← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وغيره للتغليظ عليه، أو يُحْمل قوله (١) على السكران الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز، دون الطافح المغشِيِّ عليه. ولا ينبغي أن يَظُنَّ ظانٌّ مِن (٢) ذلك أن الشافعي يُجَوِّز تكليف الغافل مطلقًا، فَقدْره ﵁ يَجِلُّ (٣) عن ذلك، وأظهر الرأيين عندنا أن الشافعي فَصَّل بين السكران وغيره. ثم إنا نقول: لعل ذلك هو الحق دالِّين عليه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٤). فإن قلت: لعل المراد بالسكران في الآية النشوان الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز. قلت: هذا التأويل ينافي سياق الآية، فإن الرب تعالى قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وليس عندي على مَنْ قال إنَّ السكران مكلَّف إلا إشكال دقيقٌ لولاه لجزمت القولَ بأنه مكلَّف: وهو أنه يلزمُ مَنْ قال إنه مكلَّف أن يأمره بالوضوء ويطالبه بالصلاة، ويَرِد عليه إذن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فإن تحريم الصلاة عليه لا يُجامِع مطالبتَه بها، فالآية تصلح مُعْتَصَمًا للفريقين، فمَن يكلفه يقول: الله قد (٥) خاطبه. ومَن يمنع يقول: قد أمره بأن لا يقرب الصلاة.

стр. 772

فإن قلت: كيف لا تكلفون النائم وهو يضمن ما يُتْلِفه في نومه، ويقضي الصلوات التي تمر عليه مواقيتُها، إلى غير ذلك من الأحكام؟ قلت: الذي قلناه: إنه لا يخاطب في حال نومه، ولكن يتوجه عليه الخطاب بعد ذلك؛ لقوله ﷺ : "من ترك صلاةً أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١). فإن قلت: إنما يُخَاطب في اليقظة بسبب ما تقدم في النوم. قلت: مقصِدُنا نفي الخطاب في حال النوم، فأما ثبوت أسباب يُسْنَد إليها تَثْبِيت (٢) الأحكام في اليقظة - فمما لا ننكره. ويوضح هذا أن الصبي الذي لا يميز لو أتلف شيئًا لطالبناه ببدله، فوجوب الزكوات، والغُرْم، والنفقات - ليس من التكليف، بل الإتلاف، وملك النصاب - سبب لثبوت هذه الحقوق في ذِمَّة الصبيان، بمعنى: مخاطبة الولي في الحال بالأداء، ومخاطبة الصبي بعد البلوغ. وذلك غير محال،

стр. 773

وليس كقولك لمن لا يفهم: افهم. فإن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي بها يَستعد لقبول قوة العقل، الذي (به قوة) (١) فَهْم التكليف في ثاني الحال، حتى إن البهيمة لما لم يكن لها قوةُ فهمِ الخطاب بالفعل، ولا بالقوة - لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها، بخلاف النطفة التي في الرحم إذْ ثبت لها الملك بالإرث والوصية، والحياة غير موجودة بالفعلِ، ولكن بالقوة. وكذا الصبي مصيره إلى العقل فصح إضافة الحكم إلى ذمته، ومطالبته في ثاني الحال، ولم يصلح للتكليف في الحال. فإن قلت: لو انتفخ ميت وتكسَّر بسبب انتفاخه قارورةٌ - فينبغي إيجاب ضمانها، كالطفل يسقط على قارورة. قلت: يحتمل أن يُقال بذلك، وأن يُطَالَب به الورثة، كما يجب الضمان على العاقلة، والفعل لم يصدر منهم. ولكن قال الأصحاب: لا يجب، وفرقوا بينه وبين الطفل بأن للطفل فِعْلًا بخلاف الميت، وإيجاب الضمان على من لا فعل له غيرُ معقول، وهو متجه. فإن قلت: فالصبي المميز يفهم الخطاب فلِمَ منَعْتَ تكليفَه! قلت: العقل لا بمنع منه، ولكن الشرع رفع ذلك عنه بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" (٢) الحديث. وقد قال البيهقي: "إن الأحكام إنما نيطت

стр. 774

بخمسَ عشرةَ سنة مِنْ عام الخندق، وإنها كانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز". وبهذا يجاب عن سؤال مَنْ يقول: الرفع يقتضي تقدم وضع، ولم يتقدم على الصبي وضع. فإن قلت: ما الحكمة في تقدير الرفع بالبلوغ وهو إذا قارب البلوغ عَقَل. قلت: قال القاضي أبو بكر: "إنَّ عدمَ بلوغه دليلٌ على قلة عقله" (١). وهو تصريح منه بأن العقل يزيد ويكمل بلحظة، وليس يتجه ذلك كما قال الغزالي (٢)؛ لأن انفصال النطفة لا يزيده عقلًا؛ لكن حُطَّ الخطاب عنه تخفيفًا، وزيادة العقل ونقصانه إلى حدٍّ يُناط به التكليف أمرٌ خفي، لا يمكن الاطلاع عليه بغتة لكونه يزيد على التدريج، وقد عُلِم من عوائد الشرع أنه يعلق الحِكَم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها، والبلوغ مَظنَّةُ كمال العقل، فعلَّق الشارعُ الأمرَ عليه، وإنْ جاز وجودُ

