بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني (١).
واعْتُرِضَ على هذا القياس: بأنه لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق والمني يوجب الغسل، بينما المذي لا يوجب ذلك.
قال ابن مفلح (٢): وقياسه على المني لا يصح لظهور الفرق.
الراجح: أن من قبَّل أو باشر فأمذى فإنه صيامه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الأصل عدم فساد الصوم بالمذي فيبقى عليه، وأن الصوم عبادةٌ فلا يمكن أن نُفسد الصوم بنزول المذى إلا بدليل، وأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول.
• المبحث الثاني: الحيض والنفاس:
وفيه مطالب:
• المطلب الأول: الحيض والنفاس من المفطرات:
الحيض النفاس من المفطرات بالنص والإجماع. ففي «الصحيحين» (٣): عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».
ففي «الصحيحين» (٤): عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِى إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.
قال النووي: وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما، فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء؛ لما روت عائشة ﵂ قالت في الحيض: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» فوجب القضاء على الحائض بالخبر، وقيس عليها النفساء لأنها في معناها.
стр. 142
وقال الماوردي (١): لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا صَوْمَ عَلَيْهَا فِي زَمَانِ حَيْضِهَا، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهَا، وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ عَلَى الصَّوْمِ أَبْطَلَهُ.
• المطلب الثاني: لماذا تقضي الحائض الصوم دون الصلاة؟
لأمرين:
• أحدهما: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».
• الثانى: أن المشقة لاحقة في إعادة الصلوات لترادفها مع الأوقات، والصوم لقلَّته لا تلحق المشقة في إعادته؛ فلهذا لزمها قضاء الصيام دون الصلاة.
• المطلب الثالث: فتاوى معاصرة خاصة بالحيض للصائمة:
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟
فأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض، إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرُّها، ولا يؤثِّر على جهاز حملها، وخيرٌ لها أن تكُفَّ عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان، وشرَع لها قضاء الأيام التى أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا (٢).
• المبحث الثالث: القيء للصائم، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: من ذرعة القيء، أي خرج من غير اختيار منه:
قال ابن المنذر (٣): وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وانفرد الحسن البصري فقال: عليه. ووافق في أخرى.
стр. 143
قال ابن عبد البر (١): واختلف العلماء فيمن استقاء، بعد إجماعهم على أن من ذرعه القيء، فلا شاء عليه.
قال ابن قدامة (٢): وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قال: الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا.
• المطلب الثاني: من استقاء عامدًا:
قد نقل غير واحد الإجماع على أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء.
قال الخطابي (٣): ولا أعلم بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا أن عليه القضاء.
وقال ابن المنذر (٤): وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامدًا.
وقال ابن الهمام (٥): وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا وَخَرَجَ، إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، فَسَدَ صَوْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وقال الصنعاني (٦): ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من تعمد القيء يفطر. قلت (أي الصنعاني): لكن روي عن ابن عباس ومالك وربيعة والهادي أن القيء لا يفطر مطلقًا، إلا إذا رجع منه شيء.
• واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:
أما أدلتهم من السنة:
فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» (٧).
стр. 144
واعْتُرِضَ على هذا الحديث بأنه وإن كان ظاهره الصحة إلا أنه أعله النقاد من أهل العلم، فقد قال البخاري: ولا يصح إسناده (١) وأعله الإمام أحمد (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (٣).
الدليل الثاني: عن مَعْدَان بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ (٤).
وجه الدلالة من هذا الحديث أنه ﷺ «قَاءَ فَأَفْطَرَ» أي بمعنى: استقاء عامدًا فأفطر.
قال ابن المنير: إنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُقِّبَ بِالْفَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةُ، كَقَوْلِهِمْ: سَهَا فَسَجَدَ (١).
• واعْتُرِضَ على هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث اختلف في إسناده اختلافًا كبيرًا.
الثاني: إن صح هذا الحديث فليس فيه دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.
قال الطحاوي (٢): لَيْسَ فِي الحديث أَنَّ الْقَيْءَ كَانَ مُفْطِرًا لَهُ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَاءَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
الدليل الثالث: عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ حَنَشٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَدَعَا بِشَرَابٍ، فَقال لَهُ بَعْضُ أَصحابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ تُصْبِحْ صَائِمًا؟ قَالَ:
стр. 147
«بَلَى، وَلَكِنْ قِئْتُ» (١).
الدليل الرابع: عن ثوبان قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ (٢).
أما دليلهم من المأثور: فاستدلوا بأثر ابن عمر ﴿، قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاء، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ» (٣).
• القول الآخر: القائلون بأن القيء لا يفطر.
قال ابن قدامة (٤): وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ».
واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ .
واستدلوا لذلك بأن الفطر بما يدخل كالأكل والشرب، لا بما يخرج كالقيء.
