← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

في السلب بزمان، ولم تَجْعل الزمان جزءًا من المحمول - كانت القضية مُوَجَّهةً مؤقتة. وإن لم تُقَيِّد (١) كانت القضية مطلقة، وهي جزء من المؤقتة. والقيد المذكور في المؤقتة كقولنا: زيد ضارب الآن (أو ليس بضارب الآن - إذا جعلناه جهةً معناه: تقييدُ نسبةِ المحمول الذي هو "ضارب" إلى الموضوع الذي هو "زيد" إيجابًا أو سلبًا (٢). فإذا قلت: زيدٌ ضاربٌ الآن - فمعناه (٣) أن نسبة ضارب إلى زيد ثابتة الآن. وإذا قلت: زيد ليس بضارب الآن) (٤) فمعناه (٥): أن نسبة ضارب إلى زيد منتفية (٦) الآن، والآن ظرف للانتفاء (٧) لا للنفي، فإن النفي هو الحكم وهو حاصل الآن (٨)، والانتفاء: مَدْلُولُه (٩)، وهو بحسبه قد يكون الآن كما في هذا المثال، وقد يكون أمسِ أو (١٠) غدًا على حسب ما تأتي المؤقتة (١١).

стр. 947

وقد يأتي الظرف جزءًا من المحمول كقولك: زيد ضارب الآن، تريد أن ضَرْبَه الآن ثابت، أو ليس بضارب الآن، تريد ضربه الآن منفي (١). فهذه ليست موجهة والمنفي فيها أخص من المنفي في الموجهة والمُثْبَت أخص من المثبت. ولنزد ذلك إيضاحًا فنقول: إذا قلت: ليس زيدٌ ضاربًا الآن أو (٢) يوم الجمعة - فلا يجوز أن يكون الآن أو يوم الجمعة ظرفًا لحكمك (٣)، ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة - وأنت غير حاكم فيه. وبقي بعد هذا أن يوم الجمعة إما أن يكون ظرفًا لانتفاء الضرب المقيَّد بذلك الوقت أو المطلق. و (٤) المعنى: أن زيدًا يصدق يومَ الجمعة أنه ليس بضارب، ومن ضرورة انتفائه انتفاء المقيد. وإذا وضح أن المطلقة جزء من المؤقتة (٥) صح تعبير الإمام في "المحصول" بالكل والجزء، ودعواه استلزام الكُلِّ الجزءَ، وليس (٦) مراده الجزء من حيث اللفظ بل من حيث المعنى.

стр. 948

فإن قلت: المطلقة أعم من المؤقتة فكيف تستلزمها المؤقتة؟ قلت: أصل المطلقة كذلك، ولكن قد يعرض لها ما يقيدها لغة أو عرفًا وقد ادعيناه هنا حيث قلنا: إن العرف يؤقتها (١) بحال التكلم ودلَّلنا عليه. فالمطلقة (٢) وإن كانت مطلقة في اللفظ فهي مقيدة بحسب العرف؛ فكأن (٣) ذلك منطوقًا به فساوت المؤقتة، وإنما دلالة المؤقتة صريحة في الوقت، ودلالة المطلقة ظاهرة، ولهذا المعنى لم يأت الإمام في "المحصول" بلفظ الأعم والأخص؛ لأنه يضره، فإنه يدعي تساويهما عرفًا ولغة، فكيف يقول: إن أحدهما أعم من الآخر، بل تَرَك ذلك وعدل إلى الكل والجزء فإنه صحيح على التقديرين، أعني: من حيث العقل والأصل، ومن حيث الاستعمال، والجزء قد يكون مساويًا في الوجود: كالناطق فإنه جزء الإنسان ومساوٍ له بخلاف الأعم، فإنه قد يوجد بدون الأخص. فإن قلت: قد فهم أصحاب الإمام أن مراده الأعم والأخص ومنهم صاحب "التحصيل"، فقال: يصدق: ليس بضارب؛ لصدق الأخص منه: وهو ليس بضارب في الحال (٤).

стр. 949

قلت: قال والدي ﵁ في كتابه "الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق" وهو مختصر وضعه في هذه المسألة: "إنهم ما فهموا جيدًا". وأطال النَّفَس في ذلك، وأجاب عن سؤال لصاحب "التحصيل" ذَكَره على هذا وعَظُم خطبه ونحن لم نذكر السؤال، لكونه مبنيًا على ما (١) فهمه صاحب "التحصيل" من أن الكل أعم والجزء أخص (٢). وقد بَيَّنا أنَّ الإمام لم يُرِد بالكل والجزء الأعمَّ والأخصَّ، وأن الجزء قد يكون مساويًا. قال: (وعُورض بوجوه: الأول: أن الضارب مَنْ له الضَّرْب وهو أعم (من الماضي) (٣). وَرُدَّ: بأنه أعم من (٤) المستقبل أيضًا وهو مجاز اتفاقًا. الثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت للماضي (٥). ونوقض: بأنهم أعملوا المستقبل. الثالث: أنه لو شُرِط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة. وأجيب: بأنه لما تعذر استعمال أجزائه اكْتُفِي بآخر جزء. الرابع: أن المؤمن يُطْلَق (٦) حالة الخلو عن مفهومه. وأجيب: بأنه

стр. 950

مجاز، وإلا لأُطْلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة). عارض الخصمُ دليلَنا بأوجهٍ زعم أنها تدل على مطلوبه: الأول: أن الضارب عبارة عمن ثبت له الضرب، وهو أعم من أن يكون دائمًا أوْ لا (١)؛ فيكون إطلاقه على أفراده على سبيل الحقيقة، كإطلاق العام على أفراده. وأجاب: بأن ذلك منقوضٌ بأنه أعم من المستقبل أيضًا؛ فيلزم أن يكون حقيقة فيه، ولا قائل به. ولقائل أن (٢) يقول: إذا كان الضارب مَنْ ثبت له الضرب - فهو غير صادق باعتبار المستقبل؛ لأنه ما ثبت له فلا يتجه قولكم (٣): إنه أعم من المستقبل أيضًا. الثاني: أن جمهور النحاة قالوا: النعت أي: المشتق (٤)، كاسم الفاعل

стр. 951

واسم المفعول إذا كان بمعنى الماضي وليس معه "أل" (فهو لا) (١) يَنْصِب مفعوله (٢)، بل يتعيَّن أن يُجَر بالإضافة إليه تقول: مررت برجلٍ ضاربِ زيدٍ أمسٍ. وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي، والأصل في الاستعمال الحقيقة. وأجاب: بأن هذا منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال؛ لأن ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقًا (٣).

стр. 952

الثالث: لو كان بقاء (١) "المشتق منه" شرطًا في صحة إطلاق "المشتق" حقيقة (٢) - لاستحال إطلاق المتكلم والمخبِر بطريق الحقيقة على شيءٍ أصلًا (٣)؛ لأن المُشْتق منه (٤) وهو الكلام والخبر لا يمكن بقاؤهما؛ لأنهما من الموجودات التي هي غير قارة الذات (٥). وأجاب بمنع الملازمة؛ وذلك لأن الشرط أحد الأمرين: إما بقاء المشتق منه وذلك فيما يمكن بقاؤه، أو بقاء آخر جزءٍ من أجزائه، إن لم يُمكن بقاؤه بالكلية، لأن وضع اللغة غير مبني على المضايقة في مثل هذه الأمور (٦)، وهذا كإطلاقهم الحال على الزمان المعيَّن مع أن الموجود منه

стр. 953

ليس إلا جزءًا واحدًا (١). الرابع: أنه لو اشترط بقاء "المشتق منه" في صحة إطلاق "المشتق" حقيقةً - للزم أن لا يصح إطلاق المؤمن بطريق الحقيقة على مَنْ خلا عن مفهومه بالنوم مثلًا، ولكن ذلك باطل؛ لأنهم يطلقونه عليه، والأصل في الإطلاق الحقيقة (٢). وأجاب: بأن إطلاقه ليس على سبيل الحقيقة، بل هو مجاز، وإلا لصح إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة بسببِ كفرٍ تَقَدّمَ إذِ الاطراد (٣) من لوازم الحقيقة.

стр. 954

ولقائل أن يقول: إن الإيمان الطارئ بعد الكفر يضاده، فلذلك لم يصح إطلاق الكافر على من صدر منه في الماضي، إذ هو وصف وجودي يضاد الأول، فكان (١) كإطلاقك على الأسود أنه أبيض باعتبار بياضه المتقدم، وقد قَدَّمنا أن ذلك ليس من محل النزاع. فوائد: إحداها: اعلم أنا لا نعني بالحال حال نطقنا بل حال اتصافه بالمشتق منه (٢). فإذا قلت: اقتلوا المشركين - فمعناه: الأمرُ بقتل مَن اتصف بالشرك وإن لم يكن وقتَ قولك: اقتلوا المشركين - متصفًا به. وقد خَفِي ذلك على (٣) بعض الفضلاء (فظن (٤) أنه لا يشمل مَنْ يأتي) (٥) بعد ذلك إلا مجازًا (٦).

стр. 955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 956

الثانية: الحقيقة والمجاز إنما هما باعتبار الاستعمال، فإذا قلت: زيد ضارب فهنا أمران: أحدهما: استعمال ضارب في معناه أو غير معناه، وهو محل الحقيقة والمجاز. والثاني: حَمْلُ ضاربٍ على زيد (١)، وهذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز، ولا دلالة له على حالٍ ولا مُضِيٍ ولا استقبال، بل هو مطلق بالنسبة إليها، والقضية إن أطلقت احتملت الثلاثة (٢) إلا أنا نحمله عند الإطلاق على زمان النطق لغةً وعرفًا؛ ولأنه ليس غيره أولى منه (٣). وأما المحمول الذي هو ضارب فإنْ أريد به معناه ممن هو متصف بالضَّرْب في الحال (٤) كان حقيقة إما صدقًا إنْ طابق، أو كذبًا إن لم يطابق. وإنْ أريد به غير معناه كان مجازًا (٥). والأمر في السلب في جميع ذلك على ما قررناه لا يختلف. الثالثة: إذا قلت: زيدٌ ضاربٌ أمس أو غدًا - فقد يُطْلِق المُطْلِق أنه مجاز؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال، والتصريح بأمس أو غدًا إنما هو قرينة لإرادة المجاز، كقولك: رأيتَ أسدًا يرمي

стр. 957

بالنُّشَّاب، وقد يُطْلِق أنه حقيقة لأنه (١) اتصل بمعموله (٢). والحق خلاف الإطلاقين؛ لأن الحَمْل لا حقيقة فيه ولا مجاز كما عرفت، فحكمك على زيدٍ الآن بأنه ضارب غدًا لا حقيقةَ ولا مجاز، والمحكوم به وهو ضارب غدًا إنْ أريد معناه وهو أنه يحصل منه الضرب غدًا كان حقيقة، مثل: زيد سيضرب غدًا. وإن أريد به غير معناه كان مجازًا، وهكذا ضارب أمس. ولا يمكنك أن تُريد أن الضَّرْب الثابت الذي يقع غدًا هو [ص ١/ ١٨٨] ثابت الآن فذلك مستحيل، لكن تريد أنه الآن محكوم عليه بالضَّرْب في غد، والحكم غير موصوف بحقيقة ولا مجازٍ، فإن أردتَ أن تَصِفَه الآن بضَرْبِهِ في غدٍ كان مجازًا (٣). والله أعلم. فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور: لو عُزِل القاضي فقال: امرأة القاضي طالق هل يقع طلاقه (٤)؟ فيه وجهان في فروع الطلاق من الرافعي (٥). آخر (٦): لو قال: إنْ كانت امرأتي في المأتم فأَمَتي حرة، وإن كانت

стр. 958

أمتي في الحمام فامرأتي طالق. وكانتا عند التعليق كما ذَكَر عَتَقت الأمة ولم تطلق المرأة؛ لأن الأمة (١) عتقت عند تمام التعليق الأول، وخرجت عن أن تكون أمته فلم يحصل شرط الطلاق، (وهذا لأن) (٢) أمته لا تكون حقيقةً إلا لمَنْ يملكها في الحال، ولو قَدَّم ذِكْر الأمة فقال: إنْ كانت أمتي في المأتم فامرأتي طالق، وإنْ كانت امرأتي في الحمام فأمتي حرة. وكانتا كما ذكر طَلُقَتْ المرأة، ثم إنْ كانت رجعية عتقت الأمة أيضًا وإلا فلا (٣). والفرع مسطور في فروع الطلاق أيضًا، وإنما تعتق الأمة في هذه الحالة لصدق لفظ الزوجة على الرجعية. آخر (٤): لو حلف لا رأيتُ منكرًا إلا رفعته إلى القاضي فلان، ولم يَنْوِ أنه يرفعه إليه وهو قاض، وتمكن من الرفع إليه فلم يرفع حتى عُزل ثم رَفَع إليه - ففي الحِنْث وجهان إذا مات ولم يَرْفع إليه إلا وهو معزول (٥). و(٦) لو حلف: لا يدخل مَسْكن فلانٍ، فدخل مِلْكًا لَهُ لم يكن ساكِنَهُ فثلاثة أوجه، ثالثها: إنْ كان سَكَنَه في القاضي ساعةً مَا - حَنَث، وإلا فلا (٧).

стр. 959

آخر (١): قال المتولي: لو وَقَف على عبدِ فلانٍ وقلنا: العبدُ يَمْلِك - صح (٢) وكان الاستحقاق متعلِّقًا بكونه عبدَ فلانٍ، حتى لو باعه أو وهبه زال الاستحقاق (٣) (٤). قال: (الثالثة: لا يُشتق اسم الفاعل لشيء والفعلُ قائمٌ بغيره؛ للاستقراء. قالت المعتزلة: الله متكلم بكلام يخلقه في جسم كما أنه الخالق والخلق هو (٥) المخلوق. قلنا: الخَلْق هو التأثير). لا يجوز إطلاق اسم الفاعل - الذي هو المشتق - على شيءٍ والفعل (٦) - الذي هو المشتق منه - قائم بغيره. واستدل الأصحاب على ذلك بالاستقراء، فإنا تتبعنا مواقع استعمال المشتقات فلم نجد موقعًا اشْتُق له اسم الفاعل والفعل المشتق منه قائمٌ بغيره، فدل على أن ذلك خارجٌ عن كلام العرب فيكون ممنوعًا.

стр. 960

وقد لَزِم المعتزلةُ الخلافَ في ذلك حيث قالوا: إن الله تعالى متكلِّم بكلامٍ قائمٍ بغيره لا بذاته، وإلا لكانت ذاتُه مَحَلًا للحوادث. وذلك على أصلهم في أن الكلام حادث؛ لأنهم لا يعترفون بالكلام النفسي. واحتجوا على ما ذهبوا إليه مِنْ أنه يجوز إطلاق التكلم على الله تعالى بسبب كلامٍ يخلقه في جسم: بأنه يُطْلَق عليه الخالق بالحقيقة، والخالق مشتق من الخَلْق، والخَلْق لم يقم بذاته ؛ لأن الخَلْق هو المخلوق: وهو الأثر البائن (١) عن ذات الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٢) أي: (مَخْلُوق الله) (٣). وأجاب: بأن الخَلْق ليس هو الخلوق بل هو تأثير الله تعالى: (في المخلوقات، والتأثير قائم بذات الله تعالى) (٤)، وأما الإطلاق الواقع في الآية فإنه مجاز. قال: (قالوا: يلزم قِدَم العالم، وإلا لافْتَقَر إلى خَلْقٍ آخر وتسلسل (٥). قلنا: هو نسبةٌ فلم يحتج إلى تأثيرٍ آخر). قالت المعتزلة: لو كان الخَلْق (٦) هو التأثير كما ذكرتم - لزِم أحدُ

стр. 961

محالين: إما - قِدَم العالم أو التسلسل؛ وذلك لأنه إما قديم أو حادث، إذ كل مفهومٍ وجوديًا كان أو عدميًا لا يخلو عن أحدهما؛ لأنه إنْ كانَ مسبوقًا بالعدم سَبْقًا زمانيًا فهو الحادث، وإلا فهو القديم. فإن كان قديمًا لزم قِدَم العالم؛ لأن المؤثِّر قديم والتأثير فرضناه قديمًا، وإذا وُجد المؤثِّر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم، فيلزم من وجودهما في الأزل وجودُ العالَم فيه. ولأن التأثير نسبة بين الخالق والمخلوق (١)، وقِدَم النسبة يقتضي: قِدَم المنتسبَيْن (٢) ضرورة افتقارها إليهما. ولأن العالَم: هو ما سوى الله تعالى، والتأثير غير الله تعالى؛ إذ التأثير غير المؤثِّر (٣). وإن كان حادثًا افْتَقر في حدوثه إلى تأثيرٍ، والكلام فيه كالكلام في الأول؛ فيلزم التسلسل (٤). وأجاب المصنف بأنه نسبة إلى آخره، أي: يختار أنه حادث ويمنع (٥) لزوم التسلسل؛ وذلك لأن التأثير نسبة، والنسبة لكونها من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج غير مفتقرة إلى تأثير مؤثِّرٍ فيها (٦).

стр. 962

ثم إن (١) الأمور الاعتبارية لا يمتنع التسلسل فيها كذلك (٢)، وهذا كما أن الواحد نصف الاثنين، وثُلُث الثلاثة، ورُبُع الأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له من الأعداد. واعلم أن الإمام لم يُجب عن الشبهة المذكورة (٣)، ثم قال: "ومما يدل على أنه ليس من شَرْط المشتق منه قيامُه بمَنْ له الاشتقاق (٤): أن المفهوم من اسم المُشْتَق (٥) ليس إلّا أنه ذو ذلك المشتق منه (٦)، ولفظة (٧) "ذو" لا تقتضي الحلول (٨)؛ ولأن لفظ اللابن والتامر والمكي والمدني والحداد مشتق من الأمور التي يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق" (٩) (١٠) هذا كلامه. وقد أوهم اختيارَ مذهبِ المعتزلة، ومناقضتَه في ذلك لما اختاره في كتبه الكلامية (١١)، حتى قال الشيخ شمس الدين

стр. 963

الأصفهاني في شرح المحصول: "الحق مذهب الأشاعرة لا ما اختار المصنفُ تقريرَه ههنا من مذهب المعتزلة" (١). والذي نقوله: إنه لا يلزم من عدم ذكر الجوابِ اختيارُ مذهبهم، كيف وقد صرَّح بخلافه. وأما ما قاله من أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا ذو المشتق منه - فهو مدخولٌ (٢)؛ لأنه اعترف بأن قولنا: مكي ومدني مشتق من مكة والمدينة، وليس المفهوم من المكي ذو مكة؛ ولأنه يناقض ما التزمه سابقًا من أن بقاء وجه الاشتقاق شَرْطٌ لصدق الاسم المشتق، فإنَّ قولنا: زيد قسِيٌّ أو تميميٌّ، يكون حينئذ مُشْتَقًا مِنْ قيس وتميم، والمشتق منه غير باق (٣). والحق أن دعواه أن لفظة ذو لا تقتضي الحلول غير مسلمة له على الإطلاق (٤)؛ لأن المفهوم مِنْ قولنا: زيد ذو علم أو فهمٍ - قيامُهما به، وحلولُهما فيه. فلفظة "ذو" تقتضي الحلول في أسماء المعاني (٥) كما ذكرناه، وكلامنا في المشتقات من المصادر التي هي أسماء المعاني. ويخرج بهذا الجواب عن مثل: مكي ومدني، فإنها مشتقة من أسماء الذوات

стр. 964

فليست في شيء مما نحن فيه (١). فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور: لو حلف لا يبيع أوْ لا يضارب، فوكَّل فيه غيره حتى فعل - لم يحنث في أظهر القولين؛ لأنه لم يباشر (٢). والثاني: إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان - حنث (٣). ولو حلف لا يَحْلِق رأسه فأَمر غيره فحلق - فقد قيل في حنثه القولان، وقيل: يحنث قولًا واحدًا (٤). وبه أجاب الماوردي وطَرَده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر (٥) دون المباشرة من جميع الناس. كقوله: والله لا احتجمت، أوْ لا افتصدت، أوْ لا بنيت داري (٦).

стр. 965

الفصل الرابع: الترادف

стр. 966

قال: (الفصل الرابع: في الترادف . وهو توالي الألفاظ المُفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبار واحدٍ كالإنسان والبشر). توالي الألفاظ: هو تتابعها؛ لأن اللفظ الثاني تَبِع الأول في مدلوله. وقوله: "توالي الألفاظ": جنس يشمل المترادف وغيره. وقوله: "المفردة": احتراز عن المركبة كالحد مع المحدود، والرسم مع المرسوم، فإن الحدَّ والمحدودَ غيرُ مترادفين على المذهب المختار؛ إذ المحدود دال على الماهية من حيث هي، والحد دال عليها باعتبار دلالته على أجزائها، فالاعتباران مختلفان (١). وقوله: "الدالة على شيءٍ واحد": احتراز عن توالي الألفاظ المتباينة المتفاصلة فإنها تدل على الأشياء المتعددة كالإنسان، والفرس، والحمار.

стр. 967

وقوله: "باعتبار واحد": (يمكن أن يُحْترز به عن الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد لا باعتبار واحد) (١)، بل (٢) أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر بطريق المجاز، كالأسد والشجاع. لكن قال الإمام: "احترزنا به عن اللفظين المفردين إذا دَلَّا على شيء واحد باعتبار صفتين، كالصارم والمهند. أو باعتبار الصفة وصفة الصفة، كالفصيح والناطق، فإنهما من المتباينة" (٣) يعني: أن كلًا من المهند والصارم يدل على الشكل المعروف، لكن المهند والسيف يدلان عليه سواء أكان (٤) قاطعًا أمْ لا، والصارم لا يدل عليه إلا إذا كان قاطعًا. هذا شرح التعريف، وفيه نظر: فإنه أتى "بالمفردة" ليحترز عما أشرنا إليه وهو غير مضرور إلى ذلك، فإن ذلك خرج بقوله: "باعتبار واحد"؛ إذِ الحد والمحدود يدلان على معنى واحد لكن باعتبارين كما عرفت. ثم إن هذه اللفظة أعني "المفردة" تُصَيِّر الحد غير جامع؛ إذ يخرج بها بعض المترادفات مثل: خمسة، ونصف العشرة (٥). وأيضًا قوله: "الألفاظ" جمعٌ وأقله على رأيه ثلاثة، وقد يكون الترادف من لفظين (٦). ثم إنها جنس بعيد (٧) فلو أتى بالقول وقال: توالي

стр. 968

كلمتين فصاعدًا - لسلم من هذين الإيرادين (١). وإنما قال: "توالي الألفاظ" ولم يقل: الألفاظ المتوالية؛ لأنه شَرَع في حدِّ المعنى وهو الترادف؛ لا في حدِّ اللفظ وهو المترادف (٢). وعَبَّر "بالألفاظ" ليشمل ترادف الأسماء: كالبرُّ، والقمح. والأفعال: كَجَلَس، وَقَعد. والحروف مثل: في، والباء في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: ﴿مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ (٣) (٤). واعم أن المصنف إنما ذَكَر حَدَّ الترادف مع تقدمه في تقسيم الألفاظ؛ ليفرق بينه وبين التأكيد. قوله: "كالإنسان والبشر" هذا (٥) مثال للترادف من جهة اللغة، فإن الإنسان يطلق على الواحد رجلًا كان أو امرأة (٦)، وكذلك البشر (٧). وأهمل المصنف التمثيل للمترادف (٨) بحسب لغتين (٩)،

стр. 969

وبحسب الشرع كالفرض والواجب عندنا، وبحسب العُرْف (١). قال: (والتأكيد يُقَوِّي الأول والتابع لا يفيد). لما كان التأكيدُ والتابع فيهما شَبَهٌ بالمترادِف حتى ظن بعض الناس أن التابع من قبيل المترادفِ - ذكر المصنف الفرق بينهما. وحاصله: أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت. والمؤكِّد لا يفيد غير فائدة الأول بل تقويته (٢). وهو على نوعين: لفظي: وهو ما يكون لفظه لفظَ المؤكَّد (٣). ومعنوي: وهو ما يكون بغير ذلك اللفظ، مثل: كُلِّهم (٤).

стр. 970

وأما الفرق بين المترادف والتابع مثل قولنا: شيطان لَيْطَان، ونظائره - فهو أن التابع لا يفيد. كذا أطلقه في الكتاب، وزاد الإمام فقال (١): "بل شَرْط كونه مفيدًا تَقَدُّمُ الأوّل عليه" (٢). وأما الآمدي فإنه قال: "التابع قَدْ لا يفيد معنى أصلًا" (٣) بإثبات قد، قال: "ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَن، أي: في قولهم حَسَنٌ بَسَنٌ فقال: لا أدري ما هو" (٤). والتحقيق أن التابع يفيد التقوية؛ فإن العرب لا تضعه سدى، وجَهْل أبي حاتم بمعناه لا يضر، بل مقتضى قوله: إنه لا يدري - معناه: أن له مَعْنَى وهو لا يعرفه. فإنْ قلت: فصار كالتأكيد؛ لأنه أيضًا إنما يفيد التقوية. قلت: التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز (٥)، فإنك إذا قلت: قام القوم احتمل أن تريد (٦) البعض مجازًا، وينتفي هذا الاحتمال بقولك بعد ذلك: كلُّهم. وأيضًا فالتابع مِنْ شرطه أن يكون على زِنَة المتبوع، والتأكيد لا يكون كذلك (٧).

стр. 971

وقول المصنف: "التأكيد يقوي" ليس بجيد بل كان ينبغي أن يقول: التأكيد تقوية، أو المؤكِّد يقوي (١). قال: (وأحكامه في مسائل. الأُولى: في سببه: المترادفان إما مِنْ واضعين والتبسا، أو واحدٍ لتكثير الوسائل والتوسع في مجال البديع). ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم أن كلَّ ما يُظَنُّ (٢) من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات، كما في الإنسان والبشر، فإن الأول موضوع له (٣)، باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يُؤْنَس (٤).

стр. 972

والثاني: باعتبار أنه بادي البشرة (١). وكذا الخَنْدريس (٢) والعُقَار (٣) فإن الأول باعتبار العِتْق (٤)، والثاني باعتبار عُقْر الدَّنِّ لشدتها. وتكلَّف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب. وقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس (٥) في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة العربية (٦) وسنن العرب وكلامها،

стр. 973

ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب (١). وهذا الكتاب كتب منه ابن الصلاح نُكَتًا (٢) منها هذه، وعلَّقتُ أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه. ونحن نقول: أما الجواز فلا يُظَنَّ بعاقل (٣) المنازعة فيه، ضرورةَ أنه لا يلزم مِنْ فرض وقوعه محال. وأما الوقوع ففي مسمياتٍ تخرج عن حَدِّ الحصر. إذا عرفت ذلك فلوقوع الألفاظ (٤) المترادفة سببان: أحدهما: أن يكون مِنْ واضعين. قال الإمام: "ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري" (٥) مثل أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمُسَمَّى الواحد من غير أن تَشْعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان ويَخْفى الواضعان، أو يلتبس وَضْعُ أحدِهما بوضع الآخر. ولا يخفى عليك أن هذا السبب مبني على كون اللغات اصطلاحية.

стр. 974

والثاني: أن يكون مِنْ واضعٍ واحدٍ، وهو السبب الأقلي (١) كما ذكر الإمام. وله فوائد منها: أن تكثر الوسائل أي: الطرق إلى الإخبار عما في النفس، فإنه ربما نَسِي أحد اللفظين أو عَسُر عليه النطق به. وقد كان بعض الأذكياء في الزمن السالف ألثغ، فلم يُحفظ عليه أنه نطق بحرف الراء، ولولا المترادفات تُعينه على ما قَصَده لما قَدَر على ذلك (٢). ومنها: التوسع في مجال البديع، أي: في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة في النظم والنثر؛ وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأتى باستعماله مع لفظ آخر السجع (٣)، والقافية (٤)، والتجنيس (٥) (٦)،

стр. 975

والترصيع (١) (٢) وغير ذلك من أصناف البديع، ولا يتأتى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ (٣). قال: (الثانية: أنه خلاف الأصل؛ لأنه تعريف المعرَّف ومُحْوِجٌ إلى حفظ الكل).

стр. 976

نقل الإمام أن مِنَ الناس مَنْ قال: الترادف وإنْ كان واقعًا لكنه على خلاف الأصل، وبه جزم في الكتاب، وحينئذ إذا دار اللفظ بين كونه مرادفًا للفظٍ (١) آخر أو مباينًا له - فحَمْله على المباين له أولى. واستدل على كونه على خلاف الأصل بوجهين: أحدهما: أن المقصود لما حصل بأحد اللفظين فالأصلُ عدم الثاني لئلا يلزم تعريف المعرَّف. والثاني: أنه موجِبٌ للمشقة؛ لأنه يوجب حفظ جميع تلك الألفاظ؛ إذ لو لم يحفظ جميعها احْتمَل أن يكون الذي اقتصر على حفظه خلاف ما اقتصر عليه الآخر، فعند التخاطب يجهل كل واحدٍ منهما مرادَ صاحبه (٢). قال: (الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته؛ إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ). هل يجب صحةُ إقامةِ كل واحد من المترادفين مكانَ الآخر؟ فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه غير واجب. قال الإمام: "وهو الحق" (٣). والثاني: أنه واجب بمعنى أنه يصح مطلقًا، وهو اختيار ابن الحاجب. وقال الإمام: "إنه الأظهر في أول النظر" (٤).

стр. 977

والثالث: وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي: إنْ كانا مِنْ لغةٍ واحدة صح وإلا فلا. أما صحته إذا كانا من لغة واحدة فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين وجب أن يصح مع الآخر؛ لاتحاد معناهما. وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل؛ فإن إحدى اللغتين بالنسبة (إلى اللغة الأخرى) (١) بمثابة المهمل. فإن قلت: التركيب كما يتعلق بالمعنى كذلك يتعلق باللفظ، كما في أنواع البلاغة من الترصيع والتجنيس وغير ذلك، فإن رعاية هذه الأمور غرض يقصده اللبيب. قلت: رعاية هذه الأمور خارجة عن المقصود الأصلي من الكلام، فإنها من مُحَسِّنات الكلام لا مِنْ مصحِّحاته. وفي قول المصنف: "إذ التركيب"، إشارة إلى أن الخلاف إنما هو في حال التركيب، وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جواز ذلك. هذا كلام الأصوليين في المسألة. وأما الفقهاء فلا خلاف عندهم في إقامة كل واحد (٢) من المترادفين المختلفي اللغة مقامَ الآخر فيما تُشترط فيه الألفاظ، كعقود البياعات وغيرها (٣)، وأما ما وقع النظرُ في أن التعبد هل وقع بلفظه فليس مِنْ هذا

стр. 978

الباب؛ لأن المانع إذ ذاك من إقامة أحد المترادفين مقامَ الآخر ليس أنه لا يصح إقامةُ مترادِفٍ (١) مقامَ صاحبِه، بل لما وقع من التعبد بسبيكة (٢) لفظه، كالخلاف في أن لفظ النكاح هل (٣) ينعقد بالعجمية واللغات للقادر على العربية، ونظائر ذلك (٤)؟ (٥). قال: (الرابعة: التوكيد: تقوية مدلولِ ما ذَكَرَ بلفظٍ ثانِ. فإما أن يؤكد (٦) بنفسه مثل قوله ﵇: "والله لأغزون قريشًا" ثلاثًا. أو بغيره (٧): للمفرد: كالنَّفْس والعَيْن، وكلا وكلتا، وكلٍّ وأجمعين وأخواتِه. أو الجملة (٨) كإنَّ). (لك أن تقول الفصل معقود للترادف فلا مدخل لأحكام التوكيد فيه، فكان ينبغي أن يقول: الفصل الرابع في أحكام الترادف والتأكيد كما فعل

стр. 979

الإمام (١)، والخطب في ذلك يسير) (٢). اعلم أن التوكيد عبارة عن: تقوية مدلولِ اللفظِ المذكورِ أَوَّلًا بلفظٍ مذكورٍ ثانيًا. هكذا قاله صاحب "الحاصل" (٣)، وتبعه المصنف. وقد أُورِد عليهما أن التابع يدخل في هذا؛ لأنه يفيد تقوية الأول كما حررناه، فكان مِنْ حقه أن يقول: بلفظٍ ثانٍ مستقلٍ بالإفادة. وأورد عليه أيضًا القَسَم، وإنَّ، واللام، فإنها تؤكِّد الجملة وليس ذلك بلفظ ثانٍ بل أول. ولا يمكنه أن يقول بدل "ثان": بلفظ آخر؛ لأنه يُوهم أنه يشترط في المؤكِّد أن يكون بلفظٍ مغاير لذلك، فيخرج التأكيد اللفظي. ولك أن تجيب أوَّلًا: بأن الثاني هنا بمعنى: واحد، كما في قوله: ثاني اثنين (٤). وثانيًا: بأن ما يؤكِّد الجملة مما ذكر وإن حصل به التأكيد لم يصطلح النحاة على تسميته تأكيدًا، ولم تُدْخله في باب التأكيد، وليس كل ما يحصل به التأكيد يكون تأكيدًا في الاصطلاح، بل لو قال القائل: أؤكد عليك - لم يكن تأكيدًا، مع صراحته فيه، واشتماله على لفظه. إذا عرفت ذلك فقالت النحاة: التوكيد على نوعين: لفظي، ومعنوي.

стр. 980

الأول: اللفظي: قال في الكتاب: "وهو أن يؤكِّد بنفسه". أي: بتكرار ذلك اللفظ الأول، ومَثَّل له بقوله ﷺ : "والله لأغزون قريشًا" ثلاثًا، والحديث مروي في سنن أبي داود من حديث مسعر عن سماك عن عكرمة مرفوعًا واللفظ: "والله لأغزون قريشًا" ثم قال: "إن شاء الله" ثم قال: "والله لأغزون قريشًا إن شاء الله" ثم قال: "والله لأغزون قريشًا" ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" (١). ورواه أبو داود من طريق أخرى مرسلًا (٢)، وهو بهذا اللفظ غير صريح في التأكيد لاحتمال أن كل جملة مقصودة بإنشاء الحَلِف في نفسها، ألا ترى إلى استثنائه في كل منها وسكوته في البعض (٣).

стр. 981

وقد ذكر النحاة (١) مَنْ شواهده قولَ الشاعر: أيا مَنْ لستُ أقْلاهُ (٢) ... ولا في البُعْدِ أنْساهُ لك اللهُ على ذاكَ ... لك اللهُ لك اللهُ هذا شرح ما ذكره (٣) المصنف في اللفظي. وقد قال النحويون: إن إعادةَ اللفظِ بعينه على ضربين: الأول: أن يكون ذلك في الجمل: وهو إما مقرون بعاطفٍ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (٥). وإما مُجَرَّدٌ منه كالبيت الذي ذكرناه. والضرب الثاني: أن يكون في المفردات: وهو إما أن يكون اسمًا كقولك: قام زيد زيد. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (٦).

стр. 982

أو فعلًا، والأكثر أن يكون مع المؤكِّد فاعلُ الأول (١)، أو ضميرُه، نحو: قام زيد قام زيد (٢). (أو قام زيد قام) (٣) (٤). وقد يكون فاعل المؤكِّد والمؤكَّد ضميرين، كقولك: صِلْ صِلِ الصديقَ. وقد يُسْتغنى بفاعل أحدهما، وقد اجتمع الأمران (٥) في قول الشاعر: (فأينَ إلى أينَ النجاةُ ببغلتي ... أتاكِ أتاكِ اللاحقون احْبِسِ احْبِسِ (٦) أو حرفًا، كقول الشاعر) (٧): فلا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بِي ... ولا لِلِمَا (٨) بِهِمْ أبدًا دَوَاءُ (٩)

стр. 983

الثاني (١): التأكيد المعنوي: وهو بغير ذلك اللفظ الأول، وذلك قسمان: أحدهما: أن يكون مؤكِّدًا للمفرد: فإما أن يكون مؤكِّدًا للواحد مثل: جاء زيد نفسه، ومحمد عينه. أو للمثنى مثل: جاء الزيدان كلاهما، أو المرأتان كلتاهما. أو للجمع مثل: جاء القوم كلهم، أو أجمعون. قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٢)، ومن ذلك أخوات أجمعين: كأكتعين، وأبْصَعين، وأبْتَعين (٣).

стр. 984

والثاني: أن يكون مؤكِّدًا للجملة: كإنَّ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (١)، ولام الابتداء، والجملة القَسَمية (٢). قال: (وجوازه ضروري ووقوعه في اللغات معلوم). أنكر بعض الملاحدة التوكيد والخلاف معه: إما في الجواز وهو ضروري، أو في الوقوع. ومَن استقرأ لغةَ العرب وجدها مشحونة به, وله فوائد تُعْرف مِنْ تتبع خواصِّ تراكيب الكلام، وأدناها بُعْدُ احتمال المجاز أو نفيُه، فإنك إذا قلت: قام زيدٌ - احتمل أن تريدَ غلامَه مجازًا، فإذا قلت: نَفْسُه - فإن لم يقتض ذلك انتفاءَ احتمال المجاز فلا أقلَّ من اقتضائه صيرورة (٣) هذا الاحتمال (٤) مرجوحًا ضعيفًا؛ ولذلك نقول: زيد قائم لمن يكتفي بهذا الخبر. فإذا أردت أن تُقَرِّر عنده ذلك لم تجد بُدًّا من التأكيد بإنَّ، فتقول: إن زيدًا قائم. فإذا توهمت منه نكيرًا لم تَلْفَ غِنىً عن زيادة اللام فتقول: إن زيدًا لقائمٌ. ولذلك قال بعض أصحابنا: إذا قال: استأجرتك لكذا، أو لتفعل (٥) كذا - لم يكن الحاصل به إجارةُ عينٍ بل ذمة، وإن اقتضى ذلك الإضافةَ إلى المخاطَب (٦)، وأنه لا

стр. 985

يحصل إجارة العين إلا إذا قال: استأجرت عينك، أو نفسك، أو لتعمل بنفسك كذا (١). فائدتان: إحداهما: عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁ أنه (٢) قال: "اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات". قال: "وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣)، (في جميع السورة - فذلك ليس تأكيدًا، بل كل آية قِيل فيها: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة) (٤) فالمراد المكذبون بما تقدم ذِكْرُه قُبَيْل هذا القول (٥)، ثم يَذْكُر اللهُ تعالى معنى آخر، ويقول: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد (٦). وكذلك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٧) في سورة
следующие страницы →