← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

هذا دليل القائلين بوقوع التكليف بالمحال لذاته، ويصلح أن يكون اعتراضًا على الدليل الأول وهو الاستقراء. وتقريره: أن أبا لهب مأمور بالجمع بين النقيضين؛ لأنه مأمور بالإيمان، والإيمان عبارة عن: تصديق الرسول ﷺ في جميع ما جاء به، ومما جاء به: أنه لا يؤمن؛ فوجب عليه تصديق النبي ﷺ في ذلك، ولا يتم تصديقه في ذلك إلا بعدم الإيمان؛ فوجب أن يؤمن وأن لا يؤمن، وهو جمع بين نقيضين. وأجاب: بأن أَمْر أبي لهب بالإيمان لم يكن في حال الإخبار بعدم الإيمان بحسب الزمان؛ فلم يقع التكليف بالجمع بين النقيضين (١). وهو (٢) جواب باطل؛ فإن أبا لهبٍ مأمور بالإيمان قبل الإخبار وبعده بالإجماع (٣). وإنما الجواب أن هذا ليسَ من باب الممتنع لذاته (٤)، بل من الممتنع لغيره (٥)، وذلك أنه تعالى أخبرَ بأنه (٦) لا يؤمن فاستحال إيمانُه ضرورةَ صدقِ خبرِ الله تعالى، وعدمِ وقوعِ الخُلْف في خبره. فإذا أمره بالإيمان والحالة هذه فقد أمره بما هو ممكن في نفسه، وإن كان مستحيلًا لغيره، كما قلناه فيمن عَلِم الله تعالى أنه لا يؤمن.

стр. 807

وها هنا تنبيهان: أحدهما: وقد (١) ذكره القرافي (٢) أن الجمع بين النقيضين على ما قرره (٣) إنما يتم أن لو كان مكلفًا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن (٤)، وهو ليس بجيد، بل الصواب حذف الواو فيقال (٥): كُلِّف بأن يؤمن بأن لا يؤمن. وهو (٦) مدلول الأمر بالإيمان وإذا كان مكلفًا بأن يُصَدِّق الخبر بأنه لا يؤمن - لا يلزم أن يكون مُكَلَّفًا بجعل الخبر صادقًا، ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك أن زيدًا سيكفر بالله (٧)، فإنه يجب

стр. 808

عليك تصديقه فيما أخبر به، ولا يجب عليك أن تجعل زيدًا كافرًا بل يحرم عليك، وأبو لهب والحالة هذه إنما كُلِّف بأن يُصَدِّق بأنه لا يؤمن، لا بأن يجعل الخبر صادقًا ويسعى في عدم إيمان نفسه. والثاني: تعبير المصنف بالنقيضين غير مستقيم، فإنه نظر إلى وقوع التكليف بالإيمان وعدمه وهما نقيضان، لكن (١) العدم غير مقدور عليه فلا (٢) يكلَّف به، بل المكلَّف به على التقدير الذي أشار إليه هو كف النفس عن الإيمان، والكف فعل وجودي، فالصواب (٣) التعبير بالضدين (٤)، كما فعل الإمام (٥). فائدة: ناقش القرافي (في التمثيل) (٦) بأبي لهب، وقال: "إنما يتوهم أن الله أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٧) ولا دليل فيه؛ لأن التَّبَّ هو (٨) الخسران، وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن

стр. 809

لمعاصيه (١)، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فمخصوصةٌ" (٣). ولقائل أن يقول: لا مُشاحَحَة في المثال، ولا شك (٤) أنه تعالى أخبر عن أقوام أنهم لا يؤمنون من الآية التي ذكرها، وإن كانت مخصوصة، وذلك كافٍ في المثال، فإن أولئك الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مأمورون بالإيمان إجماعًا، بل لِمنْ يشاحِح القرافي أن يقول: إخباره تعالى عن أبي لهب أنه سيصلى نارًا أقلُّ أحواله أن يكون صَلْيه إياها بمعاصٍ صدرت منه كما ذكرتم، والآية نزلت وهو كافر فيكون (٥)

