← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

التضمن، أو خارجًا فهو الالتزام" (١). وهذا واضح لا إشكال فيه. وقال بعضهم: دلالة التضمن لفظية أيضًا، وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أنَّ الجزء مفهوم من اللفظ ومُتَلَقَّى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك، وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل (٢)، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم، وإنْ كان لأجل دخول الجزء في المسمَّى وخروج اللازم عنه - فهو تحكم محض (٣). ثم هذه الدلالة عبارة عن: كون اللفظ بحيث إذا أُطلق فَهِم منه المعنى مَنْ كان عالمًا بالوضع. وإنما قلنا: إنها عبارة عن: كون اللفظ بحيث (٤) إذا أُطلق فَهِم منه، ولم

стр. 877

نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا (١) (٢)؛ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها: (موجِبِيَّة تَخَيُّلِ) (٣) اللفظ لفَهْم (٤) المعنى (٥)؛ ولهذا يصح تعليل فَهْمِ المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، وإذا كانت الدلالة غير فَهْم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به. إذا عرفت ذلك فنقول: الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أوْ لا: والأول: المطابقة، كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف

стр. 878

والجدار والأسْ. والثاني: إما أن يكون على جُزْء مسماه أوْ لا: والأول: دلالة التضمن، كدلالة البيت على الجدار فقط. والثاني: أن يكون خارجًا عن مسماه، وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة. واعلم أن ذلك إنما يُتصور في اللازم الذهني: وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ. سواء كان لازمًا في الخارج أيضًا، كالسرير والارتفاع من الأرض؛ إذِ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع ومهما تُصُوِّر في الذهن فهو مرتفع. أم لم يكن لازمًا في الخارج، كالسواد إذا أُخذ بقيدِ كونه ضدًا للبياض؛ فإنَّ تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض، فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج، بل متنافيين (١)، ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان؛ فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة، وقد يتصور السرير، ويُذهل عن إمكانه (٢).

стр. 879

وإذا عرفت هذا علمتَ أن قوله: "وعلى لازمه الذهني " غير مستقيم؛ لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم (١) الخارجي وهو باطل (٢). وبهذا التقسيم تَعْرف حدَّ (٣) كل واحد منها. تنبيهات: الأول (٤): قال الإمام: "هذا اللزوم (٥) شرط لا سبب" (٦) وقرر القرافي هذا (٧): بأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ لذاته.

стр. 880

فاحتَرز بالقيد الأول من المانع (١)، وبالثاني من السبب، وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود، ولكن ليس (٢) لذات الشرط بل لوجود السبب. والسبب: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم؛ لذاته. فالقيد الأول احتراز عن الشرط، والثاني عن المانع، والثالث عن مقارنة وجودِه فقدانَ الشرط فلا يلزم الوجود، أو مقارنةِ عدمِه إخلافَ سبب آخر فلا يلزم العدم، وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج. والمانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم؛ لذاته. فالقيد الأول احتراز من السبب، والثاني من الشرط، والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب (٣) فيلزم العدم، لكن لا لذاته بل لعدم السبب. وإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم (٤)؛ لأن اللفظ إذا أفاد معنى غيرَ مستلزِم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل، فيكون إفادته مضافةً لذلك المنفصل لا للفظ؛ فلا يكون

стр. 881

فهمُه دلالةً للفظ بل أثرًا للمنفصل (١). ولا (٢) يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق (٣)؛ فإن الملازمة في نفس الأمر، والفهمُ معدومٌ من اللفظ؛ إذ اللفظ معدوم، فهي حينئذٍ شرط والإطلاق هو السبب. فإن قلت: هذا التقرير بعينه يتقرر في اللفظ، فإنه يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود الدلالة إذا فُقِدت الملازمة، فيمكن أن يقال: الإطلاق شرط، والملازمة سبب (٤) فلِمَ لا عكستم أو سَوَّيتم؟ . قلت: الإطلاق قد يستقل بالدلالة في المطابقة والتضمن فيثبت له السببية والملازمة لم تستقل في صورة فيترجع (٥) الإطلاق على

стр. 882

الملازمة الذهنية؛ لوجوده في الصورتين (١) (٢). الثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشاتٌ مِنْ وجوه: منها: أن قوله: "تمام" ليس بجيد؛ لأنه إن لم يحترز به عن شيء فهو زيادة بلا معنى، وإن احترز به عن جزء المُسَمَّى فليس جزء المسمى نفسَ المسمى. وكذا فعل ابن الحاجب حيث قال: "كمال مُسَمَّاه" (٣)، وكان ينبغي أن يقولا: على مسماه. ومنها: أن اللفظ جنسٌ بعيد؛ لدخول المستعمل والمهمل فيه، وهو مُجْتَنَب في الحدود (٤)، فكان ينبغي أن يقول: دلالة القول، كما فعله (٥)

стр. 883

شيخنا أبو حيان في مختصراته في تعريف الكلمة، معترِضًا على مَنْ ذكر اللفظ (١) بما قلناه. ومنها: كان ينبغي أن يقول في المطابقة: من حيث هو تمامه، وفي التضمن: من حيث هو جزؤه، وفي الالتزام: من حيث هو لازمه؛ ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، مثل: وضْعِ الممكنِ للعامِّ والخاص (٢)؛ فإنه يصير به للفظِ المُسَمَّى على جزئه دلالتان: دلالةُ تضمن

стр. 884

باعتبار الوضع الأول، ومطابقة باعتبار الثاني (١)، (فقد يدل على بعض) (٢) (المسمى دلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني) (٣)، (فلا بد وأن) (٤) يقول: من حيث هو كذلك (٥)؛ وليحترز به أيضًا عن

стр. 885

المشترك بين اللازم والملزوم، كالشمس بين القرص والضوء المستفاد منه (١). وهكذا فعل صاحب "التحصيل" (٢). وأما الإمام فلم يقيِّد دلالة المطابقة وقيَّد الباقيتين (٣)، قال القرافي: "وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدمه، وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية، والجزئية، واللازمية". قال: "فيقال له: إن كانت هذه القرائن كافية فيلزم الاستغناء عن هذه القيود في الدلالات الثلاثة (٤)، وإلا فيلزم الاحتياج في الثلاث، فما وجه تخصيص التضمن والالتزام؟ فإنا نقول في المطابقة: كما يمكن وضع العشرة للخمسة يمكن وضعها للخمسة عشر أيضًا (٥)، فيصير لها على العشرة دلالتان:

стр. 886

مطابقة باعتبار الوضع الأول وتضمن باعتبار الثاني" (١). الثالث: جميع ما تقدم في دلالة اللفظ، أما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهي (٢) الحقيقة، أو غير موضوعه لعلاقة وهو المجاز. والباء في قولنا: الدلالة باللفظ، للسببية والاستعانة؛ لأن اللافظ يدلنا على ما في نفسه بإطلاقه اللفظ، فإطلاق اللفظ آلة للدلالة، كالقلم للكتابة، والقَدُوم للنجارة. والفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ مِنْ وجوه: أحدها: المحل: فمحل دلالة اللفظ القلب، ومحل الدلالة باللفظ اللسان (٣). وثانيها: من جهة الوجود: فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ (٤)، (وقد توجد الدلالة باللفظ) (٥) ولا توجد دلالة اللفظ في الألفاظ المجملة والأعجمية (٦).

стр. 887

وثالثها: من جهة الأنواع: فلدلالة (١) اللفظ ثلاثة أنواع: المطابقة، والتضمن، والالتزام. (وللدلالة) (٢) باللفظ نوعان: الحقيقة والمجاز. ورابعها: (من جهة) (٣) السببية: فالدلالة باللفظ سبب، ودلالة اللفظ مُسَبَّب عنها (٤). وخامسها: من جهة الموصوف: فدلالة اللفظ صفة للسامع، وباللفظ صفة للمتكلم (٥) (٦). قال: (واللفظ: إنْ دل جزؤه على جزء المعنى - فمركب، وإلا فمفرد).

стр. 888

هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار التركيب والإفراد، وذلك لأنه إنْ دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه - فهو المركب: سواء كان (١) تركيب إسناد، مثل: قام زيد، وزيد قائم. أم (٢) تركيب مزج، مثل: خمسة عشر. أم تركيب إضافة، مثل: غلام زيد. وقد أورد بعض الفضلاء على هذا: حيوانٌ ناطق، إذا جُعِل عَلَمًا لإنسان، فإنه مفرد مع أنَّ جزءه يدل على جزء معناه (٣). فمنهم مَنْ قَبِل هذا الإيراد (٤)، وقال: الصواب أن يزاد في الرسم

стр. 889

المذكور: حين هو جزء (١). ومنهم مَنْ ردَّه، وقال: دلالة اللفظ على المعنى متعلِّقة بإرادة اللافظ، فما يتلفظ به ويراد به معنى ما، ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال: إنه دال عليه، وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به (٢) إرادة اللافظ لا يقال له (٣) إنه دال عليه، وإنْ كان (٤) ذلك اللفظ أو جزء منه بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى، وحينئذ لا يَرِد "الحيوان الناطق" نقضًا لأن المتلفظ به حال كونه عَلَمًا لا يقصد شيئًا من جُزْئَيْه بقيدِ الوَحْدة، وإنما يقصد بمجموع اللفظين الشخص المسمى به، فلا فرق حينئذ بينه وبين عبد الله العَلَم في ذلك (٥).

стр. 890

قوله: "وإلا فمفرد" أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد. فإن قلت: الزاي مثلًا من زيد (لا تدل) (١) على جزء المعنى فوجب أن لا يكون "زيد قائم" مركبًا (٢). قلت: أجاب الجاربردي شارح الكتاب: "بأن "جزأه" (٣) لا يفيد العموم، فلا يجب أن يدل كل جُزْءٍ من أجزائه على جُزء من أجزاء المعنى" (٤). وهو ضعيف؛ لأن جُزأه مفرد مضاف، والمختار في ذلك إفادة العموم، بل الحق أن المراد بجزئه: ما صار به اللفظ مركبًا، كزيد وَحْده، وقائم وَحْده (٥).

стр. 891

فإن قلت: الزاي مثلًا جزء الجزء، وجزء الجزء جزءٌ. قلت: صحيح، ولكن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل (١) الذي ليس هو جزء الجزء، والأمر في مثل هذا قريب. قال: (والمفرد: إما أن لا يستقل بمعناه وهو الحرف، أو يستقل (٢) وهو الفعل إنْ دلَّ بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، وإلا فاسم). بدأ بعد تقسيم اللفظ إلى المفرد والمركب بأقسام المفرد، لتقدمه على المركب بالطبع. وتقسيم المفرد يقع من وجوه: منها ما هو باعتبار أنواعه، وهو تقسيمه إلى: الاسم، والفعل، والحرف. ووجه انحصاره في هذه الثلاثة: أن اللفظ المفرد: إما أن لا يستقل بالمفهومية - فهو الحرف. أو يستقل: فإما أن يدل بهيئته - أي: بحالته التصريفية - على أحد الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحال، والاستقبال - فهو الفعل، أو لا يدل فهو الاسم، سواء لم يدل على زمان أصلًا كالسماء والأرض وزيد، أو دلَّ لكن لا بهيئته بل بذاته كالصَّبُوح (٣) والغَبُوقِ (٤) وأمسِ والآنَ

стр. 892

والمستقبلِ. قال: (كلي إن اشترك معناه، ومُتَواطِئ إن استوى، ومشكِّك إنْ تفاوت. جنس إنْ دل على ذاتٍ غير (١) معينة كالفرس، ومشتق إنْ دلّ على ذي صفة معينة كالفارس). هذا تقسيم للاسم (٢) فنقول: هو إما كلي، وإما (٣) جزئي؛ وذلك لأنه إما أن لا يمنع نفس تصوره من اشتراكِ كثيرينَ فيه، أو يمنع. والأول (٤) الكلي، وهو تارة يقع فيه الشركة كالحيوان، وتارة لا يقع إما مع الإمكان كالشمس، أو مع الاستحالة كالإله. وبهذا يُعْلم أن قول المصنف: "إن اشترك معناه" ليس بجيد، وأنه كان الأحسن أن يقول: إن (٥) قَبِل معناه الشركة (٦). ثم الكلي يمكن تقسيمه مِنْ وجهين:

стр. 893

أحدهما: وإليه أشار بقوله: "ومتواطئ" (١) إلى قوله: "تفاوت"، أن الكلي إما متواطئ أو مشكِّك؛ لأنه إنْ كان حصول معناه في أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان؛ إذ كل فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الإنسانية - فهو المتواطئ. وإن لم يكن على السوية بل كان في بعض أفراده أقدم أو أولى أو أشد - فهو المشكِّك، وسُمِّي بذلك؛ لكونه يشكِّك الناظرَ هل هو متواطئ لوَحْدة الحقيقة فيه، أو مُشْتَرك لما بينهما من الاختلاف، وذلك كالبياض الذي هو في الثلج أشَدُّ منه في العاج (٢)، وكالوجود فإن معناه واحد في أشياء كثيرة مع اختلافه في تلك الأشياء؛ فإنَّ وجود الجوهر (٣) أقدمُ من وجود

стр. 894

العَرَض (١)، والموجود بالذات أولى من الموجود بالغير، والوجود القارُّ أقوى (وأشد من غير القار كالحركة (٢) مثلًا، وتجتمع هذه الأنواع من الاختلاف) (٣) بالنسبة إلى الخالق والمخلوق. فإن قلت: الأبيض (مثلًا إذا أُطلق) (٤) على الثلج فإما أن يكون استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة (٥)، أوْ لا؟ فإن لم يكن فهو المتواطئ (٦)، وإنْ كان فهو المشترك (٧)، فإذن لا حقيقة لهذا القسم المسمى

стр. 895

بالمشكِّك. قلت: كذا أورده ابن التِّلِمْساني (١) (٢)، ونحن نقول: المتواطئ: أن يَضَع الواضع للقدر المشترك بقيدِ عدمِ الاختلاف في المَحَالِّ (٣) مع اختلاف المحالِّ في أمور من غير جنس المسمَّى، كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة (٤)، وهذا (٥) معنى قولهم: المتواطئ ما استوى محاله (٦). والمشكِّك: أنْ يَضَع (٧) للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى، كأجزاء النور في الشمس (٨)، واستحالة التغير في الواجب،

стр. 896

فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك، وافترقا بقَيْدَيْهِما (١). الوجه الثاني: الكلي: إما جنس أي: اسم جنس (٢)، أو مشتق؛ لأنه إما أن يدل على الماهية وهو اسم الجنس كالإنسان والفرس، أو على موصوفية الماهية بصفة دون خصوصية الماهية وهو المشتق، فإنه لا يدل على خصوصية الماهية بل على اتصافها بالمصدر، كالأسْود مثلًا فإنه يدل على ذاتٍ متصفة (بالسواد، وأما على جسمية الذات (٣) فلا. هذا تقرير ما ذكر. وقوله في اسم الجنس) (٤): "إنه ما يدل على ذات غير (٥) معينة كالفرس" منتقضٌ بعلم الجنس فإنه دال على ذات غير معينة، فإنك تقول: رأيت ثُعالة، أي: ثعلبًا، مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس يُعامل في اللفظ معاملة الأعلام (٦). فإن قلت: وما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، مع أن كلًا منهما يصدق على ما لا يتناهى ومسماه كلي؟

стр. 897

قلت: المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس: هو الذي يُقصد به تمييز الجنس عن غيره من غير نظر إلى أفراده (١). واسم الجنس: ما يُقْصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده (٢). حتى إذا أدخلت (٣) عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى عَلَم الجنس، (كذا ذكره والدي أحسن الله إليه في الفرق بينهما (٤). قال (٥): ويستنج منه أن علم الجنس) (٦) لا يُثنَّى ولا يجمع؛ لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد (٧). (فائدة): اعلم أنا إذا قلنا على الإنسان حيوان، وأنه كلي فها هنا (٨) اعتبارات ثلاثة:

стр. 898

أحدها: أن يراد به الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسانُ غيرَه، وهذا يقال له: الكلي الطبيعي (١). وتارةً يُراد به أنه غيرُ مانع من الشركة، وهذا هو الكلي المنطقي (٢). وتارة يراد به الأمران، أعني: الحيوانية التي وقعت بها الشركة، مع كونها غير مانعة، وهذا هو الكلي العقلي. فلأول: موجود في الخارج؛ لأنه جزء من الإنسان الموجود، وجزءُ الموجود موجود. والثاني: لا وجود له في الخارج؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. ومنهم من زعم أنه موجود في الخارج. والثالث: في وجوده في الخارج أيضًا اختلاف، والظاهر (٣) أنه لا

стр. 899

وجود له أيضًا؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان، وأن الإنسان الكلي (١) موجود في الخارج (٢). قال: (جزئي إن لم يشترك). هذا مقابل لقوله: "كلي" أي: الذي لا يشترك في معناه كثيرون هو الجزئي. وإنْ شئت قلت: الجزئي: ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. كزيدٍ العَلَم مثلًا. قال: (عَلَم إن استقل، ومُضْمَرٌ إن لم يستقل). الجزئي إما عَلَم أو مضمر؛ لأنه إما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد، وإما أن لا يستقل في ذلك بل يحتاج إلى قرينةِ تَكَلُّمٍ أو خطابٍ أو غَيْبةٍ فهو المضمر، كأنا وأنت وهو (٣). هذا شرح ما أورده، وفيه مناقشات من وجوه: أحدها: أن هذا التقسيم كله في الاسم، وقد قَدَّم أن الاسم: هو الذي يستقل، فكيف يقسِّم (٤) ما يستقل إلى ما لا يستقل! (٥).

стр. 900

الثاني: أن عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وغيرها، وليست مضمرات. والثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أوَّلًا رَسْمًا للحرف، فإنْ أراد بالاستقلال ذلك (١) فالاعتراض لائح، وإنْ أراد غيره فليبينه (٢). الرابع: أنه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس، ومشتقٍّ - ذِكْرَ عَلَمِ الجنس كما عرفت. الخامس: أنه جعل المضمر من أقسام الجزئي (٣)، ولقائل أن يقول: وَحْدة المضمر بالنوع لا بالشخص (٤)، فإنَّ أنتَ مثلًا معناه: (المخاطب، المذكر، المفرد) (٥)، من غير تعيين، فيصح إطلاقه على مَنْ كان كذلك. والناس مختلفون في أنَّ (٦) المضمر جزئي أو كلي، وحجة المصنف ومَنْ

стр. 901

جعله جزئيًا أن الكلي نكرة، والمضمرات أعرف المعارف (١) (٢). قال: (تقسيم آخر: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المنفرد (٣)، أو يتكثرا وهي المتباينة (٤)، تفاصلت معانيها كالسواد والبياض، أو تواصلت كالسيف والصارم، والناطق والفصيح. أو تكثر اللفظ واتحد المعنى (وهي المترادفة، أو بالعكس) (٥): فإنْ وُضع للكل كالعين (٦) فمشترك، وإلا فإن نُقِل لِعَلاقة واشتهر في الثاني - سمي بالنسبة إلى

стр. 902

الأول منقولًا عنه، وإلى الثاني منقولًا إليه، وإلا فحقيقة ومجاز). هذا تقسيم ثاني للفظ المفرد، وهو باعتبار وَحْدته وَوَحْدةِ مدلولِهِ، وتعددهما. وينقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام؛ وذلك لأنك إذا نسبت اللفظ إلى المعنى فإما أن يتحدا، أو يتكثَّرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو بالعكس. فأما الأول: وهو أن يتحدا. ومثاله: لفظة "الله" فإنها واحدة ومدلولها واحد، ويسمى هذا بالمنفرد (١)؛ لانفراد لفظه بمعناه، وهو ينقسم إلى: كلي، وجزئي، على ما مر في التقسيم السابق. وأما الثاني: وهو أن يتكثَّر اللفظ والمعنى - فهي الألفاظ المتباينة، كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة، الموضوعة لمعانٍ مختلفةٍ، وحينئذ إما أن يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض، أو لا يمتنع بأن يكون بعضها اسمًا للذات، وبعضها اسمًا للذات إذا اتصفت بصفة خاصة، كالسيف والصارم فإن السيف اسم للذات، والصارمَ للسيف القاطع (٢) كما قاله الجوهري في "الصِّحاح" (٣) وغيرِه، وقد يجتمعان في سيف واحد (٤). أو يكون بعضها اسمًا للصفة، وبعضها اسمًا لصفة الصفة؛ كالناطق بالفعل (٥) والفصيح، فإن الناطق بالفعل صفة للإنسان وقد لا يكون

стр. 903

فصيحًا (١). فالأُولى التي لا يمكن اجتماعها هي المسماة بالمتباينة (المتفاصلة؛ لتفاصل معانيها بالذات. والثانية التي لا يمتنع اجتماعها هي المسماة بالمتباينة) (٢) المتواصلة؛ لتواصل معانيها. وقد بيّنّا أنها على نوعين. وأما القسم الثالث: وهو أن يكون اللفظ كثيرًا، والمعنى واحدًا - فهى الألفاظ المترادفة، كالإنسان والبشر لواحدٍ سواء كانت من (لغة واحدة، أو من لغات مختلفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل) (٣) الترادف. وأما الرابع: وهو أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا - فلا يخلو إما أن يكون قد وُضع للكل، أي: لكل واحد من تلك المعاني أوْ لا. والأول المشترك كالعَيْن لمدلولاتها المتعددة (٤). والثاني: وهو أن لا يوضع لكل واحد؛ بل لمعنى، ثم يُنقل إلى غيره، فإما أن يُنقل لعلاقة أوْ لا: فإن لم ينقل لعلاقة وقد أهمله المصنف فهو المرتجل. كذا قاله الإمام (٥). قال القرافي: "وفيه نظر؛ لأن المرتجل في

стр. 904

الاصطلاح: هو اللفظ المخترع الذي لم يتقدم له وضع" (١). وإن نُقِل لعلاقة: فإما أن يشتهر في الثاني أوْ لا: فإن اشْتَهَر في الثاني كالصلاة سُمِّي بالنسبة إلى المعنى الأول منقولًا عنه، وبالنسبة إلى المعنى الثاني منقولًا إليه، إما شرعيًا، أو عرفيًا عامًا، أو خاصًا، بحسب اختلاف الناقلين، كما سيتبين (٢) لك إن شاء الله تعالى في حَدِّ المجاز. وإنْ لم يشتهر في الثاني كالأسد، فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول، أعني: الحيوان المفترس، مجازٌ بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع. هذا تقرير ما في الكتاب. والنظر فيه من وجوه: منها: اشتراطه المناسبة في المنقول، وهو غير شَرْطٍ؛ ألا ترى أن كثيرًا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقولة (٣) عنها، كالجوهر إذ هو في اللغة: الشيء النفيس (٤)؛ وفي اصطلاحِ المتكلمين: قَسيم العرض (٥). وأما

стр. 905

قول الأصفهاني: إنَّ قيامه بنفسه نفاسةٌ - فهو إن صَحَّ ودفع صحة التمثيل بالجوهر - لا يدفع أصل الدعوى (١). ومنها: أن كلامه يقتضي (٢) أن المجاز لا يَشْتَهِر، وهو مردود بل ربَّ مجازٍ أشهرَ من الحقيقة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح. ومنها: أن كلامه ناطق بأن المجاز غير (٣) موضوع، وسوف

стр. 906

يأتي (١) ما يخالفه إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه يقتضي أن المجاز يوضع لا لِعَلاقة (٢)؛ إذ قال: "وإلا فحقيقة ومجاز" أي: وإن لم يوضع لعلاقة فحقيقة ومجاز، وليس كذلك؛ إذ لا بد من العلاقة في المجاز. ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن قوله: "لعلاقة" إنما ذكره لتحقيق معنى النقل لا لتنويعه، أي: لا يتحقق النقل ولا يعتبر إلا بالعلاقة (٣)، لكن يَتَعَيَّن على هذا أن يكون قوله: "وإلا فحقيقة ومجاز" معطوفًا على قوله: "واشتهر"، أي: وإن لم يشتهر فمجاز (٤)، ويجيء (٥) الإيراد الثاني. قال: (وأما الثلاثة الأول المتحدة المعنى فنصوص. وأما الباقية: فالمتساوي الدلالة مجمل، والراجح ظاهر، والمرجوح مؤول). الثلاثة الأول: المتحدة اللفظ والمعنى، والمتكثرة اللفظ والمعنى، والمتكثرة اللفظ دون المعنى - نصوص؛ لأن لكلِ لفظٍ منها فردَ

стр. 907

مَعْنى (١) لا يحتمل غيرَه، وهذا هو المَعْنِيُّ بالنص، سُمِّي به لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة، مِنْ قولهم: نَصَّتِ الظبية جِيدها، إذا رَفَعَتْ، ومنه مِنَصَّة العروس (٢) وقد يطلق النص على ما يدل على معنى قطعًا ويحتمل غيره، كصيغ العموم في الجموع (٣)؛ فإنه لا بد لها من ثلاثة (٤) ويحتمل الزيادة. وقد جمع الشيخ تقي الدين [ص ١/ ١٧٢] ابن دقيق العيد ﵁ في "شرح العنوان" الاصطلاحات في النص فقال: هي ثلاث: أحدها: أن لا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا (٥).

стр. 908

الثاني: اصطلاح الفقهاء: وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور. قلت: وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس (١) كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى. الثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرًا من متأخريهم يريدون بالنص: مجرد لفظ الكتاب والسنة. وقد احترز في الكتاب بقوله: "المتحدة المعنى" عن العين، والقرء، فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص (٢)؛ لأن كل لفظ منها مشترك بين مَعان. وكذلك الألفاظ المترادفة (٣) قد تكون مشتركة كلفظة العين والناظر (٤).

стр. 909

قوله: "وأما الباقية" أي: متحدة اللفظ متكثرة المعنى. وإنما قال: "الباقية" وأراد القسم الرابع؛ لأن تحته أقسامًا عدة: كالمشترك، والمنقول عنه وإليه، والحقيقة والمجاز. وحاصل هذا أن هذا القسم إما أن تكون دلالته على كل واحد من المعاني على السوية - فهو المجمل، أوْ لا: فإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح فالطرف الراجع ظاهر، والمرجوح مُؤوَّل؛ لانه يَؤُول إلى الظهور عند مساعدةِ الدليل له. قال: (والمشترك بين النصِّ والظاهرِ المحكم، وبين المجمل والُمؤَوَّل المتشابه). لا شك في اشتراك النص والظاهر في رجحان الإفادة، وإنما النص راجح لا يحتمل غيره. والظاهر راجح يحتمل غيره (١). والقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم؛ لإحكام عبارته وإتقانه، فالمحكم جنس لنوعين: النص، والظاهر. ومقابلهما المجمل والمُؤَوَّل، فإنهما اشتركا في أن كلًا منهما يفيد معناه إفادةً غيرَ راجحةٍ إلا أن المؤول مرجوح، والمجمل ليس مرجوحًا بل مساويًا، والقدر (٢) المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى (٣) بالمتشابه. فالمتشابه جنس لنوعين: المجمل، والمؤول. وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٤).

стр. 910

قال: (تقسيم آخر: مدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ: مفرد، أو مركب. مستعمل، أو مهمل، نحو: الفرس، والكلمة، وأسماءِ الحروف، والخبر، والهذيان). اللفظ المفرد باعتبار حقيقة مدلولِه ينقسم إلى خمسة أقسام؛ لأن مدلوله إما: معنى، أو لفظ. والأول: قد تقدم الكلام فيه من كونه كليًا أو جزئيًا. والثاني: إما أن يكون اللفظ الذي هو مدلوله (١) مفردًا، أو مركبًا، وكلٌ منهما إما أن يكون مهملًا، أو مستعملًا. الأول (٢): كالفرس (٣)، فإنه لفظٌ مدلولُه معنى. والثاني: نحو الكلمة، فإنها لفظ مدلوله: لفظٌ، مفردٌ، مستعمل. وهو الاسم، والفعل، والحرف. وقد عرفت في التقسيم السابق وجه (٤) انحصار انقسام (٥) الكلمة في: الاسم، والفعل، والحرف. وأجمعت (٦) النحاة على

стр. 911

انحصارها في ذلك. قال شيخنا أبو حيان ﵀: وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر (١) أنه كان يذهب إلى أن ثمَّ رابعًا وهو الذي نسميه نحن: اسم فعل، وكان يسميه: خالفة؛ إذ ليس هو عنده واحدًا من هذه الثلاثة (٢). والثالث: كأسماء حروف التهجي، فذلك مدلوله: لفظٌ، مفردٌ، مهملٌ. ألا ترى أن حروف جَلَس لم تُوضع لمعنى، مع أن كلًا منها قد وُضع له اسم: فللأول الجيم، وللثاني (٣) اللام، وللثالث (٤) السين. فإن قلت: فيكون قول الأستاذ لتلميذه: قل: أب ت - عبثًا؛ إذ لا معنى لهذه الألفاظ؟ قلت: لما كانت آلةً يُتوصل باجتماعها على الترتيبِ المعتبرِ إلى الكلام المفيد - لم يكن تعليمها عبثًا. والرابع: كلفظ الخبر، فإنَّ مدلوله: لفظٌ، مركبٌ، مستعملٌ. نحو: قام زيد.

стр. 912

والخامس: أن يكون المدلول لفظًا، مركبًا، مهملًا. قال الإمام: "والأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يُصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة لا تركيب" (١). قال صفي الدين الهندي: "وهذا حق إن عُنِي بالمركب ما يكون جزؤه دالًا على جزء المعنى حين هو جزؤه (٢). وإن عُنِي به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، أو ما (٣) يكون مؤتلفًا من لفظين (٤) كيف كان التأليف، وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة - فهو باطل. أما الأول (٥): فمثل "عبد الله" إذا كان عَلَمًا فإن اسم العلم يدل عليه، وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دالٍ على المعنى المركب. وأما الثاني: فكلفظ (٦) "الهذيان" فإنه يدل على المركب من مُهْملتين، أو من لفظة مهملة ومستعملة، وهو غير دال على المعنى

стр. 913

المركب. هذا إن أراد بعدم دلالته على معنى المعنى المركب، أما إنْ أراد أنه لا يدل على معنى أصلًا وأراد باللفظ المركب المعنى الثاني (١) فينتقض بالثاني دون الأول" (٢) انتهى. والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام (٣) ومثَّل بالهذيان كما قررناه، فإنه لفظ موضوعٌ للمهمل المركب كما عرفت (٤) (٥). قال: (والمركب صِيغَ للإفهام). شرع في تقسيم المركب، ولا رَيْبَ فيما ذكره من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات؛ ليُفْهِم ما في ضميره. قال: (فإنْ أفاد بالذات طلبًا فالطلب للماهية استفهام، وللتحصيل مع الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال. وإلا فمحتَمِلُ التصديقِ والتكذيب خبرٌ، وغيره تنبيه، ويندرج فيه: الترجي،

стр. 914

والتمني، والقَسَم، والنداء). المركب تارةً يفيدَ طلبًا بالذات أي: بالوضع. وإنْ شئتَ قلتَ: إفادةً أولية (١). وطورًا يفيد غير ذلك. فإن أفاد طلبًا بذاته: فإنْ كان الطلب لماهيةٍ في الذهن - وأحسن من هذه العبارة أن تقول (٢): بطلب (٣) ذِكْرِ ماهية الشيء - فهو الاستفهام (٤)، كقولك: ما هذا؟ ومَنْ هذا؟ وإنْ كان لتحصيل أمرٍ ما من الأمور: فإن كان مع الاستعلاء فأمر، كقول المتعاظم المستعلي لآخر: افعل كذا. سواء أكان (٥) مع الاستعلاء عاليًا في نفس الأمر، أم (٦) لم يكن. وإن كان مع التساوي، كقول القائل لمماثله: افعل كذا - فهو التماس، وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص، كما قال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان". وإنْ كان مع التسفل، كقول مَنْ يجعل نفسه دون المطلوب منه - فهو

стр. 915

سؤال، سواء أكان (١) دونه في نفس الأمر كقول الداعي: رب اغفر لي. أم (٢) لم يكن. وإن لم يفد بالذات طلبًا: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أوْ لا. القسم الأول: أن يحتملهما فهو الخبر، وزعم قوم (٣) أن تعبير المصنف ومَنْ وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره: الصدق والكذب؛ لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق، وما لا يحتمل إلا الكذب كقول مَنْ قال: الواحد نصف العشرة، مع احتمال تصديق ذي المكابرة. وقولنا: الواحد نصف الاثنين، ويحتمل التكذيب من الكافر والمعاند (٤). وهذا عندي غير مرضي؛ فإن الحكم على الخبر من حيث هو؛ والخبر من حيث هو خبرٌ محتملٌ لذلك (٥)، وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصيةٍ ومزيةٍ لا يُخرج احتمالَ ماهيةِ الخبر من حيث هي لمحتَمِلاتها (٦). ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن: الإخبار بكون الكلام
следующие страницы →