← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المسألة الثانية: أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر، فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة الفطر له. المسألة الثالثة: أن يسافر في أثناء الشهر ليلاً، فله الفطر في صبيحة الليلة التى يخرج فيها وما بعدها، في قول عامة أهل العلم. المسألة الرابعة: الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه وينهض في سفره، هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم بحالٍ. استدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وجه الدلالة: أن الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه، فليس له الفطر؛ لأنه في صبيحة اليوم كان مقيمًا؛ فوجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ثم إذا أراد أن يسافر في نفس هذا اليوم، وأراد أن يفطر، فإنه بذلك يكون قد أبطل عمله، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. قال ابن قدامة (١): لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ والمسح على الخفين؛ ولأنه قد خلط إباحة بحظر، ولا بد من تغليب أحدهما في الحكم؛ فكان تغليب الحظر أَوْلى. • القول الثانى: يباح للمسافر فطر اليوم الذى يسافر فيه نهارًا من رمضان، إذا برز عن البيوت (٢)، وهو قول أحمد. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وجه الدلالة: أن الرجل إذا خرج من بلده مسافرًا، فله حكم المسافر، له أن يقصر الصلاة ويفطر وهو في طريقه في السفر.

стр. 107

وفي «الصحيحين» (١) عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصاةُ، أُولَئِكَ العُصاةُ». وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ مِنَ المدِينَةِ صَائِمًا، فَلما بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ أَفْطَرَ، فَحَصَلَ صَائِمًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مُفْطِرًا فِي آخِرِهِ. أما دليلهم من المأثور: ١ - فعن اللجلاج قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَيَسِيرُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ، فَيَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاة وَيَفْطُرُ» (٢). ٢ - عن ابن عمر: «أَنَّهُ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ» (٣). ٣ - عن مغيرة قال: «خَرَجَ أَبُو مَيْسَرَةَ فِي رَمَضَانَ مُسَافِرًا، فَمَرَّ بِالْفُرَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَخَذَ مِنْهُ حَسْوَةً، فَشَرِبَهُ وَأَفْطَرَ» (٤). ٤ - عن ابن جريج قال: قال عطاء: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، تَقْصُرُ إذَا أَفْطَرْت، وَتَصُومُ إذَا وَفَّيْتَ الصَّلَاةَ (٥). ٥ - عن عبد الرحمن بن حرملة قال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المسَيَّبِ: أُقْصِرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ إلَى رِيمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهُوَ بَرِيدان مِنَ المدِينَةِ (٦). أما دليلهم من المعقول: فهو قياس الصوم على الصلاة، فكما أنه يجوز للمسافر أن

стр. 108

يقصر الصلاة في اليوم الذي سافر فيه نهارًا، فكذلك يجوز الإفطار؛ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ إِنَّمَا أُبِيحَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: المرَضُ وَالسَّفَرُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ لِلمرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَإِنْ صَامَ فِي أَوَّلِهِ فَكَذَلِكَ المسَافِرُ (١). • القول الثالث: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرجَ عن جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢). استدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فروى البخاري (٣) عن ابن عباس ﵁ قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ». قال الشوكاني: وهذا الحديث تقوم به الحجة علي جواز إفطار من أصبح في حضر مسافرًا. الدليل الثاني: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قال: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ (٤).

стр. 109

وجه الدلالة منه: قال ابن العربي: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَحِيحٌ، يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ مَعَ أُهْبَةِ السَّفَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ السُّنَّةِ) لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى التَّوْقِيفِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ. وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: (مِنَ السُّنَّةِ) يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ بِأَنَّ الْإِفْطَارَ لِلمسَافِرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ مِنَ السُّنَّةِ. الدليل الثالث: عن مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عُقْبَةَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا. قَالَ: فَلما رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اليوم أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَرَاهُ! إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ!! يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قال عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ

стр. 110

اقْبِضْنِي إِلَيْكَ (١). الدليل الرابع: عَنْ عُبَيْدٍ بْنَ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ. فَقُلْتُ: أَلَسْتَ بَيْنَ الْبُيُوتِ؟ فَقال أَبُو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! (٢). قال الشوكاني (٣) بعد ذكر فعل أنس وأبي بصرة الغفاري: والحديثان يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه. أما دليلهم من المأثور: فاستدلوا بما ورد عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: «أَلم أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا، وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمَا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا، وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا» (٤). واعْتُرِضَ على هذا القول بما قاله ابن قدامة (٥): وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَهَذَا شَاهِدٌ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنَ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. قلت: والأحاديث التى ذكروها لا تخلو من مقال؛ فالراجح أن المسافر لا يفطر حتى يبرز عن البيوت، وهو أعدل الأقوالٍ، والله أعلم.

стр. 111

• المبحث الثالث: صيام الحامل والمرضع: وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: يجوز للحُبْلَى أن تفطر إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها - بالإجماع (١). قال ابن حزم (٢): وَأَمَّا وُجُوبُ الْفِطْرِ عَلَيْهِمَا فِي الْخَوْفِ عَلَى الْجَنِينِ وَالرَّضِيعِ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلم﴾: وَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» فَإِذْ رَحْمَةُ الْجَنِينِ وَالرَّضِيعِ فَرْضٌ، وَلَا وُصُولَ إلَيْهَا إلاَّ بِالْفِطْرِ فَالْفِطْرُ فَرْضٌ. قال شيخ الإسلام: إن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، إما لأن الجوع يضربه، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه؛ فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى، فإنه يُخاف هلاك الولد بصومها. وعليهما مع الفطر القضاء،؛ لأنها ترجو القدرة عليه، فإذا قدرت صامت كالمريض والمسافر. • المطلب الثانى: إذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما، فعليهما القضاء دون الكفارة بالإجماع. قال النووي (٣): فإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة؛ لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما، فوجب عليهما القضاء دون كفارة كالمريض، وهذه كله لا خلاف عليه. قال ابن قدامة (٤): الَحاملُ وَالمرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَهُمَا الْفِطْرُ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَحَسْبُ، لَا نَعْلم فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلم اخْتِلَافًا؛ لأنهمَا بِمَنْزِلَةِ المرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ. • المطلب الثالث: إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفًا على الجنين والرضيع، ماذا عليهما؟

стр. 112

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال (١): • القول الأول: ذهب أبو حنيفة إلى أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فليس عليهما إلا القضاء (٢). واستدل لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ المسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ أَوْ الصِّيَامَ» (٣).

стр. 113

_________ =ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٤٦٩)، وعبد الرزاق (٧٥٦٠)، وغيرهم من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر، وأخرجه النسائي (٤/ ١٨٠) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أمية، وأخرجه البخاري «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٩) عن أبي قلابة أن رجلًا أخبره أن أبا أمية أخبره، وأخرجه النسائي (٤/ ١٨١) عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن رجل قال: أتيت النبي. وأخرجه النسائي (٤/ ١٨١) عن خالد عن أبي العلاء بن الشخير عن رجل، وأخرجه يعقوب في «المعرفة» (١/ ٤٧٠) عن هشيم عن خالد عن أبي قلابة ويزيد بن الشخير عن رجل من بني عامر، وأخرجه يعقوب أيضًا من طريق الأوزاعى قال: حدثنى يحيى بن أبي كثير قال حدثنى أبو قلابة الجرمى قال: حدثنى أبو أمية أو أبو المهاجر عن أبي أمية قال: «قدمت على رسول الله … » وقد اضطرب الرواة في تسمية صحابي هذا الحديث، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٦٦): سمِعتُ أبِي يقُولُ … وذكر حدِيث الأوزاعِيِّ عن يحيى بنِ أبِي كثِيرٍ، عن أبِي قِلابة الجرمِيِّ، قال: حدّثنِي أبُو أُميّة، أو قال: أبُو المهاجرِ، عن أبِي أُميّةِ … الحديث، فسمِعتُ أبِي يقُولُ: النّاسُ يختلِفُون فِي هذا الحدِيثِ فمِنهُم من يقُولُ: يحيى بنُ أبِي كثِيرٍ، عن أبِي قِلابة، عن أنسِ بنِ مالِكٍ الكعبِيِّ. ومِنهُم من يقُولُ: عن أبِي أُميّة، والصّحِيحُ ما يقُولُهُ أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ: عن أبِي قِلابة، عن أنسِ بنِ مالِكٍ القُشيرِيِّ. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١١) في ترجمة أبي أمية الجشمى: ذكره بعض مَنْ أَلَّف في الصحابة، وذكر له حديثًا في الصيام من حديث الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عصام ابن يحيى مرفوعًا مثل حديث القشيرى: أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة. وهذا حديث مضطرب الإسناد، ولا يُعرف أبو أميمة هذا، ومنهم من يقول فيه أبو تميمة ولا يصح أيضًا، ومنهم من يقول فيه: أبو أمية. ولا يصح شيء من ذلك من جهة الإسناد، وهذا الحديث اضطرب سندًا ومتنًا، أخرجه الترمذي وحسنه من حديث ابن سوادة عن أنس ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ». ثم إن لفظ الحديث كما أورده البيهقي ظاهره وضع شطر الصلاة عن الحامل والمرضع، وليس الأمر كذلك بخلاف اللفظ الذى أورده الترمذي وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث قبيصة ثنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك وفى آخره: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ … »، وإنما رواه الناس عن الثوري عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بنى عقيل عن رجل يقال له: «أنس بن مالك» انتهى كلامه. وفي الحديث أن النبي ﷺ قد أعلم في هذا الخبر أن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والشطر في هذا الموضع النصف لا القليل، ولم يضع «نصف» فريضة الصلاة على الكمال والتمام، لأنه لم يضع من صلاة الفجر، ولا من صلاة المغرب عن المسافر شيئًا.

стр. 114

وجه الدلالة ما قاله الطبري: وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صحيحًا، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ مَا دَامَتَا عَاجِزَتَيْنِ عَنْهُ حَتَّى تُطِيقَا فَتَقْضِيَا، كَمَا وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يُقِيمَ فَيَقْضِيَهُ … لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ. • القول الثاني: ذهب ابن عباس (١)، وابن عمر (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، وإبراهيم (٤) إلى أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنهما يطعمان ولا يقضيان. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وجه الدلالة: أن الآية نُسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ على المطيق وثبت على الذى لا يطيق، والحبلى والمرضع داخلتان في عموم الآية، ويفسر ذلك ما ورد عن ابن عباس ﴿قال: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ في ذَلِكَ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاآ وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالْحَامِلُ وَالمرْضِعُ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا (٥).

стр. 115

واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال: بأن الآية منسوخة عند الجمهور بلا استثناء ولا تفصيل، فعن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا (١). • القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٢). قال ابن قدامة: الحامل والمرضع وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يوم، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالمرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالمرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا». واعْتُرِضَ على هذا بأن الآية منسوخة عند الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وأما دليلهم على وجوب القضاء فهو قول الرسول ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عن الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ والمسّافر الصَّوْمَ». أي وضع عنهما القضاء ما دامتا عاجزتين، حتى تستطيعا فتقضيا؛ ولأنه ذكر في الحديث المسافر، وإنما وضع عنه الأداء فقط. • القول الرابع: الحبلى تقضي ولا تكفِّر، والمرضع تقضي وتكفِّر: قال الليث: الْكَفَّارَةُ عَلَى المرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ المرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا، بِخِلَافِ الْحَامِلِ؛ وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِالْحَامِلِ، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا (٣).

стр. 116

قال الخطابي (١): وقال مالك: الحبلى تقضي ولا تكفِّر؛ لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفِّر. واعْتُرِضَ على هذا القول بأن التفريق بين الحامل والمرضع ليس عليه دليل، لا من كتابٍ ولا من سنة. • القول الخامس: ما قاله ابن حزم (٢): فَإِنْ خَافَتِ المرْضِعُ عَلَى المرْضَعِ قِلَّةَ اللَّبَنِ وَضَيْعَتَهُ لِذَلِكَ وَلم يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، أَوْ لم يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ خَافَتِ الْحَامِلُ عَلَى الْجَنِينِ، أَوْ عَجَزَ الشَّيْخُ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِ - أَفْطَرُوا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ وَلَا إطْعَامَ. واستدل لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ» قالوا: وضع أي: سقط الصوم فلا قضاء عليهما ولا إطعام. واعترض عليه بأن هذا الحديث حجةٌ عليهم، وذلك بأنه ﷺ جمع بين حكم المسافر والحامل والمرضع، وإذا كان وضع عن المسافر الصوم حتى يقيم فيقضيه، فكذا وضع عن الحامل والمرضع الصوم حتى تطيقا فتقضيا. قال شيخ الإسلام: وأشبه القولين وجوب القضاء؛ لأن النبي ﷺ ذكر «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ والحَامِل والمرِضَع» ولم يردْ إلا وضعُ الأداء دون القضاء؛ لأنه ذَكَرَ المسافر وإنما وضع عنه الأداء فقط، ولأنها ترجو القدرة على القضاء، فهى كالمريض. قال الطبري: إنه وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا، كما وضع عن المسافر حتى يقيم فيقضيه. والراجح: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فحكمهما حكم المريض؛ لأنها ترجو القدرة عليه، وحديث أنس بن مالك وإن كان له إسناد حسن إلا أن بعض أهل العلم أعله بالاضطراب، وإن صح فمعناه: أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا؛ ولأن النبي ﷺ ذكر «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ

стр. 117

المسَافِرِ والحَامِل والمرضَع الصَّوْمَ» ولم يَرد إلا وضع الأداء؛ ولأنهما ترجوان القدرة على القضاء، كما وضع الصوم عن المسافر حتى يقيم فيقضيه؛ ولأن النبي ﷺ جَمَع بين حكمه وبين حكم الحامل والمرضع، ولا تجتمع عليهما كفارتان. وسئلت اللجنة الدائمة: الحامل أو المرضع إذا خافت على نفسها أو على الولد في شهر رمضان وأفطرت فماذا عليها؟ ج: إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من صوم أفطرت وعليها القضاء فقط، شأنها شأن الذي لا يَقوَى على الصوم أو يخشى منه على نفسه مضرةً، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وكذا المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه، أفطرت وعليها القضاء فقط، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. • المبحث الرابع: صيام الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه، وفيه مطلبان: • المطلب الأول: الإفطار جائز لهما بالنص والإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وللإجماع المنعقد على ذلك. قال ابن رشد (١): وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ اللَّذَانِ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الصِّيَامِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للشيخ والعجوز العاجزين الفطر (٢). قال الشافعي: الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، أى يلحقه به مشقة شديدة، والمريض الذى لا يُرْجَى برؤه - لا صوم عليهما بلا خلاف (٣).

стр. 118

• المطلب الثاني: إذا أفطر الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه، ماذا عليهما؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه - عليهما الكفارة (١). استدلوا بالنص والمأثور: روى البخاري (٢) عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالمرْأَةُ الْكَبِيرَةُ، لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا». وجه الدلالة ما قاله الكاساني (٣): وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ -أَيْ: الصَّوْمَ- ثُمَّ عَجَزُوا عَنْهُ - فِدْيَةٌ طعَامُ مِسْكِينٍ وَاللَّهُ أَعْلم؛ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ لما فَاتَهُ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إلَى الْجَابِرِ وَتَعَذَّرَ جَبْرُهُ بِالصَّوْمِ فَيُجْبَرُ بِالْفِدْيَةِ، وَتُجْعَلُ الْفِدْيَةُ مِثْلًا لِلصَّوْمِ شَرْعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ، كَالْقِيمَةِ فِي ضَمَانِ المتْلَفَاتِ. واعْتُرِضَ عليه من وجهين: الأول: أن لفظ الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ والشيخ الكبير والمريض الذي لا يُرْجَى برؤه لا يطيقان الصيام؛ فلا يُستدل لهما بالآية، قال مالك: لا فدية عليه. ووجه قوله أن الله تعالى أوجب الفدية على المطيق للصوم، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهو لا يطيق الصوم؛ فلا تلزمه فدية (٤).

стр. 119

الثاني: أن هذه الآية منسوخةٌ عند جمهور العلماء بلا استثناء ولا تفصيل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فلا يجوز الاستدلال بالمنسوخ. أما دليلهم من الماثور: فعن ثابت قال: «كبِر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق الصيام، فكان يفطر ويطعم» (١). وعن سعيد بن جبير كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: هي في الشيخ الكبير والعجوز، إذا لم يستطيعا الصيام، فعليهما أن يطعما كل يوم مسكينًا، كل واحد منهما، فإن لم يجدا فلا شيء عليهما» (٢). وعن عكرمة بن عمار قال: سألت طاوسًا عن أمي وكان بها عُطاش، فلم تستطع أن تصوم رمضان، قال: تطعم كل يوم مسكينًا مُدَّ بُرٍّ. قال: بأي مُد؟ قال: مُد أرضك (٣). • القول الآخر: ذهب مالك إلى أن الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يُرْجَى برؤه إذا كانا لا يستطيعان الصوم - فلا يجب عليهما فدية (٤). قلت: الأحوط في هذه المسألة والله أعلم أن الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يُرْجَى برؤه، إذا كان يجهده الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة،

стр. 120

فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينًا، فإن كانا عاجزين عن الإطعام، فلا شيء عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وأما قول مالك: (لا فدية عليهما)؛ فلأن الله أوجب الفدية على المطيق للصوم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهو لا يطيق فلا تلزمه فديةٌ، وأيضًا: فإن هذه الآية منسوخة عند جمهور العلماء. وما ورد عن أنس بن مالك وغيره فعلى وجه الاستحباب، فهذا القول له وجهته، والله أعلم بالصواب. • المبحث الخامس: هل يباح الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة؟ هل يجوز لأصحاب الأعمال الشقة أن يفطروا في رمضان كالذين يعملون في مصانع الحديد والصلب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة؟ الجواب: أفتى الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وعبد العزيز بن باز (١) فقالا: الأصل وجوب صوم رمضان، وتبييت النية له من جميع المكلفين من المسلمين، وأن يصبحوا صائمين إلا من رخص لهم الشارع بأن يصبحوا مفطرين، وهم المرضى والمسافرون ومن في معناهم، وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل لهم ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصوم، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب. وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب الأعمال الشاقة أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل إن أمكن ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان، بأن يجعل العمل ليلًا أو توزيع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعًا عادلًا يوفقون به بين العمل والصيام.

стр. 121

• المبحث السادس: من يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم؟ وفيه مطالب: • المطلب الأول: يحرم الصوم على الحائض والنفساء، ويجب عليهما الفطر، وذلك لما ثبت في «الصحيحين» (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لم تُصَلِّ وَلم تَصُمْ؟». ولما ثبت في «الصحيحين» (٢) عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ. قال النووي: أما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما. • المطلب الثاني: يجب الفطر على من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك. قال النووي (٣): قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: ويلْزَمُه القضاء كالمريض، والله أعلم. • المطلب الثالث: لو رأى الصائم في رمضان مشرفًا على الهلاك ولا يمكنه تخليصه إلا بالفطر، وجب عليه الإفطار: قال النووي (٤): قالوا: لو رأى الصائم في رمضان مشرفًا على الغرق ونحوه، ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر ليتقوى، فأفطر لذلك، جاز، بل هو واجب عليه، ويلْزَمُه القضاء.

стр. 122

الفصل السادس مفسدات الصوم تنقسم المفطرات إلى ثلاثة أقسام: • القسم الأول: المفطرات بالداخل إلى الجسم، وفيه مباحث. • المبحث الأول: الداخل إلى الجسم عن طريق الفم، وفيه مطالب: • المطلب الأول: الأكل والشرب عامدًا. • المطلب الثاني: من أكل أو شرب ناسيًا. • المطلب الثالث: الطعام الذي يُخرجه الإنسان من بين أسنانه إن تعمد ابتلاعه. • المطلب الرابع: بَلْع الريق هل يفطر الصائم؟ • المبحث الثاني: الداخل إلى الجسم عن طريق الأنف، وفيه: • المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء إلى حلقه من غير قصد، وما يتعلق بهما من أحكام • المبحث الثالث: الداخل إلى الجسم عن طريق العين: • أي هل الكحل يفطر الصائم؟ • المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق الحقن. • القسم الثاني: المفطرات بالخارج من الجسم، وفيه مباحث: • المبحث الأول: الجماع وإنزال المني وما يتعلق بهما من أحكام. • المبحث الثاني: الحيض والنفاس. • المبحث الثالث: القيء. • المبحث الرابع: الحجامة. • القسم الثالث: مفطرات أخرى، وفيه مبحثان: • المبحث الأول: من ارتد فقد أفطر. • المبحث الثاني: من نوى الإفطار فقد أفطر.

стр. 123

القسم الأول المفطرات بالداخل إلى الجسم وفيه مباحث: • المبحث الأول: الداخل إلى الجسم عن طريق الفم، وفيه مطالب: • المطلب الأول: الأكل والشرب عامدًا. قال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الصَّبَاحَ، لم يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ بَعْدَ ذَلِكَ (١). قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فدلت هذه الآية على أنه لا يجوز الأكل ولا الشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وفي الحديث «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»، فمن لم يذر الطعام والشراب والشهوة لله فليس بصائم. • المطلب الثاني: من أكل أوشرب ناسيًا، فهل عليه القضاء. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من أكل أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد (٢). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٣)، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله:

стр. 124

«مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». وجه الدلالة: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، وإذا كان أطعمه الله وسقاه فلا قضاء عليه. وروى ابن خزيمة (١) عن أبي هريرة ﵁. أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». أما دليلهم من المأثور: فعن سَعِيد المقبري أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أبا هريرة ﵁ فَقال: أَكَلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ. قال: شَرِبْتُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ. قال: فَأَكَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: يَا بُنَيَّ أَنْتَ لم تَعْتَدِ الصِّيَامَ (٢). • القول الآخر: ذهب مالك إلى أن من أكل أو شرب ناسيًا في صيام واجب؛ فعليه القضاء. واستدل لذلك بالقياس على الصلاة، فكما أن من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فكذلك من نسِى فأكل أو شرِب فيرفع عنه الإثم وعليه القضاء. واعْتُرِضَ عَليه بأن هذا القياس لا يُقبل مع وجود النص.

стр. 125

واستدلوا أيضًا: بأنه على أصل الإمام مالك، بأن خبر الواحد إذا خالف القاعدة لم يُعمَل به، والقاعدة عندهم بأنه يسقط الإثم عن الناسي ولا يسقط القضاء، وخبر أبي هريرة ﵁ خبر واحد، فإذا كان يسقط القضاء ويخالف القاعدة فلا يُعمل به. واعْتُرِضَ عَليه بما قاله الحافظ ابن حجر: وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ، وَرَدُّهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ صحتِهِ بِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ لَيْسَ بِمُسَلم؛ لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالصِّيَامِ، فَمَنْ عَارَضَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ أَدْخَلَ قَاعِدَةً فِي قَاعِدَةٍ، وَلَوْ فُتِحَ بَابُ رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذَا لما بَقِيَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّيْسِير عَلَيْهِمْ وَرَفْعُ المشَقَّةِ وَالْحَرَجِ. الراجح في المسألة: أن من أكل أو شرب ناسيًا لا يفسد صومه وليس عليه القضاء؛ لما في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». • المطلب الثالث: الطعام الذي يُخرجه الإنسان من بين أسنانه، إن تعمد ابتلاعه، هل يفسد صومه؟ قال ابن قدامة (١): وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ لم يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ فَازْدَرَدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لأنه لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ. قال ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلم. الحالة الثانية: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلم. قال الشافعي (٢): نُفَطِّرُهُ بِمَا بين أَسْنَانِهِ إذَا كان يَقْدِرُ على طَرْحِهِ. قال ابن حزم: وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالمالِكِيُّونَ: مَنْ خَرَجَ - وَهُوَ صَائِمٌ - مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ سَحُورِهِ كَالْجَذِيذَةِ وَشَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَبَلَعَهُ، عَامِدًا لِبَلْعِهِ ذَاكِرًا

стр. 126

لِصَوْمِهِ، فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَمَا نَعْلم هَذَا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمَا! وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ أُكِلَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا لم يُؤْكَلْ! فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ أَسْقَطَ وَأَوْحَشَ مِنَ الْقَوْلِ المحْتَجِّ لَهُ وَمَا عَلمنَا شَيْئًا أُكِلَ فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ بَعْدَ الْأَكْلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيْئًا أَوْ عَذِرَةً وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْبَلَاءِ. وقال: وَإِنَّمَا الْحَقُّ الْوَاضِحُ فَإِنَّ كُلَّ مَا سُمِّيَ أكلًا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ - فَتَعَمُّدُهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ (١). • المطلب الرابع: بَلْع الريق لا يُفطر بالإجماع: قال ابن حزم ﵀: وَأَمَّا الرِّيقُ - فَقَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَعَمُّدَ ابْتِلَاعَهُ لَايَنْقُضُ الصَّوْمَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ (٢). • المبحث الثاني: الداخل إلى الجسم من طريق الأنف: وفيه: (المضمضة والاستنشاق للصائم، وما يتعلق بهما من أحكام). • المطلب الأول: المضمضة والاستنشاق لا تفطر بالنص والإجماع. عن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٣). قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يُفْطِرُ بِالمضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا (٤). • المطلب الثاني: من تمضمض أو استنشق في الطهارة ولم يبالغ فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، ماذا عليه؟ • القول الأول: قال ابن قدامة: وَإِنْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ، فَسَبَقَ الماءُ إلَى

стр. 127

حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قال الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إلَى حَلْقِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ المتَعَمِّدَ. قال النووي (١): قال الحسن البصرى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا يبطل مطلقًا. • القول الآخر: قال مالك، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُفْطِرُ؛ لأنه أَوْصَلَ الماءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ (٢). قال النووي: قال ببطلان الصوم مطلقًا مالك وأبو حنيفة والمزنى، قال الماوردي: هو قول أكثر الفقهاء (٣). والراجح والله أعلم: أن من تمضمض أو استنشق وهو صائم، فسبق الماء إلى حلقه، من غير قصد، فأنه لا شيء عليه؛ لأنه غير عامد. • المطلب الثالث: إذا بالغ في المضمضة والاستنشاق فوصل شيء من الماء إلى حلقه ماذا عليه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يفطر بذلك، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الحنابلة (٤). وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه لا يفطر بذلك (٥). قال ابن قدامة ﵀: فَأَمَّا إنَّ أَسْرَفَ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»،

стр. 128

وَلِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِإِيصَالِ الماءِ إلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ. وَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ المبَالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ التَّعَمُّدَ. والثانى: لَا يُفْطِرُ بِهِ; لِأَنَّهُ وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ. • الحاصل في المسألة: أولاً: لا تفطر المضمضة والاستنشاق بالنص والإجماع. ثانيًا: من تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، فلا شيء عليه. ثالثًا: إذا تمضمض أو استنشق فبالغ في ذلك فوصل الماء إلى حلقه من غير قصد، فقد فعل مكروهًا، وخالف أمر النبي ﷺ حيث قال: «وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ولا يفطر بذلك؛ لأنه غير عامد. • المبحث الثالث: الداخل إلى الجسم عن طريق العين، وفيه: هل يباح الكحل للصائم؟ للعلماء في ذلك قولان: • القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية وابن حزم إلى أنه لا بأس بالكحل للصائم، حتى وإن وجد طعمه في حلقه، لأنه ليس للعين منفذ إلى الجوف (١). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٢).

стр. 129

وعن عائشة قالت: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» (١). وأما دليلهم من المأثور: فإن أنسًا كان يكتحل وهو صائم (٢). وقال عطاء: «لَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ» (٣). • القول الثاني: ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا بأس بالكحل ما لم يدخل إلى حلقه، فإن وجد طعمه في حلقه أفطر (٤)، لأن الداخل من العين يفطر إذا تحقق وصوله إلى الحلق. واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما من السنة: فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ المرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (٥). وأما من المأثور: فقال عبد الرزاق: عن ابن التيمي أن أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة - قالوا: إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يومًا مكانه. قال: وكان أبوه يكره الكحل للصائم (٦).

стр. 130

قال عبد الرزاق، عن الثوري: «إنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الكُحْلَ لِلْصاَئِمْ» (١). والراجح: أن ما يدخل في العين لا يؤثر في الصوم ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا ظاهرًا من منافذ الجوف، مثلها مثل الأذن (٢). قال شيخ الإسلام (٣): وَإِذَا كَانَتْ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكُحْلَ وَنَحْوَهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَا تَعُمُّ بِالدُّهْنِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْبَخُورِ وَالطِّيبِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُفْطِرُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا بَيَّنَ الْإِفْطَارَ بِغَيْرِهِ فَلما لم يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُلم أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الطِّيبِ وَالْبَخُورِ وَالدُّهْنِ، وَالْبَخُورُ قَدْ يَتَصَاعَدُ إلَى الْأَنْفِ وَيَدْخُلُ فِي الدِّمَاغِ وَيَنْعَقِدُ أَجْسَامًا، وَالدُّهْنُ يَشْرَبُهُ الْبَدَنُ وَيَدْخُلُ إلَى دَاخِلِهِ وَيَتَقَوَّى بِهِ الْإِنْسَانُ، وَكَذَلِكَ يَتَقَوَّى بِالطِّيبِ قُوَّةً جَيِّدَةً، فَلما لم يَنْهَ الصَّائِمَ عَنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ تَطْيِيبِهِ وَتَبْخِيرِهِ وَادِّهَانِهِ وَكَذَلِكَ اكْتِحَالُهُ. وإلى ذلك ذهب المجمع الفقهي في دورته العاشرة (٤). وعلى ذلك فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية (٥). • المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق الحقن: • وفيه: هل الحقنة (٦) تفطر الصائم؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أن الحقنة تفطر الصائم (٧).