стр. 810

العقاب على معاصٍ تصدر منه في حال الكفر، فنقول حينئذ: إنْ قلنا إنّ الكافر غير مكلف بالفروع فهذا منتفٍ، ولا بد وأن تكون النار التي استوجبها بعدم الإيمان. وإنْ قلنا: إنه مُكَلَّف، فلو قُدِّر إسلامه بعد ذلك كما فرضتم لكان غير معاقب على تلك المعاصي التي صدرت منه في حال الكفر؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله؛ فتعيَّن أن يكون العقاب على ترْك الإيمان وهو المطلوب (١). قال: (الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية (٢)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي) . أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطَبون، وباعتقادها (٣) مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يُشَبِّب (٤) (٥) بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يُكَلّف به. وأجمعت الأمة كما نقله القاضي أبو بكر على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم

стр. 811

وقتالهم (١)، ولم يقل أحد: إن التكليف بذلك يتوقف (٢) على معرفة الله تعالى. وأما فروع الدين: فقال الشافعي ومالك وأحمد: إنهم مخاطبون بها، وخالفت الحنفية (٣)، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني مِنْ أصحابنا (٤). وذهب قوم إلى أن النواهي متعلِّقة بهم دون الأوامر، وربما ادَّعى بعضهم أنه لا خلاف في تعلق النواهي، وإنما الخلاف في الأوامر. قال والدي أيده الله (٥): وهي طريقة جيدة (٦).

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 813

وفي المسألة مذهب رابع: أن المرتد مكلَّف دون غيره؛ لالتزام المرتد أحكامَ الإسلام. ولا معنى لذلك؛ لأن مأخذ المنع فيهما سواء: وهو جهله بالله تعالى (١). وزعم القرافي أنه مَرَّ به في بعض الكتب حكايةُ قول أنَّهم مكلَّفون بما عدا الجهاد دون الجهاد (٢)؛ لامتناع قتالِهم أنفسَهم (٣). واعلم أن هذه المسألة إنما ذُكِرتْ على صفة المثال لأصل: وهو أنه هل حصول الشرط الشرعي شرطٌ في صحة التكليف أم لا؟ وهي مسألة مشهورة (٤). وهنا مُبَاحثتان: إحداهما: أن تكليف الكافر بالصلاة والصوم والحج ونحوها لا إشكال فيه؛ لتمكنه من إزالة المانع والفعْلِ بعدَه (٥)،

стр. 814

كالمُحْدِث (١)، وحصول الشرط الشرعي غير مشروط في صحة التكليف على الرأي الصحيح. أما الزكاة فقد يقال في تكليفهم بها إشكال؛ لأنَّ شرطها بعد مِلْك النصاب مُضِيُّ الحول وإنما يجب بتمامه، فإذا تَمَّ الحولُ وهو كافر فكيف (٢) يكلف بزكاته، وهو لا يمكنه فِعْلها في حال الكفر ولا بعده؟ لأنه لو أسلم اشْتُرِط مُضِيُّ حولٍ مِنْ وقت إسلامه، وهذا بخلاف الصلاة حيث يمكن فعلها في الوقت. وجواب هذا الإشكال: بأنه إذا تم الحول كُلِّف بإخراجها بأن يُسْلِم ويخرجها بعده، فالتكليف بإخراجها بعد الإسلام الآن متحقِّق، ولكنه إذا أسلم تسقط، ويكون (٣) بمثابة نسخ الشيء قبل إمكان فعله (٤)، وذلك جائز؛ فما كَلَّفناه بمستحيل بل بممكن. فإن استمر على كفره كان التكليف مستمرًا، وإنْ أسلم سقط. ويظهر بهذا معنى قول الأصوليين كما ستعرفه إن شاء الله تعالى: الفائدةُ تضعيف العذاب في الآخرة. ومُضِيُّ الحول ليس من شرطه الإسلام، والذي يُستأنف حَوْلُه بعد الإسلام زكاةُ الحول الثاني، أما الأول فقد استقر وجوبُه وهو متمكِّن من الإخراج (٥).

стр. 815

وفي الزكاة ثلاثة أشياء: الخطاب بأدائها، وهو حاصل لما بيناه (١). والثاني: ثبوتها في الذمة، وهو حاصل أيضًا لا يفترق الحال بين المسلم والكافر فيه. و(٢) الثالث: تعلقها بالمال، وهذا يظهر أنه في المسلم خاصَّةً دون الكافر لما ستعرفه على الأثر إن شاء الله تعالى. فنقول: والمباحثة الثانية: أنَّ إطلاق الخلاف بخطاب الكفار بالفروع ربما يُتوهم منه أنَّ مَنْ يقول بتكليفهم بالفروع يقول: إن (٣) كلَّ حكمٍ ثبت في حق المسلمين ثبت في حقهم، ومن لا يقول بذلك يقول: لا يثبت في حقهم شيء من فروع الأحكام، وليس الامر على هذا التوهم. وكَشْف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف، وخطاب وضع. فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف (٤)، وليس كل تكليف أيضًا، بل ما لم (٥) نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين، وإنما المراد العامة التي شَمِلهم لفظُها هل يكون الكفر مانعًا مِنْ تعلقها بهم أو لا؟

