← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

• القول الثاني: ذهب مالك وداود إلى أنه لا تجوز شهادة رجلٍ واحدٍ لرؤية هلال رمضان وإن كان عدلًا، ولابد من شهادة رجلين (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلمانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٢). هذا منطوق الحديث ومفهوم المخالفة إن شهد شاهد فلا تصوموا ولا تفطروا، فمفهوم هذا الحديث يدل على أنه لا تجزئ شهادة عدل، بل لابد من شاهدين. واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن هذا الحديث لا يصح. الثانى: ما قاله ابن حزم (٣): وتعقب «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» ليس فيه إلا قَبول اثنين، ونحن لا ننكر هذا، وليس فيه أن لا يُقْبَلَ خبر الواحد. وأما دليلهم من المأثور: فعن ابن جريج قال: سمعت عمرو بن دينار يحدِّث أن عثمان أَبَى أن يجيزَ هاشم بن عتبة الأعور وحده على رؤية هلال رمضان (٤).

стр. 72

وعن ابن جريج عن عطاء قال: لا يجوز على رؤية الهلال إلا رجلان (١). • القول الثالث: قال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة، ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، وقال: (إن كانت السماء مصحية، لم يثبت رمضان بواحد ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة). واحتج لأبي حنيفة بأنه يبعد أن تنظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد أو اثنان دونهم (٢). والجواب عما احتج به أبو حنيفة من وجهين (٣): أحدهما: أنه مخالف للأحاديث الصحيحة فلا يعرج عليه. الثانى: أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم؛ لحسن نظره أو لغير ذلك، وليس هذا ممتنعًا؛ ولهذا لو شَهِدَ برؤيته اثنان أو واحد، وحكم به حاكمٌ لم يُنقض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلًا لم ينفذ حكمه ووجب رده. والراجح: أنه إذا رأى هلال رمضان واحد عدل صام الناس بقوله لحديث ابن عمر ﴿قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» وهذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ أمَر الناس بالصيام بشهادة ابن عمر ولم يطلب شاهدًا آخر. وذهب مالك إلى أنه لابد من شاهديْ عدل، واستدل لذلك بقول النبي ﷺ «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلمانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا». وأُجِيبَ بأن هذا الحديث لا يصح، ثم لو صح فليس فيه دلالة،؛ لأنه ليس فيه عدم قبول خبر الواحد، وإنما غاية ما فيه أن التصريح بالإثنين، فيه دلالة على عدم قبول خبر الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عمر منطوقٌ فيُقَدَّم المنطوق على المفهوم عند جماهير الأصوليين، ثم إن مفهوم المخالفة ضعيف في الاستدلال.

стр. 73

وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كانت السماء مغيمةٌ ثبت بشهادة الواحد، وإن كانت مصحية لم يثبت بواحد ولا اثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة. وهذا القول لا يعرج عليه؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، ولجواز أن يراه البعض لحسن نظره، والله أعلم. • المبحث الرابع: بكم رجل يثبت هلال شوال؟ قال ابن عبد البر (١): أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ في شَهَادَةِ شَوَّالٍ في الْفِطْرِ إِلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ. فعن ربعى بن خِرَاش عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: «أَصْبَحَ النَّاسُ لِتَمَامِ ثلاثين يومًا فَجَاءَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا أَنَّهُمَا أَهَلَّاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا» (٢). وذهب أبو ثور وابن حزم والشوكاني: إلى أنه يُقبل في شهادة هلال شوال رجل عدل (٣). واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. واعترض عليه: بأن هذا في هلال رمضان، ولا يقاس هلال رمضان على هلال شوال؛ لأنه ثبت بالإجماع أنه لا يُقبل في شهادة هلال شوال في الفطر إلا رجلان عدلان، كما حكاه ابن عبد البر وغيره.

стр. 74

أما دليلهم من المأثور: ١ - فعن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلالَ هِلالَ شَوَّالٍ. فَقال عُمَرُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا. ثُمَّ قَامَ إِلَى عُسٍّ فِيهِ مَاءٌ فَتَوَضَّأَ» (١)، واعترض عليه بأنه لا يصح. ٢ - وعن عبد الملك بن ميسرة قال: «شَهِدْتُ المدِينَةَ في هِلَالِ صَوْمٍ أَوْ إفْطَارٍ، فَلم يَشْهَدْ عَلَى الْهِلَالِ إِلاَّ رَجُلٌ، فَأَمَرَهُمَ ابْنُ عُمَرَ فَقَبِلُوا شَهَادَتَهُ» (٢). وأُجِيبَ بأنه ليس بصريح في المسألة لشك الراوي أكان ذلك في هلال صوم، أو إفطار. وأما دليلهم من المعقول: فقاسوا على رؤية هلال شوال برؤية هلال رمضان، فإذا كان يثبت هلال رمضان برؤية عدلٍ فكذا هلال شوال. واعترض عليه: بما قاله ابن رشد (٣): وإنما فَرَّقَ من فَرَّقَ بين هلال الصوم والفطر لمكان سد الذريعة، ألا يدَّعي الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون وهم بعد لم يروه. قلت (محمد): وقد نقل الإجماع ابن عبد البر والترمذي على أنه لا تُقبل في هلال شوال في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين.