стр. 775

الحكمة (١) قبله بلحظة أو بعده بلحظة. وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك، بل ربما شذت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضَرْبٍ من التعبد، وفي ذلك فروع: منها: لو كمَّل وضوءَه إلا إحدى الرجلين ثم غسلها وأدخلها الخف فإنه ينزع الأولى ثم يلبسها؛ ليكون قد أدخلهما على طهارة كاملة (٢). ومنها: لو اصطاد صَيْدًا وهو مُحْرِم، ولا امتناع لذلك الصيد - فإنه يُرسِله ويأخذه إذا شاء (٣).

стр. 776

ومنها: إذا تيقن عدمَ الماء حوالَيْه فإنه على وجه يلزمه الطلب (١). وقد عددنا في "الأشباه والنظائر" كَمَّله الله تعالى (من ذلك) (٢) كثيرًا (٣). فإن قلت: كيف أمرتَ الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين (٤)، وضربتَه عليها وهو ابن عشر؟ . قلتُ: قد علمتَ أن العقل بعد بلوغه سن التمييز لا يمنع من ذلك، ومن محاسن الشريعة النظر في مصلحته وتمرينه على ما يخاطب به حتمًا فيما يؤول، وليس المقصود من هذا الخطاب غيرَ ذلك؛ ولذلك لا نقول: إنها واجبة عليه، بل على الولي أن يأمره (٥) بها، ولا تَبِعةَ على الصبي في آخرته بتركها. والله أعلم.

стр. 777

فإن قلت: كيف منعتم تكليف الغافل الداخل في قالب الموجودات، وجوزتم تكليف المعدوم؟ قلت: تكليف المعدوم بمعنى: تعلق الخطاب به في الأزل على تقدير وجوده. والمنع من تكليف الغافل إنما هو في زمن غفلته. فإن قلت: الدهري مكلَّف بالإيمان وهو لا يعرف المكلِّف، فكيف يفهم التكليف؟ قلت: المعتبر التمكن من الفهم، وهو متمكن بواسطة النظر. قال: (الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة) . الإكراه إنِ انتهى إلى حد الإلجاء، بحيث صارت نسبة فاعله إلى الفعل المكرَه عليه كنسبة المُرْتعِش إلى حركته - مَنَع (١) التكليفَ في (٢) المكْرَه عليه أو ضده (٣). والقول في جوازه مبني على التكليف بما لا يطاق. واستدل المصنف على امتناعه بزوال القدرة، فإنَّ الفعل يصير واجبَ الوقوع، ويصير عدمه ممتنعًا، والتكليف بالواجب والمتنع تكليف بما لا يطاق.

стр. 778

وقال القاضي في "مختصر التقريب": "إن هذا القسم لا يُسَمَّى عند المحققين إكراهًا؛ لأن الإكراه لا يتحقق إلا مع (تصور اقتدارٍ) (١)، فلا يوسف ذو الرعشة الضرورية بالإكراه، وإنما المُكْره من يُخَوَّف ويُضْطر إلى أن يُحَرِّك يده على اقتدار واختيار" (٢). وقد ذهب أصحابنا إلى أن ذلك لا يمنع التكليف، صَرَّح به طوائفهم القاضي (٣)، وإمام الحرمين (٤). وأبو إسحاق الشيرازي (٥)، والغزالي (٦) وجماعة، ومال إليه الإمام (٧). وذهبت (٨) المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف، وهذا ما أفهمه كلامُ المصنف، كذا نقله جماعة، وحكاية (٩) إمام الحرمين عنهم: "أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفًا بها. قال: وبنوا ذلك على أصولهم في وجوب إثابة المكلَّف، والمحمولُ على الشيء لا يُثاب عليه"، قال: "وقد ألزمهم القاضي المُكْرَه على القتل فإنه مَنْهِيٌ عنه وآثم به لو أقدم عليه. وهذه

стр. 779

هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهي عن الشيء مع الحمل عليه، فإن ذلك أشدُّ في المحنة واقتضاء الثواب، وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى فعلٍ مع الأمر به" (١). انتهى. وقد تابع القاضيَ جماعةٌ من الأصحاب على إلزام المعتزلة بذلك وهو صحيح، وما ذكره إمام الحرمين حقٌّ من هذا الوجه، ولكنِ المُلْزِمون لم يوردوه على هذا المأخذ، بل هو من جهة أنهم منعوا أن المكره قادرٌ على عين الفعل المكرَه عليه، فبَيَّن الملزمون أنه قادر؛ لأن المعتزلة كلفوه بالضد، وعندهم أن الله تعالى لا يكلِّف العبد إلا بعد خلق القدرة على الفعل، والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده، فإذا قَدَر على ترك القتل قَدَر على القتل. قال الغزالي: "وهذا ظاهر، ولكن فيه غَوْر: وهو أن الامتثال إنما يكون طاعةً إذا كان الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه، فالآتي بالفعل مع الإكراه إن أتى به لداعي الإكراه فلا يكون مجيبًا داعي الشرع، وإنْ أتى به لداعي (٢) الشرع فصحيح (٣) ". قال بعض المتأخرين: وهذا الذي ذكره إنما هو في (٤) العبادات المشروط فيها النية، أما ما لا يشترط فيه النية: كرد الغصوب، والودائع، وتسليم