стр. 816

وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سببًا (١) لأمر أو نهي، مثل: كون الطلاق سببًا لتحريم الزوجة. قال والدي أطال الله بقاه: فهذا مِنْ محل الخلاف أيضًا، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضًا (٢)؟ وربما يقول المانع من التكليف هو سبب، ولكن قارنه مانع. والعبارتان وإن (٣) وقع فيهما تشاجر فهو لفظي. ومِنْ خطاب الوضع كون إتلافهم وجناياتهم (٤) سببًا في الضمان (٥)، وهذا ثابت في حقهم إجماعًا، بل ثبوته في حقهم أولى مِنْ ثبوته في حق الصبي، وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببًا فيه في البيع والنكاح وغيرهما، فهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم (٦). وكذا كون الطلاق سببًا للفرقة فإن الفرقة

стр. 817

تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم (١)، ومِنْ هذا القبيل الإرث والملك به، ولولا ذلك لما ساغ (٢) بيعهم لِمَوَاريثهم (٣)، وما يشترونه، ولا معاملتهم. وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له. قال والدي أيده الله: بل ما أظن أحدًا يتحقق عنه القول بأن النكاح الصادر منهم على الأوضاع الشرعية يكون فاسدًا (٤)، والصحة حكم شرعي وهي ثابتة في حقهم، ومَنْ يقول بأن الصحة حكم عقلي مراده مطابقة الأمر، فهي حاصلة في حقهم؛ لمطابقة عَقْدهم الوجه المشروع. وأوضح دليلٍ على ثبوت الصحة في حقهم من غير نزاع أن

стр. 818

أبا حنيفة قال بها في الأنكحة، وهو صَدْرُ القائلين بعدم تكليفهم بالفروع (١). وأما صحة البيع ونحوِه إذا جرى على الوضع (٢) الشرعي فلا نَعْلم مَنْ يقول بفساده في حقهم. ومِنْ خطاب الوضع ثبوت المالِ في ذمتهم (٣) في الديون، وفي الكفارات (٤) عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم كما ثبتت (٥) في حق المسلمين (٦). وكذلك تعلق الحقوق التي يُطَالَبون بأدائها

стр. 819

بأموالهم، مثل تعلق أروش الجنايات (١) برقاب الجناة من أرقائهم (٢)، ونحو ذلك. وعكس هذا تعلق الزكاة بالمال تعلق رَهْنٍ كما قاله بعض الفقهاء، أو جناية كما قاله بعضهم، أو شركة كما هو الأصح من مذهب الشافعي (٣)، فظهر أنه لا يثبت في حقهم وإنْ قلنا: إنهم مخاطبون بالزكاة؛

стр. 820

لأمرين: أحدهما: أن المقصود أنهم يأثمون بتركها، وليس المقصود أنها تؤخذ منهم في كفرهم، والتعلق المذكور (١) إنما يقصد به تأكُّد (٢) الوجوب لأجل الأخذ؛ ليصان الواجب عن الضياع، فلا معنى لإثباته في حق الكافر؛ لأنه إنْ دام على الكفر (لم تؤخذ) (٣) منه، وإنْ أسلم سقطت، وما كان كذلك لا معنى للتعلق الذي هو

стр. 821

يوثقه (١) فيه (٢)، والموجود في حق الكفار إنما هو الأمر بأدائها، وهذا مشترك بينهم وبين المسلمين، وثبوتها في الذمة قَدْرٌ زائد على ذلك قد يقال به في الكافر أيضًا، وإثبات تعلقها بالدَّيْن أمر ثالث يختص بالمسلم لا وجه للقول به في الكافر. الثاني (٣): أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤) (٥)، ولا مِرْية في أن الكافر لا يدخل في ذلك، وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر ﵁ وفيه: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين" وفيه: "في كل (٦) خمسٍ شاةٌ" (٧)،

стр. 822

ولا يلزم من إثبات هذا التعلق في حق المسلمين إثباته في حق الكافرين؛ لظهور (١) الفرق على ما قدمناه. ولا شك أن الأدلة الواردة في أحكام الشريعة منها ما يتناول لفظُه الكفار مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٢) ونحوه، فيتعلق بهم حكمُه على القول بتكليفهم بالفروع، ومنها ما لا يشملهم لفظه كما ذكرناه من الآية والحديث، وكالآيات التي فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) ونحوه، فلا يتناولهم لفظًا. قال والدي أطال الله بقاه: ولا يثبت حكمها لهم وإنْ قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع - إلا بدليل منفصل، أو تبيين عدم الفرق بينهم وبين غيرهم، والاكتفاء بعموم الشريعة لهم ولغيرهم، وأما حيث يظهر الفرق، أو يمكن معنى غير شامل لهم فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم؛ لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل، والتعلق قدر زائد على الوجوب، (فلا يثبت) (٤) في حقهم بغير دليل ولا معنى.

стр. 823

ومِنْ خطاب الوضع كون الزنا سببًا لوجوب الحد، وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي ﷺ اليهوديين (١)، ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع، فإنه كيف يقال بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه؛ لكفرهم (٢)! وهذا في الكتابي الذي يَعتقد شرعًا، أما من لا يَعتقد

стр. 824

شيئًا فيجري الخلاف في تعلق التحريم به في جميع المحرمات. وقد قال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله: "لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه عليهم كما هو على المسلمين، ونَصَّ الشافعي ﵁ على أن حد الزنا لا يسقط بالإسلام" (١). فانظر هذه المواضع وتأملها ونَزِّل كلام العلماء عليها، (ولا يظننّ) (٢) الظان مخالفة ما ذكرناه لعبارات الأصوليين؛ لأنهم إنما قالوا: التكليف بالفروع، فلا يرد خطاب الوضع عليهم (والله أعلم) (٣). قال: (لنا: أن الآية الآمرة بالعبادة تتناولهم، والكفرُ غيرُ مانع؛ لإمكان إزالته. وأيضًا: الآيات المُوعدة بترك الفروع كثيرة مثل: ﴿وَوَيْلٌ

стр. 825

لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١) (٢). وأيضًا: فإنهم (٣) كُلِّفوا بالنواهي؛ لوجوب حد الزنا عليهم، فيكونون مكلفين بالأوامر (٤) قياسًا). اسْتُدِلَّ على المختار بأوجه: الأول: أن المقتضِي لتناول الكفار قائمٌ مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٥) وغيرها، والكفر لا يمنع من التناول؛ للتمكن من إزالته، فأشبه الحدَثَ المانعَ من الصلاة، إذ كل منهما مانع ممكِن الزوال، وما قال أحد من المسلمين: إن المُحْدِث لا يكلّف بالصلاة - حتى نبغ أبو هاشم (٦) وقال مُنْكَرًا من القول وزورًا. قلت: والاستدلال بنحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ مستقيم، وأما ما حُكي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كل ما جاء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالمراد المؤمنون" - فلم يصح عنه.

стр. 826

الثاني: أن الآيات الموعِدة بترك الفروع مثل قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ (١) لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٢) ومثل قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٣) - دلت (٤) على أنهم كُلِّفوا ببعض الفروع، فيكونون مكلَّفين بالباقي؛ إذ لا قائل بالفرق، أو بالقياس. الثالث: وهو دليلٌ على من فَصَّل وقال: تتناولهم المناهي دون الأوامر. ولك أن تجعله دليلًا على الفريقين، وبه يُشعر إيرادُ المصنف (٥)؛ حيث استدل لتناول النهي، ولو جعله دليلًا (٦) على من وافق في النهي لم يحتج إلى الاستدلال. وتقريره (٧): أنَّ الدليل على أن النهي يتناولهم وجوبُ حَدِّ الزنا عليهم، فيُلحقَ به الأمر بجامع مطلق الطلب. فإن قلت: لا نسلم أنه (٨) يتناول الكافرَ النهيُ ولا يَرِد وجوبُ حد

стр. 827

الزنا؛ لأنه التزم أحكامنا بعقد الجزية (أو غيرها) (١)؛ ولذلك لا نُحِدُّ الحربي. قلت: الالتزام بمجرده لا يُوجب الحد. فإن قلت: قال أبو عبد الله بن خوَيْز مِنداد (٢) المالكي: "إنهم إنما يُقْطعون في السرقة، ويُقتلون في الحِرَابة من باب الدفع، فهو تعزير لا حَدٌّ؛ لأن الحدودَ كفاراتٌ لأهلها وليست هذه كفارات" (٣)، ومقتضى ذلك أن لا يجب حدُّ الزنا؛ لما ذكره. قلت: مقالته هذه فاسدة؛ فإن الحدود إنما تكون كفارةً لأهلها إذا كانوا مُسْلمين كما صَرَّح به الشافعي رضوان الله عليه، والكافر ليس من أهل الأجر ولا الثواب ولا الطُّهْرة، وإنما هي في حقه كالديون اللازمة؛ ولذلك نُلْزِمه بكفارة الظهار ونحوها ولا يزول عنه بها إثم (٤).

стр. 828

قال: (قيل: الانتهاء أبدًا ممكن (١) دون الامتثال. وأجيب: بأن مجرد الفعل والترك لا يكفي فاستويا، وفيه نظر. قيل: لا يصح مع الكفر ولا قضاءَ بعده. قلنا: الفائدة تضعيف العذاب). لَمَّا قاس الأمر على النهي بالجامع الذي بيَّنه - اعترض الخصم وزعم ثبوت الفرق من جهة أن النهي من باب التروك، فلا يحتاج إلى النية، بخلاف الأمر، وإذن يمكن الكافر (٢) الانتهاء عن المنهيات مع كفره، ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات. وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنك إنْ عَنَيْتَ بقولك: يُمكنه الانتهاء عن المنهيات: أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية - فكذلك المأمورات. وإن عَنَيْت: أنه يتمكن (٣) (من الانتهاء) (٤) عن المنهي لغرضِ امتثالِ قولِ الشرع - فهذا حالة الكفر متعذِّر، فاستوى المأمور والمنهي في أن الإتيان بهما من حيث الصورة غير متوقف على الإيمان، والإتيان بهما لغرض الامتثال متوقف على الإيمان؛ فبطل الفرق. قال صاحب الكتاب: وفي هذا الجواب نظر. ووَجْهه: أن المكلَّف إذا ترك المنهي عنه سقط عنه العقاب وإن لم يَنْو، بخلاف المأمور به فإنه لا يحصل الأجر إذا لم ينو.

стр. 829

واحتج مَنْ قال بعدم تكليف الكفار بالفروع: بأنها لو وجبت عليهم لكانت إما في حال الكفر أو بعده، والأول باطل؛ لامتناع الإتيان بها في تلك الحالة، وكذلك الثاني؛ لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء، لقوله ﵇: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" (١). وأجاب المصنف: بأن فائدة قولنا: إنهم مكلَّفون بالفروع - تضعيفُ العذاب عليهم يوم القيامة. ولقائل أن يقول: التعذيب في الآخرة متوقف على سبق التكليف لا محالة، ويعود الكلام إلى أن التكليف بها إما في حالة الكفر أو بعده. بل الجواب أنا نقول: هو مكلف بإيقاع ذلك بأن يُسْلم ويُوقع، وأما قوله ﷺ : "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" - فحجةٌ لنا؛ لأن قوله: "يَجُبُّ" (٢) يقتضي سبق التكليف به، ولكن يسقط ترغيبًا في الإسلام. ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلّف بالفروع مطلقًا (٣) ولم أرَ مَنْ ذكره - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٤) إذْ لا يمتري الفهمُ في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالإفساد الذي هو قَدْرٌ زائدٌ على الكفر، إما الصَدُّ أو غيره. وأما قول الأصوليين:

стр. 830

الفائدة تضعيف العذاب في الآخرة - فصحيح، ولم يريدوا أنه لا تظهر فائدة الخلاف إلا في الآخرة، وإنْ أفْهمتْه عبارةُ طوائفَ منهم، فينبغي أن يُخصص كلامهم، ويُعْلم أنه جواب عما ألْزَم به الخصوم في فروعٍ خاصة لا تظهر فائدةُ الخلاف (١) فيها، كالزكاة ونحوها. وقد فَرَّع الأصحاب على الخلاف الأصولي مسائلَ عديدة. واعلم أنَّ الأقوالَ الثلاثةَ في خطاب الكفار (٢) بالفروع أوجهٌ (٣) للأصحاب، حكاها النووي في أوائل الصلاة من (٤) "شرح المهذب" (٥)، وسبقه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" (٦)، فوضح وجْهُ اختلافهم (في المسائل التي بنوها حسب اختلافهم) (٧) في الأصول. منها: ذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه يجب على الحربي ضمانُ النفس والمال، تخريجًا من أن الكفار مخاطبون بالفروع، وعَزَى هذا إلى المزني في "المنثور" (٨). ومنها: إذا اغتسلت الذميّة لتَحِلَّ لمَنْ يَحِلُّ له وطؤها من

стр. 831

المسلمين (١) - فهل يجب عليها إعادة الغُسْل إذا أسلمت؟ فيه وجهان (٢). وفَرَّق إمام الحرمين بين هذه، وبين ما لو وَجَب على الذمي كفارة فأخرجها ثم أسلم - لا يجب عليه الإعادة قطعًا؛ لأن (٣) الكفَّارة إنما تكون بالمال (ولا تخلو) (٤) الكفارة عن قصد شرعي من إطعامِ محتاج، أو كسوة عار، أو تخليصِ رقبةٍ عن قَيْدِ رقٍّ، وهذه المصلحة لا تختلف باختلاف أحوال فاعليها، فإذا وُجدت لا حاجة إلى إعادتها، بخلاف ما تُعبِّد به في حقِّ الشخص نفسه، كمسألتنا وكالصوم. ومنها: لو اغتسل الكافر عن جنابة أو توضأ أو تيمم ثم أسلم فالمذهب الصحيح وجوب الإعادة (٥)، والثالث الفرق بين الوضوء والغسل (٦). ومنها: هل يمكث (٧) الكافر الجنب في المسجد؟ فيه وجهان (٨). ومنها: هل يُؤخذ في الجزية، وفي ثمن الشِّقْص المشفوع - مما تيقنا أنه من ثمن الخمر؟ المذهب أنا لا نأخذه، وفيه وجه (٩).

стр. 832

ومنها: التصرف في الخمر حرام عليهم عندنا، خلافًا لأبي حنيفة، وصَرَّح في "التَّتِمَّة" (١) ببناء المسألة على الأصل المذكور (٢). فإن قلت: لِمَ لا جَرَى فيها خلافٌ مذهبيٌّ؟ قلت: شفاء الغليل في ذلك من وظائف كتابنا "الأشباه والنظائر" فعليك به. ومنها: إذا دخل الكافرُ الحَرَم وقتل صيدًا لزمه الضمان، وقال في "المهذب": يحتمل أن لا يلزمه (٣). خاتمة (٤): قول المصنف وغيره: الفائدة تضعيف العذاب - قد يُفْهِم أنَّ الخلاف في تكليفهم بالفروع يختص بما يترتب عليه حرج من مأمور ومنهي، ويقتضي أن الإباحة لا تتعلق بهم (٥)، لا سيما على قول (٦): إنها ليست من التكليف. والظاهر تعلق الإباحة بهم فيما هو مباح، قال والدي (أطال الله

стр. 833

عمره) (١) وقد يقال: إنَّ إقدامَهم على المباح وهُمْ غيرُ مستندين فيه إلى الشرع الذي يجب عليهم اتباعه - حرام (٢)؛ لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعلٍ حتى يعلم حكم الله فيه (٣)، فإنْ (٤) صح هذا فَهُمْ آثمون على جملة أفعالهم، وهذا البحث عام في الكتابِيِّين والمشركين (٥). قال والدي: وهو مما لم أره لغيري، وفيه عندي توقف (٦)، ولا ينافي القولُ به الحكمَ بصحة أنكحتهم ومعاملاتهم؛ لأن أثرها في الدنيا، والمقصود عقابهم في الآخرة (٧).

стр. 834

قال: (الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا (١) به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل ، أو بغيره فلم (٢) يمتثل بالكلية. وقال (٣) أبو هاشم: لا يوجبه، كما لا يوجب النهيُ الفسادَ. والجوابُ: طلب الجامع ثم الفرق). إتيان المكلف بالأمور به على الوجه المشروع مُوجِب للإجزاء عند الجمهور، وخالفهم أبو هاشم وعبد الجبار. وحجة الجمهور: أنه لو لم يكن الامتثال موجِبًا للإجزاء - لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيًا إما لذلك المأتي به، ويلزم تحصيلُ الحاصل، أو لغيره ويلزم أن لا يكون الإتيان بتمام الأمور به بل ببعضه، والفرض خلافه (٤). واعلم أن الإجزاء له تفسيران: أحدهما: سقوط التعبد به، وهو الذي اختاره المصنف في أوائل الكتاب.

стр. 835

والثاني: سقوط القضاء، وقد ضعفه ثَمَّ. والخلاف في هذه المسألة إنما هو مبني على تفسيره بسقوط القضاء، أما إذا فُسِّر بما اختاره المصنف فامتثال الأمر يكون محصِّلًا للإجزاء من غير خلاف، وإنما خالف أبو هاشم وأتباعه إذا بُني على ذلك التفسير، فقالوا: (لا يمتنع) (١) الأمر بالقضاء أيضًا مع فعله. فحاصل ما يقوله أبو هاشم أنه (٢) لا يدل على الإجزاء، وإنما الإجزاء مستفاد مِنْ عدم دليل يدل على وجوب الإعادة. ولا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمور به. وقد شَبَّه القرافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشرط (٣)، كما إذا قال: إنْ دخلتَ الدار فأنتَ حرٌ. فمَنْ قال: لا مفهوم للشرط - قال عدمُ عتقه ما لم يأتِ بالمشروط مستفادٌ من الملك السابق. ومن قال: له مفهوم - قال: هو مستفاد من ذلك، ومن مفهوم الشرط (٤) أيضًا. وكذلك الخلاف الذي هنا. وإذا عرفتَ ذلك عَلِمتَ أن أبا هاشم لا يقول ببقاء شغل الذمة بعد الفعل؛ لأن (٥) الأمر بمجرده لا يدل عليه، وحينئذ فدليل المصنف عليه دليل

стр. 836

في (١) محل الوفاق لا معترض به عليه (٢). وهذا هو التحرير في نقل مذهب أبي هاشم، وكذلك نطق به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في "شرح العنوان". واحتج أبو هاشم على مذهبه: بأن النهي لا يدل على الفساد بدليل البيع وقت النداء، فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء. وإليه الإشارة بقوله: "لا يوجبه"، أي: لا يوجب الأمرُ الإجزاءَ، كما لا يوجب النهيُ الفساد. والجواب: أولًا: طلب الجامع بين المَقِيس والمَقِيس عليه، وهو الأمر والنهي. فإن أتى به بأن قال: الجامع أن كلًا منهما طلبٌ لا إشعار له بذلك، أو أنهما متضادان، والشيء محمولٌ على ضده كما هو محمول على مثله - أجبنا ثانيًا: بالفرق: وهو أن مقتضى الأمر الإتيان بالمأمور به، فلو لم يكن موجبًا للإجزاء لم يكن للأمر فائدة؛ لأنه حينئذ

стр. 837

يكون كأنه قال: افعل هذا، وإذا فعلت فكأنك لم تفعل، بخلاف النهي فإن مقتضاه الانكفاف عن المنهي (١)، وقد يكون الانكفاف بحكم (٢) آخر، كالنهي عن البيع وقت النداء مع مجامعته للصحة؛ ولهذا يصح أن يقال: لا تفعل هذا، وإن فعلته يكون فِعْلُكَ صحيحًا. فإن قلت: الحاج (٣) إذا أفسد حجه فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج، وإذا مضى فيه كما أُمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاحُ حجٍّ صحيحٍ، ولم يقع إذن مُضِّيه مجزئًا وإنْ كان مأمورًا به. قلت: قال إمام الحرمين: "هذا قول مَنْ يَتَلقَّى الحقائق في الأصول مِنْ خيالاتٍ في (٤) مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع، فنقول: إنْ كان ما خاض أولًا (حَجًّا مفروضًا) (٥) - فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم، والإفساد مناف لحق الامتثال، وليس المُضِيُّ (٦) في الفاسد

стр. 838

مُقْتضى الأمرِ بالحج الصحيح، وإنما هو مُتَلقَّى من أمر جديد يختص بالحج، فيثبت الجريان في الفاسد بأمرٍ جديد، وبقيَ على المفسِد حقُّ القيام بالأمر الأول. وإنْ كان الحج تطوعًا فيجب القضاء على المفسِد بأمر جديد، وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي" قال: "وهذا لا غموض فيه. وقد يعتاص (١) على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بِعُذْر (٢) الإحصار، وحظُّ الأصولي من (٣) هذه المسائل تقديرُ أمرٍ جديد في كل ما لا يُتلقى من (٤) الأمر الأول، وهذا ليس بالعَسِر (٥)، بل هو مقطوع به" (٦). والله أعلم (وبه التوفيق) (٧) (٨).