стр. 75

• المبحث الخامس: ما هو حكم صيام يوم الغيم؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ (١): • القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد إلى أنه لا يصام يوم الغيم (٢). واستدلوا لهذا القول بالسنة ففي «الصحيحين» (٣) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وفى رواية لمسلم: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ ثَلَاثِينَ». وروى البخاري (٤) عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ليلة، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكَمِلُوا العِدةَ ثلاثين». عن صلة قال: كنا عند عمار في اليوم الذى يُشَكُّ فيه من رمضان، فأُتِىَ بشاةٍ فتنحَّى بعض القوم، فقال عمار بن ياسر: «مَنْ صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٥).

стр. 76

قال ابن عبد البر (١): وفى هذا الحديث مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَ عِبَادَهُ في الصَّوْمِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِرَمَضَانَ، أَوْ بِاسْتِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَفِيهِ تَأْوِيلٌ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أَنَّ شُهُودَهُ رُؤْيَتُهُ، أَوِ الْعِلم بِرُؤْيَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ الشَّكُّ، وَلَا يُزِيلُهُ إِلَّا يَقِينٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَ النَّاسَ أَلَّا يَدعُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ يَقِينِ شَعْبَانَ، إِلَّا بِيَقِينِ رُؤْيَةِ وَاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَأَنَّ الشَّكَّ لَا يَعْمَلُ في ذَلِكَ شَيْئًا، وَلِهَذَا نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ اطِّرَاحًا لِأَعْمَالِ الشَّكِّ وَإِعْلَامًا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَجِبُ، إِلَّا بِيَقِينٍ، لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا يَدَعَ الْإِنْسَانُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالِ المتَيَقَّنَةِ، إِلَّا بِيَقِينٍ مِنِ انْتِقَالِهَا، وَقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» يَقْتَضِي اسْتِكْمَالَ شَعْبَانَ قَبْلَ الصِّيَامِ وَاسْتِكْمَالَ رَمَضَانَ أَيْضًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ. • القول الثانى: ذهب الإمام أحمد في روايةٍ إلى جواز صوم الغيم (٢). وبه قال عمر (٣) وابن عمر (٤) ..................................................

стр. 77

وغيرهما (١). واستدلوا لذلك بأن اليوم الذي يُشَكّ فيه إما أن يكون من رمضان أو من شعبان، وصوم يوم من شعبان - وإن كان منهيًّا عنه لكونه يوم شكٍّ - فهو أهون وأخفُّ من فطر يوم من رمضان؛ ولذا قالت عائشة لما سئلت عن اليوم الذي يختلف فيه: «لأَنْ أَصُومَ يومًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلى مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يومًا مِنْ رَمَضَانَ» (٢). وقال أبو هريرة: «لأن أَصُومَ اليوم الذى يُشَكُّ فيه مِنْ شعبانَ أحبُّ إلىَّ من أن أُفْطِرَ يومًا مِنْ رمضان» (٣). • القول الثالث: قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ في رِوَايَةٍ: النّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ في صَوْمِهِ وَإِفْطَارِهِ (٤)، وهذا قول الحسن وابن سيرين؛ لقول النبي ﷺ : «الصوم يومَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يومَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يومَ تُضَحُّونَ» (٥) قيل: معناه: إن الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَمِ الناس. والراجح: أنه لا يصام يوم الغيم، وقد صح عن عمار ﵁ قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» وأما حديث ابن عمر ﴿قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ» فهذا مجملٌ، وهو مفسَّرٌ بما ورد في «الصحيحين»: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكَمِلُوا العِدةَ ثلاثين».

стр. 78

فوجب أن يُحمل المجمل على المفسر، وهى طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين، فإنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارضٌ أصلًا (١)، أما فعل الصحابة من صوم يوم الثلاثين من شعبان فلأنهم رَأَوْا جواز صوم هذا اليوم احتياطًا. • المبحث السادس: من رأى الهلال وحده ولم يعمل الناس برؤيته، هل يصوم أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة علي ثَلَاثَة أقوالٍ: • القول الأول: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ورواية عن أَحْمَدَ (٢). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فمن رآه فقد شهده فوجب عليه الصوم بنص الآية، وقول النبي ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». وجه الدلالة: إن من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل شهر رمضان في حقِّه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم غيره (٣). • القول الثانى: ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، إلى أنه إذا رأى هلال رمضان بمفرده يصوم، ولكن إذا رأى هلال شوال بمفرده لا يفطر (٤). واستدلوا لهذا القول بالقياس على يوم النحر: قال شيخ الإسلام (٥): وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا في الْفِطْرِ؛ فَالْأَكْثَرُونَ أَلْحَقُوهُ بِالنَّحْرِ، وَقَالُوا: لَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ المسْلمينَ. وقال: لَكِنَّ شَهْرَ النَّحْرِ مَا عَلمتُ أَنَّ أَحَدًا قال: مَنْ رَآهُ يَقِفُ

стр. 79

وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ الْحَاجِّ. • القول الثالث: يَصُومُ مَعَ النَّاسِ، وَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ، وهى رواية للإمام أحمد وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَهَذَا أَظْهَرُ الْأقوالٍ. واستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «الصوم يومَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يومَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يومَ تُضَحُّونَ» (١).

стр. 80

قالوا: وجه الدلالة من الحديث: أن الإنسان لا يعمل برؤية نفسه، بل يصوم ويفطر مع الناس. والراجح في المسألة والله أعلم: هو ما ذهب إليه الشافعي وأهل الظاهر: أنه يصوم لرؤية نفسه وأن يفطر لرؤية نفسه سرًّا، ولا يفعل ذلك جهرًا لكي لا يُحدث فتنًا. قال ابن حزم (١): يَصُومُ إنْ رَآهُ وَحْدَهُ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ﴾، وَقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾، وَقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَنْ رَآهُ فَقَدْ شَهِدَهُ. وَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». • المبحث السابع: مسألة اختلاف المطالع: إذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وثبتت رؤيته شرعًا، فهل يلزم بقية المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية أو أن لكل بلدٍ رؤية؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:

стр. 81

• القول الأول: أنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية، وأن عليهم أن يصوموا، وعدم اعتبار اختلاف المطالع. وهو قول الجمهور (١)، وإليه ذهب أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، في الصحيح عنهم. واستدلوا لهذا القول بالكتاب والسنة: وأما دليلهم من الكتاب: فقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وأما دليلهم من السنة: فهو ما رواه البخاري ومسلم (٦) عن أبي هريرة ﷺ قال: قال

стр. 82

رسول الله ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والأحاديث على هذا المعنى متوافرة ومتضافرة. ووجه دلالة من الآية والحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وأن الخطاب عام لجميع الأمة فمن رآه منهم في أى مكان كان ذلك رؤية لجميعهم. • القول الثانى: لا يلزمهم صيامه حتى يروه، وأن لكل بلد رؤية؛ لأن الطوالع والغوارب تختلف لاختلاف البلدان، وكل قومٍ إنما خوطبوا بمطلعِهم ومغربِهم، ألا ترى أن الفجر قد يتقدم في مكانٍ على آخر، فكذلك الهلال، وهى رواية عن مالك (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، وحكاه ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن عمر وعكرمة وهو مذهب إسحاق (٣). واستدلوا لهذا القول بما روى مسلم (٤) عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 83

عَبَّاسٍ ﴿، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقال: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقال: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ. فَقال: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَلَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقال: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وجه الدلالة منه: أن ابن عباس لم يعمل برؤية معاوية في الشام، وفى هذا دليلٌ على أن لكل بلدٍ رؤية. واعْتُرِضَ عليه بما قاله الشوكاني (١): واعلم أن الحجة إنما هى في المرفوع من رواية ابن عباس، لا من اجتهاده الذى فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله: «هكذا أمرَنا رسول الله ﷺ » هى قوله: «فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين»، والأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكَمِلُوا الَعِدةُ ثَلَاثيِن». وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطابٌ لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم. قال صديق حسن خان: وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره «أنه استهل عليه رمضان، وهو بالشام فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، ثم قال: «هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وله ألفاظ - فغير صحيح؛ لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أرى ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين، أو يروه ظنًّا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل، وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفَرَّقوا في ذلك

стр. 84

على ثمانية مذاهب (١). قال شيخ الإسلام (٢): فَالضَّابِطُ أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ لِقَوْلِهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَمَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ في حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، في أَنَّ طَرَفَيْ المعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الَّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ. • القول الثالث: فَرَّقُوا بين البلدان إذا تقاربت وتباعدت فقالوا: إذا كانت قريبة فالرؤية ملزمة (٣)، وإذا كانت بعيدةً فلا تكون مُلزمة. والراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، أنه إذا رآه أهل بلدٍ فيَلزمُ باقي بلاد المسلمين العمل بمقتضى هذه الرؤية، وأنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ولقوله ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» والخطاب عامٌّ لجميع الأمة؛ فمن رآه منهم في أى مكانٍ كان ذلك رؤيةً لجميعهم. وأما حديث كُرَيبٍ أن الهلال رُؤي في الشام ليلة الجمعة، ورُؤي في المدينة ليلة السبت، فسأل ابن عباس عن العمل بمقتضى رؤية أهل الشام فقال ابن عباس: لا، هكذا أمَرنا رسول الله. فقد اعْتُرِضَ عليه: بأن هذا قول ابن عباس ورأيه، ثم إنه لم يعلم برؤية معاوية لهلال رمضان في الحال، ولو علمها لتغيرت فتواه، والحجة في قول النبي ﷺ ، وهذا لا يختص بأهل ناحيةٍ على جهةٍ الانفراد، بل هو خطابٌ لكل ما يصلُح من المسلمين؛ فالاستدلال به على لزوم أهل بلدٍ لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم. وقد أفتى المجمع الفقهي بجدة بأنه إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين

стр. 85

الالتزام بها، ولا عبرة باختلاف المطالع؛ لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار (١). • المبحث الثامن: هل يجوز الاعتماد على الحساب في رؤية هلال رمضان؟ قال شيخ الإسلام (٢): العمل بالحساب في رؤية الهلال وغيره من الأحكام - لا يجوز بالنصوص والإجماع. أولًا: الأدلة من الكتاب العزيز: قال تعالى: ﴿يسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ثانيًا: من السنة النبوية: روى البخاري (٣) من حديث ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكملوا العِدةَ ثلاثين». فعلق الحكم بأحد أمرين: إما الرؤية، وإما استكمال عدة شعبان. وفي «الصحيحين» (٤) من حديث ابن عمر ﴿عن النبي ﷺ قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ». قال ابن حجر (٥): «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ»: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير. ويوضحه الحديث: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكملوا العِدةَ ثَلاثيِن»، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب. نقل شيخ الإسلام الإجماع على عدم جواز العمل بالحساب الفلكي فقال (٦): فَإِنَّا نَعْلم بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَنَّ الْعَمَلَ في رُؤْيَةِ هِلَالِ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعِدَّةِ أَوْ

стр. 86

الْإِيلَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ المعَلَّقَةِ بِالْهِلَالِ بِخَبَرِ الْحَاسِبِ، أَنَّهُ يُرَى أَوْ لَا يُرَى - لَا يَجُوزُ، وَالنُّصُوصُ المسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَدّ أَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَصْلًا وَلَا خِلَافٌ حَدِيثٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ المتَأَخِّرِينَ مِنَ المتَفَقِّهَةِ الحادثين بَعْدَ المائَةِ الثَّالِثَةِ - زَعَمَ أَنَّهُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ جَازَ لِلْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلَ في حَقِّ نَفْسِهِ بِالْحِسَابِ، فَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ دَلَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ صَامَ وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالْإِغْمَامِ وَمُخْتَصًّا بِالْحَاسِبِ فَهُوَ شَاذٌّ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ ذَلِكَ في الصَّحْوِ أَوْ تَعْلِيقُ عُمُومِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِهِ فَمَا قَالَهُ مُسْلم. • القائلون بالأخذ بالحساب الفلكي: قال ابن عبد البر (١): وَلم يَتَعَلَّقْ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ المسْلمينَ فِيمَا عَلمتُ بِاعْتِبَارِ المنَازِلِ في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلم، وَلَوْ صح مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ لِشُذُوذِهِ. وقال النووي: وَقَالَ اِبْن سُرَيْج وَجَمَاعَة، مِنْهُمْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه وَابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ: مَعْنَاهُ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ المنَازِل. قال الماوردي (٢): عَنْ آخَرِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ عَمِلُوا في صَوْمِهِمْ عَلَى النُّجُومِ وَمَا تُوجِبُهُ أَحْكَامُ الْحِسَابِ تَعَلُّقًا بُقُولِهِ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. والدلالة على هذا الفريق: رواية عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ ثَلَاثِينَ». فعلَّق حكمه بأحد شرطين لا ثالث لهما. قال النووي (٣): ومن قال بحساب المنازل فقوله مردودٌ بقوله ﷺ في «الصحيحين»: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا … » الحديث. قالوا: لِأَنَّ النَّاس لَوْ كُلِّفُوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ من الناس في البلدان الكبار،

стр. 87

فالصواب قول الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة. سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀: هل يجوز للمسلم أن يستعمل ما يسمى «بالدربيل» في رؤية الهلال؟ فأجاب: وأما استعمال ما يسمى «بالدربيل» وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أن الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، لكن لو استعمل، فرآه من يوثق به، فإنه يعمل بهذه الرؤية. وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءونه بواسطة هذا المنظار. • على كل حال متى ثبتت رؤيته بأى وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية لعموم قوله ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (١). • المبحث التاسع: إذا رؤي القمر نهارًا: قال ابن رشد (٢): أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ في اعْتِبَارِ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ لهلال رمضان: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُؤِيَ مِنَ الْعَشِيِّ أَنَّ الشَّهْرَ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي. واختلفوا إذا رؤي في سائر أوقات النهار: أعني أول ما رؤي، فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت رؤي من النهار أنه لليوم المستقبل لحكم رؤية العشي، وبهذا القول قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أصحابهم. وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة والثوري وابن حبيب من أصحاب مالك: إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رؤي بعد الزوال فهو للآتية. • بعض الآثار التى استدل بها الجمهور: عن أبي وائل قال: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانقِينَ، أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمَ

стр. 88

الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلمانِ أَنَّهُمَا أَهَلاَّهُ بِالأَمْسِ (١). عن ابن عمر في الْهِلَالِ يُرَى بِالنَّهَارِ: لَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ مِنْ حَيْثُ يُرَى، وفى رواية: «حيث يُرَى بالليل» (٢). عن يحيى بن أبي إسحاق قال: رَأَيْتُ الْهِلَالَ - هِلَالَ الْفِطْرِ - قَرِيبًا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَأَفْطَرَ نَاسٌ، فَأَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَذَكَرْنَا لَهُ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ وَإِفْطَارَ مَنْ أَفْطَرَ فقَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمُتِمّ يومِي هَذَا إلَى اللَّيْلِ (٣). عن الزبرقان قال: أَفْطَرَ النَّاسُ، فَأَتَيْت أَبَا وَائِلٍ فَقُلْتُ: إنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ نِصْفَ النَّهَارِ، فَقَالَ: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ (٤). الأثر الذى استدل به القول الآخر: عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب كتب إلى الناس: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَأَفْطِرُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ زَوَالِهَا فَلَا تُفْطِرُوا» (٥). قال ابن حجر (٦): قَوْلُهُ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» ظَاهِره إِيجَاب الصَّوْمِ حِينَ الرُّؤْيَةِ مَتَى وُجِدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ الْيَوْمِ المسْتَقْبَل. والراجح: قول الجمهور: أي أنه إذا رؤي القمر نهارًا فإنه لليوم المستقبل. * * *

стр. 89

الفصل الخامس من يباح له الفطر ومن يجب وفيه مباحث • المبحث الأول: المريض • المبحث الثاني: المسافر • المبحث الثالث: الحامل والمرضع • المبحث الرابع: الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه • المبحث الخامس: هل يباح الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة؟ • المبحث السادس: من يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم؟

стр. 90

الفصل الخامس من يباح له الفطر ومن يجب تمهيد: المريض والمسافر يباح لهما الفطر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقد استفاضت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بإباحة الفطر للمسافر والمريض أَوْلى، وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة (١). قال ابن قدامة (٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلمرِيضِ في الْجُمْلَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. • المبحث الأول: حد المرض المبيح للفطر: • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه للمريض أن يفطر إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أو يُخْشَى تباطؤ برئه. قال القرطبي: قال جمهور العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه أو يخافُ تماديه أو يخافُ تزايده، صح له الفطر. وقال ابن قدامة (٣): وَالمرَضُ المبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ.

стр. 91

• القول الثانى: أن المرض المبيح للفطر هو كل ما يسمى مرضًا، روِى الطبري (١) بإسناد ضعيف عن طَرِيفِ بْنِ شهاب الْعُطَارِدِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في رَمَضَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَلم يَسْأَلْهُ، فَلما فَرَغَ قَالَ: إِنَّهُ وَجِعَتْ إِصْبَعِي هَذِهِ. وورد أيضًا عن عطاء والبخاري، كما نقله ابن العربي (٢). • القول الثالث: أن المرض المبيح للفطر هو الذى لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته. وهو قول الحسن وإبراهيم (٣)، وروي عن أبي حنيفة (٤). • للمريض ثلاث حالات: أَحَدُهَا: أَلَّا يُطِيقَ الصَّوْمَ بِحَالٍ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرُ وَاجِبًا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ (٥).

стр. 92

الثالث: أن يقدر على الصوم بحيث لا يظهر تأثير المرض، فلا يجوز له الإفطار إلا أن يخشى استمرار هذا المرض أو اشتداده، بل إنه قد قيل: إن بعض الأمراض يكون علاجها الصوم. قال الكاساني: وَمِنَ الْأَمْرَاضِ مَا يَنْفَعُهُ الصَّوْمُ وَيُخِفُّهُ، وَيَكُونُ الصَّوْمُ عَلَى المرِيضِ أَسْهَلَ مِنْ الْأَكْلِ، بَلْ الْأَكْلُ يَضُرُّهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ (١). الخلاصة: أن المرض المبيح للفطر هو الشديد الذى يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه، فإذا كان الطبيب ذا أمانةٍ وثقةٍ وخبرةٍ في فنِّه، فإنَّ أمره بترك الصوم معتبرٌ؛ لما يعرفه من حال المرض ومدى تحمُّلِ المريض الصومَ من عدمه. وسئلت اللجنة الدائمة: أنا مريض بالسكر والصيام يؤثر عليَّ؟ فأجابت: إن كنتَ عرفت بالتجربة أن الصيام يزيد مرضك، أو يؤخر بُرءك منه، أو أخبرك طبيب مسلم مأمونٌ حاذقٌ بأن الصيام يضرك، فأفطِر، وعليك القضاء بعد الشفاء. • المبحث الثاني: صيام المسافر: وفيه مطالب: • المطلب الأول: هل يجزئ الصوم في السفر؟ قال النووي (٢): قَالَ جَمَاهِير الْعُلماء وَجَمِيع أَهْل الْفَتْوَى: يَجُوزُ صَوْمُهُ في السَّفَر، وَيَنْعَقِد وَيُجْزِيهِ. واستدلوا لذلك بالأحاديث المتوافرة والمتضافرة عن رسول الله ﷺ ، التي تدل على جواز الصوم في السفر. ففي «الصحيحين» (٣) عن أنس بن مالك قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلم يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».

стр. 93

وفي «الصحيحين» أيضًا (١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلميَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِه، في يوم حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ». وروى مسلم (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ» (٤).

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 96

• المطلب الثاني: ما حد السفر الذى يباح للصائم الفطر به؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ (١): • القول الأول: قال أبو حنيفة: لا يجوز للمسافر أن يفطر إلا في سفر يبلُغُ ثلاثة أيامٍ (٢). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٣): عن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُسَافِرِ المرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». وجه الدلالة منه: أن منطوقه أن المرأة لا تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم، والمفهوم المخالف أنه يجوز لها أن تسير وحدها يومين بدون محرم، وإذا كان يجوز ذلك، فهذا معناه أن هذا ليس بسفر، وأن أقل السفر ثلاثة أيام. وروى مسلم (٤) عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ المسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَسَأَلْنَاهُ فَقال: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلمسَافِرِ وَيوما وَلَيْلَةً لِلمقِيمِ». وجه الدلالة: ما قاله الكاساني (٥) بعد ذكر هذا الحديث: ولن يُتصوَّرَ أن يمسحَ المسافر ثلاثة أيامٍ ولياليها، ومدة السفر أقل من هذه المدة. واعْتُرِضَ على هذين الدليلين بما قاله شيخ الإسلام (٦): فالذين قالوا: (ثلاثة أيام) احتجوا بقوله ﷺ : «يَمْسَحُ المسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ»، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لَا

стр. 97

تُسَافِرِ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا ومَعها ذو مَحرم». وقد ثبت في «الصحيحين» أنه قال: «مَسِّيرة يومين»، وثبت في الصحيح: «مَسّيرِةَ يوم»، وفى «السنن»: «بريدًا» فدل على أن ذلك كله سفر، وإذنه له في المسح ثلاثة أيام هو تجويز لمن سافر ذلك، وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر، كما أذِنَ للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وهو لا يقتضى أن ذلك أقل الإقامة. قال ابن قدامة (١): وقول النبي ﷺ : «يَمْسَحُ المسَافِرُ عَلَى ثَلَاثَة أَياَمٍ» جَاءَ لِبَيَانِ أَكْثَرِ مُدَّةِ المسْحِ؛ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ هَاهُنَا، وَعَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَطْعُ المسَافَةِ الْقَصِيرَةِ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا، فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوم الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يوم إِلَا مَعَ ذِيِ مِحرِم». • القول الثانى: قال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز للمسافر أن يفطر إلا في سفر يبلغ مسيرة يومين وهو أربعة أبرد، كل بريد أربعة فراسخ، فذلك ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميالٍ فيكون ثمانية وأربعين ميلًا (٢). استدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعن ابن عباس ﴿قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ في أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» (٣).

стр. 98

واعْتُرِضَ عليهم: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله. وأما دليلهم من المأثور: فعن عطاء بن أبي رباح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ في أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ (١). واعْتُرِضَ عَليه: بأنه اختلف عليهما أشد الاختلاف (٢). قال ابن حزم: أَمَّا مَنْ قال: بِتَحْدِيدِ مَا يُقْصَرُ فِيهِ بِالسَّفَرِ، مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ، وَحَيْثُ يُحْمَلُ الزَّادُ وَالمزَادُ وَفِي سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ مِيلًا، وَفِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا … فَمَا لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا وَلَا مُتَعَلِّقَ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفٍ لَهُ مِنْهُمْ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلاِشْتِغَالِ بِهِ (٣). • القول الثالث: قال ابن حزم وابن تيمية وابن قدامة: إنه يباح للصائم الفطر في كل

стр. 99

ما يطلق عليه سفر. واستدلوا لذلك بما روى مسلم (١) عن أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». واعترض على هذا الاستدلال من وجوه: الأول: في إسناده يحيى بن يزيد، قال فيه الحافظ: مجهول. الثاني: ما قاله ابن الجوزي أن يكون رسول الله ﷺ خرج بنية السفر الطويل، فلما سار ثلاثة أميال قصر ثم عاد من سفره، فحكى أنس ما رأى. الثالث: أن الحديث مشكوك فيه هل هو ثلاثة فراسخ أم ثلاثة أميال (شك شعبة). قال القرطبي: وهذا لا حجة فيه لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرًا طويلًا زائدًا على ذلك. الراجح في المسألة والله أعلم: أنه يباح للصائم الفطر في كل ما يطلق عليه سفرٍ. قال ابن قدامة (٢): وَلَا أَرَى لما صَارَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ أقوالٍ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ خِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا، ثُمَّ لَوْ لم يُوجَدْ ذَلِكَ لم يَكُنْ في قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِهِ، وَإِذَا لم تَثْبُتْ أقوالُهُمْ امْتَنَعَ المصِيرُ إلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَوَيْنَاهَا وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ الْقَصْرِ لمنْ ضَرَبَ في الْأَرْضِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ﴾. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ المصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ

стр. 100

أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ. قال شيخ الإسلام (١): وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَّقَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ بِمُسَمَّى السَّفَرِ، وَلم يَحُدَّهُ بِمَسَافَةِ. قال ابن القيم (٢): وَلم يَحُدّ ﷺ لِأُمّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ في مُطْلَقِ السّفَرِ وَالضّرْبِ في الْأَرْضِ كَمَا أَطْلَقَ لَهُمْ التّيَمّمَ في كُلّ سَفَرٍ. • الزمان الذي يجوز للمسافر إذا مر ببلد فمكث فيها أيامًا أن يفطر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام، صام وأتم الصلاة. وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد (٣). قال النووي (٤): إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيمًا وانقطعت رخص السفر. واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (٥) من حديث العلاء بن الحضرمي: «نَهَى النَّبي أَنْ يُقِيمُ المهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا». قال الماوردي (٦): فَاسْتَثْنَى الثَّلَاثَ، وَجَعَلَهَا مُدَّةَ السَّفَرِ، فَعُلم أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا مُدَّةُ الْإِقَامَةِ. واعترض عليه من وجهين:

стр. 101

الأول: أن الذي في الحديث أن المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء الحج، وليس في هذا الحديث ما يدل على أن هذه المدة فَرْق بين المسافر والمقيم. قال ابن حزم (١): ليس في هذا الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا إشَارَةٌ إلَى المدَّةِ التي إذَا أَقَامَهَا المسَافِرُ أَتَمَّ وَإِنَّمَا هو في حُكْمِ المهَاجِرِ فما الذي أَوْجَبَ أَنْ يُقَاسَ المسَافِرُ يُقِيمُ، على المهَاجِرِ يُقِيمُ؟! الثاني: ما رواه البخاري عن ابن عباس: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ». فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد مدة السفر. • القول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن المسافر إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا في مكان يصلح للإقامة، فإنه يصير مقيمًا (٢). واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ (٣)». واعترض عليه بأنه حديث ضعيف. • القول الثالث: أن من أقام تسعة عشر يقصر، ومن زاد عن هذا الحد أتم. ودليل ذلك ما رواه البخاري (٤) من حديث ابن عباس «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا».

стр. 102

• القول الرابع: أن المسافر له أن يفطر ما دام مسافرًا ولم ينو إقامة مطلقة. وهذا قول شيخ الإسلام وابن القيم. واستدلوا بعموم قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ولم يأت دليل عن النبي ﷺ يحدد لنا المدة التي يصبح بها المسافر مقيمًا، بل الذي ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقيم في سفره أيامًا يصلي فيها ركعتين للحج أو فتح مكة، وقد تختلف هذه الأيام على حسب الحاجة. وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم. والراجح ما قاله شيخ الإسلام: وَإِذَا كَانَ التَّحْدِيدُ لَا أَصْلَ لَهُ فَمَا دَامَ المسَافِرُ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وقال: كُلُّ اسْمٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ في اللُّغَةِ وَلَا في الشَّرْعِ فَالمرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ فَمَا كَانَ سَفَرًا في عُرْفِ النَّاسِ فَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الشَّارِعُ الْحُكْمَ (١). • المطلب الثالث: هل الصوم أفضل في السفر أم الفطر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الصوم أفضل في السفر من الفطر لمن قَوِيَ عليه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي (٢). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٣) عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِه، في يوم حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ». وجه الدلالة: صوم النبي ﷺ في يوم شديد الحر، فهذا دليل على فضل الصوم، ولو كان

стр. 103

الفطر أفضل ما صام النبي ﷺ . واعْتُرِضَ عليه: بأن النبي ﷺ أفطر في بعض أسفاره. وأُجِيبَ عنه بأن النبي ﷺ فعل ذلك لرفع الحرج عن أمته، ولبيان الجواز والرخصة، وموضع ذلك لمن شقَّ عليه، أما من قوي فالصوم أفضل في السفر. أما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ فَرُخْصَةٌ، وَمَنْ صَامَ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ» (١). أما دليلهم من المعقول: فما قاله الرافعي (٢) إن الصوم في السفر أفضل من الفطر على المذهب المشهور؛ لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت. • القول الثانى: قال أحمد، وإسحاق: إن الفطر أفضل من الصوم في السفر عملًا بالرخصة (٣). دليل هذا القول ما رواه مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمى ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ في السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (٤).

стр. 104

وجه الدلالة ما قاله شيخ الإسلام: إن حمزة أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم، وأنه أيسر عليه من الفطر، وأخبره النبي ﷺ وقال: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ». والحسن هو المستحب، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه، ورَفْع الجناح إنما يقتضي الإباحة فقط، وهذا بيِّن لمن تأمله (١). واعْتُرِض عَليه من وجهين: الأول: أن الروايات الواردة عن حمزة بن عمرو الأسلمي كلها بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ». سوى هذه الرواية بلفظ: «رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ». وهذه الرواية من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي المرواح عن حمزة بهذا اللفظ ورواية الأثبات الثقات بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ»، والظاهر أن هذه الواقعة حدثت لحمزة مع النبي ﷺ مرة واحدة، فلا بد من الترجيح، ورواية الجماعة أرجح. الثاني: ما قاله النووي: وظاهره ترجيح الفطر، وأجاب الأكثرون بأن هذا كله فيمن

стр. 105

يخاف ضررًا أو يجد مشقة، واعتمدوا في ذلك حديث أبي سعيد: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ، وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ»، وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة. قال ابن العربي: والصحيح أن الصوم أفضل لعموم قوله ﵎: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وأما فطر النبي ﷺ فإنه روي في الصحيح، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فطرك. فأفطَرَ، ولا خلاف في أن من شقَّ عليه الصوم فله الفطر. قال ابن حجر (١): قال آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا. وَقال آخَرُونَ: أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ﴾، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ - كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ - فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَارَهُ اِبْنُ المنْذِرِ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. قلت: فالحاصل أن الصوم لمن قَوِي عليه أفضل من الفطر. • المطلب الرابع: متى يفطر المسافر ومتى يُمْسِك؟ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا يجوز للمسافر أن يُبيِّت النية بالإفطار ويصبح مفطرًا قبل أن يشرع في السفر باتفاق العلماء. قال القرطبى (٢): المسافر في رمضان لا يجوز له أن يُبيّت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل؛ لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيمًا في الحين؛ ولأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا؛ ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر لا يجوز له أن يُفطرَ قبل أن يخرج.

стр. 106

المسألة الثانية: أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر، فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة الفطر له. المسألة الثالثة: أن يسافر في أثناء الشهر ليلاً، فله الفطر في صبيحة الليلة التى يخرج فيها وما بعدها، في قول عامة أهل العلم. المسألة الرابعة: الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه وينهض في سفره، هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم بحالٍ. استدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وجه الدلالة: أن الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه، فليس له الفطر؛ لأنه في صبيحة اليوم كان مقيمًا؛ فوجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ثم إذا أراد أن يسافر في نفس هذا اليوم، وأراد أن يفطر، فإنه بذلك يكون قد أبطل عمله، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. قال ابن قدامة (١): لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ والمسح على الخفين؛ ولأنه قد خلط إباحة بحظر، ولا بد من تغليب أحدهما في الحكم؛ فكان تغليب الحظر أَوْلى. • القول الثانى: يباح للمسافر فطر اليوم الذى يسافر فيه نهارًا من رمضان، إذا برز عن البيوت (٢)، وهو قول أحمد. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وجه الدلالة: أن الرجل إذا خرج من بلده مسافرًا، فله حكم المسافر، له أن يقصر الصلاة ويفطر وهو في طريقه في السفر.

стр. 107

وفي «الصحيحين» (١) عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصاةُ، أُولَئِكَ العُصاةُ». وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ مِنَ المدِينَةِ صَائِمًا، فَلما بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ أَفْطَرَ، فَحَصَلَ صَائِمًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مُفْطِرًا فِي آخِرِهِ. أما دليلهم من المأثور: ١ - فعن اللجلاج قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَيَسِيرُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ، فَيَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاة وَيَفْطُرُ» (٢). ٢ - عن ابن عمر: «أَنَّهُ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ» (٣). ٣ - عن مغيرة قال: «خَرَجَ أَبُو مَيْسَرَةَ فِي رَمَضَانَ مُسَافِرًا، فَمَرَّ بِالْفُرَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَخَذَ مِنْهُ حَسْوَةً، فَشَرِبَهُ وَأَفْطَرَ» (٤). ٤ - عن ابن جريج قال: قال عطاء: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، تَقْصُرُ إذَا أَفْطَرْت، وَتَصُومُ إذَا وَفَّيْتَ الصَّلَاةَ (٥). ٥ - عن عبد الرحمن بن حرملة قال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المسَيَّبِ: أُقْصِرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ إلَى رِيمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهُوَ بَرِيدان مِنَ المدِينَةِ (٦). أما دليلهم من المعقول: فهو قياس الصوم على الصلاة، فكما أنه يجوز للمسافر أن

стр. 108

يقصر الصلاة في اليوم الذي سافر فيه نهارًا، فكذلك يجوز الإفطار؛ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ إِنَّمَا أُبِيحَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: المرَضُ وَالسَّفَرُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ لِلمرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَإِنْ صَامَ فِي أَوَّلِهِ فَكَذَلِكَ المسَافِرُ (١). • القول الثالث: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرجَ عن جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢). استدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فروى البخاري (٣) عن ابن عباس ﵁ قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ». قال الشوكاني: وهذا الحديث تقوم به الحجة علي جواز إفطار من أصبح في حضر مسافرًا. الدليل الثاني: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قال: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ (٤).

стр. 109

وجه الدلالة منه: قال ابن العربي: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَحِيحٌ، يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ مَعَ أُهْبَةِ السَّفَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ السُّنَّةِ) لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى التَّوْقِيفِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ. وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: (مِنَ السُّنَّةِ) يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ بِأَنَّ الْإِفْطَارَ لِلمسَافِرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ مِنَ السُّنَّةِ. الدليل الثالث: عن مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عُقْبَةَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا. قَالَ: فَلما رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اليوم أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَرَاهُ! إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ!! يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قال عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ

стр. 110

اقْبِضْنِي إِلَيْكَ (١). الدليل الرابع: عَنْ عُبَيْدٍ بْنَ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ. فَقُلْتُ: أَلَسْتَ بَيْنَ الْبُيُوتِ؟ فَقال أَبُو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! (٢). قال الشوكاني (٣) بعد ذكر فعل أنس وأبي بصرة الغفاري: والحديثان يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه. أما دليلهم من المأثور: فاستدلوا بما ورد عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: «أَلم أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا، وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمَا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا، وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا» (٤). واعْتُرِضَ على هذا القول بما قاله ابن قدامة (٥): وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَهَذَا شَاهِدٌ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنَ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. قلت: والأحاديث التى ذكروها لا تخلو من مقال؛ فالراجح أن المسافر لا يفطر حتى يبرز عن البيوت، وهو أعدل الأقوالٍ، والله أعلم.
следующие страницы →