стр. 780

المبيع، وحبس المعتدة - فالمقصود منه واقعٌ قُصِد أو لم يُقْصد، فيخرج عن عُهدة التكليف به (١) مع الإكراه. هذا كلام الأصوليين. وأما الفقهاء فقالوا: لا يباح بالإكراه الزنا (٢)، والقتل (٣). ويباح شربُ الخمر (٤)، والإفطار (٥)، وإتلافُ مال الغير (٦)، والخروج من الصلاة (٧)، والتلفظ بكلمة الردة (٨). وقد يجب بعض ذلك. فإنْ قلت: قد قال الفقهاء: إنَّ الإكراه يُسقط أَثَر التصرف.

стр. 781

قلت: لا يلزم من كونه مُسْقِطًا أثرَ التصرف أن لا يُجامع التكليف، والضابط في خطاب المكره وتصرفاته، والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط، ولعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا "الأشباه والنظائر" (١). على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة: منها: الإكراه على القتل على أصح القولين (٢). ومنها: الإكراه على الكلام في الصلاة على الأصح (٣). ومنها: الرضاع (٤). ومنها: في الحدث (٥) وقد حكى الرافعي عن الحناطي وجهين في انتقاض الوضوء بمس الذكر ناسيًا (٦)، فلا يبعد أن يقال بجريانهما في حالة الإكراه. ومنها: الإكراه على الزنا إن قلنا: يُتصور الإكراه عليه (٧).

стр. 782

ومنها: قال في "الاستقصاء" نقلًا عن "الإيضاح" إذا تبايعا في عَقْد الصَّرْف (١) وتفارقا قبل القبض - يبطل، سواء كان في حالة الاختيار أم الإكراه. وقد يُعترض على هذا بأن الإكراه لا يُبْطل خيار المجلس في البيع على الصحيح. ويُجاب بضيق باب الربا (٢). والمسألة في شرح المنهاج لوالدي مبسوطة. ومنها: إذا أُكره فَفَعَل أفعالًا كثيرة في الصلاة - بطلت بلا خلاف (٣). ومنها: لو أكره على التحول عن القبلة، أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدًا - لزمه الإعادة؛ لأنه عذر (٤)، وهذه كالتي قبلها.

стр. 783

ومنها: إذا أكْرِه حتى أكل بنفسه وهو صائم، أو أكرهت المرأة حتى مكَّنت من نفسها - ففي الفطر قولان (١). ومنها: إذا حلف بالله مكرهًا انعقدت يمينه على وجه، حكاه ابن الرفعة. قال: (الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل (٢) قبلها) . هذه (٣) المسألة من مشكلات المواضع، وفيها اضطراب في المنقول، وغَوْر في المعقول (٤)، ونحن نذكر مقالات الناس، والتنبيه على جهة الاختلاف، ثم نعمد إلى الرأي الأسَدِّ فنناضل عنه. فنقول: قال القاضي في "مختصر التقريب" باختصار إمام الحرمين: "الفعل مأمور به في حال حدوثه. ثم قال المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمورِ به أمرُ إيجابٍ وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاءَ والترغيبَ والدلالةَ على امتثال الأمور به، وإذا تحقق الامتثالُ فالأمر يتعلق به، ولكن

стр. 784

لا يقتضي ترغيبًا مع تحقق المقصود، ولا يقتضي دلالةً، بل يقتضي كونه طاعة بالأمر المتعلِّق. وذهب بعض مَنْ ينتمي إلى أهل الحق إلى أنَّ الأمر إنما (١) يقتضي الإيجاب على التحقيق إذا قارن حدوث الفعل، وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذارٍ وإعلامٍ بحقيقة الوجوب عند الوقوع. وهذا باطل، والذي نختاره تحقق الوجوب قبل الحدوث، وفي حال الحدوث، وإنما تفترق الحالتان فيما قدمناه من الترغيب والاقتضاء والدلالة، فإن ذلك يتحقق قبل الفعل ولا يتحقق معه. وزعمت القدرية بأسرها: أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورًا به، ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده. ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية، فلم يَصِفوا كائنًا بحظر ولا وجوب ولا ندب، وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث. ثم افترقوا فيما بين أظهرهم: فقال بعضهم: لا يصحّ تقدمُ الأمر على المأمور به بأكثر من وقت واحد (٢). وصار الأكثرون منهم إلى جواز تقدمه عليه بأوقات (٣). ثم الذين صاروا إلى هذا المذهب اختلفوا في أنه: هل يُشترط بقاء المكلَّف في الأوقات المتقدمة على حدوث المأمور به - على أوصاف

