← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

انحصارها في ذلك. قال شيخنا أبو حيان ﵀: وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر (١) أنه كان يذهب إلى أن ثمَّ رابعًا وهو الذي نسميه نحن: اسم فعل، وكان يسميه: خالفة؛ إذ ليس هو عنده واحدًا من هذه الثلاثة (٢). والثالث: كأسماء حروف التهجي، فذلك مدلوله: لفظٌ، مفردٌ، مهملٌ. ألا ترى أن حروف جَلَس لم تُوضع لمعنى، مع أن كلًا منها قد وُضع له اسم: فللأول الجيم، وللثاني (٣) اللام، وللثالث (٤) السين. فإن قلت: فيكون قول الأستاذ لتلميذه: قل: أب ت - عبثًا؛ إذ لا معنى لهذه الألفاظ؟ قلت: لما كانت آلةً يُتوصل باجتماعها على الترتيبِ المعتبرِ إلى الكلام المفيد - لم يكن تعليمها عبثًا. والرابع: كلفظ الخبر، فإنَّ مدلوله: لفظٌ، مركبٌ، مستعملٌ. نحو: قام زيد.

стр. 912

والخامس: أن يكون المدلول لفظًا، مركبًا، مهملًا. قال الإمام: "والأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يُصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة لا تركيب" (١). قال صفي الدين الهندي: "وهذا حق إن عُنِي بالمركب ما يكون جزؤه دالًا على جزء المعنى حين هو جزؤه (٢). وإن عُنِي به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، أو ما (٣) يكون مؤتلفًا من لفظين (٤) كيف كان التأليف، وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة - فهو باطل. أما الأول (٥): فمثل "عبد الله" إذا كان عَلَمًا فإن اسم العلم يدل عليه، وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دالٍ على المعنى المركب. وأما الثاني: فكلفظ (٦) "الهذيان" فإنه يدل على المركب من مُهْملتين، أو من لفظة مهملة ومستعملة، وهو غير دال على المعنى

стр. 913

المركب. هذا إن أراد بعدم دلالته على معنى المعنى المركب، أما إنْ أراد أنه لا يدل على معنى أصلًا وأراد باللفظ المركب المعنى الثاني (١) فينتقض بالثاني دون الأول" (٢) انتهى. والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام (٣) ومثَّل بالهذيان كما قررناه، فإنه لفظ موضوعٌ للمهمل المركب كما عرفت (٤) (٥). قال: (والمركب صِيغَ للإفهام). شرع في تقسيم المركب، ولا رَيْبَ فيما ذكره من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات؛ ليُفْهِم ما في ضميره. قال: (فإنْ أفاد بالذات طلبًا فالطلب للماهية استفهام، وللتحصيل مع الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال. وإلا فمحتَمِلُ التصديقِ والتكذيب خبرٌ، وغيره تنبيه، ويندرج فيه: الترجي،

стр. 914

والتمني، والقَسَم، والنداء). المركب تارةً يفيدَ طلبًا بالذات أي: بالوضع. وإنْ شئتَ قلتَ: إفادةً أولية (١). وطورًا يفيد غير ذلك. فإن أفاد طلبًا بذاته: فإنْ كان الطلب لماهيةٍ في الذهن - وأحسن من هذه العبارة أن تقول (٢): بطلب (٣) ذِكْرِ ماهية الشيء - فهو الاستفهام (٤)، كقولك: ما هذا؟ ومَنْ هذا؟ وإنْ كان لتحصيل أمرٍ ما من الأمور: فإن كان مع الاستعلاء فأمر، كقول المتعاظم المستعلي لآخر: افعل كذا. سواء أكان (٥) مع الاستعلاء عاليًا في نفس الأمر، أم (٦) لم يكن. وإن كان مع التساوي، كقول القائل لمماثله: افعل كذا - فهو التماس، وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص، كما قال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان". وإنْ كان مع التسفل، كقول مَنْ يجعل نفسه دون المطلوب منه - فهو

стр. 915

سؤال، سواء أكان (١) دونه في نفس الأمر كقول الداعي: رب اغفر لي. أم (٢) لم يكن. وإن لم يفد بالذات طلبًا: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أوْ لا. القسم الأول: أن يحتملهما فهو الخبر، وزعم قوم (٣) أن تعبير المصنف ومَنْ وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره: الصدق والكذب؛ لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق، وما لا يحتمل إلا الكذب كقول مَنْ قال: الواحد نصف العشرة، مع احتمال تصديق ذي المكابرة. وقولنا: الواحد نصف الاثنين، ويحتمل التكذيب من الكافر والمعاند (٤). وهذا عندي غير مرضي؛ فإن الحكم على الخبر من حيث هو؛ والخبر من حيث هو خبرٌ محتملٌ لذلك (٥)، وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصيةٍ ومزيةٍ لا يُخرج احتمالَ ماهيةِ الخبر من حيث هي لمحتَمِلاتها (٦). ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن: الإخبار بكون الكلام