стр. 148
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ (١).
وعن ابن عباس ﴿أنه قال: «الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» (٢).
وعن عكرمة قال: «الإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (٣).
واعترض عليه بما قاله ابن المنير: يؤخذ من هذا الحديث أن الصحابة كانوا يؤولون الظاهر بالأقيسة من حيث الجملة، ونقض غيره هذا الحصر بالمني، فإنه إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة.
قال ابن تيمية: وَأَمَّا مَنْ تَدَبَّرَ أُصُولَ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدَهُ، فَإِنَّهُ رَأَى الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالصَّوْمِ أَمَرَ فِيهِ بِالِاعْتِدَالِ، حَتَّى كَرِهَ الْوِصَالَ، وَأَمَرَ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ، وَجَعَلَ أَعْدَلَ الصِّيَامِ وَأَفْضَلَهُ صِيَامَ دَاوُد، وَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنَ الْإِنْسَانِ مَا هُوَ قِيَامُ قُوَّتِهِ، فَالْقَيْءُ يُخْرِجُ الْغِذَاءَ، وَالِاسْتِمْنَاءُ يُخْرِجُ الْمَنِيَّ، وَالْحَيْضُ يُخْرِجُ الدَّمَ، وَبِهَذِهِ الْأُمُورِ قِوَامُ الْبَدَنِ، لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَا لَا يُمْكِنُ، فَالِاحْتِلَامُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، وَكَذَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ دَمِ الْحَيْضِ فَإِنَّ لَهُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، فَالْمُحْتَجِمُ أَخْرَجَ دَمَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتَصِدُ، بِخِلَافِ مَنْ خَرَجَ دَمُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَالْمَجْرُوحِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ؛ فَكَانَتِ الْحِجَامَةُ
стр. 149
مِنْ جِنْسِ الْقَيْءِ وَالِاسْتِمْنَاءِ وَالْحَيْضِ، وَكَانَ خُرُوجُ دَمِ الْجُرْحِ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالِاحْتِلَامِ وَذَرْعِ الْقَيْءِ، فَقَدْ تَنَاسَبَتِ الشَّرِيعَةُ وَتَشَابَهَتْ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْقِيَاسِ (١).
الحاصل في مسألة من استقاء عامدًا:
ذهب جمهور العلماء إلى إبطال صوم من استقاء عامدًا، واستدلوا بالآتي ذكره:
أولًا الإجماع: فقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدًا.
قال الصنعاني: ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من تعمد القيء يفطر، قلت (أي الصنعاني): لكن روي عن ابن عباس، ومالك، وربيعة، والهادي أن القيء لا يفطر مطلقًا إلا إذا رجع منه شيء.
ثانيًا: استدلوا من السنة على إبطال صوم من استقاء عامدًا بالآتي ذكره:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ».
ولكن هذا الحديث ضعيفٌ معلّ، أعله البخاري حيث قال: ولا يصح إسناده. وأعله أحمد بن حنبل لما سئل عن هذا الحديث: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
الدليل الثاني: حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ «قَاءَ فَأَفْطَرَ» وهذا الحديث اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.
قال ابن منده: إسناده صحيح متصل، تَرَكه الشيخان لاختلاف في إسناده، وإن صح
стр. 150
هذا الحديث، فليس بصريح في المسألة.
قال الطحاوي: ليس في هذا الحديث دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.
الدليل الثالث: حديث فضالة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي يوم كَانَ يَصُومُهُ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كُنْتَ تَصُومُهُ، قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي قِئْتُ».
ولكن هذا الحديث في إسناده أبو مرزوق وثقه العجلي وابن حبان، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً، وابن حبان والعجلي متساهلان في توثيق المجاهيل، وإن كان وثقه الذهبي وابن حجر، وإن صح فلفظة «قِئْتُ» ليست بصريحة هل هو ذرعه القيء، أم استقاء عامدًا؟
أما دليلهم من المعقول: فاستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بأن القيء يُخرج الغذاء، والاستمناء يُخرج المني، والحيض يُخرج دم الحيض، وبهذه الأمور قوام البدن، فكما أن الحيض والاستمناء يفطران، فكذلك القيء، وفَرَّقَ بين ما يمكن الاحتزار منه وما لم يمكن، فكما أن الاحتلام والاستحاضة لا تفطران فكذلك من ذرعه القيء.
• القول الأخر: قالوا: بأن القيء لا يفطر مطلقًا.
واستدلوا بقول النبي ﷺ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ: الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» ولكنه حديث ضعيف، ولا يصح عن رسول الله.
واستدلوا أيضًا بالقياس فقالوا: الفطر مما دخل لا مما خرج.