стр. 785

التكليف؟ فمنهم من شرط كونه مستجمعًا لشرائط (١) التكليف في كل (٢) الأوقات المتقدمة. وزعم بعضهم أنا لا نشترط ذلك، وإنما نشترط اجتماع الأوصاف عند حدوث الفعل، ويُشْترط (٣) في الأوقات المتقدمة عليه كونُ المخاطب ممن يفهم الخطاب. ثم افترقوا بعد ذلك في أصل آخر، وذلك أنهم قالوا: هل يجوز أن يتقدم الأمر على المأمور به بأوقات، من غير أن يكون فيه لطف ومصلحة زائدة على التبليغ من المبلِّغ، والقبولِ من المخاطَب؟ فمنهم مَنْ شرط أن يكون في ذلك لطف يعلمه الله، ومنهم من لم يشترط ذلك" (٤) انتهى. وهو أثبت منقول في المسألة، وصريحُ نقلِ إمام الحرمين في "البرهان" (٥): أن مذهب أصحاب (٦) الشيخ: أن الفعل في حال حدوثه مأمور به. ثم ذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه،

стр. 786

وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم: وهو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله. فإن قلت: أصلهم الآخر وهو تجويز التكليف بما لا يطاق - يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأمورًا قبل التلبس بالفعل. قلت: لعلهم فَرَّعوا هذا على استحالته، أو أنهم وإنْ جوزوه فلم يقولوا بوقوعه، ويكون كلامهم هنا بناء على عدم الوقوع. ثم اختار إمام الحرمين مذهب المعتزلة من الأمر بالحادث قبل الحدوث، وعدم الأمر به مع الحدوث. وقال: "أما أنْ يتجه (١) القول في تعلق الأمر به طلبًا واقتضاءً مع حصولهِ - مذهبٌ لا يرتضيه لنفسه عاقل" (٢). وأما الغزالي فإنه قال: بوجود الأمر قبل الفعل، وسلَّم مقارنة القدرة للفعل (٣)، ومن هنا خالف قولَ إمامه، فإن إمامه رأى أنَّ (٤) القدرة: هي التمكن، وحالةُ الوجود تُنافي التمكنَ من الفعل والترك، فيتعين الوقوع،

стр. 787

كذا قال القرافي (١). وهذه عبارة الغزالي: "لا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه، وهل يكون الحادث (في أول حال) (٢) حدوثِه مأمورًا كما كان قبل الحدوث، أو يخرج عن كونه مأمورًا كما في الحالة الثانية من (٣) الوجود؟ اختلفوا فيه، وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذِكْرُه" (٤). وأما الإمام فقال: "ذهب بعض أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورًا حالةَ زمان الفعل، وأما قبل ذلك فلا يكون أمرًا، بل هو (٥) إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورًا (٦). وقالت المعتزلة: إنما يكون مأمورًا بالفعل قبل وقوعه" (٧)، ثم استدل على أنه (لا يمتنع) (٨) كونه مأمورًا حال

стр. 788

حدوث الفعل. وإذا تُؤُمِّل دليله أرشد إلى أنه أختار ما حكاه عن بعض الأصحاب من أن التكليف يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها. وهذا هو المذهب الذي حكاه القاضي عن بعض مَنْ ينتمي إلى (١) أهل الحق وقال إمام الحرمين: "لا يرتضيه لنفسه عاقل". ولم يتعرض الإمام إلى حكاية القول الذاهب إلى أنه مأمور قبل الحدوث ومع الحدوث، وهو الذي ذهب إليه المحققون من أصحابنا كما قاله القاضي، بل حاصل ما فعل (٢) أنه اختار أحد مذهبَيِ الأصحاب، واقتصر مع حكايته على حكاية مذهب المعتزلة. وقال الآمدي: "اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل (٣) قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا" (٤). انتهى. وهذ الذي ادعى الاتفاق على خلافه إلا عن شذوذ - هو أحد شِقَّيْ ما اختاره الإمام، ونَصَبه محلَّ النزاع مع المعتزلة. قال: "وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة" (٥). انتهى.

стр. 789

وهو ما أشعر به كلام الغزالي المتقدم، وهو نَقْلٌ (١) مُتْقَنٌ مُحَرَّر، واتبعه عليه ابن الحاجب، إلا أنه نَسَب القول بانقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ (٢)، وليس بجيد، فليس للشيخ في المسألة صريح كلام، وإنْ كان ذلك يُتلقى من قضايا مذهبه. وقال ابن بَرْهان (٣) في أصوله: "الحادث (٤) في حال حدوثه مأمور به (٥) خلافًا للمعتزلة" (٦). انتهى. ولم يتعرض له قبل الحدوث، وأما صاحب الكتاب فمِن شعاب الإمام نبع (٧)، وقد أوردنا من النقول في المسألة ما فيه كفاية للمتبصر.

стр. 790

قال: (لنا: أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال. قلنا: الإيقاع إنْ كان نفس الفعل فمحالٌ في الحال، وإنْ كان غيرَه فيعود الكلام إليه (ويتسلسل) (١). قالوا: عند المباشرة واجب الصدور. قلنا: حال القدرة والداعية كذلك). قد علمتَ اتباعه للإمام في اختيار أنَّ التكليف إنما يتوجه حالَ المباشرة ولا يتوجه قبلها. واستدل عليه: بأن التكليفَ مشروطٌ بحصول قدرة المكلَّف، وحينئذ يكون (٢) التكليف متوجهًا حال المباشرة، ولا يكون متوجهًا قبلها. أما تحقق القدرة حال المباشرة (فلأن المراد من القدرة: التمكن من الفعل، والتمكن حاصلٌ حينئذ. وأما انتفاؤها قبل المباشرة) (٣) فلأن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع؛ إذ لو كان ممكن الوقوع لأمكن أن يُفرض وقوعُه، ويكون (ما فرضناه) (٤) أنه قبل المباشرة هو حال المباشرة، وهذا خلف. فوضح أن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه. قوله: "قبل التكليف". أجاب الخصم عن القول: بأنه إذا كان ممتنعًا قبل المباشرة (فلا يكلف به: بأن التكليف الذي ادعينا أنه ثابت قبل المباشرة) (٥) ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم ما

стр. 791

ذكرتم، بل التكليف في الحال - يعني: قبل المباشرة - تكليفٌ بالإيقاع في ثاني الحال، يعني: حال المباشرة. واعترض المصنف على هذا الجواب: بأن الإيقاع المكلَّفَ به إن كان نفس الفعل فالتكليف به في الحال. أي: حالَ قبلَ الفعل محالٌ؛ وذلك (١) لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل مباشرته امتناع التكليف بالإيقاع، إذ الفرض (٢) أن الإيقاع هو نفس الفعل (٣). وإنْ كان الإيقاع غير الفعل فيعود الكلام إليه، أي: إلى هذا الإيقاع الذي كُلِّف به، ويقال: هذا الإيقاع الذي وقع التكليف به إنْ وقع التكليف به حالَ وقوع الإيقاع - لزم المدعى: وهو توجه التكليف حال المباشرة. وإن وقع التكليف به قبله - لزم أن يكون مكلفًا بما لا قدرة له عليه؛ لأنا قررنا أن القدرة مع الفعل. فإنْ قلت: التكليف - قبل الإيقاع - بإيقاع الإيقاع في ثاني الحال. قلت: يعود الكلام إليه أيضًا، ويُقال: إيقاع الإيقاع الذي كُلِّف به إما أن يكون نفس الفعل، أو غيره، ويتسلسل؛ فتعيَّن أن يكون توجه التكليف حال المباشرة لا قبلها. قوله: "قالوا" إشارةٌ إلى حجةٍ ذَكَرها المعتزلة: وهي أنَّ الفعل حال

стр. 792

المباشرة واجب الصدور عن المكلف (١)؛ لامتناع الترك منه حينئذ، وكل ما كان واجب الوقوع فليس بمقدور (٢)، وما ليس بمقدور لا يتوجه التكليف نحوه (٣)؛ فلا يتوجه التكليف نحو الفعل حال المباشرة (٤). وأجاب: بأنه لما كانت القدرة: هي التمكن من الفعل. والداعية: هي ميل الإنسان إلى الفعل أو الترك إذا عَلِمَ أو ظَنَّ أن له في الفعل مصلحةً أو مفسدة. وإذا اجتمعت القدرة والداعية سميت علةً تامة، وإذا وجدت فقيل: يجب وقوع الفعل، وقيل: لا يجب، بل يكون الفعل أولى. إذا (٥) عرفت هذا فنقول: الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية، فيكون مأمورًا حال القدرة والداعية عند الخصم؛ لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل، مع أنَّ الفعل واجبُ الصدور في تلك الحالة (٦)؛ فانتفى ما ذكرتموه (٧).

стр. 793

ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال: القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل، ولا امتناع من (١) كون المؤثر مقارنًا للأثر، فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع؛ فبطل دعواكم أنَّ ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورًا (٢). والتقرير الأول أقرب إلى كلام المصنف، وهو يتمشى على (تقدير التزام الخصم أن العلةَ مع المعلول (٣). والثاني (٤): يتمشى على) (٥) تقدير (٦) قوله: العلة قبل المعلول. وتوجيه (٧) كلام المصنف على التقرير الثاني أن يقال: قلنا (٨) يكون التكليف حال القدرة والداعية معه، ويلزم من مجموعهما وجوبُ الوقوع.