стр. 839

دَوْلة الإمَارَاتْ العَربيّة المتَّحِدة حُكومَة دُبيْ الإِبْهَاجُ فِي شَرْح الْمِنْهَاجِ شرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إِلى عِلْمِ الأُصُولِ لِلْقاضِي البَيْضَاويِّ المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ تَأليفُ شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ وولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدُّكتُور أحْمَد جَمَال الزَّمْزَمى الدُّكتُور نُورُ الدِّين عَبْد الجَبَّارِ صَغِيرى الجزء الثّالث دَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْيَاء التّراث

стр. 840

حُقوق الطبْعِ مَحفوظَة الطَّبعَة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م دَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْيَاء التّراث الإمارات العربية المتحدة - دبي - هاتف: ٣٤٥٦٨٠٨, فاكس: ٣٤٥٣٢٩٩, ص ب: ٢٥١٧١ الموقع www.bhothdxb.org.ae البريد الإلكتروني irhdubai@bhothdxb.org.ae

стр. 841

الكتاب الأول: الكتاب

стр. 842

قال ﵀: (الكتاب الأول: في الكتاب . والاستدلال به يتوقف (١) على معرفة اللغة، وأقسامها. (وهو ينقسم) (٢) إلى أمرٍ ونهيٍ، وعام، وخاص، ومجمل، ومبيَّن، وناسخ، ومنسوخ. وبيان ذلك في أبواب). الكتاب هو القرآن: وهو الكلام المُنَزَّل للإِعجاز بسورةٍ منه. وقد خرج بقولنا: "المنزل" الكلامُ النفسي، وكلام البشر. و"بالإعجاز" الأخبارُ الربانية، وسائر الكتب المنزلة: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، إن لم نقل (٣) إنها معجِزة. وقولنا: "بسورة منه"، أي: ببعضٍ ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر، وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها، فإنها حينئذ وإنْ أُنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها. وهذا التعريف صادق على الآية، وعلى بعضها أيضًا؛ لأنه يصدق عليها أنَّ قَدْر سورة من نوعه مُعْجِز (٤). ولما كان الكتاب منزلًا على لغة العرب احتاج المستدل به إلى معرفتها، والاستدلالُ به أيضًا متوقف على معرفة أقسامه، وأقسامُه مِنْ

стр. 843

جملة أقسام اللغة. وهو ينقسم إلى خبرٍ وإنشاء. ولا حَظِّ للأصولي (١) في الخبر، وإنما كلامه في الإنشاء، وهو فيه (٢) ينقسِم باعتباراتٍ ثلاث: الأول: بالنظر إلى ذاتِه: إلى أمرٍ ونهيٍ. فنقول: هذا القول أمر، أو نهي. فَيُجعل مَوْرِد القسمة ذات القول. والثاني: بالنّظر إلى عوارضه، ونَعْنِي بها: مُتَعَلَّقاته، (وبهذا ينقسم: إلى العام والخاص. فنقول: المَعْنِيُّ (٣) بهذا القول: جميع متعلقاته) (٤): وهو العام، أو بعضها: وهو الخاص. والثالث: بالنظر إلى النسبة بين الذات والمتعلَّق (٥)، وبهذا ينقسم: إلى المجمل والمبيَّن. فنقول: دلالة القول على متعلَّقاته إما ظاهرةٌ غنية عن المبيِّن، وذلك المبيَّن. أو غيرُ غنيةٍ وذلك المُجْمَل. ثم إنَّ أحكام الله تعالى لما كانت تارة في جانب النفي، وطَوْرًا في قالب الإثبات، إما لكونها تابعةً للمصالح تفضلًا وإحسانًا عند مَنْ يعلِّل أحكامه ، أو بحسب إرادته (٦) وقضاياه التي لا تُعَلَّل

стр. 844

عندنا - فَيَرِد حكمٌ (١) يرفع (٢) حكمًا، فالرافع ناسخ، والمرفوع منسوخ. فهذا وجه انقسام الإنشاء في الكتاب إلى هذه الأمور، وليس التقسيم مختصًا بالكتاب، بل السنة كذلك، وقد بيّن المصنف ذلك في كتاب السنة بقوله: "سبق مباحث القول" (٣).

стр. 845

الباب الأول: في اللغات الفصل الأول: الوضع
следующие страницы →