стр. 916

صدقًا، أو كذبًا. فتعريفه به دور (١) فإن قلت: التصديق والتكذيب، والصدق والكذب، نوعان للخبر، والنوع إنما يُعْرف بعد معرفة الجنس، (فلو عُرِّف الجنس به) (٢) لزم الدور (٣). قلت: أجاب القرافي بأن الحدَّ: هو شرح ما دل اللفظُ الأول عليه بطريق الإجمال (٤)؛ لأن من سمع لفظ: إنسان (٥)، وجهل مُسَمَّاه - يقال له: هو الحيوان الناطق. فإن كان جاهلًا بالحيوان والناطق فَسَد الحد؛ لأن الحد بالمجهول لا يصح، فتعيَّن أن يكونا معلومَيْن له، ومتى كانا معلومين، فمَنْ عَلِم الحيوان والناطق فقد عرف الإنسان؛ لأنه ليس شيئًا غيرهما، فعلمنا أنه كان عارفًا بحقيقة الإنسان، وإنما كان جاهلًا بمسمى اللفظ على التفصيل، وكان يعلمها من حيث الإجمال وأنَّ لها مسمى ما. وإذا كان

стр. 917

الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال - جاز أن يكون السائل عالمًا بمدلول لفظ الصدق والكذب، وجاهلًا بمدلول لفظ (١) الخبر، فَبُيِّن له مدلول (٢) لفظ الخبر، بمدلول لفظ الصدق والكذب (٣). قال: ولا يُقال العلم بالنوع يستلزم العلمَ بالجنس لاستلزام العلم بالمركب العلمَ بالمفرد (٤)؛ لأن الجهل هنا إنما وقع في (٥) وضع لفظ الخبر للخبر لا في نفس الخبر (٦) ولا تنافي بين العلم بالخبر والجهل بوضع لفظةٍ له (٧) فإن المرء قد يَعْلم حقيقةً ولا يعلم اسمها (٨). فإن قلت: الصدق والكذب ضدان يستحيل (٩) اجتماعهما، فلا يقبل

стр. 918

مَحَلُّهما إلا أحدَهما، أما هُما معًا فلا، وإذا كان المحلُ لا يقبل إلا أحدهما كان المتعيِّن في الحد صيغة "أو" التي لأحد الشيئين دون "الواو" التي للشيئين معًا. وهذا هو الذي ارتضاه إمام الحرمين. وقال: "مَنْ قال الصدق والكذب أَوْهم اتصالَهما بخبر واحد، فإذا (١) ردَّد ونَوَّع فقال: (ما يدخله) (٢) الصدق أو الكذب - فقد تحرز" (٣). قلت: ما ذكرناه هو الصواب وذلك لأنه لا (٤) يلزم مِن تنافي المقبولين تنافي القبولين (٥)، ألا ترى أنَّ الممكن قابل للوجود والعدم، ولو وُجد أحد

стр. 919

القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك المقبول، فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود (١) لزم كون الممكن مستحيلًا، وإن كان المستحيل هو العدم لزم كون الممكن واجب الوجود، فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين، وأنْ يتنافى المقبولان فتعين (٢) الواو (٣). وإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس القبولين بالمقبولين، وأنه يلزم مِنْ اجتماع المقبولين تعذر اجتماع القبولين وليس كذلك، ولذلك (٤) نقول: كل (٥) جسم قابل لجميع الأضداد (٦)، وقبولاتها كُلُّها مجتمعة له، وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ذلك.

стр. 920

فإن قلت: لِمَ سَمَّى الأصوليون ما نُقِل عن النبي ﷺ أخبارًا ومعظمها أوامر ونواهي؟ قلت: أجاب القاضي بوجهين: أحدهما: أنَّ حاصل جميعها آيل إلى الخبر، فالمأمور به في حكم المُخْبَر عن وجوبه، وكذا القول في النواهي. والسر فيه أنه ﷺ ليس آمرًا على سبيل الاستقلال وإنما الآمر (حقًا الله تعالى) (١)، وصِيَغ الأمر من المصطفى ﵇ في حكم الإخبار عن (٢) الله تعالى. والثاني: أنها سميت أخبارًا لنقل المتوسطين (٣) وهم يخبرون عمن يروي لهم، ومَنْ عاصر النبي ﷺ كان إذا بلغه أمر (٤) لا يقول: أخبرنا رسول الله ﷺ ، (بل يقول: أمرنا) (٥)، فالمنقول - إذا استجد - اسم الخبر في المرتبة الثانية إلى حيث انتهى (٦).

стр. 921

القسم الثاني: أن (١) لا يحتمل التصديق والتكذيب فهو تنبيه. ويندرج في التنبيه لا على وجه الحصر التمني مثل: ليت الشباب يعود. والترجي، والقَسَم، والنداء، وأمثلتهن معروفة. فإن قلت: ما الفرق بين الترجي والتمني؟ قلت: الترجي لا يكون في المستحيلات، والتمني يكون في المستحيلات وفي الممكنات (٢). وأما لفظ الكتاب فقوله: "بالذات" احتراز (٣) عما يفيد الطلب باللازم، كقولك: أنا طالب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان. فإنه لا يُسمى استفهامًا. وأن (٤) تسقيني الماء. إذ لا يُسَمَّى أمرًا. وأن (٥) لا تفعل كذا (٦). فإنه لا يُسَمَّى نهيًا، بل هذه إخبارات، وكذلك (٧) الأقسام الباقية من التمني، والترجي، والقسم والنداء، كلها تفيد الطلب باللازم.

стр. 922

وعلى كلامه اعتراضات: منها: أنه اشترط في حقيقة الأمر الاستعلاء، وذلك مذهبٌ زَيَّفه في باب الأوامر. كذا أورده بعض الشراح (١)، وسنبين في كتاب الأوامر إن شاء الله وجه صحة كلامه وعدم اضطرابه. ومنها: أنه جعل التساوي قسيمًا للاستعلاء والتسفل، وإنما هو قسيم للعلو والنزول (٢)؛ لأن الاستعلاء: جَعْلُ الطالب نفسَه عاليًا، ولا يلزم من ذلك كونه عاليًا في نفس الأمر، والتسفل عكسه. ومنها: أن قوله: "وللتحصيل مع الاستعلاء أمرٌ" إنْ أراد به تحصيل الفعل الذي ليس بكف - فالتقسيم غير حاصر؛ لخروج طلب (٣) الكف بالنهي عنه (٤). وإنْ أراد تحصيل الفعل مطلقًا كفًا كان أو غيره - لزم دخول النهي في حد الأمر، وهما حقيقتان مختلفتان.

стр. 923

وقد يقول مَنْ يَنصره بدخول النهي في حقيقة الأمر، وأن مغايرتهما مغايرة العام والخاص، لا مغايرة المتباينين، بناءً على أن الأمر: هو ما يطلب به فعلٌ سواء أكان (١) الفعل كفًا أم غير كف، والنهي: ما يطلب به فعل خاص وهو الكف (٢). خاتمة: قال القرافي في "الفروق": "اعتقد جماعة من الفقهاء مِنْ قولنا في حد الخبر: إنه المحتمل للصدق والكذب - أن هذين الاحتمالين مستفادان من الخبر بالوضع اللغوي، وأن الوضع اللغوي (٣) اقتضى له ذلك". قال: "وليس كذلك، بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع إلا الصدق؛ لإجماع ذوي اللسان على أن معنى قولنا: قام زيد - حصول القيام في الزمان (٤) الماضي، ولم يقل أحد أن معناه صدورُ القيام أو عَدَمُه" (٥). ولقائل أن يقول: لا نسلم أن مدلول قولنا: قام زيد - حصولُ

стр. 924

القيام، وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام، وذلك يحتمل الصدق والكذب (١)، والله أعلم (٢).

стр. 925

الفصل الثالث: الاشتقاق

стр. 926

قال: (الفصل الثالث: في الاشتقاق . (وهو رد لفظ إلى آخر لموافقته) (١) في حروف الأصلية، ومناسبته في المعنى). الاشتقاق في اللغة: الاقتطاع (٢)، وفي الاصطلاح ما ذكره. فقوله: "رد لفظ" جنس، وقوله: "لموافقته في حروفه الأصلية" فصل احترز به عن الألفاظ المترادفة، كالإنسان والبشر؛ إذ لا اشتراك فيها (٣) في الحروف، كذا ذكره الشراح (٤). ولقائل أن يقول: الألفاظ المترادفة لم تدخل في الكلام قبل ذلك حتى تُخْرج بهذا القيد؛ فإن أحد المترادفين ليس مردودَ اللفظ إلى الآخر. وقوله: "الأصلية" إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط، ولا عبرة بالحروف الزائدة (٥).

стр. 927

وقوله: "ومناسبته في المعنى" احتراز عن المعدول؛ لأن المناسبة تقتضي المغايرة (١)، ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى (٢). وهذا الحد الذي ذكره أسدّ من تعريف الميداني (٣) الذي ارتضاه الإمام وهو قوله: أن تجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر (٤)؛ إذ يُعترض على هذا بأن الاشتقاق ليس هو نفسُ الوجدان، بل الرد عند الوجدان. واعلم أن للاشتقاق أربعة أركان ذَكَرها في الكتاب: المشتق، والمشتق منه، والموافقة في الحروف الأصلية مع المناسبة في المعنى، والرابع: التغيير.

стр. 928

فقوله: "رد لفظ" هو الركن الأول، ودخل فيه (١) الاسم والفعل. وقوله: "إلى فظ آخر" هو الركن الثاني: وهو المشتق منه. ويؤخذ منه الركن الرابع: وهو التغيير؛ لأنه لو انتفى التغيير (بينهما لم يصدق عليه أنه لفظ آخر بل هو هو، ودخل فيه أيضًا الاسم والفعل) (٢). وقوله: "لموافقته في حروفه الأصلية" هو الركن الثالث، واحترز به (٣) عما عَرَفْتَ أَوَّلًا (٤). قال: (ولا بد من تغييرٍ بزيادةٍ أو نقصانِ حرفٍ، أو حركةٍ، أو كليهما. أو بزيادة (٥) أحدهما ونقصانه، أو نقصان (٦) الآخر. أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه. أو بزيادتهما ونقصانهما. نحو: كاذبٌ، ونَصَر، وضاربٌ، وخَفَّ، وضَرَب، على مذهب الكوفيين. وغلا، ومسلماتٍ، وحذِر، وعادّ، ونَبَت (٧)، واضْربْ، وخافَ، وعِدْ، وكالٍّ، وَارْم).

стр. 929

لا بُدَّ مِنْ تغييرٍ بين اللفظين (١)، والتغيير المعنوي إنما يحصل بطريق التبع، والإمام لم يذكر من أقسام التغيير غير تسع، وليست الأقسام منحصرة في تلك، وقد زاد المصنف عليه ستة أقسام فجعلها خمسة عشر وأوْرَدَ لكلٍّ منها مثالًا، وفي أكثر أمثلته نظر. وقد وضع والدي - (أطال الله بقاه) (٢) - في هذا الفصل أرجوزة حسنة. قوله: "بزيادةِ أو نقصانِ حرفٍ أو حركةٍ أو كليهما" دخل (٣) فيه ستة أقسام: أربعة تغييرها فرادى، واثنان ثنائيان. فإن قوله: "بزيادة" ليس مُنَونًا بل هو مضاف إلى حرفٍ وحركةٍ وكليهما. وكذا: "نقصان" مضاف إلى الثلاثة، فكانت ستة أقسام: (زيادة الحرف، وزيادة (٤) الحركة، و (٥) زيادتهما معًا. وهكذا النقصان (٦). وقوله: "أو بزيادة أحدهما ونقصانه، أو نقصان

стр. 930

الآخر (١) " يدخل فيه أربعة أقسام) (٢) ثنائيةٌ أيضًا، إذْ زيادة أحدهما ونقصانُه يدخل فيه: زيادة الحرف ونقصانه، وزيادة الحركة ونقصانها. ويدخل في زيادة أحدهما ونقصانِ الآخر قسمان: زيادة الحرف ونقصان الحركة، وعكسه. وقوله: "أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه" (تقديره: أو بزيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه فيدخل فيه أربعة أقسام ثلاثية التغيير؛ لأن زيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها. والثانية: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه) (٣). (ويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان أيضًا) (٤): إحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها. والثانية: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه. وقوله: "أو بزيادتهما ونقصانهما". أي: بزيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا، وهو قسم واحدٌ رباعي التغيير، وبه تكملت الأقسامُ خمسةَ عشرَ.

стр. 931

قوله: "نحو كاذب" شرع في المُثُل للأقسام المذكورة: الأول: زيادة الحرف فقط، نحو: كاذب من الكذب، زيدت الألف. الثاني: زيادة الحركة، نحو: نَصَر الماضي من النَّصْر، زيدت حركة الصاد. الثالث: زيادة الحرف والحركة معًا، مثل: ضَارِب من الضَّرْب زيدت (١) الألف وحركة الراء. الرابع: نقصان الحرف، نحو: خِفْ فِعْلُ أمرٍ من الخَوْف نقصت الواو. وقد اعتُرض على المصنف بأن الفاء صارت في هذا ساكنة بعد أن كانت متحركة، فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معًا. فإن اعتذر بأن مثل هذا لا يُعْتبر؛ لكونه نقصانًا لحركة الإعراب. قلنا: سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم العاشر ما يخالفه (٢)، فالأَوْلى تمثيله بذَهَبَ من الذَّهَاب أو حَسَبَ، من الحِسَاب (٣).

стр. 932

الخامس: نقصان الحركة، نحو: ضَرْبٌ المصدر مِنْ ضَرَب القاضي، نقصت حركة الراء. قال في الكتاب: وهذا لا يتأتى إلا على مذهب الكوفيين. يعني: في اشتقاقهم المصدر من الفعل، عكس مذهب البصريين. وذهب أبو بكر بن أبي طلحة (١) إلى مذهب ثالث: وهو أن كلًا من المصدر والفعل أصل بنفسه، ليس أحدهما مشتقًا من الآخر. حكاه شيخنا أبو حيان في "الارتشاف" (٢). السادس: نقصان (الحرف والحركة) (٣) معًا، نحو: غَلَا ماضِي غَلَيَان، نقصت الألف والنون ونقصت فتحة الياء (٤). ومِنْ أمثلته أيضًا: سِرْ من السَّيَرِ نقصت الياء وحركة الراء، وبِعْ من البَيْع نقصت الياء وحركة العين. السابع: زيادة الحرف ونقصانه، أي: نقصان حرف

стр. 933

آخر. (ومَثَّل له في الكتاب) (١): بمسلمات زِيدت الألف والتاء للجمع، ونقصت منه تاء كانت في المفرد في قولك: مسلمة (٢). ولك أن تقول: الجمع غير مشتق من مفرده فلا يصح ما ذكره مثالًا، فالأولى التمثيل بقولك: مُدَحْرَج من الدَّحْرجة نقصت هاء التأنيث وزادت الميم، وكذا مُزَخْرَفٌ من الزَّخْرَفَة نقصت التاء وزادت الميم. الثامن: زيادة الحركة ونقصانها، أي: (ونقصان) (٣) حركة أخرى. نحو: حَذِرَ من الحَذَر، زيدت فيه كسرة الذَّال الْمُعْجَمة ونقصت منه فتحته. وكذلك رَمَى من الرَّمْيِ نقصت حركة الياء من الرَّمْي، وزيدت حَرَكة الميم، وسَعَى من السَعْي. التاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة، نحو: عَادّ بالتشديد من العَدَدِ زيدت الألف بَعْدَ العين، ونقصت حركة الدال الأولى (٤). العاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف، نحو: (نَبَت من النَّبَات) (٥)

стр. 934

زيدت فيه فتحة التاء ونقصت منه الألف كذا ذكره في الكتاب. ولك أن تقول: فتحة التاء جاءت عِوَضَ الكسرةِ فليس ثَمَّ غيرَ نقصانِ الألف، وليس له أن يقول: لا يُعْتَد بالحركة الإعرابية؛ إذ سبق منه في القسم الرابع ما يخالف ذلك (١) (٢). الحادي عشر: زيادة الحرف والحركة جميعًا مع نقصان حركة أخرى، مثل: اضْرِبْ من الضَّرْب، زيدت فيه ألف الوصل وكسرة الراء، ونقصت منه حركة الضاد. الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، مثل: خاف ماضي (٣) من الخَوْفِ زيدت الألف وحركة الفاء (٤) وحذفت (٥) الواو.

стр. 935

الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، مثل: عِدْ فِعْل أمر من الوَعْد زيدت كسرة العين ونقصت الواو وحركة الدال. الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، نحو: كالٍّ بتشديد اللام، وهو اسم فاعل من الكلال، نقصت حركة اللام الأولى (١) وكذلك الألف التي بين اللامين (٢) وزيدت ألفٌ قبل اللامين (٣). الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا، نحو: اِرْمِ من الرَّمْي زيدت الهمزة (٤) وحركة الميم، ونقصت الياء وحركة الراء. والله أعلم (٥). قال: (وأحكامه في مسائل: الأولى: شَرْط المشتق (٦) صِدْقُ أصلِه خلافًا لأبي علي وابنه فإنهما قالا: بعالمية الله تعالى دون

стр. 936

عِلْمه (١) وعَلَّلاها فينا به (٢). لنا: أن الأصل جزؤه (٣) فلا يوجد دونه). شرط صِدْقِ المشتق اسمًا (٤) كان أو فعلًا - صِدْق أصْله المشتق منه، فلا يصدق قائم على ذاتٍ إلا إذا صَدَق القيام على تلك الذات، وسواء أكان (٥) الصدق في الماضي أم في الحال أم في الاستقبال، والكلام في أنَّ صِدْق ذلك (٦) هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز من وظائف المسألة التالية لهذه. وهذا هو السر في قول المصنف: "صدق أصله" (دون وجود أصْله) (٧) كما قال غيره، إذ لو قال: وجود أصله - لورد عليه إطلاقه باعتبار المستقبل؛ إذ هو جائزٌ مع عدم وجوده حالة الإطلاق. والكلام في المسألة مع أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وهما لم يصرحا بالمخالفة في ذلك، ولكن وقع ذلك منهما ضمنًا حيث ذهبا هما ومَنْ تبعهما مِنَ المعتزلة إلى القول: بعالمية الله تعالى دون علمه، أي قالا: إن الله تعالى عالِم، ولم

стр. 937

يقولا بحصول العِلْم - الذي اشتق منه العالِم له، والحاصل أن هذه الطائفة ينفون عن الله تعالى الصفات الحقيقية الزائدة على الذات: كالعلم، والقدرة، والحياة، ويجمعها قول الشاطبي ﵀: حيٌّ عليمٌ قديرٌ والكلام لَهُ ... باقٍ سميعٌ بصيرٌ ما أرادَ جَرَى فرارًا من أن تكون الذات قابلًا وفاعلًا، ومِنْ أشياء زعموها لازمة (١). ويقولون: بثبوت العالِمية والقادرية والحيية له (٢) بناءً على أنها نِسَب وإضافات لا وجود لها في الخارج (٣)، بخلاف العلم والقدرة والحياة فإنها صفات حقيقية. ويقولون: عالمية الله غير مُعَلَّلة بالعِلْم؛ لأن العالِمية له واجبة، والواجب لا يُعَلَّل بالغير، بخلاف عالميتنا فإنها معلَّلة بالعلم؛ إذ هي غير واجبة. وقال أهل السنة وقوم من المعتزلة: إن لله صفات مغايرة لذاته تعالى: وهي العلم، والقدرة، والحياة، وغيرها من الصفات

стр. 938

الثبوتية (١). ثم قال الذين نفوا الحال (٢): العالِمية والقادرية والحيية نفسُ العلم والقدرة والحياة (٣). وقال مثبتو الحال: عالمية الله: حالةٌ معلَّلة بمعنى قائمٍ به (وهو العلم) (٤)، وكذا القادرية بالقدرة، والحيية بالحياة (٥). وإذا عرفت هذا ظهر أن الأشاعرة ومَنْ وافقهم قالوا: إن الله تعالى عالم بالعلم، قادر بالقدرة، حي بالحياة. والجبائيان (٦) قالا: إنه

стр. 939

تعالى عالم بالذات لا بالعلم، قادر بالذات لا بالقدرة، حي بالذات لا بالحياة. فقد جوزوا صدق المشتق الذي هو العالِم بدون صدق المشتق منه (الذي هو العلم. واستدل في الكتاب على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه) (١): بأنه لو صح المشتق بدون صدق أصله للزم وجود الكل بدون الجزء؛ لأن الأصل الذي هو المشتق منه جزء للمشتق؛ لأن المشتق يدل على الأصل وعلى ذاتٍ متصفة به كالعالِم مثلًا فإنَّ مدلولَهُ ذاتٌ متصفة بالعلم (٢)، فالعلم الذي هو أصل العالِم جزء من مجموع معناه، فلو صح العالِم بدون العلم للزم ما ذكرناه (٣). ولا يُنْقض هذا بصحة إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأن ذلك من باب المجاز، والكلام في صحة الإطلاق الحقيقي (٤).

стр. 940

قال: (الثانية: شَرْط كونه حقيقة دوامُ أصله, خلافًا لابن سينا وأبي هاشم؛ لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه. قيل: مطلقتان فلا يتناقضان. قك: مؤقتتان بالحال فإنَّ أهل العرف تَرْفع أحدهما بالآخر). المسألة السابقة في اشتراط صِدْق المشتق منه في كون المشتق حقيقة، سواء أدام (١) معنى المشتق منه إلى حالة الإطلاق أم لم يدم. وهذه في اشتراط دوام معنى المشتقِ منه إلى حالة إطلاق المشتق، فهي أخص من تلك. فنقول: إطلاق الاسم المشتق باعتبار الحال (٢) حقيقةٌ بالإجاع، وباعتبار المستقبل مجازٌ بالإجماع (٣)، وأما إطلاقهُ باعتبار القاضي كإطلاق الضارب على مَنْ صدر منه الضرب وانتهى: فقال الجمهور: إنه (غير حقيقة) (٤). قال (٥) الإمام: "وهو الأقرب" (٦) واختاره في الكتاب.

стр. 941

وقال ابن سينا وأبو هاشم ووالده أبو علي: إنه حقيقة (١). وفي المسألة مذهبٌ ثالث: أن معنى المشتق منه إنْ كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود (٢) - اشترط بقاؤه (٣) في كون المشتق حقيقةً وإلا (٤) فلا. حكاه الآمدي (٥)، والإمام ذكره بحثًا من جهة الخصم ثم أجاب عنه: بأن أحدًا من الأمة لم يقل بهذا الفرق (٦) فيكون باطلًا (٧). واعلم أنَّ محل الخلاف في المسألة إنما هو في صِدْق الاسم فقط، أعني: هل يسمى مَنْ ضَرَبَ أمسِ الآن بضارب؟ وهو أمر راجع إلى اللغة، وليس النزاع في نسبة المعنى، أعني: في أن زيدًا الضارب أمس هل هو الآن ضارب؟ فإن ذلك لا يقوله عاقل (٨). وإذا تبين أن محل النزاع إنما هو في صدق الاسم - فاعلم

стр. 942

أيضًا أن الذي يتجه أن الخلاف أيضًا ليس في الصفات القارة المحسوسة كالبياض والسواد؛ لأنا على قَطْعٍ بأن اللغوي لا يطلق على الأبيض بعد اسوداده أنه أبيض، وقد قال الإمام في آخر المسألة: لا يصح أن يقال لليقظان (١) إنه نائم، اعتبارًا بالنوم السابق (٢). وادعى الآمدي في ذلك الإجماع فقال: "لا يجوز تسمية النائم قاعدًا، والقاعدِ نائمًا (٣) بإجماع المسلمين وأهل اللسان" (٤). وهذا واضح من اللغة، وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المُتَقَضِّية (٥)، فإطلاق (٦) المشتق (٧) على محلِّها (٨) (٩) من باب الأحكام (١٠)، فلا يبعد إطلاقه (١١) حال خلوه (١٢)

стр. 943

عن (١) مفهومه (٢)؛ لأنه أمرٌ حُكْمي. ويتبين (٣) من هنا وجه انفصال الماضي عن المستقبل حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى لأن مَنْ حصل منه الضَّرْب في القاضي قد يُسْتصحب حكمه، وأما المستقبل فلم يثبت له حكمٌ حتى يُستصحب. إذا عرفتَ ذلك فنقول: استدل الصنف على ما اختاره من أنه ليس بحقيقة: بأنه يصدق نَفْي المشتق عند زوال المشتق منه، فنقول: زيد ليس بضارب. فلو صدق الإيجابُ حقيقةً (٤): وهو زيد ضارب - للزم اجتماع النقيضين، أعني: صدق (٥) نَفْيِ الضرب وإثباتِهِ. فتقرر أنه إنما يصدق مجازًا (٦)؛ لأن صحة النفي من أمارات المجاز (٧). واعْتُرِض على هذا: بأن قولنا: ضاربٌ وليس بضارب - قضيتان مُطْلَقتان (٨) لم يتحد وقتُ الحكم فيهما فلا يتناقضان؛ لجواز أن يكون وقت

стр. 944

السلب غيرَ وقت الإثبات. وأجاب في الكتاب: بأنهما مؤقتتان بحال التكلم (١)، وأغنى عن هذا التقييد فَهْمُ أهلِ العُرْف؛ إذ لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه، لكن أهل العرف يستعملون ذلك فيكونان متناقضين (٢)، وهو المطلوب. فإن قلت: سَلَّمنا أنهما مؤقتتان بالحال، وأنهما متناقضتان، ولكن لا

стр. 945

نسلم أنه حينئذ يصح إطلاقُهما؛ لأنه لا يصح: ليس بضارب في الحال، وهل قولكم: إن ذلك يصح، إلا مصادرة على المطلوب! قلت: صِدْق "ليس بضارب في الحال" لا يَقْبل المنازعة، إلا ممن لم يفهم معنى هذا الكلام، وذلك لأنا لم نعن بذلك سلب إطلاق الاسم حتى يقال: إنه مصادرة على المطلوب، بل إنَّ المَعْنى غير ثابت في الحال؛ وقد قدمنا أنه لا ينازع في ذلك عاقل. ويقرر عندك أنَّ المَعْنِيَّ بقولنا: يصدق "ليس بضارب في الحال "تحققُ المعنى لا صِدْق الإطلاق أن الخصوم (١) سلَّموا هذه المقدمة لَمَّا ذكرها الإمام وغيره، وما اعترض أحدٌ بهذا السؤال (٢). فإن قلت: سَلَّمنا أنه يصح "ليس بضارب في الحال" (٣) ولكن لا نسلم استلزامها صحة "ليس بضارب" (٤). قلت: لأن ليس بضارب مطلقة، وليس بضارب في الحال مؤقتة، والمطلقة جزء من المؤقتة. ولتوضيح ذلك فنقول: إذا قَيَّدت في الإيجاب أو

стр. 946

في السلب بزمان، ولم تَجْعل الزمان جزءًا من المحمول - كانت القضية مُوَجَّهةً مؤقتة. وإن لم تُقَيِّد (١) كانت القضية مطلقة، وهي جزء من المؤقتة. والقيد المذكور في المؤقتة كقولنا: زيد ضارب الآن (أو ليس بضارب الآن - إذا جعلناه جهةً معناه: تقييدُ نسبةِ المحمول الذي هو "ضارب" إلى الموضوع الذي هو "زيد" إيجابًا أو سلبًا (٢). فإذا قلت: زيدٌ ضاربٌ الآن - فمعناه (٣) أن نسبة ضارب إلى زيد ثابتة الآن. وإذا قلت: زيد ليس بضارب الآن) (٤) فمعناه (٥): أن نسبة ضارب إلى زيد منتفية (٦) الآن، والآن ظرف للانتفاء (٧) لا للنفي، فإن النفي هو الحكم وهو حاصل الآن (٨)، والانتفاء: مَدْلُولُه (٩)، وهو بحسبه قد يكون الآن كما في هذا المثال، وقد يكون أمسِ أو (١٠) غدًا على حسب ما تأتي المؤقتة (١١).

стр. 947

وقد يأتي الظرف جزءًا من المحمول كقولك: زيد ضارب الآن، تريد أن ضَرْبَه الآن ثابت، أو ليس بضارب الآن، تريد ضربه الآن منفي (١). فهذه ليست موجهة والمنفي فيها أخص من المنفي في الموجهة والمُثْبَت أخص من المثبت. ولنزد ذلك إيضاحًا فنقول: إذا قلت: ليس زيدٌ ضاربًا الآن أو (٢) يوم الجمعة - فلا يجوز أن يكون الآن أو يوم الجمعة ظرفًا لحكمك (٣)، ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة - وأنت غير حاكم فيه. وبقي بعد هذا أن يوم الجمعة إما أن يكون ظرفًا لانتفاء الضرب المقيَّد بذلك الوقت أو المطلق. و (٤) المعنى: أن زيدًا يصدق يومَ الجمعة أنه ليس بضارب، ومن ضرورة انتفائه انتفاء المقيد. وإذا وضح أن المطلقة جزء من المؤقتة (٥) صح تعبير الإمام في "المحصول" بالكل والجزء، ودعواه استلزام الكُلِّ الجزءَ، وليس (٦) مراده الجزء من حيث اللفظ بل من حيث المعنى.

стр. 948

فإن قلت: المطلقة أعم من المؤقتة فكيف تستلزمها المؤقتة؟ قلت: أصل المطلقة كذلك، ولكن قد يعرض لها ما يقيدها لغة أو عرفًا وقد ادعيناه هنا حيث قلنا: إن العرف يؤقتها (١) بحال التكلم ودلَّلنا عليه. فالمطلقة (٢) وإن كانت مطلقة في اللفظ فهي مقيدة بحسب العرف؛ فكأن (٣) ذلك منطوقًا به فساوت المؤقتة، وإنما دلالة المؤقتة صريحة في الوقت، ودلالة المطلقة ظاهرة، ولهذا المعنى لم يأت الإمام في "المحصول" بلفظ الأعم والأخص؛ لأنه يضره، فإنه يدعي تساويهما عرفًا ولغة، فكيف يقول: إن أحدهما أعم من الآخر، بل تَرَك ذلك وعدل إلى الكل والجزء فإنه صحيح على التقديرين، أعني: من حيث العقل والأصل، ومن حيث الاستعمال، والجزء قد يكون مساويًا في الوجود: كالناطق فإنه جزء الإنسان ومساوٍ له بخلاف الأعم، فإنه قد يوجد بدون الأخص. فإن قلت: قد فهم أصحاب الإمام أن مراده الأعم والأخص ومنهم صاحب "التحصيل"، فقال: يصدق: ليس بضارب؛ لصدق الأخص منه: وهو ليس بضارب في الحال (٤).

стр. 949

قلت: قال والدي ﵁ في كتابه "الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق" وهو مختصر وضعه في هذه المسألة: "إنهم ما فهموا جيدًا". وأطال النَّفَس في ذلك، وأجاب عن سؤال لصاحب "التحصيل" ذَكَره على هذا وعَظُم خطبه ونحن لم نذكر السؤال، لكونه مبنيًا على ما (١) فهمه صاحب "التحصيل" من أن الكل أعم والجزء أخص (٢). وقد بَيَّنا أنَّ الإمام لم يُرِد بالكل والجزء الأعمَّ والأخصَّ، وأن الجزء قد يكون مساويًا. قال: (وعُورض بوجوه: الأول: أن الضارب مَنْ له الضَّرْب وهو أعم (من الماضي) (٣). وَرُدَّ: بأنه أعم من (٤) المستقبل أيضًا وهو مجاز اتفاقًا. الثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت للماضي (٥). ونوقض: بأنهم أعملوا المستقبل. الثالث: أنه لو شُرِط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة. وأجيب: بأنه لما تعذر استعمال أجزائه اكْتُفِي بآخر جزء. الرابع: أن المؤمن يُطْلَق (٦) حالة الخلو عن مفهومه. وأجيب: بأنه

стр. 950

مجاز، وإلا لأُطْلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة). عارض الخصمُ دليلَنا بأوجهٍ زعم أنها تدل على مطلوبه: الأول: أن الضارب عبارة عمن ثبت له الضرب، وهو أعم من أن يكون دائمًا أوْ لا (١)؛ فيكون إطلاقه على أفراده على سبيل الحقيقة، كإطلاق العام على أفراده. وأجاب: بأن ذلك منقوضٌ بأنه أعم من المستقبل أيضًا؛ فيلزم أن يكون حقيقة فيه، ولا قائل به. ولقائل أن (٢) يقول: إذا كان الضارب مَنْ ثبت له الضرب - فهو غير صادق باعتبار المستقبل؛ لأنه ما ثبت له فلا يتجه قولكم (٣): إنه أعم من المستقبل أيضًا. الثاني: أن جمهور النحاة قالوا: النعت أي: المشتق (٤)، كاسم الفاعل
следующие страницы →