стр. 794

وقد اعترض العِبْري (١): بأنه إذا كان الفعل قبل المباشرة غيرَ مقدور عليه، وعند المباشرةِ واجب الوقوعِ - فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب، وهو محال. هذا شرح ما في الكتاب على الاختصار، والمسألة دخيلة في هذا العلم، والكلام فيها مما لا يكثر جدواه، والذي نقوله: إن الحق في إحدى جهتين إلى الأشاعرة مَرْجِعُهما: إحداهما: القول بأن التكليف متوجه قبل المباشرة، وحال المباشرة أيضًا، وهو المنقول عن المحققين. والثانية: أن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة. وهو مختار الإمام، وصاحب الكتاب، وهو عندنا منقدح (٢)، لا يمنعنا عن الجزم به إلا ما سنذكره بعد سؤال وجواب سنوردهما (٣) إن شاء الله تعالى. فإن قلت: هذا يؤدي إلى أن المكلَّف لا يَعصي بترك مأمور به؛ لأنه إنْ اتى به كان ممتثلًا، وإن لم يأت كان معذورًا لعدم التكليف. قلت: هذا من الأسئلة التي قامت بها الشناعة على القائل بهذه المقالة، وجوابه عندنا دقيق فنقول: إذا كان التكليف متوجهًا حال المباشرة - فهو

стр. 795

في حال ترك المأمور به مباشر للترك، والترك فِعْلٌ وهو حرام، فقد باشر الترك؛ فتوجَّه عليه التكليف بالحرمة حال مباشرة الترك، والعقاب ليس إلا على الترك، وهذا في غاية الحسن. وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق (١)، وهو أجل ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة (٢)، وليس عندي فيه (٣) إلا أنه يلزم منه أن يقال: تارك الصلاة مثلًا غير مكلَّف بالصلاة، بل بتَرْك تَرْك الصلاة الذي يلزم منه الصلاة (٤)، وقد ادَّعى إمام الحرمين اتفاقَ أهل الإسلام على أن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام، فإنْ صح الإِجماع هكذا فهو (٥) يَصُدُّ عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة، وإنْ أمكن ردُّه إلى تَرْك التَّرْك كما قررناه فهذا المذهب منقدح (٦) (٧).

стр. 796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 797

الفصل الثالث: المحكوم به

стр. 798

قال: (الفصل الثالث: في المحكوم به. وفيه مسائل: الأولى: التكليف بالمحال جائز ؛ لأن حكمه لا يستدعي غرضًا. قيل: لا يُتصور وجودُه فلا يُطْلب. قلنا: إن لم يُتصور امتنع الحكم باستحالته). ما لا يقدِرُ العبد عليه قد يكون معجوزًا عنه مُتَعَذِّرًا عادةً لا عقلًا، كالطيران في الهواء. وقد يكون متعذرًا عقلًا ممكنًا عادة، كمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإن إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلًا؛ لتعلق علم الله به، وإذا سئل ذوو العوائد عنه حكموا بأن الإيمان في إمكانه، وهكذا كل طاعةٍ قُدِّر في الأزل عَدَمُها (١). وقد يكون متعذرًا عادة وعقلًا، كالجمع بين السواد والبياض. إذا عرفتَ هذا فمحل النزاع في التكليف بالمستحيل إنما هو في (٢) المتعذر عادةً، سواء كان معه التعذر العقلي أمْ لا (٣). أما المتعذر عقلًا فقط؛ لتعلق علم الله به (٤) - فأطبق العقلاء عليه، وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ

стр. 799

بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فنقول: ذهب جماهير الأصحاب (٢) إلى أنه يجوز التكليف بالمحال. وذهبت المعتزلة إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقًا، وإليه ذهب بعض أصحابنا كالشيخ أبي حامد (٣) وإمام الحرمين (٤) والغزالي (٥)، واختاره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كما صرح به في "شرح العنوان" (٦) (٧). وذهب قوم إلى أنه إنْ كان ممتنعًا لذاته لم يجز، وإلا جاز، واختاره الآمدي، وادَّعى أنَّ الغزالي مال إليه (٨).

стр. 800

وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يجوز أن يَرِد التكليف بالمحال، فإن وَرَد لا نسميه تكليفًا، بل يكون علامةً نصبها الله تعالى على عذاب مَنْ كلَّفه بذلك (١). واستدل في الكتاب على الجواز مطلقًا: بأن امتناع التكليف عند القائل به إنما هو لكونه عبثًا، وذلك مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وهو باطل. وهذا يصلح ردًا على مَنْ بنى الامتناع على ذلك وهم المعتزلة، وأما مَنْ وافقهم مِنْ أصحابنا فلهم مأخذ آخر. واحتج المعتزلة ومَنْ وافقهم: بأن المحال لا يُتَصَوَّر؛ لأَن كل ما يتصور بالعقل فهو معلوم (٢)؛ إذ التصور مِنْ جملة أقسام العلم. وكل معلوم متميز (٣)، وكل متميز ثابت (٤)؛ لأن التميز صفة وجودية ولا بد لها من موصوف موجودٍ، ضرورة عدمِ قيامِ الموجودِ بالمعدوم. فلو

