قال ﵀: (الكتاب الأول: في الكتاب .
والاستدلال به يتوقف (١) على معرفة اللغة، وأقسامها. (وهو ينقسم) (٢) إلى أمرٍ ونهيٍ، وعام، وخاص، ومجمل، ومبيَّن، وناسخ، ومنسوخ. وبيان ذلك في أبواب).
الكتاب هو القرآن: وهو الكلام المُنَزَّل للإِعجاز بسورةٍ منه.
وقد خرج بقولنا: "المنزل" الكلامُ النفسي، وكلام البشر.
و"بالإعجاز" الأخبارُ الربانية، وسائر الكتب المنزلة: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، إن لم نقل (٣) إنها معجِزة.
وقولنا: "بسورة منه"، أي: ببعضٍ ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر، وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها، فإنها حينئذ وإنْ أُنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها. وهذا التعريف صادق على الآية، وعلى بعضها أيضًا؛ لأنه يصدق عليها أنَّ قَدْر سورة من نوعه مُعْجِز (٤).
ولما كان الكتاب منزلًا على لغة العرب احتاج المستدل به إلى معرفتها، والاستدلالُ به أيضًا متوقف على معرفة أقسامه، وأقسامُه مِنْ
стр. 843
جملة أقسام اللغة. وهو ينقسم إلى خبرٍ وإنشاء. ولا حَظِّ للأصولي (١) في الخبر، وإنما كلامه في الإنشاء، وهو فيه (٢) ينقسِم باعتباراتٍ ثلاث:
الأول: بالنظر إلى ذاتِه: إلى أمرٍ ونهيٍ. فنقول: هذا القول أمر، أو نهي. فَيُجعل مَوْرِد القسمة ذات القول.
والثاني: بالنّظر إلى عوارضه، ونَعْنِي بها: مُتَعَلَّقاته، (وبهذا ينقسم: إلى العام والخاص. فنقول: المَعْنِيُّ (٣) بهذا القول: جميع متعلقاته) (٤): وهو العام، أو بعضها: وهو الخاص.
والثالث: بالنظر إلى النسبة بين الذات والمتعلَّق (٥)، وبهذا ينقسم: إلى المجمل والمبيَّن. فنقول: دلالة القول على متعلَّقاته إما ظاهرةٌ غنية عن المبيِّن، وذلك المبيَّن. أو غيرُ غنيةٍ وذلك المُجْمَل.
ثم إنَّ أحكام الله تعالى لما كانت تارة في جانب النفي، وطَوْرًا في قالب الإثبات، إما لكونها تابعةً للمصالح تفضلًا وإحسانًا عند مَنْ يعلِّل أحكامه ، أو بحسب إرادته (٦) وقضاياه التي لا تُعَلَّل
стр. 844
عندنا - فَيَرِد حكمٌ (١) يرفع (٢) حكمًا، فالرافع ناسخ، والمرفوع منسوخ.
فهذا وجه انقسام الإنشاء في الكتاب إلى هذه الأمور، وليس التقسيم مختصًا بالكتاب، بل السنة كذلك، وقد بيّن المصنف ذلك في كتاب السنة بقوله: "سبق مباحث القول" (٣).
стр. 845
الباب الأول: في اللغات
الفصل الأول: الوضع
стр. 846
قال: (الباب الأول: في اللغات . وفيه فصول.
الفصل الأول: في الوضع)
وجه تقديم بابِ اللغات على غيره أن معرفة ماهية الشيء سابقة على معرفة أقسامه وأحكامِه، واللغاتُ جمع لغة (١)، وإنما جَمَعها وإنْ كان الغرضُ الكلامَ في لغة العرب وهي واحدةٌ؛ لاشتراك مباحثه بين جميع (اللغات، وقد أودع هذا الباب تسعة فصول: أولها) (٢): في الوضع: وهو عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أُطلق الأول فُهم منه الثاني (٣). وهذا تعريفٌ سديدٌ، فإنك إذا أطلقتَ قولك: قام زيد فُهِم منه صُدُور القيام منه.