قلت: وهذه القاعدة ليست مطردة؛ فإن المني إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة، وكذلك الحيض والنفاس يخرج وهو موجب للقضاء، ولكن مع وجود الخلاف ومع عدم الترجيح، فنُفتِي بقول الجمهور، أي من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن أخذ بقول من قال: (إن القيء لا يفطر مطلقًا) فله وجهة والله أعلم، وهو الموفق إلى سواء السبيل.
стр. 151
• المبحث الرابع: هل الحجامة تفطر الصائم؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر الصائم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (١).
• استدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:
أما دليلهم من السنة: الدليل الأول: عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «اِحْتَجَمَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَائِم» (٢).
واعترض عليه بأنه ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما.
الدليل الثاني: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ، وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا إِبْقَاءً عَلَى أَصحابِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: «إِنْ أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» (١).
وجه الدلالة منه: ما قاله الحافظ: وقوله: «إبقاء على أصحابه» يتعلق بقوله: (نهى). اه
وقوله: «ولم يحرمهما» صريح في عدم التحريم. أي: أن الحجامة لا تفطر الصائم (٢).
واعترض عليه بأن هذا الحديث ليس صريحًا في المسألة؛ لأنه قرن مع الحجامة المواصلة التي فيها تفصيل؛ فهي مكروهة إلى السحر، محرمة إلى اليوم التالي.
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ
стр. 154
الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» (١).
وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ «رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» (٢).
стр. 155
وجه الدلالة «رخص» تدل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تفطره.
واعترض عليه: بأن الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ .
أما دليلهم من المأثور:
١ - فعن ثَابِت الْبُنَانِي يَسْأَلُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (١).
٢ - عن أبي ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال: «الفطرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (٢).
٣ - عن هشام بن عروة عن أبيه «أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ» (٣).
٤ - عن الشعبي قال: «احتجم حسين بن علي بن أبي طالب وهو صائم» (٤).
٥ - عن إبراهيم قال: «ما كانوا يكرهون الحجامة للصائم إلا من أجل الضعف» (٥).
• القول الآخر: ذهب أحمد إلى أن من احتجم وهو صائم فقد أفطر.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الحجامة للصائم، قال: إذا احتجم في رمضان فقد
стр. 156
أفطر، يقضي يوما مكانه ولا كفارة عليه (١).
• استدلوا بالسنة والمأثور والمعقول:
أما دليلهم من السنة: فقال رسول الله ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٢).
стр. 157
أما دليلهم من المأثور:
١ - فعن أبى هريرة قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١).
٢ - وعن ابن عمر ﴿: «أنه كان يَحْتَجِمُ وَهُو صائمٌ، ثم تَرك ذلك» (٢). وبلفظ: «لَمْ
стр. 158
يَكُنْ يَسْتَحْجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ» (١).
٣ - وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ مُمْسِيًا، فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ تَمْرًا وَكَامَخًا، وَقَدِ احْتَجَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تَحْتَجِمُ بِنَهَارٍ؟ فَقَالَ: أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهْرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِمٌ؟!» (٢).
٤ - ورد هذا المعنى عن طلق بن حبيب (٣)، ومسروق (٤)، وعائشة (٥)، ولكن فيه ضعف عن عائشة.
• الحاصل في المسألة: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر الصائم.
واستدلوا لذلك: بحديث ابن عباس قال: احْتَجَمَ رسول الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.
واعترض عليه: بأن الحديث ضَعَّفه أحمد ويحيى القطان وغيرهما.
وذلك لأن أصحاب ابن عباس الثقات الأثبات (عطاء وطاوس وسعيد بن جبير) رووه بلفظ: احْتَجَمَ رسول الله وَهُوَ مُحْرِمٌ، وإن كان ورد من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فقد رواه خالد الحذاء، وهشام بن حسان، وهلال عن عكرمة بلفظ: احْتَجَمَ رسول الله وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وقد وردت طرق أُخر لا تصح عن رسول الله ﷺ .
قال مهنا: سألت أحمد بن حنبل عن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. فقال: ليس فيه صائم إنما هو محرم، قلت: فمن ذكره؟ قال: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاوس عن ابن عباس أنه ﵇ احتجم وهو محرم.
وكذلك طاوس عن ابن عباس مثله، وكذلك سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله.
стр. 159
قال أحمد: فهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا.
قال ابن القيم: المقصود أنه لم يصح عنه ﷺ أنه احتجم وهو صائم.
الدليل الثاني: أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمها إبقاء على أصحابه، قوله: (لم يحرمها). صريح في عدم التحريم، أي: أن الحجامة لا تفطر الصائم.
واعترض عليه بأن المواصلة من خصوصيات رسول الله ﷺ ومحرمة على أمته إلى اليوم التالي بالإجماع، وليس في الحديث أن الحجامة تفطر الصائم أم لا، فليس صريحًا في المسألة.
واستدلوا بحديث: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالِاحْتِلَامُ» وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ .
واستدلوا بحديث أبي سعيد: «رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ».
واعترض عليه بأن الحديث لا يصح مرفوعًا.
وأما استدلالهم بأثر أنس لما سئل: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَاَ، إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ.
فقال شيخ الإسلام ﵀: وأما اعتقاد من اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف، فهذا لا يمنع كونها مفطرة، فإن هذا تعليل كونها مفطرة (١).
• القول الآخر: ذهب أحمد وغيره إلى أن من احتجم وهو صائم فقد أفطر.
واستدلوا لهذا القول بعموم قول النبي ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».
واعترض على هذا الحديث من وجوه:
الأول: أن هذا الحديث ضعيف، ضعَّفه ابن معين والشافعي.
وأجيب عنه بأن الحديث صححه البخاري وأحمد وإسحاق وابن المديني وعثمان الدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت! فقال: هذا مجازفة (٢).
стр. 160
الوجه الثاني: أن حديث «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» منسوخ بحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
ودليل النسخ أن الشافعي والبيهقي روياه بإسنادهما الصحيح، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ زَمَانَ الْفَتْحِ، فَرَأَى رَجُلًا يَحْتَجِمُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».
وقد ثبت في «صحيح البخاري» من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قال الشافعي: وابن عباس إنما صحب النبي ﷺ محرمًا في حجة الوداع سنة عشرة من الهجرة ولم يصحبه محرمًا قبل ذلك وكان الفتح سنة ثمان بلا شك، فحديث ابن عباس السابق في قصة جعفر «ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة»، ولفظ الترخيص غالب ما يستعمل للترخيص بعد النهي (١).
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
أما قصة جعفر وفيه: «ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة» فهو لا يصح عن رسول الله ﷺ (٢).
وأما حديث ابن عباس: اِحْتَجَمَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَائِم. فيرد عليه من وجهين:
الأول: قد ضعفه غير واحد من أهل العلم.
стр. 161
الثاني: لو صح فهو مما لم يعلم تاريخه؛ لأن ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله ﷺ ، ولا رأيته فعل ذلك، وإنما روى رواية مطلقة، ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي ﷺ لا يبلغ عشرين قصة كما قاله غير واحد من الحفاظ، فمن أين لكم أن ابن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر كأكثر رواياته؟ وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرة مقطوعًا بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ ، ولا شهدها ونحن نقول: إنها حجة، لكن لا نُثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ما لم يُعلم التاريخ.
الوجه الثالث: معنى «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»: أنهما أفطرا بغير الحجامة، فإنهما كان يغتابان.
واعترض عليه: بما قاله الحافظ (١): جَاءَ بَعْضُهُمْ بِأُعْجُوبَةٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم» لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، قَالَ: فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَة تُفْطِرُ الصَّائِمَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَا يَخْرُجُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيث بِلَا شُبْهَة.
وقال ابن خزيمة (٢): فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ زَعَمَ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَكَ إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم» لأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ وَالْغِيبَةُ عِنْدَكَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ، فَهَلْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالله، يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّ الْمُغْتَابَيْنِ مُفْطِرَانِ، وَيَقُولُ هُوَ: بَلْ هُمَا صَائِمَانِ غَيْرُ مُفْطِرَيْنِ، فَخَالَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ.
الوجه الرابع: ما قاله الشافعي: القياس مع حديث ابن عباس.
أي: أن الفطر مما دخل كالطعام والشراب أو التلذذ بالجماع أو التفيؤ.
واعترض عليه بما قاله ابن القيم (٣): ثم نقول: بل القياس من جانبنا؛ لأن الشارع علق الفطر بإدخال ما فيه قوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من القيء، واستفراغ المني، وجعل الحيض مانعًا من الصوم؛ لما فيه من خروج الدم المضعف للبدن.
стр. 162
قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يعينه، وعن إخراج ما يضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمَر بالاقتصاد في العبادات، ولا سيما في الصوم؛ ولهذا أمَر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قَصْد في حفظ قوة الصائم عليه، كما له قصد في منعه من إدخال المفطرات، وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أَوْلى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة؟
فالراجح أن من احتجم في نهار رمضان أن يقضي يوما مكانه. والله أعلم.
وهنا مسألة على قول من قال «بأن الحجامة تفطر الصائم هل يفطر الحاجم والمحجوم؟
قال ابن القيم: القائلون بأن الحجامة تفطر لهم فيها أقوالٍ:
أحدها: أن المحتجم يفطر وحده دون الحاجم.
الثاني: وهو منصوص الإمام أحمد - أنه يفطر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين.
فإن قيل: فهب أن هذا يتأتى لكم في المحجوم، فما الموجب لفطر الحاجم؟
قلنا: لما كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية علق الحكم بمظنتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها، علق الحكم بالمظنة، وهو النوم، وإن لم يخرج منه ريح.
فإن قيل: فطَرْد هذا أن لا يفطر الشارط.
قلنا: نعم، ولا الحاجم الذي يشرط ولا يمص، أو يمصه مفطر غيره، وليس في هذا مخالفة للنص، فإن كلام النبي ﷺ خرج على الحاجم المعتاد، وهو الذي يمص الدم، وكلامه إنما يعم المعتاد، فاستعمال اللفظ بقصره على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلًا للنص (١)، والله أعلم.
стр. 163
• هل التشريط والفصاد يفطر الصائم؟
• اختلف أهل العلم القائلون بأن الحجامة تفطر في التشريط والفصاد على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يفطر بهما.
الثاني: يفطر بهما.
الثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد؛ لأن التشريط عندهم كالحجامة.
• واختلفوا في التشريط والفصاد، أيهما أولى بالفطر؟
والصواب الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية، واختيار صاحب الإفصاح؛ لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس، ولا فَرْق في ذلك بين الفصاد والتشريط، فبأي وجه أخرج الدم أفطر به، كما يُفطر بالاستقاء بأي وجه استقاء، إما بإدخال يده في فيه، أو بشمِّه ما يقيئه، أو بوضع يده على بطنه وتطامنه، وغير ذلك، فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به، وبهذا يتبيَّن توافق النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده، وتصديق بعضها بعضًا (١).
وَسُئِلَ شيخ الإسلام عَنْ رَجُلٍ افْتَصَدَ بِسَبَبِ وَجَعِ رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، هَلْ يُفْطِرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا أُعْلِمَ أَنَّهُ يُفْطِرُ إذَا افْتَصَدَ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِله. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَالله أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ عَنْ الْفِصَادِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ يُفْسِدُ الصَّوْمَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إنْ أَمْكَنَهُ تَأْخِيرُ الْفِصَادِ أَخَّرَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِمَرَضٍ افْتَصَدَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَالله أَعْلَمُ (٢).
стр. 164
• التبرع بالدم في نهار رمضان، هل يفطر الصائم؟
سئلت اللجنة الدائمة: رجل اضطر إلى مراجعة المستشفى في رمضان وهو صائم، ولما حضر إلى المستشفى أُخِذ منه دم، فهل يُخِل بصومه؟
الجواب: إذا كان الدم الذي أُخِذ منه يسيرًا عُرفًا فلا يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وإن كان ما أُخِذ منه كثيرًا عرفًا فإنه يقضي ذلك اليوم خروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط براءةً للذمة، وبالله التوفيق (١).
* * *
أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ أَجْزَأَهُ. بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لأنها عِبَادَةٌ يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالْحَجِّ. وَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَفَسَدَتْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اُعْتُبِرَ بَقَاءُ حُكْمِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَفَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَصحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجَّ، فَإِنَّهُ يَصحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُبْهَمَةِ، وَبِالنِّيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَافْتَرَقَا.
• الخلاصة: مفسدات الصوم:
١ - الأكل والشرب عامدًا في نهار رمضان من المفسدات، بالنص والإجماع.
٢ - ما كان بمعنى الأكل والشرب: كالإبر المغذية التي يستغني بها عن الطعام والشرب أيضًا من المفطرات. أما الإبر التي لا تُغذِّي ولا تقوم مقام الطعام والشرب، فلا تفطر سواء تناولها الإنسان في العضل أو في الوريد.
٣ - الجماع: وهو من المفطرات بالكتاب والسنة والإجماع.
٤ - ما كان بمعنى الجماع: كالاستمناء؛ لقول النبي ﷺ : «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»، والذي يستمني لم يدع الشهوة فكان الاستمناء من المفطرات.
٥ - خروج دم الحيض والنفاس: وذلك لقول النبي ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض ولا النفساء، ومتى طرأ الحيض على الصوم أبطله.
٦ - ذهب جمهور العلماء إلى أن من استقاء عامدًا، فعليه قضاء يوم مكانه.
٧ - الحجامة: هل تفطر الصائم؟ اختلف أهل العلم في ذلك: والأحوط أن الصائم لا يحتجم نهارًا، ولو احتجم يقضي يومًا مكانه.
стр. 167
٨ - الردة: فمن ارتد عن الإسلام فقد أفطر.
٩ - من نوى الإفطار فقد أفطر.
• وهذه المفطرات لا يفسد بها الصوم إلا بشروط:
١ - العلم: فإن كان جاهلاً فصيامه صحيح: لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ «قال الله: قد فعلت». رواه مسلم.
وروى البخاري (١) عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿حَتَّى يَتبيَّن لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. قَالَ: أَخَذْتُ عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَتبيَّن، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَضَحِكَ، وَقَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ، إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ». قال عُثْمَانُ: «إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
وروى البخاري (٢) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ ﴿قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ … » ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء.
٢ - أن يكون ذاكرًا: فلو أكل أو شرب ناسيًا فإنَّ صومه صحيح ولا قضاء عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ «قال الله: قد فعلت». ولحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».
٣ - أن يكون قاصدًا: وهو أن يكون الإنسان مختارًا لفعل هذا المفطر، فإن كان مُكْرَهًا فلا شيء عليه للآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
стр. 168
الفصل السابع المفطرات المستجدة
(النوازل الفقهية المعاصرة في التداوي بالداخل إلى الجسم)
• وفيه مباحث:
• المبحث الأول: الداخل عن طريق الفم، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: الغرغرة.
• المطلب الثاني: علاج الأسنان.
• المطلب الثالث: أدوية ما تحت اللسان.
• المبحث الثاني: الداخل عن طريق الأنف، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: بخاخ الربو
• المطلب الثاني: الأكسجين.
• المطلب الثالث: التخدير عن طريق الجهاز التنفسي.
• المطلب الرابع: قطرة الأنف.
• المطلب الخامس: استعمال الروائح العطرية في نهار رمضان.
• المبحث الثالث: الداخل عن طريق الفرجين، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: ما كان منفذه الدبر.
• المطلب الثاني: ما كان منفذه ذكر الرجل
• المطلب الثالث: ما كان منفذه فرج المرأة
• المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق العين والأذن
• المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن
• المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة
• المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون
• المبحث الثامن: قرارات المجامع الفقهية بشأن المفطرات المستجدة
وأخيرا- خلاصة ما سبق من المفطرات المستجدة.
стр. 169
المبحث الأول: الداخل من طريق الفم
وفيه مطالب:
• المطلب الأول: أثر الغرغرة في الصوم:
والغرغرة: أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع.
والغرض منها: تطهير الحلق خاصة لو كان ملتهبًا (١).
وقد أفتى المجمع الفقهي بأنه لا يفطر الصائم المضمضة والغرغرة وبخاخ الربو الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع (٢).
• المطلب الثاني: علاج الأسنان، وفيه مسألتان:
• المسألة الأولى: الدواء المخدر إذا حقنت به لثة المريض هل يفطر؟
هذا الدواء المخدر إذا حُقنت به لثة المريض لا يفطر؛ لأنه ليس مما يغذي ولا يصل إلى الحلق عن طريق الفم أو الأنف.
وسئلت اللجنة عن طبيب الأسنان يحتاج إلى إعطاء المريض إبرة في الفم للتخدير الموضعي من أجل العلاج، فهل يؤثر ذلك على الصيام؟ علمًا بأن المريض قد يستطيع تأجيل العلاج إلى الليل أو حتى بعد رمضان.
الجواب: لا بأس بإعطاء الصائم إبرة للتخدير الموضعي في الفم وغيره من أجل العلاج؛ لأنها ليست مغذية (٣).
стр. 170
• المسألة الثانية: استخدام الماء لتبريد آلة حفر الأسنان وحشو السن بالأدوية المناسبة:
أفتى المجمع الفقهي بأن حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان لا يفطر بها الصائم على أن يتجنب الابتلاع (١).
وسئلت اللجنة الدائمة عن طبيب الأسنان يستخدم الماء لتبريد آلة حك الأسنان، فهل ابتلاع المريض الصائم لهذا الماء بدون قصد يؤثر على الصيام؟ علمًا بأن المريض قد يستطيع تأجيل العلاج إلى الليل أو حتى بعد رمضان.
الجواب: لا بأس بوضع الماء في فم الصائم من أجل العلاج وغيره، بشرط ألا يتعمد ابتلاعه، وإن ذهب منه شيء إلى حلقه بغير اختياره فلا حرج عليه، وتأجيل العلاج إلى الليل أو إلى ما بعد رمضان أحوط (٢).
• المطلب الثالث: أدوية ما تحت اللسان:
هل تفطر الصائم الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية؟
أفتى المجمع الفقهي الإسلامي بجدة (٣) أن الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان (٤) لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق - لا تفطر الصائم.
• المطلب الرابع: ما حكم ابتلاع النخامة والبلغم للصائم؟
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: ما حكم ابتلاع النخامة والبلغم
стр. 171
للصائم؟
فأجاب: أما النخامة والبلغم فيجب لفظهما إذا وصلتا إلى الفم، ولا يجوز للصائم بلعهما لإمكان التحرز منهما، وليسا مثل الريق.
• المبحث الثاني: الداخل عن طريق الأنف، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: حكم استنشاق بخاخ الربو أثناء الصوم:
ذهب أكثر المجتمعين في الندوة الطبية الفقهية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) إلى أن بخاخ الربو لا يفطر الصائم (١).
وأفتت اللجنة الدائمة بأن استعمال بخاخ الربو استنشاقًا لا يفطر؛ لأنه ليس في حكم الأكل والشرب بوجه من الوجوه (٢).
стр. 172
• المطلب الثاني: أثر استعمال الأكسجين في الصيام:
استخدام الأكسجين المضغوط والمكثف لا يفطر الصائم؛ لأنه عبارة عن هواء وليس بطعام ولا شراب.
وإلى ذلك ذهب مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة - إلى أن غاز الأكسجين لا يفطر الصائم (١).
• المطلب الثالث: التخدير عن طريق الجهاز التنفسي، أو أثر التخدير في الصيام (٢).
أفتى المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في دورته العاشرة بجدة بالسعودية (٣) بأن غازات التخدير (البنج) لا تفطر الصائم ما لم يُعطَ المريض سوائل (محاليل) مغذية.
من نوى الصيام من الليل وتناول مخدرًا أفقده وعيه، فما حكم صيامه؟
ذهب أكثر المجتمعين في الندوة الطبية الفقهية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية
стр. 173
للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) أن العمليات الجراحية بالتخدير العام لا تفطر إذا كان المريض قد بَيَّت الصيام من الليل (١).
• المطلب الرابع: قطرة الأنف:
سئل الشيخ ابن باز عن حكم قطرة الأنف.
فأجاب: أما القطرة في الأنف فلا تجوز؛ لأن الأنف منفذ ولهذا قال النبي ﷺ : «وَبَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
وعلى من فعل ذلك القضاء لهذا الحديث وما جاء في معناه إن وجد طعمهما في حلقه، والله ولي التوفيق.
• المطلب الخامس: استعمال الروائح العطرية في رمضان.
سئل الشيخ العثيمين: ما حكم استعمال الصائم للروائح العطرية في نهار رمضان؟
فأجاب: لا بأس أن يستعملها في نهار رمضان، وأن يستنشقها إلا البخور لا يستنشقه؛ لأن له جرمًا يصل إلى المعدة وهو الدخان.
стр. 174
• المبحث الثالث: الداخل من طريق الفرجين، وفيه مطالب:
• المطلب الأول: ما كان منفذه الدبر:
• أثر استعمال المناظير الشرجية والتحاميل والحقن الشرجية في الصيام:
ذهب أكثر المجتمعين في الندوة الفقهية الطبية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) إلى عدم فساد الصوم بما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (لبوس) أو منظار أو إصبع طبيب فاحص (١).
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين عن التحاميل الشرجية فأجاب: لا بأس أن يستعمل الصائم التحاميل التي تجعل في الدبر إذا كان مريضًا؛ لأن هذا ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، والشارع إنما حرم علينا الأكل والشرب، فما كان قائما مقام الأكل والشرب أُعطي حكم الأكل والشرب، وما ليس كذلك فإنه لا يدخل في الأكل والشرب لفظًا ولا معنى، فلا يثبت له حكم الأكل والشرب (٢).
• المطلب الثاني: ما كان منفذه ذكَر الرجل:
• أثر استعمال منظار المثانة في الصوم:
أفتى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة بعدم فساد الصوم بما يدخل إحليل الذكر والأنثى - أي مجرى البول من الظاهر - من قسطرة، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة (٣).
• المطلب الثالث: ما كان منفذه فرج المرأة، وفيه مسائل:
• المسألة الأولى: أثر التداوي المهبلي في الصوم:
اتفق علماء المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة على عدم
стр. 175
فساد الصوم بما يدخل المهبل من هلام أو بيوض دوائية مهبلية أو غسول أو منظار مهبلي أو إصبع طبيب أو قابلة فاحصة (١).
• المسألة الثانية: أثر اللولب في الصوم:
ذهب المجمع الفقهي في دورته العاشرة إلى أن إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم لا يفطر الصائم (٢).
• المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق العين والأذن:
قد أفتى المجمع الفقهي بالدار البيضاء أن المفطرات في كتاب الله وفي السنة الصحيحة ثلاثة:
هي الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب كمًّا وكيفًا يعد مفطرًا، وبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: قطرة العين أو الأذن أو غسول الأذن (٣).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم القطرة والمرهم في العين؟
فأجاب: لا بأس للصائم أن يكتحل وأن يقطر في عينه .. حتى وإن وجد طعمه في حلقه، فإنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب،
стр. 176
والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما (١)، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب.
وسئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز استعمال قطرة العين في نهار رمضان؟
فأجابت: نعم تجوز ولا تفسد الصوم على الصحيح من قول العلماء (٢).
وسئلت: هل يفطر الكحل ودهان المرأة في نهار رمضان أم لا؟
فأجابت: من اكتحل في نهار رمضان وهو صائم لا يفسد صومه، وكذا من دهن رأسه .. لا يفسد صومه.
• المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن.
أفتى المجمع الفقهي بجدة بأن الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية لا تفطر الصائم باستثناء السوائل والحقن المغذية (٣).
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما حكم التداوي بالحقن في نهار رمضان، سواء كانت للتغذية أم التداوي؟
فأجابت: يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولايجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حكم تناول الطعام والشراب فتعاطي تلك الحقن يعتبر حيلة على الإفطار في رمضان وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلا فهو أولى (٤).
стр. 177
• المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة.
• دخول المنظار من خلال جدار البطن هل يفسد الصوم؟
ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة إلى عدم التفطير بإدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها (١).
стр. 178
• منظار المعدة:
• دخول المنظار إلى الحلق ومنه إلى المعدة:
دخول المنظار إلى المعدة إذا صاحَبه إدخال سوائل أو مواد أخرى فإنه يفطر، وأما إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو أي مواد أخرى فإنه لا يفطر.
وإلى ذلك ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة: أن منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى فإنه لا يفطر (١).
قال أسامة الخلاوي (٢): والذي يترجح أن عملية التنظير لا تفطر الصائم؛ لأنها تدفع بالمنظار عبر الفم إلى الحلق إلا أنه لا يستقر فيه، وإنما يقوم بمهمة التنظير ثم يخرج.
لكن لو رُش المخدر في حنجرة المريض، أو جُعل على رأس الأنبوب مادة لزجة لتسهيل توجيه المنظار، أو قام الطبيب ببث الصبغة الخاصة بالأشعة، فإن هذا مما يفطر لدخول مواد تستقر في الجوف ولا تخرج بخروج الأنبوب (٣).
• حكم إدخال قسطرة في الجسم:
أفتى المجمع الفقهي بجدة بأن إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو
стр. 179
علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء - لا يفطر الصائم (١).
• المسألة الثانية: وصول الدواء إلى جوف الصائم لو كان به جائفة:
أي لو طُعن شخص بسكين فوصلت الطعنة إلى جوفه فداوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه، أفطر عند جمهور العلماء، وبه قال الشافعية والحنابلة (٢).
وذهب المالكية إلى أنه لو داوى جرحه فإنه لا يفسد صومه ولا يفطر لأن الدواء لم يدخل من مدخل الطعام والشراب:
سئل ابن القاسم في «المدونة الكبرى» (٣) عمَنْ كَانَتْ بِهِ جَائِفَةٌ فَدَاوَاهَا بِدَوَاءٍ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِ مَائِعٍ. قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءً وَلَا كَفَّارَةً، قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِلُ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَوْ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
ولما كان سائل التنقية البريتونية فيه مواد سكرية، ولكنها لا تصل إلى الجوف، وإنما تنتقل إلى الدم عن طريق الشعيرات الدموية، ويكتسب المريض بهذه المواد السكرية ما بين (٧٠٠ - ٨٠٠) سعر حراري يوميًّا، حتى إن مريض التنقية البريتونية قد يعاني من السمنة لأجل ذلك، فإن هذا يعني أن هذه المواد مغذية، وبالتالي فالتنقية البريتونية تفطر الصائم بلا شك، خاصة وأن المريض يقوم بإدخال سائل التنقية مرة كل (٦) ساعات (أي مرتين في نهار الصوم)، ولما كان من المرضى الذين لا يرجى برؤهم فإن هذا المريض لا يتمكن من القضاء، وبذلك فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا (٤).
стр. 180
أما مرضى التنقية البريتونية المتقطعة فإنه لما كان يتداوى بتناول المحلول ليلًا فقط، فإنه لو حدد وقت التنقية في ساعات الإفطار على أن يتوقف عمل الجهاز قبل الفجر، فإن هذا الشخص بإمكانه أن يصوم إلا أن ينصحه الطبيب بغير ذلك (١).
• المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون:
• أثر استعمال اللصقات والدهونات في الصيام:
ذهب جمهور العلماء إلى أن ما يدخل عبر مسام الجلد لا يؤثر في الصيام وإن وجد طعم الداخل في حلقه (٢). وذلك لأن ما يدخل الجسم من غير طريق الحلق فإنه يشترط فيه ليكون مفطرًا أن يكون مغذيًا، وعلى هذا فاللصقات الجلدية والدهونات لا تفطر لأنها غير مغذية.
وعلى هذا اتفق المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة أنه لا يفطر ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية (٣).
• من قرارات المجامع الفقهية، وما يتعلق بالمفطرات المستجدة:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشرة بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨ حزيران (يونيو) - ٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧ م
• قرر ما يلي: أولًا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: