضى به الصوم إلى هلاك نفسه أو عضوه فإنه يحرم عليه الصوم، ويساوي الحائضَ والحالة هذه. وإن لم يفض به إلى ذلك، بل خاف منه مجرد زيادة العلة أو طول البرء - فالمسألة مختلف فيها، وكذا لو خَاف المرض (٦) المَخُوف، فلعل الإمام يَرَى في كلِّ هذه الصور أنه لا يجوز

стр. 725

له الإفطار فلا معترض عليه. وقد قال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": "إن الخلاف في هذه المسألة مما يعود إلى العبارة ولا فائدة له؛ لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف" (١). قلت: وقد نقل ابن الرفعة أنَّ بعضهم قال بظهور فائدة الخلاف، إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء أو القضاء في النية. وقد يقال بظهور فائدة الخلاف أيضًا فيما إذا طافت المرأة ثم حاضت قبل ركعتي الطواف هل تقضيهما؟ فقد حكى النووي في "شرح المهذب" (٢) عن ابن القاص (٣) والجرجاني (٤) في "المعاياة" أن ركعتي الطواف تقضيهما الحائض؛ لأنهما لا يتكرران (٥) (٦). قال: وأنكر الشيخ أبو عليٍّ

стр. 726

السِّنْجيّ (١) هذا، وقال: الوجوب لم يكن في زمان الحيض فكيف يسمى قضاء! قال النووي: وما قاله الشيخ (٢) أبو علي: هو الصواب، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتهما إلا بالفراغ من الطواف، قال: فإن قُدِّر أنها طافت ثم حاضت عقب الفراغ من الطواف (٣) - صح ما ذكراه إن سُلِّم لهما ثبوتُ ركعتي الطواف في هذه الصورة (٤) (٥).

стр. 727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 728

الباب الثاني: أركان الحكم الفصل الأول: الحاكم

стр. 729

قال: (الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه . وفيه ثلاثة فصول: الأول: في الحاكم وهو الشرع دون العقل؛ لِمَا بَيَّنَّا من فساد الحُسْن والقبح العقليَّيْن في كتاب "المصباح"). هذا الباب معقودٌ لأركان الحكم، وهي ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به. الأول: في الحاكم: وهو الشرع (فلا تَحْسين) (١) ولا تقبيح لِغيره (٢). وذهبت المعتزلة إلى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما (٣)، وأنه (لا تَفْتَقر معرفة) (٤) أحكام الله تعالى إلى ورود الشرائع، وإنما الشرائع مؤكِّدة لما

стр. 730

تَقْضِي به العقول، إما بالضرورة: كحُسْن الصدق النافع وقُبْح الكذب الضار، أو بالنظر: كحسن الكذب النافع (١)، أو باستعانة الشرع: كحسن صوم آخر يومٍ من رمضان، وقُبْح أول يوم من شوال. واعلم أنَّ الحسن والقبح قد يُراد بهما: كونُ الشيء ملائمًا للطبع ومنافرًا، أو: كونُ الشيء صفةَ كمالٍ أو صفة نقصٍ، كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح. وبهذا التفسير (٢) لا نزاع في كونهما عقليين، إنما النزاع في كون الفعلِ متعلَّقَ الذمِّ عاجلًا والعقابِ آجلًا (٣)؛ ولذلك قال القاضي في "مختصر التقريب": "إنما المقصد (٤) تحقيق ما يحسن في قضية التكليف ويقبح" (٥). وتفاصيل هذه المسألة، وحججُ الأصحاب فيها - مبسوطةٌ في الكتب الكلامية (٦)، والمصنف أحال القول (٧) في ذلك على كتابه

стр. 731

"مصباح الأرواح". فإن قلت: قد عُلم مذهبُ أهل السنة ﵃ في أن الأحكام إنما تثبت من جهة الشرع ولا شيء منها عقلي (١)، فما معنى ما يأتي في عبارة أهل السنة من الفقهاء من قولهم: هذا حرام بالعقل، وهذا جائز بالعقل وما شابه ذلك؟ قلت: هذا سؤال لنا غرض صحيح في الجواب عنه؛ لوقوف جماعة من الشاذِّين (٢) في الفقه على أمثال هذه العبارة، ووقوع الريب في قلوبهم من قائلها، والكلام عليه وإنْ كان كالدخيل في هذا الشرح، إلا أنَّ غيرنا لا

стр. 732

يقوم به فَلْنُفِدْه طالبَه. فنقول: المراد من ذلك إما القياسُ، وإما أن القاعدة الكلية لما ثبتت من الشرع ورأينا الفرع الجزئي من جملة أقسامها - أدرك العقل دخوله في القاعدة، فقيل: ثبت بالعقل، وهذا معناه كما نقول: الوتر يُصَلَّى على الراحلة، وكلُّ ما يُصَلَّى على الراحلة فهو سنّة، فالوتر سنّة بالعقل. بمعنى أن العقل أدرك النتيجة، لا أنه جعل الوتر سنةً. ومن هذا القبيل أن الشافعي ﵁ أطلق القول في "المختصر" بتعصية الناجش (١): وهو الذي يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها؛ ليخدع الناس ويرغبهم فيها (٢). وشَرَط في تعصية مَنْ باع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه. قال الشارحون: السبب فيه أن النَّجْش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحدٍ، معلومٌ من الألفاظ العامة، وإن لم (٣) يَعْلم هذا الخبر بخصوصه.

стр. 733

والبيع على بيع الأخ إنما عُرف تحريمه من الخبر الوارد فيه؛ فلا يعرفه من لا يعرف الخبر. وذكر بعضهم أن تحريم الخداع يُعْرف بالعقل وإن لم يرد شرع. واعترض الرافعي ﵀ على هذا بأنه ليس معتقدَنا. ولك أن تجمع بين كلام الشارحِين وهذا الكلام: بأن الخديعة لما كانت محرمة من الألفاظ العامة أدرك العقل تحريم النجش؛ لأن كل نجش خديعة، وكل خديعة حرام، ينتج: النجش حرام. ومراده بقوله (١): وإن لم يرد شرع، أي: خبرٌ خاصٌّ لا القول بأن العقل يحسن ويقبح كما فهمه الرافعي. فإن قلت: فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما يُعْرف تحريم النجش (من الألفاظ العامة في تحريم الخداع، يعلم تحريم البيع على البيع) (٢) من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار. قلت: كذا اعترض به الرافعي ﵀، ولكن لقائل أن يقول: (لا يؤخذ) (٣) البيع على بيع الأخ من الألفاظ العامة في الإضرار، بخلاف النجش، والفرق أن النجش لا يَجْلب للناجِش مصلحةً؛ لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثمن السلعة؛ ليجلب نفعًا لصاحبها يلزم منه الإضرار بالمشتري، وجلب منفعةٍ لشخصٍ بإضرارِ آخرَ حرامٌ - واضحٌ من القواعد المقررة. وأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ البيع ليبيعه خيرًا منه

стр. 734

بأرخصَ - ففيه جلب منفعةٍ له من حيث ترويج سلعته، وللمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص، فهاتان مصلحتان لم (١) يعارضهما إلا مفسدةٌ (وهي غير محقَّقة؛ لجواز (٢) أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيعَ) (٣) فيها - مِن مشترٍ آخر بذلك الثمن أو أزيد، فلا يلزم مِنْ تحريمِ جلبِ منفعةِ واحدٍ، لازمُها وقوعُ مفسدةٍ في صورة النجشِ - تحريمُ جلبِ منفعةِ اثنين بمجرد ظنِّ ترتبِ مفسدةٍ عليها. فوضح أن العقل لم يكن قبل ورود الخبر الخاص في البيع على البيع لِيُدْرك تحريمه؛ لما ذكرناه بخلاف النجش. واعلم أيضًا أنه يأتي في عبارات بعض الأصحابِ ما يؤخذ منه قاعدة التحسين والتقبيح، أو يستلزم قاعدة التحسين والتقبيح، كقول أبي العباس بن سريج (٤) وأبي علي بن أبي هريرة والقاضي أبي حامد المروروذي (٥):

стр. 735

إنَّ شكر المنعِم واجبٌ عقلًا. وقول القَفَّال (١): إن القياس يجب العمل به عقلًا وقوله: إنَّ خبر الواحد يجب العمل به عقلًا. إلى غير ذلك من المسائل، وسببه كما قال الأستاذ أبو إسحاق (٢) في كتابه في أصول الفقه في مسألة شكر المنعم: "هذه الطائفة من أصحابنا إنما ذهبت إلى هذه الآراء لأنهم كانوا يطالعون كتب المعتزلة لشَغَفهم بمسائل هذا العلم، فربما عَثَرُوا على هذه العبارة وهي شكر المنعِم على النعمة قبل ورود السمع، فاستحسنوها، فذهبوا إليها، ولم يقفوا على القبائح والفضائح التي تحتها". هذا كلام الأستاذ، وكذلك ذكر القاضي أبو بكر في "التقريب" الذي اختصره إمام الحرمين في كتابه "التلخيص" في مسألة حكم الأفعال، قبل ورود الشرع فإنه قال: مال بعض الفقهاء إلى الحظر، وبعضهم إلى الإباحة، وهذا لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة، مع علمنا

стр. 736

بأنهم ما انتحوا مسالكهم، وما ابْتَغَوْا (١) مقاصدهم (٢). انتهى. وهذه فائدة عظيمة (٣) جليلة (٤) (٥). قال ﵀: (فرعان على التَّنَزُّل: الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا ، إذ لا تعذيب قبل الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ ولأنه لوْ وَجَب لَوَجَب إما لفائدة المشكور وهو منزَّه، أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقةٌ بلا

стр. 737

حَظ، أو في الآخرة ولا استقلال للعقل بها). هذان فرعان على قاعدة الحسن والقبح، جرت عوائد الأصحاب بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها؛ لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما؛ ولهذا يقال: إنهما على التَّنزُّل، أي: الافتراض والتكلف (١) في النزول عن المذهب الحق الذي هو في الذروة إلى مذهبهم الباطل الذي هو في الحضيض. الأول: شكر المنعم: غير واجب عقلًا خلافًا للمعتزلة وبعض الحنفية (٢)، وأما وجوبه شرعًا فمتفق عليه. والمراد بوجوب الشكر عقلًا: أنه يجب على المكلف تجنبُ المُسْتَقْبَحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية. كذا نقله بعض أصحابنا عنهم. قال صفي الدين الهندي (٣): "ولا

стр. 738

يبعد أن يراد به ما نريد (نحن به) (١) في الشرع: وهو أن الشكر يكون باعتقاد أنَّ ما به من نعمةٍ فمن الله، وأنه المتفضل بذلك عليه، فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مُسْتَحَقٍّ عليه وفاقًا. ويكون بالفعل: وهو بامتثال أوامره، واجتناب مناهيه. وبالقول: وهو أن يتحدث بنعمة ربه" (٢) (٣). واحتَجَّ في الكتاب على ما ذهب إليه بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤). ووجه الدلالة فيه ظاهرٌ، وتقريره: إنا مفرعون على القول بالحسن والقبح، والشرعُ على القول بأن العقل يحكم - كاشف، وقد أخبر أن التعذيب منتف قبل البعثة، فدل على أن العقل اقتضى ذلك، ولو وجب شكر المنعم لحصل التعذيب بتركه، ولم يتوقف على بعثة الرسل. فاضْبط هذا التقرير ولا تعدِل به. والثاني: أنه لو وَجب لوجب لفائدة؛ إذ التفريع على القول بقاعدة الحسن والقبح، والإيجابُ على القول بها يستدعي فائدة.

стр. 739

وإن شئت قلت: لو وجب لوجب إما لا لفائدة وهو عبث مستقبح عقلًا (١)، ولكن يلزم على هذا أن يكون المصنف أخل بأحد الأقسام (٢). وإما لفائدة عائدة إلى المشكور وهو الله (٣) ، وهو محال لتنزهه عن الفوائد والأغراض. أو عائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا وهو أيضًا باطل؛ لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع، أو عائدة إليه في الآخرة وهو أيضًا باطل؛ إذ لا استقلال للعقل بمعرفة الفوائد الأخروية. وقد اعتُرض على هذا بأنه إن أُريد بأن العقل لا يستقل بمعرفة الفوائد الأخروية على وجه التفصيل - فهو مسلَّم، لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية. وإنْ أريد الإجمالية - فلا نسلِّم أن العقل لا يستقل بمعرفتها؛ وذلك لأن القول في هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وهي تقطع باتصال الثواب بفعل الواجبات العقلية، والعقاب بتركها. ولقائلٌ أن يقول: العقل لا يستقل بإدراك الآخرة، وكيف يستقل بالحكم بوجود دارٍ أخرى مخلوقة للجزاء والإحسان، وإذا لم يستقل بإدراكها لم يحكم بما يترتب عليها. قال: (قيل: يدفع ظنَّ ضررِ الآجل. قلنا: قد يتضمَّنُه؛ لأنه تصرفٌ في مِلْكِ الغير، وكاستهزاءٍ لحقارة الدنيا بالنسبة إلى كبريائه؛ ولأنه ربما لا يقع لائقًا. قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي. قلنا: إيجاب

стр. 740

الشرع لا يستدعي فائدة). اعترض على الوجه الأخير (١) بوجهين: أحدهما: أنَّا نقول بعَوْد (٢) الفائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا. قوله: مشقة (وكلفة) (٣) بِلَا حَظٍّ. قلنا: لا نسلم أنه لا حظ لها في الشكر، وذلك لأن فائدة الشكر اندفاعُ ظنِّ العقاب في الآخرة على تركه؛ لأن العقاب على ترك الشكر احتمال راجح يُوجب للنفس القلقَ وعدمَ الطمأنينة، بل مجردُ تَوَهُّم العقاب قد يحصل فيه ذلك. وأجاب المصنف بأنَّ ترك الشكر كما أنه يستدعي ما ذكرتم، كذلك الإقدام عليه؛ وذلك لأن مَنْ أقدم على الشكر فقد استعمل الأعضاء والقُوَى المملوكة لربه ، وتصرف فيها بغير إذنه، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يوجب ما ذكرتم. وأيضًا فالشاكر لأنعمه تعالى مُنَزَّل منزلة المستهزئ بالمنعِم؛ لأن نعم الدنيا وإنْ جَلَّ خَطْبها فهي بالنسبة إلى كبريائه تعالى أقلُّ من لقمةٍ بالنسبة إلى مَلِك عظيم؛ لأن نسبة ما يتناهى إلى مِثْله أقلُّ من نسبته إلى ما لا نهاية له، ولا ريب في أن القائم في المحافل يشكر الملِك بسبب ما أسداه إليه من لقمة خبز - معدودٌ من المستهزئين،
следующие страницы →