فإن قلت: مدلول قولنا: قام زيد - صدور قيامه، سواء أطلقنا هذا اللفظ أم لم نطلقه (٤)، فما وجه قولكم بحيث إذا أطلق؟
قلت: الكلام قد يخرج عن كونه كلامًا (بالزيادة والنقصان، وقد لا يخرج عن كونه كلامًا) (٥) ولكن يتغير معناه بالتقييد، فإنك إذا قلت: قام
стр. 847
الناس - اقتضي إطلاقُ هذا اللفظ إخبارَك بقيام جميعهم، (فإذا قلت: إنْ أقام الناس - خرج عن كونه كلامًا بالكلية، فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم) (١) إلى قيام ما عدا زيدًا. فعلمتَ بهذا أنَّ لإفادة: "قام الناس" للإخبار بقيام جميعهم شرطين:
أحدهما: أن لا يبتدئه بما يخالفه.
والثاني: أن لا يختمه بما يخالفه.
وله شرط ثالث أيضًا: وهو أن يكون صادرًا عن قصد، فلا (٢) اعتبار بكلام الساهي والنائم.
فهذه ثلاثة شروط لا بد منها، وعلى السامع التنبُّه لها، فوضح بهذا أنك لا (٣) تستفيد قيام الناس من قوله: قام الناس، إلا بإطلاق هذا القول؛ فلذلك اشترطنا ما ذكرناه.
فإن قلت: من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كافٍ في ذلك؛ لأن الواضع وضعه لذلك.
قلت: وَضْعُ الواضعِ له معناه: أنه جعله متهيئًا لأَنْ يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص، والمفيدُ في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.
стр. 848
فإن قلت: لو سمعنا: قام الناس، ولم يُعْلَم مِنْ قائله هل قصده أوْ لا (أو هل (١) ابتدأه أو ختمه بما يغيِّره أوْ لا - هل لنا أن نُخبر عنه بأنه قال: قام الناس أوْ لا) (٢)؟
قلت: فيه نظر، يحتمِل أن يُقال بجوازه؛ لأن الأصل عدمُ الابتداء والختمِ بما يغيِّره. ويحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأن العمدة ليس هو اللفظ، ولكن الكلام النفساني القائم بذات المتكلم وهو حُكْمه، واللفظ دليل عليه مشروطٌ بشروط ولم تتحقق. ويحتمل أن يقال: إنَّ العلم بالقصد لا بد منه؛ لأنه شرط، والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط، والعلم بعدم الابتداء والختم بما يخالفه لا يشترط؛ لأنهما مانعان، والشك في المانع لا يقتضي الشك في الحكم؛ لأن الأصل عدمه.
واختار والدي أيّده الله أنه لا بد من أن يُعْلم الثلاثة، ويؤيده ما حكاه الرُّوياني (٣) عن صاحب الحاوي فيما إذا قال الرجل لزوجته: طلقتك. ثم قال: سَبَق (٤) لساني، وإنما أردت طَلَبْتُكِ - أن المرأة إنْ ظنت صدقه بأمارةٍ
стр. 849
فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه (١)، وأنَّ مَنْ عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ولا يَشْهد عليه. قال الروياني: وهذا هو الاختيار. وهذه الأسْوِلة من إيرادي (في مجلس مُبَاحثةٍ على (الشيخ الإمام) (٢) والدي) (٣) والأجوبة له.
قال: (لَمَّا مست الحاجة إلى (التعارف والتعاون) (٤)، وكان اللفظ أفيدَ من الإشارة والمثالِ؛ لعمومه، وأيسَرَ؛ لأن الحروف كيفياتٌ تَعْرِض للنَّفَس الضروري - وُضِع بإزاء المعاني الذهنية لدورانه معها).
يتعلق بالوضع أمور (٥) ستة:
أحدها: سببه:
وقد خلق الله تعالى نوع الإنسان، وصيَّره محتاجًا إلى أمور لا يستقل بها، بل يفتقر إلى المعاونة عليها، ولا بد في المعاونة من الاطلاع على (٦) مُضْمَرات النفوس، وذلك إما باللفظ، أو بالإشارة، أو بالمثال.
قوله: "وكان اللفظ" هذا هو:
стр. 850
الأمر الثاني: في الموضوع:
ومِنْ لطف الله تعالى إحداثُ الموضوعات؛ لأنها أفيدُ هذه الثلاثة وأيسرها.
أما كونها أفيدَ؛ فلأنها تعم كل شيء (١) معلومٍ، موجودٍ ومعدومٍ، إلى غير ذلك، لإمكان وضع اللفظ بإزاء ما أُريد من تلك المعاني، بخلاف الإشارة فإنها مخصوصة بالموجودات المحسوسة، وبخلاف المثال: وهو أن نجعل لما في الضمير شَكْلًا، فإنه أيضًا كذلك؛ (لأنه يعسر) (٢)، بل يتعذر أن يُجْعل لكل شيء (٣) مثال يطابقه.
وأما كونها أيسر؛ فلأنها موافقةً للأمر الطبيعي؛ لأن الحروف: كيفيات تَعْرِض للنَّفَس الضروري، ولا شك في أن الموافق للأمر الطبيعي أسهلُ من غيره
قوله: "وُضِع" هذا هو (٤):
الأمر الثالث: الموضوع له:
وإذا ثبت ما ذكرناه فنقول: وُضِع اللفظ بإزاء المعاني الذهنية. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: بل بإزاء الخارجية (٥).
стр. 851
واستدل المصنف على الأول بدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية؛ فإن من رأى شَبَحًا من بعيد واعتقده مثلًا حيوانًا مخصوصًا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان. فإذا تغيَّر ذلك الاعتقاد باعتقاد آخر أطلق عليه بحسب ذلك الاعتقاد اسمًا آخر. وهذا الدليل (يدل أيضًا) (١) على بطلان القول بأنها موضوعة بإزاء الخارجية؛ (لأنها لو كانت موضوعة بإزاء المعاني الخارجية) (٢) لامتنع تسمية ذلك الشَّبَح بحيوان مخصوص، وقد عُرِف أن ذلك لا يمتنع مع عدم الشعور بكونه إنسانًا، ولكان يمتنع اختلاف الألفاظ عند عدم اختلاف الأمر الخارجي (٣).
وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن هذا (٤) الاختلاف إنما هو لاعتقاد أنها في الخارج كذلك، (لا لمجرد اختلافها في الذهن) (٥)(٦).
стр. 852
قال: (ليُفِيد النِّسَب والمركبات (١)، دون المعاني المفردة، وإلا فَيَدُور)،
اللام في قوله: "ليفيد" متعلِّقةٌ (٢) بقوله قبل ذلك: "وضع" وهذا هو:
الأمر الرابع: في فائدة الوضع:
فنقول: ليس الغرض مِنْ وضع الألفاظ المفردة أن يُفاد بها معانيها المفردة؛ لأن إفادتها لها متوقفة على العلم بها، ضرورة أن العلم بالنِّسْبة يستدعي العلم بالمنتسبَيْن (٣)، فلو اسْتُفِيد العلم بها منها لزم الدور (٤). بل الغرض منه التمكن من إفادة المعاني المركبة بتركيبها، والدور غير لازم هنا؛ إذ يكفي في (٥) تلك الإفادة العلمُ بوضع تلك
стр. 853
الألفاظ المفردة، وانتسابُ بعضها إلى بعض بالنسبة المخصوصة، والحركات المختصة (١).
قال: (ولم يَثْبت تعيين الواضع، والشيخ زعم أنه تعالى وضعه ووقف
стр. 854
عباده عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢). ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٣). ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٤)؛ ولأنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج (٥) في تعليمها (٦) إلى اصطلاح آخر، ويتسلسل؛ ولجاز التغيير فيرتفع الأمان عن الشرع.
وأجيب: بأن الأسماء سِماتُ الأشياء وخصائصُها، أو ما سبق وَضْعُها، والذم للاعتقاد، والتوقيف يُعارضه الإقدار، والتعليم بالترديد والقرائنِ كما للأطفال، والتغييرُ لو وقع لاشْتَهَر.
وقال أبو هاشم: الكل مُصْطَلح وإلا فالتوقيف: إما بالوحي فتتقدم البعثة وهي متأخرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٧)(٨)، أو بخَلْق علم ضروري في عاقل فَيُعَرِّفه تعالى ضرورةً فلا يكون مكلفًا (٩)، أو في غيره وهو بعيد.
стр. 855
وأجيب: بأنه يُلهم (١) العاقل بأن واضعًا وضعها، وإنْ سُلِّم لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة فقط. وقال الأستاذ: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي، والباقي مصطلح).
هذا الفصل باحث عن الواضع، وهو:
الأمر الخامس:
فنقول: ذهب عَبَّاد بن سليمان الصيمري (٢) ومَنْ وافقه إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما، وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: وهو الذي اقتضاه نقل الآمدي عنه، أن تلك المناسبة الطبيعية (حاملةٌ للواضع على الوضع (٣). وهو أقل نكيرًا، ولا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات؛ إذ لو كان كذلك لما وقع المُشْتَرَك بين الضدين، ولَمَا اختلفت دَلالات الألفاظِ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة؛ إذ المناسبة الطبيعية لا تختلف باختلافهما (٤).
стр. 856
والثاني: وهو أعظم نكيرًا، أن تلك المناسبة الطبيعية وحدها كافيةٌ في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني، من غير احتياج إلى الوضع. وهو معلوم الفساد (١)) (٢) وهو الذي اقتضاه نقل الإمام عنه (٣).
واحتج عباد: بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبةٌ بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمَّى المعيَّن ترجيحًا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح.
والجواب: أن الواضع إنْ كان هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمى المعيَّن كتخصيص وجودِ العالم بوقتٍ مقدَّرٍ دون غيره. وإنْ كان الناس فيحتمل أن يكون السبب حضور ذلك اللفظ بالبال في ذلك الوقت دون غَيره.
وإذا بطلت المناسبة الطبيعية) (٤)، وظهر أنَّ مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري - حان النظر في الكلام في الواضع، وفيه كلامُ الكتاب.
فالواضع إنْ كان هو الله تعالى: فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومَنْ وافقه، وهو المسمى بالتوقيف.
وإن كان هو العبد: فهو مذهب أبي هاشم، وهو المسمّى بالاصطلاح
стр. 857
والتواطؤ.
وإنْ كان منهما: فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله، والباقي من العبد، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق.
أو العكس، وهو مذهب ضعيف لم يَذْكُرْه في الكتاب.
وأما جمهور المحققين كالقاضي فمَنْ (١) بعده فقد توقفوا في الكل، وقالوا بإمكان كل واحدٍ من هذه الاحتمالات الأربعة، وهو الذي اختاره في الكتاب، حيث قال: "ولم يثبت تعيين الواضع".
وقال ابن الحاجب: "الظاهر (٢) قول الأشعري" (٣). ومعنى هذا: القولُ بالوقفِ (٤)؛ لعدم القطع بواحد من هذه الاحتمالات، وترجيح (٥) مذهب الأشعري بغلبة الظن.
وقد كان بعض الفقهاء (٦) يقول: إنَّ هذا الذي قاله (٧) ابن الحاجب مذهب لم يقل به أحد؛ لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته،
стр. 858
فالقول بالظهور لا قائل به.
وهذا ضعيف؛ فإنَّ المتوقِّف لعدم قاطعٍ قد يرجِّح بالظن، ثم إنْ كانت المسألة ظنية اكتُفي في العمل بها بذلك الترجيح، وإلا تُوقف عن العمل بها (١).
وقد احتج الشيخ رضوان الله عليه بأوجه:
الأول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢) الآية دلت على أن (٣) التعليم من الله تعالى، وإذا ثبت هذا في الأسماء ثبت أيضًا في الأفعال والحروف؛ لأنه لا قائل بالفرق؛ ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء مِنْ تعليم الأفعال والحروف؛ (ولأن الاسم إنما سُمِّي اسمًا لكونه علامةً على مُسمَّاه، والأفعال والحروف) (٤) كذلك، فهي أسماء، وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسامُ فهو اصطلاح مُحْدَث للنحاة واللغويين (٥).
стр. 859
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١) ذمهم على تسمية بعض الأشياء (٢) بما سَمَّوها به من تلقاء أنفسهم، فلولا التوقيف في كلِّها لما استحقوا الذمَّ بذلك (٣).
ولِقائل أنْ يقول في الاستدلال بهذا اعتراف بكون البعض اصطلاحًا (٤)(٥).
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (٦) ولا يجوز أن يكون المراد اختلاف تأليفات الألسنة وتركيبها؛ لأن ذلك في غير الألسن أبلغ وأكمل، فلا يفيد تخصيص الألسنة بالذكر، فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات: إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو إطلاق اسم العلة على المعلول، أو اسم المحل
стр. 860
على الحال، وحينئذ فلولا أنها توقيفية لما امتن علينا بها.
الرابع: أنها لو كانت اصطلاحيةً لاحتاج الواضع في تعليمها إلى اصطلاح آخر بَيْنه وبين مَنْ يُعلِّمه، ثم إنَّ الفرض أنَّ ذلك الطريق أيضًا لا يفيد لذاته، فلا بد من اصطلاح آخر؛ ويلزم التسلسل (١).
ولقائل أنْ يقول: هذا الدليل يُبْطل مذهب أبي هاشم، ولا يُثْبِت مذهب الشيخ (٢).
الخامس: وهو كالرابع، أنها لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير؛ إذ لا حَجْر في الاصطلاح، وحينئذ يرتفع الوثوق عن الشرع، فإن كل لفظ شرعي نستعمله في معنى جاز والحالة هذه أن يكون مستعملًا في عهد النبي ﷺ في غير ذلك المعنى (٣).
وأجاب في الكتاب عن الوجه الأول: بأن المرادَ من الأسماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (٤) علاماتُ الأشياء (٥)
стр. 861
وخصائصُها، فيعلِّمه مثلًا أنَّ الخيل تصلح للكَرِّ والفَرِّ، والجمال للحَمْل، والثيران للزرع، وهذا لأن الاسم مشتق من السِّمَة أو من السُّمُو (١)، وعلى كل تقدير فكل ما يُعرِّف ماهيةً، ويكشِف عن حقيقةٍ - يكون اسمًا، وتخصيص الاسم بهذه الألفاظ عُرْف حادث. ولو سلَّمنا أن المراد بالأسماء ما ذكرتم فلا يلزم التوقيف؛ إذ من الجائز (أن تكون الأسماء) (٢) التي علمها الله لآدم قد وضعتها (٣) طائفة مخلوقةٌ قبله.
وفي هذين الجوابين نظر:
أما الأول فإنه خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من الأسماء الألفاظ.
وأما الثاني فالأصل عدم استعمالٍ سابق.
ومنهم مَنْ أجاب بجواب آخر: وهو أن المراد من التعليم أنه تعالى ألْهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه من العلوم ما لأجله قَدَر على الوضع. قال الإمام: "وليس لأحد أن يقول: التعليم: إيجاد العلم، بل التعليم: فعلٌ صالحٌ لأن يترتب عليه حصول العلم؛ ولذلك يقال: علَّمته (٤) فلم يتعلم" (٥).
стр. 862
وهذا أيضًا خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم (الإيجاد دون الإلهام) (١)(٢). قال بعضهم: وأصل التفعيل لإثبات أثر الثلاثي المشتق منه، يقال: سودتُه فتسود، وقول الإمام: يقال: علمتُه فلم يتعلم - ممنوع (٣).
قلت: وهذا المنع غير منقدح، وقد كان الإمام علاء الدين الباجي، يقول: لو لم يصح: علَّمتُه فما تعلم - لما صح: علَّمتُه فتعلم؛ لأنه إذا كان التعليم يقتضي إيجاد العلم وهو علة فيه، فمعلوله وهو التعلم (٤) يوجد معه بناءً على أن العلة مع المعلول، والفاء في قولنا: فتعلم - تقتضي تعقيبَ التعلم (٥). وإنْ قلنا: إن المعلول يتأخر، فنقول: لا فائدة قي قولنا: فتعلم؛
стр. 863
لأن التعلُّم قد فُهِم من قولنا: علمتُه. فوضح أنه لو لم يصح: علمتُه فما تعلم - لكان إما أن لا يصح: علمتُه فتعلم، بناءً على أن العلةَ مع المعلول، أوْ لا يكون في قولنا: فتعلَّم - فائدة، بناءً على تأخر المعلول.
فإنْ قلت: أليس أنه لا يقال: كَسَّرتُه فما انكسر، فما وجه صحة قولنا مع ذلك: علَّمتُه فما تعلم؟
قلت: فَرَّق والدي أحسن الله إليه بينهما: بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمورٍ من المعلِّم ومن المتعلم، فكأن (١) علَّمتُه موضوعًا للجزء الذي من المعلِّم فقط؛ لعدم إمكان فعلٍ من المخلوق يحصل به العلم ولا بد, بخلاف الكسر فإنَّ أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار (٢). وهو جواب دقيق.
والإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ (٣)، فالمتوقف (إنْ
стр. 864
توقف) (١)؛ لعدم (٢) القطع - فهو مصيب. وإن ادَّعى عدم الظهور فغير مصيب (٣). هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵁ في "شرح العنوان" (٤).
وأجاب (٥) عن الثاني: وهو التمسك بقوله: ﴿مَا أنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٦): بأنا لا نسلم أنه ذمهم على تسميتهم بعضَ الأشياء، إنَّما ذمهم على اعتقادهم كونها آلهة. وإليه أشار بقوله: "والذم للاعتقاد".
وعن الثالث: وهو التمسك بقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٧): بأنه إذا انتفت الحقيقة وهي أن يكون المراد بها (٨) الجارحة، وثبت العدول إلى المجاز (٩) - فليس صَرْفُكَ إياه إلى اللغات أولى مِنْ صرفنا إياه إلى الإقدار (١٠)
стр. 865
على اللغات، أو مخارجِ اللغات. وإليه أشار بقوله: "والتوقيف (١) يعارضه الإقدار (٢) " (٣).
ولقائل أن يقول: مجاز المستدل أولى؛ لأنه أقل إضمارًا، وما ذكرتموه يلزم منه كثرة الإضمار، أو الإضمار والمجاز معًا؛ إذ يصير تقدير الآية: واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات، أو: اختلاف اقتداركم باللغات، على أنه أطلق اللسان وأراد الاقتدار، كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة، فعلى الأول يلزم كثرة الإضمار، وعلى الثاني يلزم المجاز والإضمار معًا. وأما على ما ذكره الشيخ فلا يلزم إلا (٤) الإضمار الذي هو أقل من إضماركم؛ لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكره: واختلاف لغات ألسنتكم فكان أولى (٥). فإن قلت: لعله مِنْ إطلاق اسم (٦) العلة على المعلول، أو المحل على الحال، كما ذكرتم في تقرير الاستدلال.
قلت: حينئذ يقع التعارض بين الإضمار والمجاز، والمجاز
стр. 866
أولى (١). قال صفي الدين الهندي: "والأولى أن يجاب: بأنا لا نسلم أن اختلاف اللغات إنما يكون آية أن لو كانت اللغات توقيفية، وهذا لأن واضعها وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على مذهب أهل الحق في أفعال العباد" (٢).
وأجاب المصنف عن الرابع: بأنا لا نسلم أنه يحتاج (٣) في تعليمها إلى اصطلاح آخر، بل يحصل العلم بترديد اللفظ: وهو تكراره مرة بعد أخرى، مع القرائن كالإشارة إلى المسمَّى ونحوها، وبهذا الطريق تعلمت الأطفال. ولو سلَّمنا ذلك فما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها بالتوقيف كما تدعون، بل بعضها؛ لأنه يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو قول الأستاذ.
وعن الخامس: بأنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع، فإن التغيير لو وقع لاشتهر لكونه من مهمات الأمور.
وأما أبو هاشم فقد احتج على مذهبه: بأنها لو لم تكن اصطلاحية لكانت توقيفية، أو البعض والبعض؛ لعدم الواسطة بينهما. والقول بالتوقيف باطل مطلقًا، فثبت كونها اصطلاحية. وإنما قلنا ببطلان التوقيف؛
стр. 867
لأنه إما أن يكون بالوحي، أو بخلق علم ضروري في عاقل أو في غير عاقل، والكل باطل.
أما الأول: فلاقتضائه تقدم البعثة (على اللغة) (١) وهي متأخرة عنها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٢).
وأما الثاني: فلأنه اقتضى أن لا يكون ذلك العاقل مكلَّفًا؛ لأنه إذا علم بالضرورة أنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى - فلا بد وأن يعرف الله تعالى ضرورةً، وإذا عَرَفه ضَرورةً لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة لحصولها.
وأما الثالث: فبعيد جدًا أن يصير غير العاقل عالمًا بهذه الكيفيات العجيبة.
والجواب: أنه يجوز أن يكون الله تعالى ألهم العاقل بأنَّ واضعًا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، لا أن الله تعالى هو الواضع حتى يلزم عدم التكليف. ولو سلَّمنا ما ذكرتم فإنما يلزم رفع التكليف بالمعرفة لا رفع التكليف مطلقًا (٣).
وهذا الجواب ضعيف؛ لأن معرفة الله تعالى واجبة قطعًا، والتوقيف بخلق العلم الضروري مستبعد؛ لكونه خلاف المعتاد، فالأولى في الجواب أن يقال: إنه حصل بطريق الوحي، ولا (٤) يلزم ما ذكره؛ لأن الآية وإنْ دلت
стр. 868
على تقدم اللغة على بعثة الرسل بالرسالة - فلا تدل على ما تقدمها (١) على بعثة الأنبياء، فيجوز تقدم نبوة آدم وإيحاء اللغات إليه، ثم إنَّ آدم ﵇ يُعَلِّمها لغيره، ثم يُرْسل إليهم باللسان الذي تعلموه منه.
وأما الأستاذ فذكر في الكتاب مقالتَه مجرَّدة عن الدليل؛ لإمكان استخراج دليله من حجج الفريقين بأن يقال: إذا بطل التوقيف والاصطلاح في الكل - تعين (أن يكون) (٢) البعض والبعض، وحينئذ (٣) فنقول: القدر الذي يقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وإلا يلزم التسلسل؛ لاحتياج التعليم في كل اصطلاح إلى اصطلاحٍ سابق عليه، وأما الباقي فمصطلح. وجوابه: يُعْلم مما (٤) سبق.
وبتقرير الأجوبة عن أدلة الجازمين يتعين الوقف الذي اختاره صاحب الكتاب.
وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في هذه المسألة في جواز قلب اللغة (٥)، فعند الشيخ لا يجوز دون القائلين بالاصطلاح. وبنى بعضهم على الخلاف فيها ما إذا عقد (٦) صداقًا في السر وصداقًا في العلانية المسألة
стр. 869
المشهورة (١)، ويلتحق بذلك ما إذا استعملا لفظ المفاوضة وأرادا شركة العِنان حيث نَصَّ الشافعي على جوازه (٢).
стр. 870
والحق أن بناء المسألتين على هذا الأصل غير صحيح؛ فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف؟ لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على إطلاق لفظ الثوب على الفرس (١)، أو الألْف على الألْفين مثلًا (٢)(٣).
قال: (وطريق معرفتها النقل المتواتر، والآحاد، (واستنباط العقل) (٤) من النقل، كما إذا نُقل أنَّ الجمعَ المعرَّف باللام يدخله الاستثناء، وأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فيحكم بعمومه، وأما العقل الصِّرْف (٥) فلا يجدي).
هذا هو: الأمر السادس: في بيان كيفية الطريق إلى (٦) معرفة وضع
стр. 871
الألفاظ لمعانيها:
وذلك بطريق الحَصْر: إما النقل الصِّرف، أو العقل الصرف، أو المركب منهما.
الأول: النقل: وهو إما متواتر، أو آحاد.
الأول: المتواتر: كالسماء؛ والأرض، والحر، والبرد. وهو مفيد للقطع.
والثاني (١): الآحاد: كالقرء (٢)، ونحوه. وهو (٣) مفيد للظن.
الثاني: العقل الصِّرْف: قال في الكتاب: "وهو لا يجدي" (٤) أي: لا ينفع؛ إذ لا مجال للعقل في معرفة الموضوعات اللغوية.
الثالث: المركب منهما: كما إذا نُقل إلينا أن الجمع المُعَرَّف بالألف واللام يجوز أن يدخله الاستثناء، ونُقِل إلينا أن الاستثناء: إخراج بعض (٥) ما يتناوله اللفظ - فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المُحَلَّى بالألف واللام للعموم.
وقد بلغنا أن الإمام العلامة زين الدين بن الكتناني (٦) ﵀ اعترض
стр. 872
على التمثيل بهذا، وقال: هاتان المقدمتان نقليتان، وإذا تركب الدليل من مقدمتين نقليتين لم يصح أن يقال: إنه مركب من العقل والنقل. وهذا عجيب (١)؛ فإنه لولا العقل لما صح الاستنتاج من المقدمتين النقليتين، وتركيبُهما على الوجه المُنْتِج، وبيانُ صحة الإنتاج (٢) مِنْ فعل العقل، والجزء الصوري (٣) للقياس عقلي (٤).
стр. 873
الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ
стр. 874
قال: (الفصل الثاني: في تقسيم الألفاظ .
دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام).
تقسيم دلالة اللفظ (تقسيمٌ لِلَّفظ) (١)؛ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ (٢) والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره (٣)، ومعناه: كون الشيء يلزم مِنْ فَهْمِه فهمُ شيءٍ آخر (٤)(٥). وهي تنقسم إلى لفظية، وغير لفظية. وغير اللفظية: قد تكون
стр. 875
وضعيةً: كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط، وقد تكون عقلية: كدلالة الأثر على المؤثِّر وبالعكس (١)، مثل: دلالة الدخان على النار (٢) وبالعكس. وليس الكلام إلا في اللفظية، وللاحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله: "دلالة اللفظ" (٣) ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
عقلية: كدلالة الصوت على حياة صاحبه.
وطبيعية: كدلالة أُحْ أُحْ على وجع الصدر.
ووضعية: وهي المرادة هنا. فلو أن المصنف قال: (دلالة اللفظ الوضعية - لكان أحسن. على أن الإمام قال: "الوضعية (٤): هي) (٥) دلالة على (٦) المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وُضع للمسمى انتقل الذهن من المُسَمَّى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلًا فيه فهو
стр. 876
التضمن، أو خارجًا فهو الالتزام" (١). وهذا واضح لا إشكال فيه.
وقال بعضهم: دلالة التضمن لفظية أيضًا، وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أنَّ الجزء مفهوم من اللفظ ومُتَلَقَّى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك، وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل (٢)، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم، وإنْ كان لأجل دخول الجزء في المسمَّى وخروج اللازم عنه - فهو تحكم محض (٣).
ثم هذه الدلالة عبارة عن: كون اللفظ بحيث إذا أُطلق فَهِم منه المعنى مَنْ كان عالمًا بالوضع.
وإنما قلنا: إنها عبارة عن: كون اللفظ بحيث (٤) إذا أُطلق فَهِم منه، ولم
стр. 877
نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا (١)(٢)؛ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها: (موجِبِيَّة تَخَيُّلِ) (٣) اللفظ لفَهْم (٤) المعنى (٥)؛ ولهذا يصح تعليل فَهْمِ المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، وإذا كانت الدلالة غير فَهْم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به.
إذا عرفت ذلك فنقول: الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أوْ لا:
والأول: المطابقة، كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف
стр. 878
والجدار والأسْ.
والثاني: إما أن يكون على جُزْء مسماه أوْ لا:
والأول: دلالة التضمن، كدلالة البيت على الجدار فقط.
والثاني: أن يكون خارجًا عن مسماه، وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.
واعلم أن ذلك إنما يُتصور في اللازم الذهني: وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ. سواء كان لازمًا في الخارج أيضًا، كالسرير والارتفاع من الأرض؛ إذِ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع ومهما تُصُوِّر في الذهن فهو مرتفع. أم لم يكن لازمًا في الخارج، كالسواد إذا أُخذ بقيدِ كونه ضدًا للبياض؛ فإنَّ تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض، فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج، بل متنافيين (١)، ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان؛ فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة، وقد يتصور السرير، ويُذهل عن إمكانه (٢).
стр. 879
وإذا عرفت هذا علمتَ أن قوله: "وعلى لازمه الذهني " غير مستقيم؛ لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم (١) الخارجي وهو باطل (٢). وبهذا التقسيم تَعْرف حدَّ (٣) كل واحد منها.
تنبيهات:
الأول (٤): قال الإمام: "هذا اللزوم (٥) شرط لا سبب" (٦) وقرر القرافي هذا (٧): بأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ لذاته.
стр. 880
فاحتَرز بالقيد الأول من المانع (١)، وبالثاني من السبب، وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود، ولكن ليس (٢) لذات الشرط بل لوجود السبب.
والسبب: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم؛ لذاته.
فالقيد الأول احتراز عن الشرط، والثاني عن المانع، والثالث عن مقارنة وجودِه فقدانَ الشرط فلا يلزم الوجود، أو مقارنةِ عدمِه إخلافَ سبب آخر فلا يلزم العدم، وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج.
والمانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم؛ لذاته.
فالقيد الأول احتراز من السبب، والثاني من الشرط، والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب (٣) فيلزم العدم، لكن لا لذاته بل لعدم السبب.
وإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم (٤)؛ لأن اللفظ إذا أفاد معنى غيرَ مستلزِم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل، فيكون إفادته مضافةً لذلك المنفصل لا للفظ؛ فلا يكون