стр. 131

قال النووي: الْحُقْنَةُ مُفْطِرَةٌ عِنْدَنَا وَنَقَلَهُ ابْنُ المنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ والثَّوْرِيِّ وأبي حَنيِفَةَ وأحمد وإسحاق وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ، وَنَقَلَهُ المتَوَلِّي عَنْ عَامَّةِ الْعُلماءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَدَاوُد: لَا يُفْطِرُ (١). قال شيخ الإسلام (٢): وَأَمَّا الْكُحْلُ وَالْحُقْنَةُ وَمَا يُقْطَرُ فِي إحْلِيلِهِ وَمُدَاوَاةُ المأْمُومَةِ

стр. 132

وَالْجَائِفَةِ، فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلم؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لم يُفَطِّرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَطَّرَ بِالْجَمِيعِ لَا بِالْكُحْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَطَّرَ بِالْجَمِيعِ لَا بِالتَّقْطِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لم يُفَطِّرْ بِالْكُحْلِ وَلَا بِالتَّقْطِيرِ وَيُفَطِّرُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنْ دِينِ المسْلمينَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الصِّيَامِ وَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِهَا، لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ بَيَانُهُ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لَعَلمهُ الصَّحَابَةُ وَبَلَّغُوهُ الْأُمَّةَ كَمَا بَلَّغُوا سَائِرَ شَرْعِهِ، فَلما لم يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلم عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَا حَدِيثًا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا وَلَا مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا - عُلم أَنَّهُ لم يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. * * *

стр. 133

القسم الثاني المفطرات بما يخرج من الجسم وفيه مباحث: • المبحث الأول: الجماع، وفيه مطالب: • المطلب الأول: حكم الجماع عامدًا في نهار رمضان: اتفق العلماء على تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، إذا كان متعمدًا، ذاكرًا لصومه، وأنه ناقض للصوم، موجب للكفارة (١)، وقد حكى ابن المنذر (٢) وغيره (٣) الإجماع على ذلك. ودلَّ على ذلك الكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 134

دلت الآية على إباحة الجماع للصائم في ليالى الصوم حتى يتبيَّن الفجر، وأنه محرم عليه في النهار. وأما الأدلة من السنة فكثيرة، منها: ما رواه البخاري ومسلم (١) عن أبى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه هَلَكْتُ!! قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لَا. فَقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال: لَا. قال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقال: أَنَا. قَالَ: «خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». فَقال الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله؟ فَوَالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي!! فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». قال البغوى (٢): ذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الكفارة إذا أفسد صومه بالجماع، على ما ورد في الحديث. • المطلب الثاني: إنزال المنى بغير الجماع: وفيه مسائل: • المسألة الأولى: حكم من قَبل امرأته في نهار رمضان فأنزل أو استمنى بيده. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ: الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من قبَّل امرأته في نهار رمضان أو استمنى بيده فأنزل، أنه عليه القضاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٤) عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 135

«يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». دل ذلك: على أن الصائم مأمورٌ بترك الأكل، والشرب، والشهوة، ومن قبَّل أو استمنى، فأنزل؛ فإنه لم يَدَع الشهوة (١). • القول الآخر: ذهب ابن حزم إلى أن من قَبَّل امرأته أو استمنى بيده، فأنزل، أنه لا قضاء عليه ولا كفارة (٢). واستدل لذلك ببراءة الذمة، أو استصحاب العدم الأصلي، وهو أنه لم يَرد دليل يوجب على من قبَّل أو استمنى فأنزل - قضاءً ولا كفارةً، إذ أن أصول المفطرات ثلاثة: الأكل والشرب والجماع، وهذا ليس منها. قال ابن حزم: وَأَمَّا الِاسْتِمْنَاءُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ … ثُمَّ يَنْقُضُهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إمْنَاءٌ. واعترض عليه: بأن الدليل ورد بقوله «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» والذى يستمني لم يدع الشهوة؛ لأن معنى شهوته في الحديث تعمُّ الجماع ونزول المني بقبلة أو استمناء. واستدلوا بما ورد عن جابر بن زيد أنه قال: «إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ» (٣). وهذا الأثر أورده البخاري ليستدل به على أن الاستمناء بسبب الشهوة لا ينقض الصوم، ولا فَرْقَ في الحكم بين النظر والمباشرة في كونها سببًا في الإنزال. وأُجِيبَ عن هذا: بأن هناك فَرقًا بين النظر وبين الاستمناء وبين الفكر، ولذلك قد

стр. 136

حكى الماوردي الإجماع على أنه من فكر بقلبه فأنزل فلا شاء عليه، ثم لو صح هذا الأثر فإنه لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة. الراجح في المسألة: أن إنزال المني بشهوة، سواء كان باستمناء، أو بقبلةٍ، يُفْطِرُ الصائم، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». والذى يستمني لم يدع الشهوة. وقد نُقل الإجماع على أن إنزال المنى بشهوة سواء كان بقبلةٍ أو باليد يفطر الصائم. قال ابن قدامة: إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى، فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وقال النووي: إذا استمنى بيده - وهو استخراج المني - أفطر بلا خلاف. قال الماوردي (١): أَمَّا إِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَمْ يُنْزِلْ، فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ. وَإِنْ أَنْزَلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ إِجْمَاعًا. • فتاوى معاصرة: المسألة الأولى: حكم ما يسمى بالعادة السرية في نهار رمضان؟ سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين: في رمضان السابق وأنا صائم وقعت في العادة السرية، فماذا يجب عليَّ؟ فأجاب: عليك أن تتوب إلى الله من هذه العادة؛ لأنها محرمة على أصح القولين لأهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ٧﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، ولقول النبي ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». فأرشد الشباب الذين لا يستطيعون الباءة إلى الصوم، والصوم فيه نوع من المشقة بلا شكٍّ، ولو كانت العادة السرية جائزة لأرشد النبي ﷺ إليها؛ لأنها أهون على الشباب؛ ولأن فيها شيئًا من المتعة، وما كان النبي ﷺ يعدِل عن الأسهل إلى الأشق لو كان

стр. 137

الأسهل جائزًا؛ لأنه كان من عادته ﷺ أنه ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وعدول النبي ﷺ عن الأيسر في هذه المسألة يدلُّ على أنه ليس بجائز، أما بالنسبة لعمله وهو صائم في رمضان فإنه يزداد إثمًا؛ لأنه بذلك أفسد صومه؛ فعليه أن يتوبَ إلى الله توبتين: توبة من عمل العادة السرية، وتوبة لإفساد صومه، وعليه أن يقضِىَ هذا اليوم الذي أفسده. • أثر إخراج المني في الصوم: قال أسامة الخلاوي (١): أما فيما يتعلق بالطريقة الأولى: وهي إخراج الحيوانات المنوية من العضو الذكري جراحيًّا أو سطحيًّا؛ فالظاهر أن هذه الطريقة بحد ذاتها لا تؤثر؛ لأنه ليس فيها إنزال للمني الذي نص الفقهاء على الإفطار بإنزاله، ولا تؤدي إلى لذة، وإنما هي عملية جراحية عادية، تستهدف إخراج الحيوانات المنوية، و قد تخرج دون الحاجة إلى المني ذاته. أما ما كان باستعمال الجهاز الهزاز، فهذا يفسد الصوم؛ لأنه يسبب الإنزال عن طريق استثارة الحشفة، ومن ثَم الإنزال، وبما أن هذه العملية لا تحتاج إلى مخدر، فإن المريض سيشعر باللذة، فتكون بمثابة الاستمناء، والاستمناء مفسد للصوم، وفارَقَ الاحتلام في أن الاستمناء مصاحب للذة وهو بإرادته، أما الاحتلام فمغلوب عليه. ما كان عن طريق جهاز القذف الآلي، والذي يظهر لي أنها تفطر مع أن المريض الذي لا يزال محتفظًا بالإحساس أسفل منطقة البطن يُعطى مخدرًا عامًّا لئلا يشعر بالألم إلا أن خروج المني عندئذٍ وإن لم يكن بتلذذ وشهوة، إلا أنه خرج باختياره دفقًا، وليس هو عن مرض عارض، وإنما قَصَده المريض قصدًا، وكان بإمكانه تأخيره لليل أو لما بعد انقضاء أيام الصيام، فلم يشبه الاحتلام، وإنما هو كالطريقة السابقة في إفساد الصوم بسبب استدعاء خروج المني وقصده.

стр. 138

المسألة الثانية: من نظر إلى امرأة فأنزل في نهار رمضان ماذا عليه؟ أولاً: النظر إذا لم يقترن به إنزال، فلا يفسد الصوم بغير خلافٍ (١). أما إذا نظر فأمنى، فاختلفوا في فساد الصوم على أقوالٍ: • القول الأول: قال جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ نَظَرَ فَأَمْنَى؛ لأنه إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ (٢). واستدلوا بما ورد عن جابر بن زيد أنه قال: «إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ». أورده البخاري للدلالة على الإمناء بسبب النظر لا ينقض الصوم. وبالقياس على الاحتلام بجامع انتفاء المباشرة (٣). • القول الثانى: قال مالك: إن نظر فأنزل بأول نظرة، فعليه القضاء دون الكفارة، وإن كرَّرَ النظر فعليه القضاء والكفارة (٤). واستدلوا لذلك بما رواه مسلم (٥) قال النبي ﷺ : «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ ويكذبهُ الفَرجُ». وجه الدلالة منه: المساواة بين النظر واللمس في حصول الزنا بهما، وإذا كانت العين تزني بالنظر، فكذا إذا نظر فأنزل فعليه القضاء والكفارة. واعْتُرِضَ عليه بما قاله الماوردي (٦): هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ اللَّمْسَ إِذَا صَدَّقَهُ الْفَرْجُ صَارَ زِنًا يُسْتَوْجَبُ بِهِ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ، فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ فَلَا حَدَّ وَلَا كَفَّارَةَ. واستدلوا أيضًا بأنه إنزال يتلذذ به، كاللمس، وفيه نوع من الاستمتاع، كالمباشرة. واعْتُرِضَ عليه بأن قياس النظر على المباشرة فيه نظر؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النظر

стр. 139

مقصور على الناظر، لا علاقة له بغيره. • القول الثالث: إنه إذا نظر فأنزل، إن كان ذلك بأول نظرة لم يأثم، ولا يجب عليه القضاء، وإن كرر النظر وتلذذ فأنزل فعليه القضاء، وهو قول الحنابلة (١). وقالوا: لأن النظرة: الأولى لا يمكن التحرز منها، ولأنه لا يأثم صاحبه فليس عليه القضاء. وأما النظرة الثانية فإنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه فأفسد الصوم كالإنزال باللمس. واعترض عليه بأنه ليس هناك دليل يمنع من نظر الرجل إلى امرأته. والراجح الله أعلم: هو القول الأول، أي أن من نظر إلى امرأته فأنزل، فليس عليه قضاء ولا كفارة، وإن نظر إلى أجنبية أثم، وليس عليه شيء. المسألة الثالثة: حكم نزولِ المنى بغير شهوة، كالمنى الذى يخرج لمرض وغيره؟ قال ابن قدامة (٢): فَأَمَّا إنَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوِ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ؛ وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَلَا تَسَبُّبٍ إلَيْهِ؛ فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ. المسألة الرابعة: حكم من فكَّر بقلبه فأنزل، هل يفطر؟ قال الماوردي (٣): أَمَّا إِنْ فَكَّرَ بِقَلْبِهِ فَأَنْزَلَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَرَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأَ وَالنَسْيَانَ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» (٤). ولكن ورد عن المالكية والحنابلة في رواية (٥) أن الفكر مع الاستدامة إذا حصل منه معه إنزال - يفسد الصوم؛ لأنه داخل تحت الاختيار، والصحيح أن صومه صحيح؛ لقول

стр. 140

الرسول ﷺ : «إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأَ وَالنَسْيَانَ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ». ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، فيبقى على الأصل وهو أشبه ما يكون بالاحتلام، والله أعلم. المسألة الخامسة: الاحتلام لا يفطر بالإجماع: قال النووي: أما إذا احتلم فلا يفطر بالإجماع؛ لأنه مغلوب، كمن طارت ذبابة فوقعت في جوفه بغير اختياره، فهذا هو المعتَمد في دليل المسألة. • المطلب الثالث: إذا قبَّل أو باشر فأمذى ماذا عليه؟ اتفق الفقهاء على عدم وجوب الكفارة فيمن قبَّل أو باشر فأمذى، واختلفوا في وجوب القضاء على قولين: • القول الأول: أن مَنْ قبَّل أو باشر فأمذى ليس عليه قضاء، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والحنابلة في روايةٍ اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١). قال ابن قدامة (٢): إذا قبَّل فأمذى، قال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر. وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واستدلوا لذلك بأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول. والأصل عدم وجوب القضاء بالمذي إلا بدليل ولا يوجد. • القول الثانى: أن من قبَّل أو باشر فأمذى أنه يجب عليه القضاء، وهو قول المالكية، والحنابلة في الصحيح (٣)، قال ابن قدامة: أَنْ يُمْذِيَ فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ. واستدلوا لهذا القول بحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». قال الزركشى (٤): فيه إشارةٌ إلى أن من لم يملك إربه يضره ذلك، سواء أمنى أو أمذى. استدلوا بالقياس: فقاسوا المني على المذي، وذلك أن المذي خارج تخلَّله شهوة، خرج

стр. 141

بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني (١). واعْتُرِضَ على هذا القياس: بأنه لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق والمني يوجب الغسل، بينما المذي لا يوجب ذلك. قال ابن مفلح (٢): وقياسه على المني لا يصح لظهور الفرق. الراجح: أن من قبَّل أو باشر فأمذى فإنه صيامه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الأصل عدم فساد الصوم بالمذي فيبقى عليه، وأن الصوم عبادةٌ فلا يمكن أن نُفسد الصوم بنزول المذى إلا بدليل، وأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول. • المبحث الثاني: الحيض والنفاس: وفيه مطالب: • المطلب الأول: الحيض والنفاس من المفطرات: الحيض النفاس من المفطرات بالنص والإجماع. ففي «الصحيحين» (٣): عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». ففي «الصحيحين» (٤): عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِى إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ. قال النووي: وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما، فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء؛ لما روت عائشة ﵂ قالت في الحيض: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» فوجب القضاء على الحائض بالخبر، وقيس عليها النفساء لأنها في معناها.

стр. 142

وقال الماوردي (١): لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا صَوْمَ عَلَيْهَا فِي زَمَانِ حَيْضِهَا، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهَا، وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ عَلَى الصَّوْمِ أَبْطَلَهُ. • المطلب الثاني: لماذا تقضي الحائض الصوم دون الصلاة؟ لأمرين: • أحدهما: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ». • الثانى: أن المشقة لاحقة في إعادة الصلوات لترادفها مع الأوقات، والصوم لقلَّته لا تلحق المشقة في إعادته؛ فلهذا لزمها قضاء الصيام دون الصلاة. • المطلب الثالث: فتاوى معاصرة خاصة بالحيض للصائمة: سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟ فأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض، إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرُّها، ولا يؤثِّر على جهاز حملها، وخيرٌ لها أن تكُفَّ عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان، وشرَع لها قضاء الأيام التى أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا (٢). • المبحث الثالث: القيء للصائم، وفيه مطالب: • المطلب الأول: من ذرعة القيء، أي خرج من غير اختيار منه: قال ابن المنذر (٣): وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وانفرد الحسن البصري فقال: عليه. ووافق في أخرى.

стр. 143

قال ابن عبد البر (١): واختلف العلماء فيمن استقاء، بعد إجماعهم على أن من ذرعه القيء، فلا شاء عليه. قال ابن قدامة (٢): وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قال: الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا. • المطلب الثاني: من استقاء عامدًا: قد نقل غير واحد الإجماع على أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء. قال الخطابي (٣): ولا أعلم بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا أن عليه القضاء. وقال ابن المنذر (٤): وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامدًا. وقال ابن الهمام (٥): وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا وَخَرَجَ، إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، فَسَدَ صَوْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ. وقال الصنعاني (٦): ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من تعمد القيء يفطر. قلت (أي الصنعاني): لكن روي عن ابن عباس ومالك وربيعة والهادي أن القيء لا يفطر مطلقًا، إلا إذا رجع منه شيء. • واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول: أما أدلتهم من السنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» (٧).

стр. 144

واعْتُرِضَ على هذا الحديث بأنه وإن كان ظاهره الصحة إلا أنه أعله النقاد من أهل العلم، فقد قال البخاري: ولا يصح إسناده (١) وأعله الإمام أحمد (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (٣). الدليل الثاني: عن مَعْدَان بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ (٤).

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →