بأنهم ما انتحوا مسالكهم، وما ابْتَغَوْا (١) مقاصدهم (٢). انتهى. وهذه فائدة عظيمة (٣) جليلة (٤)(٥).
قال ﵀: (فرعان على التَّنَزُّل: الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا ، إذ لا تعذيب قبل الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ ولأنه لوْ وَجَب لَوَجَب إما لفائدة المشكور وهو منزَّه، أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقةٌ بلا
стр. 737
حَظ، أو في الآخرة ولا استقلال للعقل بها).
هذان فرعان على قاعدة الحسن والقبح، جرت عوائد الأصحاب بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها؛ لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما؛ ولهذا يقال: إنهما على التَّنزُّل، أي: الافتراض والتكلف (١) في النزول عن المذهب الحق الذي هو في الذروة إلى مذهبهم الباطل الذي هو في الحضيض.
الأول: شكر المنعم: غير واجب عقلًا خلافًا للمعتزلة وبعض الحنفية (٢)، وأما وجوبه شرعًا فمتفق عليه. والمراد بوجوب الشكر عقلًا: أنه يجب على المكلف تجنبُ المُسْتَقْبَحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية. كذا نقله بعض أصحابنا عنهم. قال صفي الدين الهندي (٣): "ولا
стр. 738
يبعد أن يراد به ما نريد (نحن به) (١) في الشرع: وهو أن الشكر يكون باعتقاد أنَّ ما به من نعمةٍ فمن الله، وأنه المتفضل بذلك عليه، فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مُسْتَحَقٍّ عليه وفاقًا. ويكون بالفعل: وهو بامتثال أوامره، واجتناب مناهيه. وبالقول: وهو أن يتحدث بنعمة ربه" (٢)(٣).
واحتَجَّ في الكتاب على ما ذهب إليه بوجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤). ووجه الدلالة فيه ظاهرٌ، وتقريره: إنا مفرعون على القول بالحسن والقبح، والشرعُ على القول بأن العقل يحكم - كاشف، وقد أخبر أن التعذيب منتف قبل البعثة، فدل على أن العقل اقتضى ذلك، ولو وجب شكر المنعم لحصل التعذيب بتركه، ولم يتوقف على بعثة الرسل. فاضْبط هذا التقرير ولا تعدِل به.
والثاني: أنه لو وَجب لوجب لفائدة؛ إذ التفريع على القول بقاعدة الحسن والقبح، والإيجابُ على القول بها يستدعي فائدة.
стр. 739
وإن شئت قلت: لو وجب لوجب إما لا لفائدة وهو عبث مستقبح عقلًا (١)، ولكن يلزم على هذا أن يكون المصنف أخل بأحد الأقسام (٢). وإما لفائدة عائدة إلى المشكور وهو الله (٣) ، وهو محال لتنزهه عن الفوائد والأغراض. أو عائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا وهو أيضًا باطل؛ لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع، أو عائدة إليه في الآخرة وهو أيضًا باطل؛ إذ لا استقلال للعقل بمعرفة الفوائد الأخروية.
وقد اعتُرض على هذا بأنه إن أُريد بأن العقل لا يستقل بمعرفة الفوائد الأخروية على وجه التفصيل - فهو مسلَّم، لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية. وإنْ أريد الإجمالية - فلا نسلِّم أن العقل لا يستقل بمعرفتها؛ وذلك لأن القول في هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وهي تقطع باتصال الثواب بفعل الواجبات العقلية، والعقاب بتركها. ولقائلٌ أن يقول: العقل لا يستقل بإدراك الآخرة، وكيف يستقل بالحكم بوجود دارٍ أخرى مخلوقة للجزاء والإحسان، وإذا لم يستقل بإدراكها لم يحكم بما يترتب عليها.
قال: (قيل: يدفع ظنَّ ضررِ الآجل. قلنا: قد يتضمَّنُه؛ لأنه تصرفٌ في مِلْكِ الغير، وكاستهزاءٍ لحقارة الدنيا بالنسبة إلى كبريائه؛ ولأنه ربما لا يقع لائقًا. قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي. قلنا: إيجاب
стр. 740
الشرع لا يستدعي فائدة).
اعترض على الوجه الأخير (١) بوجهين:
أحدهما: أنَّا نقول بعَوْد (٢) الفائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا. قوله: مشقة (وكلفة) (٣) بِلَا حَظٍّ.
قلنا: لا نسلم أنه لا حظ لها في الشكر، وذلك لأن فائدة الشكر اندفاعُ ظنِّ العقاب في الآخرة على تركه؛ لأن العقاب على ترك الشكر احتمال راجح يُوجب للنفس القلقَ وعدمَ الطمأنينة، بل مجردُ تَوَهُّم العقاب قد يحصل فيه ذلك.
وأجاب المصنف بأنَّ ترك الشكر كما أنه يستدعي ما ذكرتم، كذلك الإقدام عليه؛ وذلك لأن مَنْ أقدم على الشكر فقد استعمل الأعضاء والقُوَى المملوكة لربه ، وتصرف فيها بغير إذنه، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يوجب ما ذكرتم.
وأيضًا فالشاكر لأنعمه تعالى مُنَزَّل منزلة المستهزئ بالمنعِم؛ لأن نعم الدنيا وإنْ جَلَّ خَطْبها فهي بالنسبة إلى كبريائه تعالى أقلُّ من لقمةٍ بالنسبة إلى مَلِك عظيم؛ لأن نسبة ما يتناهى إلى مِثْله أقلُّ من نسبته إلى ما لا نهاية له، ولا ريب في أن القائم في المحافل يشكر الملِك بسبب ما أسداه إليه من لقمة خبز - معدودٌ من المستهزئين،
стр. 741
مستوجب للتأديب.
وأيضًا فالشكر للمَلِك العظيم إنما يكون على وجه لائق بجنابه، وقد لا تهتدي العقول إلى ذلك الوجه اللائق بجلاله ، فيستحق العقاب بسببه.
فإن قلت: لمَّا فسَّر الشكر باجتناب القبيح، وإتيان الحسن عقلًا - اندفع ما ذكرتم؛ للعلم بالشكر اللائق (١) حينئذ، كما هو معلوم بعد ورود الشرع.
قلت: هَبْ أنَّ الأمر كما ذكرت، لكن الإتيان بما ذكرتَ من الشكر يتوقف على استقباح العقل وتحسينه، فربما (٢) يَستقبح الحَسَن، ويستحسن القبيح؛ لأن العقول غير معصومة عن الخطأ.
لا يقال: قد تعارضت الاحتمالات، والمواظبة على الخدمة أنجى من الإعراض والإهمال؛ لأنا نقول: ذلك في مشكورٍ يَسُرُّه الشكر، ويسوءه الكفران، والله تعالى مبرأ (٣) عن ذلك.
الوجه الثاني: أن ما ذكرتم منقوض بوجوب الشكر شرعًا، فلو كان ما ذكرتموه صحيحًا، لم يجب بعين ما قررتم، بأن يقال: لو وجب شكر المنعم شرعًا - لوجب لفائدة، إلى آخر ما أوردتم.
стр. 742
وأجاب: بأن الدليل المذكور لا يَطَّرِد (١) في الوجوب الشرعي؛ لأنه لا تُعلل أحكام الله تعالى ولا أفعاله، فإيجاب الشرع ليس لاستدعاءِ فائدةٍ، بل له بحكم المالكية أنْ يفعل ما يشاء.
وهذا جواب صحيح، ماشٍ على اللائق بأصول المتكلمين؛ فإنهم لا يُجَوِّزون تعليل أفعال الله تعالى، وهو الحق؛ لأن مَنْ فَعَل فِعْلًا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواءٌ كان ذلك الغرض عائدًا إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه مستكمِلًا في غيره، تعالى الله عن ذلك.
وأما قول المصنف في القياس تبعًا للإمام: دلَّ الاستقراء على أن الله تعالى شرع الأحكام لصالح العباد تفضلًا وإحسانًا - فهو من (٢) كلام الفقهاء وإطلاقاتهم، والصواب ما ذكره هنا.
(فائدة) (٣): قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ "إلكيا" (٤) في تعليقه في الأصول، ومِنْ خط ابن الصلاح نَقَلتُ ذلك: "مسألة شكر المُنْعِم
стр. 743
عينُ مسألة التحسين والتقبيح"، بيانه:
أنا نقول: ليس الشكر اللفظ فما معناه؟
قالوا: المعرفة. قلنا: المعرفة تُراد للشكر، فكيف تكون نفس الشكر! فلا بد أن تتقدم على الشكر، فإنما شَكَرَ مَنْ عَرَف.
قالوا: فلا نُطَوِّل، نعني بالشكر ما تَعْنون أنتم.
قلنا: الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. قالوا: فنحن نقول الشكر: هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات. قلنا: فهذه هي (١) مسألة التحسين والتقبيح بعينها.
قال (٢): ولكننا (٣) أفردناها بالكلام على عادة (٤) المتقدمين (٥).
قال: (الثاني: الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحةٌ عند البصرية وبعض الفقهاء، محرمةٌ عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة، وتوقف الشيخ والصيرفي وفَسَّره الإمام بعدم الحكم، والأَوْلى: أن يُفَسِّرهُ (٦) بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تَعَلُّقُه على
стр. 744
البعثة؛ لتجويزه التكليف بالمحال).
هذا الفرع في حكم الأشياء قبل ورود الشرع ، وقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا حكم فيها؛ لأن الحكم عندهم عبارةٌ عن الخطاب على ما تقدم تفسيره، فحيث لا خطاب (لا حكم) (١).
وأما المعتزلة فقسموا الأفعال إلى اضطرارية واختيارية:
الأولى: الاضطرارية:
وهي التي تقع بغير اختيار المكلف، ولا قدرة له على تركها، كالتنفس في الهواء. قال الإمام: "وذلك مما لا بد من القطع بأنه غير ممنوع إلا إذا جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق" (٢).
والثانية (٣): الاختيارية:
وهي الواقعة بإرادة المكلف مع قدرته على تركها. ومثَّل لها بأكل الفاكهة، وبهذا يُعْرف أن القدر الذي لا يعيش المكلف بدونه من الأكل والشرب وغيرهما من قسم الاضطراري، ومنهم مَنْ جعل ما يحصل به الاغتذاء من قسم الاختياري المتنازَع فيه، وتبعهم المصنف كما ستراه في كلامه إن شاء الله، ولعل مرادهم بالاغتذاء ما يقع فوق الضرورة.
стр. 745
إذا عرفت ذلك فقد قسموا الاختيارية: إلى ما يَقْضِي فيها العقل بحسن أو قبح، واتبعوا فيها حكم العقل وتقسيمَه إياها إلى الأحكام الخمسة، وإلى ما لا يقضي العقل فيها بواحدٍ منهما، وهذه صورة مسألة الكتاب (١).
فقوله: "الاختيارية" احتراز عن الاضطرارية، وَفَاتَه أن يقول: التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح.
فنقول: ذهبت (٢) معتزلة البصرة (٣)، وبعض الفقهاء من الشافعية (٤) والحنفية (٥)، إلى أنها على الإباحة قبل ورود الشرع (٦).
وذهب معتزلة بغداد (٧)، وبعض الإمامية (٨)، والشيخ أبو علي بن أبي هريرة من الشافعية (٩)، إلى أنها محرمة (١٠).
стр. 746
وقد سلف اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى في هذه المسألة بإباحة أو حظر من الفقهاء.
وتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري (١) وأبو بكر الصيرفي (٢) في ذلك (٣).
والخلاف في هذه المسألة جارٍ في خطاب التكليف وخطاب الوضع على حدٍ سواء.
وفَسَّر الإمام توقف الشيخ: بعدم الحكم، أىِ: بانتفاء الأحكام.
стр. 747
وهذا ما قال النووي في أوائل باب الربا في (١) "شرح المهذب": إنه الصحيح عند أصحابنا (٢). أعني: انتفاء الأحكام. قال صاحب الكتاب: والأَوْلى أن نُفَسِّر التوقف بعدم العلم، أي: بأن لها حكمًا قبل ورود الشرع، ولكنا لا نعلم ما هو. وعلَّل ذلك: بأن الحكم قديم عند الشيخ، فتفسير التوقف بعدم الحكم يلزم منه أن يكون الحكم حادثًا، وهو خلاف مذهبه.
ثم استشعر المصنف سؤالًا فأجاب عنه، وتقريره: أنَّ الحكم وإنْ كان قديمًا عند (٣) الشيخ لكن تعلقه حادث؛ لأنه متوقف على بعثة الرسل، والمراد بأنه لا حكم قبل ورود الشرع: أنه لا تعلق، فلا يكون تفسير التوقف بعدم الحكم مخالفًا لمذهب الشيخ (٤).
وتقرير جوابه: أن التعلق عند الشيخ لا يتوقف على البعثة؛ لتجويزه التكليف بالمحال، فيجوز أن يتعلق الحكم بأفعال المكلفين قبل ورود الشرع مع عدم شعورهم بذلك.
ولقائل أن يقول: هذا حينئذ تكليف الغافل، لا تكليفٌ بالمحال، (والشيخ إنما يجوز الثاني، ثم إن الشيخ لا يقول بوقوع التكليف
стр. 748
بالمحال) (١)، بل الحق تفسير التوقف بعدم الحكم، وبه صَرَّح القاضي في "مختصر التقريب" فقال: صار أهل الحق إلى أنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، وعبَّروا عن نفي الأحكام بالوقف (٢)، ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكمًا في بعض مسائل الشرع، وإنما عَنَوْا به انتفاء الأحكام (٣). انتهى. وهو مُصَرِّح ببطلان ما ذهب إليه المصنف من التفسير، وكذا قال إمام الحرمين في "البرهان": "لا حكم على العقلاء (قبل الشرع) (٤) " (٥). وليس مراده إلا الوقف لعدم الحكم. وقال الغزالي: "إنْ أراد أصحاب الوقف أن الحكم موقوف على ورود السمع، ولا حكم في الحال - فصحيح. وإنْ أرادوا عدم العلم فهو خطأ" (٦).
فإن قلت: الوقف: هو الإمساك عن الحكم بشيءٍ، فلا يناسبُ تفسيرَه بالجزم بأن لا حكم.
قلت: معنى الوقف يرجع إلى أنَّ فعل المكلف قبل البعثة لا يوصف بإباحة ولا حرمة؛ لعدم التعلق به. فالتوقف إنما هو في وصْف الفعل، لا في وجود الحكم وعدمه، لكن لما كان السببُ في هذا الوقف القطعَ بعدم الحكم بمعنى عدم التعلق - فَسَّرنا التوقف بعدم الحكم تجوزا.
стр. 749
فإن قلت: هذا لا يجامع اختياركم أن التعلق قديم.
قلت: المراد بالتعلق هنا هو التعلق الذي يظهر أثره في المحكوم عليه، وهو منتف قبل البعثة؛ فلذلك اخترنا انتفاء الحكم قبل البعثة، وفسرنا توقف الشيخ به (١).
فإن قلت: هل الحكم بنفي الحكم قبل البعثة عقلي أم (٢) شرعي؟ قلت: هو عقلي لا شرعي.
بقي (مما ننبه) (٣) عليه هنا: أن ما نقله المصنف عن الإمام ليس بجيد، فإنه حكى في "المحصول" قول الوقف، ثم قال: "هذا الوقف تارة يُفسَّر: بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا بل قطعًا بعدم الحكم. وتارةً: بأنا لا ندري هل هنا حكم أم لا؟ وإنْ كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر" (٤). انتهى. فليس فيه اختيار ما نقله المصنف عنه (٥).
فإن قلت: ما عذر المصنف في ذلك؟
قلت: الظاهر أنه اتبع (٦) صاحب "الحاصل"، حيث
стр. 750
قال فيه: "التوقفُ مرةً يفسَّر: بأنا لا ندري الحكم. ومرةً بعدم الحكم، وهو الحق" (١) وظَنَّ أن صاحب "الحاصل" اتبع الإمام على عادته، فنسب اختيار هذا القول إلى الإمام، ويحتمل أن المصنف وقف للإمام على اختيار ذلك في كلامٍ له غير هذا الموضع، أو أنه أراد بالإمام إمام الحرمين فإنه اختار ذلك في "البرهان" حيث قال: "لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع (٢) " (٣) وهما احتمالان بعيدان (٤).
قال: (احتج الأولون: بأنه انتفاعٌ خالٍ عن أمارة المفسدة ومضرة المالك فيباح، كالاستظلال بجدار الغير، والاقتباس من ناره. وأيضًا المواكيل (٥) اللذيذة خُلقت لغرضنا؛ لامتناع العبث، واستغنائه تعالى. وليس للإضرار اتفاقًا فهو للنفع: وهو إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل، أو الاستدلال ولا يحصل إلا بالتناول. وأجيب عن الأول: بمنع الأصل، وعِلّية الأوصاف، والدورانُ ضعيف. وعن الثاني: بأن فعله (٦) لا يُعَلَّل بالغرض، وإنْ سُلِّم فالحصر ممنوع).
стр. 751
احتج الأولون وهم القائلون بالإباحة بوجهين:
أحدهما: أنها انتفاع خال عن أمارة المفسدة، فإن الكلام مفروض في فعلٍ لا يظهر له مفسدةٌ، وخالٍ عن مضرة المالك، لأن المالك هو الله المنزه عن المَضَارّ، المبرأ عن المنافع، فتكون مباحةً قياسًا على الاستظلال بجدار الغير، والاستضاءة بناره بغير إذنه، فإنه أبيح لخُلِّوه عن أمارات المفسدة ومضرة المالك، فلما وجدنا الإباحة دائرةً مع هذه الأوصاف وجودًا وعدمًا، والدوران يدل على عليَّةِ المَدَار للدائر - دَلَّ على عِلِّيتها لإباحة الأفعال، وهي موجودة في صورة النزاع؛ فيلزم الإباحة فيها.
وتمثيل المصنف بالاقتباس فيه نظر؛ لأن الاقتباس أَخْذُ جزءٍ من النار وهو لا يجوز بغير الإذن، فالأولى التمثيل بالاستضاءة كما ذكرناه (١). وقد ذكر الرافعي جواز الاستظلال بجدار الغير، والاستضاءة بناره، والاستناد وإسناد المتاع (٢) - في أثناء كلامه في القسم الثاني في الجدار المشترك من كتاب الصلح (٣). وذكر القَفَّال المسألة في "الفتاوي" في واقعةٍ جرت له مع السلطان محمود، وأنه يجوز السعي في أرض الغير إذا لم يخش أن تُتخذ بذلك طريقًا، ولا لَزِم منه ضرر، قال: وكذلك النظر في مرآة الغير، والإيقاد (٤) من ناره، والاستظلال بجداره، والالتقاط
стр. 752
من حبوب الزرع المتناثر. وذكر القفال في "الفتاوي" أيضًا أنه يجوز إسناد خشبةٍ إلى جدار الغير.
الوجه الثاني: أن المواكيل اللذيذة إنْ خُلقت لا لغَرَض كان عبثًا محالًا، وإن خُلقت لغرضٍ فلا جائز أن يعود إلى الباري؛ لتنزهه عن الأغراض، فتعيَّن أن يكون لغرضنا، وليس هو الإضرار باتفاق العقلاء، فهو حينئذ النفع. وذلك النفع إما أن يكون دنيويًا، كالتلذذ والاغتذاء (١). أو أخرويًا يتعلق بالعمل، كالاجتناب؛ لِكَوْن تناولها مفسدة (٢) - مع الميل فيستحق الثواب باجتنابها. أو أخرويًا يتعلق بالعلم، كالاستدلال بها على وجود الصانع، وكمال قدرته. وكل ذلك لا يحصل إلا بالتناول: أما توقف الالتذاذ والاغتذاء على التناول فواضح. وأما توقف الاجتناب عليه، فلأن المكلف إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت نفسه إليها، وإنما يكون ذلك بعد التناول. كذا قيل. والحق أن تارك المعاصي امتثالًا لأمر الله تعالى مع عدم مَيَلانه إليها يثاب (٣) على تركها، بل هو عند قوم أعلى درجة من الذي فعلها ثم انزجر عنها.
وأما توقف الاستدلال فلأنه إنما يكون بعد معرفتها. هذا تقرير الوجهين.
قال في الكتاب وأجيب عن الأول: بأنا لا نسلم ثبوت الحِكَم في
стр. 753
المقيس عليه، فإن الاستظلال بجدار الغير، والاقتباسَ من ناره، من جملة الأفعال الاختيارية الداخلة تحت صور النزاع، ولئن سلمنا ثبوتَ الحكم في الأصل فلا نسلم أنه معلَّل بهذه الأوصاف، واستدلالكم على ذلك بالدوران لا يفيدكم؛ لأن الدوران وإن كان حجة فالظن الحاصل منه ضعيف لا يُستدل بمثله على هذه المسألة (١).
واعلم أن هذا لا يخالِف قولَه في القياس بحجية الدوران، لأن القائل بحجيته معترِف بأنه جارٍ في مجاري الظنون الضعيفة التي يُستدل بها على الفروع الفقهية الجزئية دون المسائل الأصولية. وأما مَنْ قال بأنه مفيد للقطع فلا مبالاة بمُعْتَقدِه الفاسد.
وأجيب عن الثاني: بأن الدليل المذكور مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض، وقد بَيَّنَّا فيما سلف أنه لا يجوز تعليلها.
ولقائل أن يقول: إذا كان الكلام في هذا الفرع مفرَّعًا على القول بقاعدة التحسين والتقبيح - وجب المشي فيه على قاعدة القوم، وهم يعلِّلون أفعال الله تعالى، ويزعمون أنها تابعة للمصالح.
ثم قال المصنف: ولئن سلمنا جوازَ تعليلها فلا نسلِّم انحصار الغرض فيما ذكرتم، وجاز أن يكون الغرض في خَلْقِها هو التنزه بمشاهدتها أو غيرُ ذلك.
قال: (وقال الآخرون: تصرفٌ بغير إذن المالك فيحرم كما في
стр. 754
الشاهد، وَرُدَّ: بأن الشاهد يتضرر به (١) دون الغائب).
احتج القائلون: بأنها مُحَرَّمة بأن الأفعال الاختيارية تصرفٌ في (٢) مِلْك الغير بغير إذنه (٣)؛ فيحرم، قياسًا على التصرف في مِلْك الشاهد - الذي هو الإنسان - بغير إذنه، والجامع بَيِّنٌ.
ورُدَّ هذا بالفرق: وهو أن حرمة التصرف في مِلْك الشاهد بغير إذنه إنما كانت؛ لتضرره بذلك، وهذا بخلاف الغائب - وهو الله - لتنزهه عن الأضرار.
وقد عَلِمَ الواقفُ على هذا برَدِّ المصنفِ على الفريقين: أنه يختار الوقف.
واعلم أنه لا خلاف في الحقيقة بين الواقفية والقائلين بالإباحة كما قال إمام الحرمين، قال: "فإنهم لم يَعْنُوا بالإباحة ورودَ خبرٍ عنها، وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك، والأمرُ على ما ذكروه. نعم لو قالوا: حَقٌّ على المالك (٤) أن يبيح (٥) - فهذا ينعكس الآن عليهم بالتحكم في تفاصيل النفع والضرر على مَنْ لا ينتفع ولا يَستضر" (٦).
стр. 755
قال: (تنبيه: عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أعم من الإذن).
هذا إشارة إلى جوابٍ عن سؤال مقدَّر ذَكَره الفريقان على الواقفية بمعنى: لا حكم. ولك أن تقول: المصنف غنيٌّ عن ذِكْر هذا؛ إذ هو لا يفسر التوقف بمعنى عدم الحكم، بل بمعنى عدم العلم.
وتقرير السؤال: أن الأفعال إنْ كانت ممنوعًا منها فهي محرمة، وإلا فهي مباحة.
(والجواب: أنا لا نسلِّم أنها إذا لم تكن ممنوعًا منها تكون مباحة) (١)؛ لأن المباح هو ما أُعلم فاعلُه أو دُلَّ على أنه لا حرج في فعله ولا تركه، ولا يلزم من عدمِ المنع (الإذنُ؛ لأن عَدم المنع) (٢) أعمُّ من الإذن، والعام لا يستلزم الخاص (٣)(٤)).
стр. 756
الفصل الثاني: المحكوم عليه
стр. 757
قال: (الفصل الثاني: في المحكوم عليه.
وفيه مسائل:
الأولى: يجوز الحكم على المعدوم: كما أنَّا مأمورون بحكم الرسول ﷺ ).
قال أصحابنا: المعدوم يجوز أن يُحْكم عليه، لا بمعنى أنَّ حال كونه معدومًا يكون مأمورًا، فإنه معلوم الفساد بالضرورة، بل بمعنى: أنه يجوز أن يكون الأمر موجودًا في الحال، ثم إن الشخص الذي يُوجد بعد ذلك يصير مأمورًا بذلك.
وأما سائر الفِرَق فقد أنكروه وعظَّموا النكير على شيخنا أبي الحسن ﵁ حتى انتهى الأمر إلى (١) انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب، منهم أبو العباس القلانسي (٢) مِنْ قدماء الأصحاب.
وقال: كلام الله في الأزل لا يتصف بكونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا، وإنما تثبت (٣) هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين، كما
стр. 758
يتصف الباري بكونه خالقًا رازقًا فيما لا يَزالُ (١)(٢)، وجَعَل ذلك مِنْ صفات الأفعال (٣). وهذا ضعيف؛ لأنه إثباتٌ لكلامٍ خارجٍ عن كونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا إلى استتمام أقسام الكلام، وذلك مستحيل قطعًا (٤)، فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلامًا أزلًا ثم يستَجِدُّ كونها كلامًا فيما لا يزال (٥).
стр. 759
وذهب بعض الفقهاء كما حكاه القاضي في "مختصر التقريب" إلى أن الأمر قبل وجود المأمور أمْرُ إنذار وإعلام وليس بأمر إيجاب (١).
وهو ضعيف؛ لأن ما فروا منه في الإيجاب يلزمهم في الإعلام؛ فإنه (٢) كما يُستبعد إلزام المعدوم (٣) يُستبعد إعلامه.
واحتج أصحابنا: بأن الواحد منا يصير مأمورًا بأمر النبي ﷺ مع أن ذلك الأمرَ ما كان موجودًا إلا حال عدمنا.
قال: (قيل الرسول ﵇ أخبر بأنَّ مَنْ سيُولد (٤) فالله سيأمره. قلنا: أمر الله في الأزل معناه: أن فلانًا إذا وُجِد فهو مأمور بكذا. قيل: الأمر في الأزل ولا سامعَ ولا مأمورَ عبثٌ، بخلاف أمر الرسول ﵇. قلنا: مبني على القبح العقليّ، ومع هذا فلا سَفَه أنْ يكون في النفس طلبُ التعلُّم من ابنٍ سَيُولد).
اعترض الخصوم على الدليل المتقدم: بأنه لا يصح قياس أمر الله تعالى على أمر الرسول ﷺ ؛ لأنه ﷺ مبلِّغ لأمر الله تعالى، فيكون مُخْبِرًا عن الله بأن فلانًا إذا وُجد وانخرط في سلك مَنْ يفهم الخطاب فالله يأمره بكذا، وإذا كان كذلك لم يكن أمرًا للمعدوم بشيء.
стр. 760
وأجاب المصنف: بأنا أيضًا نقول: أمْرُ الله في الأزل معناه: أنه أخبر بأنَّ مَنْ سيوجد ويستعِدُّ لتعلُّق الأمر به - يصير مأمورًا بأمري، كما قلتم في أمر الرسول ﷺ .
فإن قلت: (إذا كان أمْر الله بمعنى الإخبار فلا يكون أمرًا حقيقيًا. قلت) (١): كذا ذهب إليه بعض الأشاعرة. وضعَّفه الإمام بوجهين:
أحدهما: أنه إنْ كان مُخْبِرًا لنفسه فهو سَفَه، أو لغيره فمحال؛ إذ ليس ثَمَّ غيره، ولهذا ذهب مَنْ صار إلى أنَّ كلام الله في الأزل (٢) لم يكن أمرًا ولا نهيًا، ثم صار فيما لا يزال كذلك.
واعترض عليه القرافي بأنا نقول: "إنه مخبِر لنفسه، والقائل يُسند (٣) في فكره طول ليله ونهاره، ولا معنى لذلك (٤) إلا الإخبارات، وأجمع العقلاء مع ذلك على حسنه، فلا يكون في حق الله تعالى قبيحًا، بل الله تعالى عالم بجميع معلوماته، ويخبر عن كل معلوم بخصائص صفاته، وأحواله، ولا استحالة في ذلك. ولم يزل الله تعالى في الأزل يُخبر عن صفات كماله، ونعوت جلال نفسِه بكلامه النفسي أزلًا وأبدًا، ولا يَسْمع ذلك إلا اللهُ
стр. 761
تعالى بسمعه القديم، وإلى هذا الإخبار أشار ﵇ بقوله: "لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١)، فالله تعالى يثني على نفسه دائمًا أزلًا وأبدًا، ولا معنى للثناء إلا الإخبار". قال: "وهذا واجبٌ حقٌّ لا يُنكره إلا مَن لم يُرَيَّض بالعلوم العقلية الكلامية" (٢).
والثاني: من اعتراضَي الإمام: أنه لو (٣) كان بمعنى الإخبار ثَمَّ (٤) لقَبِل الصدقَ والكذب، ولكان يلزم أن لا يجوز العفو؛ لأن الخُلف في خبر الله محال (٥). وهو ضعيف؛ لأنا نقول: الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو. ذكره الأصفهاني في شرح المحصول.
ثم اعترض الخصم على الجواب: بأن الأمرَ بالمعنى الذي ذكرتموه أيضًا محال في حق الله تعالى دون رسول الله ﷺ ؛ لأنه تعالى إذا أخبر في الأزل يكون قد أخبر ولا سامعَ ولا مأمورَ ومَنْهِيَّ، وصار كمن خلا بنفسه يُحَدِّثها، وذلك عبث، بخلاف أمر الرسول ﷺ فإن بين يديه مَنْ يسمع
стр. 762
ويمتثل ويُبَلِّغ.
وأجاب: بأن تقبيح هذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وهي منهدمة الأركان.
ولقائل أن يقول: إنْ ثبت قُبْح هذا فهو صفة نقص ولا خلاف، كما سلف في أن التحسين والتقبيح على معنى صفات الكمال والنقص عقلي، وما تقدم من كلام القرافي يصلح جوابًا هنا.
ثم أجاب المصنف ثانيًا: بأن أمر الله تعالى هو الطلب القائم بذاته على رأي أهل الحق، ولا سَفَه في قيام طلب الفعل بذاته ممن سيوجد، كما أنه لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلبُ تَعَلُّمِ العلم من الولد الذي سيوجد؛ ولو قُدِّر بقاء ذلك الطلب حتى يوجد الولد - صار مطالَبًا بذلك المطلب ومأمورًا، فكذلك المعنى القائم بذات الله تعالى الذي هو: اقتضاء الطاعة من العباد - قديمٌ، تَعَلَّق بعِبادٍ على تقدير وجودهم، فإذا وُجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء.
وهذا الجواب صحيح، إلا أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح (١)،
стр. 763
فإنا لا نسلم أنه يقوم بذات الأب (طلبٌ للتعلم) (١) من ابن سيولد، وإن كان الغزالي في طائفة قالوا: إنَّ ذلك ثبت للذاهبين إلى كلام النفس، بل نقول (٢): إنما يقوم بذاته أنه لو وُجد لَطَلَب منه (٣).
فإن قلت: إنما كان (٤) ذلك لأن الشاهد غالبًا لا يستيقن (وجود ولدٍ لَهُ إذ لا علم له بالغيب، بخلاف مَنْ يعلم أن فلانًا
стр. 764
يُوجد) (١) في الوقت الفلاني لا محالة بتقديري وإرادتي، ونحن نفرض شخصًا أخبره صادق: بأنه يولد لك غلام (٢)، ولا بِدْع أن يقوم في نفسه والحالة هذه ما ذكرناه (٣). قلت: ولو فرضتَ ذلك لم نسلِّم صحة قيام ذلك في نفسه، وكيف يَطْلب ولا مطلوبًا منه!
فإن قلت: فما الفارق والحالة هذه بين الغائب والشاهد، حيث اخترتم (٤) صحة قيام ذلك بذات الله دون (٥) الشاهد؟
قلت: الله تعالى ليس كلامه إلا النفسي ولا يمكن أن يكون قيامه بذاته حادثًا، وإلا يلزم أن يكون محلًا للحوادث، تعالى الله عن ذلك؛ فلذلك لزم من هاتين المقدمتين أعني: امتناع كون كلامه غير نفسي (٦)، وامتناع كونه محلًا للحوادث (٧) - أن يكون الأمر قائمًا بالذات في القدم (٨)، وتعلقه بالمأمور حادث على حسب استعداده.
وأما الشاهد (٩) الذي لا يستحيل على ذاته (١٠) قيام الحوادث بها،
стр. 765
وأمْرُه يصدق طَوْرًا باللسان وطورًا بالجَنان - فلا ضرورة بنا إلى أن (١) نقدِّر قيام المطلب بذاته مِنْ معدوم، وما لنا لا نؤخِّره إلى حين يُوجد ذلك المعدوم، فَوَضح السِّر في كون أمر الله تعالى من الأزل، وثبوت الفارق بين الغائب والشاهد، وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر. وما ذكره الخصوم من الحُسْن والقبح والهذيان والسفه والانتظام والاتساق (٢) في أمرٍ ولا مأمورَ وغيرِها كلُّها من نعوت المُحْدَثات، والقديم يتقدس عنه، ويُحَقِّق هذا أن مَنْ أحبَّ أن يُحيط علمًا بقَطْر البحار وأوراق الأشجار - عُدَّ سفيهًا واستُقْبح منه ما أتى به، بخلاف الرب . فالمعدوم الذي وُجد أنه متوقف على أمره، وقد قَدَّر وجودَه في وقتٍ معلومٍ لا يتخلَّف عنه، على صفةٍ معلومةٍ لا انفكاكَ لها دون أمره - نازلٌ عنده مَنْزِلة الموجود، فهو يأمره وينهاه ولا قبح في (٣) هذا في جانب الباري ، وهذا واضح لمن تدبره، ومَنْ أراد الزيادة فالكتب الكلامية التي وضعها أصحابنا بين أظهرنا.
وإمام الحرمين قال: إن هذا الموضع مما يستخيرُ اللهَ فيه، ووعدَ بإملاء مجموعٍ عليه (٤)، وقال: قولُ القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس (٥)،
стр. 766
فإنه (١) إذا وُجِد لم يبق معدومًا، ولا شك أن الوجود شَرْط في كون المأمور مأمورًا، وإذا لاح ذلك بقي النظر في أمرٍ بلا مأمور. وهذا مُعْضِلٌ أرِبٌ (٢)؛ فإن الأمر من الصفات المتعلِّقة، وفَرْض مُتَعَلِّقٍ ولا متعلَّق له محال (٣). انتهى. وفيما أوردناه كفاية.
فائدة:
قال إمام الحرمين في "التلخيص" المختصر من "التقريب والإرشاد": "ذهب بعض من لا تحقيق له إلى أن الأمر إنما يتعلق بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجودٍ واحدٍ فصاعدًا، ثم يتبعه المعدومون على شرط الوجود، وسقوط هذا واضح" (٤).
стр. 767
تنبيه:
قد يُسأل عن الفَرْق بين هذه المسألة، وبين قولنا: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، فإن الأزل قبل ورود الرسل بالضرورة، وقد نفينا الأحكام قبل ورودهم ثَمَّ، وأثبتناها هنا في الأزل؟
والجواب: ما تقدم في خلال الكلام من أن معنى قولنا: لا حكم قبل ورود الشرع - أن الخطاب إنما يتعلق بما بعد البعثة لا بما قبلها، فالمنفي (١) هناك تَعَلُّقُ الأحكام لا ذواتُها، والذي ندعيه ها هنا في الأزل ذواتُها، فلا تناقض بين الكلامين (٢).
قال: (الثانية: لا يُجَوِّز تكليفَ الغافل مَنْ أحال تكليفَ المحال؛ فإن (إتيان (٣) الفعل) (٤) امتثالًا يعتمد العلم ولا يكفي (٥) مجردُ الفعل، لقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات". ونوقض بوجوب المعرفة. وأجيب: بأنه مستثنى).
стр. 768
اتفق الكل حتى القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق على أنه يُشترط في المأمور أن يكون: عاقلًا، يَفْهم الخطاب، أو يتمكن مِنْ فهمه؛ لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالبٌ للمأمور به منه، سواء أمكن حصوله منه أم لم يمكن، كما في التكليف بما لا يطاق. وإعلامُ مَنْ لا عقلَ له (ولا فهمَ متناقِضٌ؛ إذ يصير التقدير: يا من لا فَهْم له افهم، ويا مَنْ لا عقل له) (١) اعقِل المأمور به. فعلى هذا لا يجوز أمر الجماد والبهيمة؛ لعدم العقل والفهم، (وعدمِ استعدادهما. ولا أمرُ المجنونِ والصبيِ الذي لا يميز؛ لعدم العقل والفهم) (٢) التامَّيْن، وإنْ كانا مُسْتَعِدَّيْن لهما.
وقد نَسَبَ المصنفُ امتناعَ تكليفِ الغافلِ إلى مَنْ يُحيل تكليفَ المحال، وهو يُفْهم أنَّ الذي لا يحيله لا يمنعه، وليس الأمر كذلك، بل المختار مَنْعُه وإن فَرَّعنا على صحة التكليف بالمحال.
وعلى المصنف في قوله: "تكليف المحال" مُعْتَرضٌ آخر: وهو أن تكليفَ المحال: هو ما رجع إلى المأمور، وهو تكليف الغافل. فكان الأَوْلى أن يقول: التكليف بالمحال (٣).
واستدل المصنف على المختار: بأن مقتضى التكليف الإتيانُ بالمأمور به
стр. 769
على وجه الامتثال للآمر، وذلك (١) لا يُتصور إلا إذا عَلِم المكلَّف أن المكلِّف أمَرَه به، والغافل لا يَعْلم ذلك؛ فلا يمكنه الإتيان بالمأمور به على جهة الامتثال.
قوله: "ولا يكفي مجرد الفعل" هذا جوابٌ عن سؤال مُقَدَّر تقديره: أنا لا نسلِّم توقفَ الإتيان بالمأمور به على العلم؛ لجواز (٢) أن يصدر عنه (٣) ما كُلِّف به مِنْ غير عِلْم.
وتوجيه الجواب: أن مجرد الإتيان بالمأمور به لا يكفي في حصول الامتثال، بل لا بد معه من النية؛ لما ثبت مِنْ قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٤).
وقد نقض الخصم هذا الدليل: بوجوب معرفة الله تعالى فإنها واجبة، ولا يمكن أن يكون وجوبها بعد حصولها؛ للزوم تحصيل الحاصل. وإذا كان
стр. 770
قبل حصولها استحال معرفة هذا الأمر؛ لأن معرفة أوامر الله بدون معرفة الله محال. فقد كُلِّف بما هو غافل عنه.
وأجاب المصنف: بأنه مستثنى من القاعدة؛ لقيام دليلٍ عليه يخصه. وقد ضُعِّف هذا الجواب: بأن النقض ولو بصورةٍ قادحٌ في الدليل.
وقيل الحق في الجواب أن يقال: نختار أن التكليف بها يَرِد حال حصول العلم ولا يلزم تحصيلُ الحاصل؛ لجواز أن يكون المأمور به معلومًا بوجه ما، ويكونَ التكليفُ واردًا بتحصيل المعرفة من غير ذلك الوجه. وقد نجز شرح ما في الكتاب (١).
والذي نص عليه الشافعي ﵁ أنَّ السكران مخاطَب مكلَّف (٢)، ولكنِ الأصوليون على طبقاتهم منهم القاضي في "مختصر التقريب" صرحوا بخروج السكران الخارج عن حد التمييز - عن قضية التكليف، والتسوية بينه وبين سائر مَن لا يفهم (٣).
قال الغزالي: "بل السكران أسوأ حالًا من النائم الذي يمكن تنبيهه" (٤). فإما أن يكون ما قاله الشافعي قولًا ثالثًا مُفَصِّلًا بين السكران
стр. 771
وغيره للتغليظ عليه، أو يُحْمل قوله (١) على السكران الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز، دون الطافح المغشِيِّ عليه. ولا ينبغي أن يَظُنَّ ظانٌّ مِن (٢) ذلك أن الشافعي يُجَوِّز تكليف الغافل مطلقًا، فَقدْره ﵁ يَجِلُّ (٣) عن ذلك، وأظهر الرأيين عندنا أن الشافعي فَصَّل بين السكران وغيره. ثم إنا نقول: لعل ذلك هو الحق دالِّين عليه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٤).
فإن قلت: لعل المراد بالسكران في الآية النشوان الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز.
قلت: هذا التأويل ينافي سياق الآية، فإن الرب تعالى قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وليس عندي على مَنْ قال إنَّ السكران مكلَّف إلا إشكال دقيقٌ لولاه لجزمت القولَ بأنه مكلَّف: وهو أنه يلزمُ مَنْ قال إنه مكلَّف أن يأمره بالوضوء ويطالبه بالصلاة، ويَرِد عليه إذن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فإن تحريم الصلاة عليه لا يُجامِع مطالبتَه بها، فالآية تصلح مُعْتَصَمًا للفريقين، فمَن يكلفه يقول: الله قد (٥) خاطبه. ومَن يمنع يقول: قد أمره بأن لا يقرب الصلاة.
стр. 772
فإن قلت: كيف لا تكلفون النائم وهو يضمن ما يُتْلِفه في نومه، ويقضي الصلوات التي تمر عليه مواقيتُها، إلى غير ذلك من الأحكام؟
قلت: الذي قلناه: إنه لا يخاطب في حال نومه، ولكن يتوجه عليه الخطاب بعد ذلك؛ لقوله ﷺ : "من ترك صلاةً أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١).
فإن قلت: إنما يُخَاطب في اليقظة بسبب ما تقدم في النوم.
قلت: مقصِدُنا نفي الخطاب في حال النوم، فأما ثبوت أسباب يُسْنَد إليها تَثْبِيت (٢) الأحكام في اليقظة - فمما لا ننكره. ويوضح هذا أن الصبي الذي لا يميز لو أتلف شيئًا لطالبناه ببدله، فوجوب الزكوات، والغُرْم، والنفقات - ليس من التكليف، بل الإتلاف، وملك النصاب - سبب لثبوت هذه الحقوق في ذِمَّة الصبيان، بمعنى: مخاطبة الولي في الحال بالأداء، ومخاطبة الصبي بعد البلوغ. وذلك غير محال،
стр. 773
وليس كقولك لمن لا يفهم: افهم. فإن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي بها يَستعد لقبول قوة العقل، الذي (به قوة) (١) فَهْم التكليف في ثاني الحال، حتى إن البهيمة لما لم يكن لها قوةُ فهمِ الخطاب بالفعل، ولا بالقوة - لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها، بخلاف النطفة التي في الرحم إذْ ثبت لها الملك بالإرث والوصية، والحياة غير موجودة بالفعلِ، ولكن بالقوة. وكذا الصبي مصيره إلى العقل فصح إضافة الحكم إلى ذمته، ومطالبته في ثاني الحال، ولم يصلح للتكليف في الحال.
فإن قلت: لو انتفخ ميت وتكسَّر بسبب انتفاخه قارورةٌ - فينبغي إيجاب ضمانها، كالطفل يسقط على قارورة.
قلت: يحتمل أن يُقال بذلك، وأن يُطَالَب به الورثة، كما يجب الضمان على العاقلة، والفعل لم يصدر منهم. ولكن قال الأصحاب: لا يجب، وفرقوا بينه وبين الطفل بأن للطفل فِعْلًا بخلاف الميت، وإيجاب الضمان على من لا فعل له غيرُ معقول، وهو متجه.
فإن قلت: فالصبي المميز يفهم الخطاب فلِمَ منَعْتَ تكليفَه!
قلت: العقل لا بمنع منه، ولكن الشرع رفع ذلك عنه بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" (٢) الحديث. وقد قال البيهقي: "إن الأحكام إنما نيطت
стр. 774
بخمسَ عشرةَ سنة مِنْ عام الخندق، وإنها كانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز".
وبهذا يجاب عن سؤال مَنْ يقول: الرفع يقتضي تقدم وضع، ولم يتقدم على الصبي وضع.
فإن قلت: ما الحكمة في تقدير الرفع بالبلوغ وهو إذا قارب البلوغ عَقَل.
قلت: قال القاضي أبو بكر: "إنَّ عدمَ بلوغه دليلٌ على قلة عقله" (١). وهو تصريح منه بأن العقل يزيد ويكمل بلحظة، وليس يتجه ذلك كما قال الغزالي (٢)؛ لأن انفصال النطفة لا يزيده عقلًا؛ لكن حُطَّ الخطاب عنه تخفيفًا، وزيادة العقل ونقصانه إلى حدٍّ يُناط به التكليف أمرٌ خفي، لا يمكن الاطلاع عليه بغتة لكونه يزيد على التدريج، وقد عُلِم من عوائد الشرع أنه يعلق الحِكَم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها، والبلوغ مَظنَّةُ كمال العقل، فعلَّق الشارعُ الأمرَ عليه، وإنْ جاز وجودُ
стр. 775
الحكمة (١) قبله بلحظة أو بعده بلحظة. وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك، بل ربما شذت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضَرْبٍ من التعبد، وفي ذلك فروع:
منها: لو كمَّل وضوءَه إلا إحدى الرجلين ثم غسلها وأدخلها الخف فإنه ينزع الأولى ثم يلبسها؛ ليكون قد أدخلهما على طهارة كاملة (٢).
ومنها: لو اصطاد صَيْدًا وهو مُحْرِم، ولا امتناع لذلك الصيد - فإنه يُرسِله ويأخذه إذا شاء (٣).