стр. 801

كان مُتَصَوَّرًا لكان ثابتًا (١)، ولكنه غير ثابت (٢)، فلا يكون متصورًا (٣). وإذا كان غير مُتَصَوَّر فلا يكلَّف به؛ لأنه والحالة هذه مجهول. قال الغزالي: "والمطلوب ينبغي أن يكون مفهومًا للمكلَّف بالاتفاق" (٤). وأجاب المصنف: بأنه إنْ كان غير متصور كما ذكرتم - فيمتنع منكم الحكم عليه؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، فلِمَ حكمتم عليه بالاستحالة (٥). ولقائل أن يقول: الحكم باستحالته إنما يَتوقف على تصوره في الذهن، لا على تصور وجوده في الخارج، ولا يمتنع تصوره (٦) في الذهن، وليس المراد مِنْ قوله: لا يُتصور وجوده، الوجودُ الذهني بل الخارجي. وهذا حق. وجوابه: أنا لا نسلم أن كل ما لا يتصور وجوده في الخارج لا يُطْلب، وهل النزاع إلا فيه (٧)؟ ! قال: (غير واقع بالممتنع لذاته، كإعدام القديم وقلبِ الحقائق).

стр. 802

اختلف القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه: فذهب الجمهور إلى عدم وقوعه، والمختار عند المصنف التفصيل الذي ذكره: وهو عدم الوقوع بالممتنع لذاته، كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى (١)، وإعدام القديم. هذا ما ذكره وهو يُفهِم وقوعَ الممتنع لغيره (٢). والحق فيه التفصيل أيضًا: فإنْ كان مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف - فحُكْمه حكم المتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع، وأما ما امتنع لتعلق العلم به (٣) فذاك ليس محل النزاع، بل هو واقع بالإجماع، كما سلف. فائدة: قد عرفت ما عليه جمهور الأصحاب من تجويز التكليف بالمحال، واختلافهم في الوقوع على الوجه الذي رأيت. فأما التجويز فهو المنقول عن أبي الحسن وهو لازمٌ على قضايا مذهبه، وأما الوقوع فقد نقدوا اختلافًا عنه فيه، قال إمام الحرمين: "وهذا لِسوء (٤) معرفةٍ بمذهب الرجل (٥)، فإنَّ

стр. 803

مقتضى (١) مذهبه أن التكاليف (كلها واقعة) (٢) عنده على خلاف الاستطاعة". قال: "ويتقرر هذا من وجهين: أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل، والأمر بالفعل يتوجه على المكلَّف قبل وقوعه، وهو إذ ذاك غير مستطيع". قال: "ولا يدفع ذلك قولُ القائل: إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده، والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرًا على الفعل فهو قادر على ضدٍّ من أضداده ملابسٌ له، فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيًا عن أضداده". قال: "وأيضًا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل، والفعل مقصود مأمور به، وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه. والثاني: أن القدرة الحادثة غيرُ مؤثِّرة في مقدورها (٣)، بل مقدورها مخلوق لله تعالى، والعبد مطالب بما هو من فعل ربه". قال: "ولا معنى للتمويه بالكسب (٤) فإنا سنوضح سر ما نعتقده (٥) في خلق الأفعال" (٦) انتهى، ولقائل أن يقول على الأول: قولكم ليس الأمر بالشيء نهيًا عن ضده.

стр. 804

قلنا: الكلام على رأي الشيخ وهو يرى ذلك لا على رأيكم، قال صفي الدين الهندي: "بل الجواب عنه أن ما هو مُتَلَبِّس به عند ورود الخطاب ليس ضدًا له (١)، (وهذا لأن) (٢) ضدَّه الوجودي المنهي عنه: هو الذي يستلزم التلبسُ به تَرْكَه في الزمان الذي أُمر بإيقاع الفعل فيه. وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به؛ لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إنْ كان الأمر للفور. سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه، لكنه حاصلٌ عند ورود الخطاب، والأمر بترك الحاصل محال (٣)، اللهم إلا أن يقال إنه مأمور بترك ما هو متلَبِّس به في المستقبل، وذلك (٤) إنما يكون بإقدامه على المأمور به، وحينئذ يعود المحذور المذكور" (٥) (٦). واعلم أن الوجه الأول لا يلزم على الشيخ إلا إذا قال يتوجه الأمر قبل الفعل، وفيه (من النزاع ما تقدم) (٧) (٨) في المسألة المتقدمة. وأما الوجه

стр. 805

الثاني فلا يلزم منه (١) تجويز التكليف بالممتنع لذاته أو الممتنع عادة. قال: (للاستقراء، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢)). استدل على أنه غير واقعٍ بالممتنع لذاته بوجهين: أحدهما: الاستقراء، فإنا استقرينا فلم نجد في التكاليف الشرعية (ما هو متعلِّق) (٣) بالممتنع لذاته. والثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والممتنع لذاته غير وُسْع المكلف، أي: غير مقدور له؛ فلا يكلَّف به. ولك أن تقول: هذه الآية تدل على عدم التكليف بالممتنع لذاته، (والمتنع لغيره، لا المتنع لِذاته) (٤) فقط؛ فيلزم من استدل بها منعُ الوقوع فيهما، ما لم يأت بدليل يُخْرِج الممتنع لغيره. قال: (قيل: أَمَر أبا لهبٍ بالإيمان بما أَنزل، ومِنْه: أنه لا يؤمن. فهو جمع بين النقيضين. قلنا: لا نسلم أنه أَمَر به بعد ما أَنزل: أنه لا يؤمن).

стр. 806

هذا دليل القائلين بوقوع التكليف بالمحال لذاته، ويصلح أن يكون اعتراضًا على الدليل الأول وهو الاستقراء. وتقريره: أن أبا لهب مأمور بالجمع بين النقيضين؛ لأنه مأمور بالإيمان، والإيمان عبارة عن: تصديق الرسول ﷺ في جميع ما جاء به، ومما جاء به: أنه لا يؤمن؛ فوجب عليه تصديق النبي ﷺ في ذلك، ولا يتم تصديقه في ذلك إلا بعدم الإيمان؛ فوجب أن يؤمن وأن لا يؤمن، وهو جمع بين نقيضين. وأجاب: بأن أَمْر أبي لهب بالإيمان لم يكن في حال الإخبار بعدم الإيمان بحسب الزمان؛ فلم يقع التكليف بالجمع بين النقيضين (١). وهو (٢) جواب باطل؛ فإن أبا لهبٍ مأمور بالإيمان قبل الإخبار وبعده بالإجماع (٣). وإنما الجواب أن هذا ليسَ من باب الممتنع لذاته (٤)، بل من الممتنع لغيره (٥)، وذلك أنه تعالى أخبرَ بأنه (٦) لا يؤمن فاستحال إيمانُه ضرورةَ صدقِ خبرِ الله تعالى، وعدمِ وقوعِ الخُلْف في خبره. فإذا أمره بالإيمان والحالة هذه فقد أمره بما هو ممكن في نفسه، وإن كان مستحيلًا لغيره، كما قلناه فيمن عَلِم الله تعالى أنه لا يؤمن.

стр. 807

وها هنا تنبيهان: أحدهما: وقد (١) ذكره القرافي (٢) أن الجمع بين النقيضين على ما قرره (٣) إنما يتم أن لو كان مكلفًا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن (٤)، وهو ليس بجيد، بل الصواب حذف الواو فيقال (٥): كُلِّف بأن يؤمن بأن لا يؤمن. وهو (٦) مدلول الأمر بالإيمان وإذا كان مكلفًا بأن يُصَدِّق الخبر بأنه لا يؤمن - لا يلزم أن يكون مُكَلَّفًا بجعل الخبر صادقًا، ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك أن زيدًا سيكفر بالله (٧)، فإنه يجب

стр. 808

عليك تصديقه فيما أخبر به، ولا يجب عليك أن تجعل زيدًا كافرًا بل يحرم عليك، وأبو لهب والحالة هذه إنما كُلِّف بأن يُصَدِّق بأنه لا يؤمن، لا بأن يجعل الخبر صادقًا ويسعى في عدم إيمان نفسه. والثاني: تعبير المصنف بالنقيضين غير مستقيم، فإنه نظر إلى وقوع التكليف بالإيمان وعدمه وهما نقيضان، لكن (١) العدم غير مقدور عليه فلا (٢) يكلَّف به، بل المكلَّف به على التقدير الذي أشار إليه هو كف النفس عن الإيمان، والكف فعل وجودي، فالصواب (٣) التعبير بالضدين (٤)، كما فعل الإمام (٥). فائدة: ناقش القرافي (في التمثيل) (٦) بأبي لهب، وقال: "إنما يتوهم أن الله أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٧) ولا دليل فيه؛ لأن التَّبَّ هو (٨) الخسران، وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن

стр. 809

لمعاصيه (١)، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فمخصوصةٌ" (٣). ولقائل أن يقول: لا مُشاحَحَة في المثال، ولا شك (٤) أنه تعالى أخبر عن أقوام أنهم لا يؤمنون من الآية التي ذكرها، وإن كانت مخصوصة، وذلك كافٍ في المثال، فإن أولئك الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مأمورون بالإيمان إجماعًا، بل لِمنْ يشاحِح القرافي أن يقول: إخباره تعالى عن أبي لهب أنه سيصلى نارًا أقلُّ أحواله أن يكون صَلْيه إياها بمعاصٍ صدرت منه كما ذكرتم، والآية نزلت وهو كافر فيكون (٥)

стр. 810

العقاب على معاصٍ تصدر منه في حال الكفر، فنقول حينئذ: إنْ قلنا إنّ الكافر غير مكلف بالفروع فهذا منتفٍ، ولا بد وأن تكون النار التي استوجبها بعدم الإيمان. وإنْ قلنا: إنه مُكَلَّف، فلو قُدِّر إسلامه بعد ذلك كما فرضتم لكان غير معاقب على تلك المعاصي التي صدرت منه في حال الكفر؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله؛ فتعيَّن أن يكون العقاب على ترْك الإيمان وهو المطلوب (١). قال: (الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية (٢)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي) . أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطَبون، وباعتقادها (٣) مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يُشَبِّب (٤) (٥) بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يُكَلّف به. وأجمعت الأمة كما نقله القاضي أبو بكر على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم
следующие страницы →