والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما (١)، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب.
وسئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز استعمال قطرة العين في نهار رمضان؟
فأجابت: نعم تجوز ولا تفسد الصوم على الصحيح من قول العلماء (٢).
وسئلت: هل يفطر الكحل ودهان المرأة في نهار رمضان أم لا؟
فأجابت: من اكتحل في نهار رمضان وهو صائم لا يفسد صومه، وكذا من دهن رأسه .. لا يفسد صومه.
• المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن.
أفتى المجمع الفقهي بجدة بأن الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية لا تفطر الصائم باستثناء السوائل والحقن المغذية (٣).
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما حكم التداوي بالحقن في نهار رمضان، سواء كانت للتغذية أم التداوي؟
فأجابت: يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولايجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حكم تناول الطعام والشراب فتعاطي تلك الحقن يعتبر حيلة على الإفطار في رمضان وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلا فهو أولى (٤).
стр. 177
• المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة.
• دخول المنظار من خلال جدار البطن هل يفسد الصوم؟
ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة إلى عدم التفطير بإدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها (١).
стр. 178
• منظار المعدة:
• دخول المنظار إلى الحلق ومنه إلى المعدة:
دخول المنظار إلى المعدة إذا صاحَبه إدخال سوائل أو مواد أخرى فإنه يفطر، وأما إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو أي مواد أخرى فإنه لا يفطر.
وإلى ذلك ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة: أن منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى فإنه لا يفطر (١).
قال أسامة الخلاوي (٢): والذي يترجح أن عملية التنظير لا تفطر الصائم؛ لأنها تدفع بالمنظار عبر الفم إلى الحلق إلا أنه لا يستقر فيه، وإنما يقوم بمهمة التنظير ثم يخرج.
لكن لو رُش المخدر في حنجرة المريض، أو جُعل على رأس الأنبوب مادة لزجة لتسهيل توجيه المنظار، أو قام الطبيب ببث الصبغة الخاصة بالأشعة، فإن هذا مما يفطر لدخول مواد تستقر في الجوف ولا تخرج بخروج الأنبوب (٣).
• حكم إدخال قسطرة في الجسم:
أفتى المجمع الفقهي بجدة بأن إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو
стр. 179
علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء - لا يفطر الصائم (١).
• المسألة الثانية: وصول الدواء إلى جوف الصائم لو كان به جائفة:
أي لو طُعن شخص بسكين فوصلت الطعنة إلى جوفه فداوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه، أفطر عند جمهور العلماء، وبه قال الشافعية والحنابلة (٢).
وذهب المالكية إلى أنه لو داوى جرحه فإنه لا يفسد صومه ولا يفطر لأن الدواء لم يدخل من مدخل الطعام والشراب:
سئل ابن القاسم في «المدونة الكبرى» (٣) عمَنْ كَانَتْ بِهِ جَائِفَةٌ فَدَاوَاهَا بِدَوَاءٍ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِ مَائِعٍ. قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءً وَلَا كَفَّارَةً، قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِلُ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَوْ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
ولما كان سائل التنقية البريتونية فيه مواد سكرية، ولكنها لا تصل إلى الجوف، وإنما تنتقل إلى الدم عن طريق الشعيرات الدموية، ويكتسب المريض بهذه المواد السكرية ما بين (٧٠٠ - ٨٠٠) سعر حراري يوميًّا، حتى إن مريض التنقية البريتونية قد يعاني من السمنة لأجل ذلك، فإن هذا يعني أن هذه المواد مغذية، وبالتالي فالتنقية البريتونية تفطر الصائم بلا شك، خاصة وأن المريض يقوم بإدخال سائل التنقية مرة كل (٦) ساعات (أي مرتين في نهار الصوم)، ولما كان من المرضى الذين لا يرجى برؤهم فإن هذا المريض لا يتمكن من القضاء، وبذلك فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا (٤).
стр. 180
أما مرضى التنقية البريتونية المتقطعة فإنه لما كان يتداوى بتناول المحلول ليلًا فقط، فإنه لو حدد وقت التنقية في ساعات الإفطار على أن يتوقف عمل الجهاز قبل الفجر، فإن هذا الشخص بإمكانه أن يصوم إلا أن ينصحه الطبيب بغير ذلك (١).
• المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون:
• أثر استعمال اللصقات والدهونات في الصيام:
ذهب جمهور العلماء إلى أن ما يدخل عبر مسام الجلد لا يؤثر في الصيام وإن وجد طعم الداخل في حلقه (٢). وذلك لأن ما يدخل الجسم من غير طريق الحلق فإنه يشترط فيه ليكون مفطرًا أن يكون مغذيًا، وعلى هذا فاللصقات الجلدية والدهونات لا تفطر لأنها غير مغذية.
وعلى هذا اتفق المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة أنه لا يفطر ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية (٣).
• من قرارات المجامع الفقهية، وما يتعلق بالمفطرات المستجدة:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشرة بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨ حزيران (يونيو) - ٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧ م
• قرر ما يلي: أولًا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
стр. 181
١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
٤ - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
٥ - ما يدخل الإحليل، أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قسطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٨ - الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.
٩ - غاز الأكسجين.
١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد، كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
١٢ - إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٤ - أخذ عينات (جرعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
стр. 182
١٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.
١٦ - دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.
١٧ - القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة).
ثانيًا: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق.
ثالثًا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة:
أ- بخاخ الربو.
ب- الفصد، والحجامة.
ج- أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.
د- الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاق (الباريتون) أو في الكلية الاصطناعية.
هـ- ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (لبوس) أو منظار أو إصبع للفحص الطبي.
و- العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيَّت الصيام من الليل.
وقد قرر المجمع الفقهي بالدار البيضاء عام ١٤١٨ هـ: أن المفطرات في كتاب الله وفي السنة الصحيحة ثلاثة: هي الأكل والشرب، والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب كمًّا وكيفًا، يعد مفطرًا.
وبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
١ - قطرة العين أو الأذن أو غسول الأذن.
٢ - قرص النيتروغلسيرين ونحوه الذي يوضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية.
٣ - ما يدخل المهبل من فراز، أو بيوض دوائية مهبلية، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع طبيب أو قابلة فاحصة.
стр. 183
٤ - ما يدخل الإحليل - إحليل الذكر والأنثى - أي مجرى البول الظاهر؛ من قسطرة، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء أو محلول لغسل المثانة.
٥ - حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان، على أن يتجنب الابتلاع.
٦ - الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية باستثناء السوائل الوريدية المغذية.
٧ - التبرع بالدم وتلقي الدم المنقول.
٨ - غاز الأكسجين وغازات التخدير.
٩ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد، كالدهونات واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
١٠ - أخذ عينة من الدم للفحص المختبري.
١١ - إدخال قسطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب، أو غيره من الأعضاء
١٢ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٣ - المضمضة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع.
١٤ - إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم.
١٥ - أخذ عينات (جرعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء.
ورأى أكثر المجتمعين أن الأمور الآتية لا تعتبر مفطرة:
١ - قطرة الأنف وبخاخ الأنف وبخاخ الربو.
٢ - ما يدخل الشرج من حقنة شرجية، أو تحاميل (لبوس)، أو منظار، أو إصبع طبيب فاحص.
٣ - العمليات الجراحية بالتخدير العام، إذا كان المريض قد بيّت الصيام من الليل.
٤ - الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاق (الباريتون) أو بالكلية الاصطناعية.
стр. 184
٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو مواد أخرى.
• خلاصة النوازل الفقهية المعاصرة المتعلقة بالتداوي أثناء الصوم (١).
١ - الراجح في مناط التفطير بما يدخل الجسم أن يكون دخول الشيء الجسم عن طريق الحلق سواء كان من الأنف أو الفم، وسواء كان يتغذى به أو لا مع اشتراط استقرار ما لا يتغذى به في المعدة وعدم خروجه منها.
٢ - أن يتأكد دخول الشيء للحلق، وعلى هذا ينبني القول بأن المنفذين الوحيدين للحلق اللذين يفطر الدخول عبرهما هما الحلق والأنف دون سائر المنافذ ولو وجد طعم الشيء في الحلق.
٣ - إذا كان دخول الشيء إلى الجسم من أي طريق كان غير منفذ الحلق، لكنه يسبب تغذية الجسم ويقوم مقام الطعام والشراب في حال الاستمرار عليه، فإنه يفطر.
٤ - لا يفطر التداوي بالغرغرة لأن الماء لم يصل الحلق، حتى لو سبق الماء إلى جوفه لأنه غير قاصد له إلا أنه لا ينبغي له فعله بدون حاجة له لأنه يقرب أن يفطر به.
٥ - لا يفطر الدواء المخدر إذا حقنت به لثة المريض؛ لأنه ليس مما يغذي، ولا يصل إلى الحلق. ولا يؤثر استخدام الدواء الذي يضعه الطبيب في المريض ولو وجد طعمه في حلقه لأنه لا يبتلعه وإنما يضعه الطبيب في سنه، إلا أنه ينبغي أن يتحرز المريض من ابتلاع الدواء أو ابتلاع ريقه إذا تسرب إليه شيء من هذه الأدوية، وكذا لا تأثير لخلع السن أو الضرس إذا روعي ما سبق ذكره.
٦ - لا أثر لأدوية ما تحت اللسان في الصوم لأنها لا تصل إلى الحلق وإنما تمتصها الأوعية الدموية المنتشرة بكثرة تحت اللسان دون المرور بالحلق، إلا أنه ينبغي مج ما يجده الصائم في ريقه من أثر الدواء وإلا فإنه يتعرض إلى الفطر بذلك.
٧ - لا تفطر عملية التنظير للصائم إن كان دخول المنظار من الحلق لأنه لا يستقر فيه وإنما يخرج منه بعد أداء مهمته، إلا أن المخدر الموضعي إذا رُشت به حنجرة المريض فإنه
стр. 185
يفطر به لوصوله إلى الحلق.
٨ - لا يفطر بخاخ الربو ونحوه مما يدخل مباشرة إلى الرئتين دون المرور بالحنجرة والحلق، ولا يقال: إنه قد تدخل كمية قليلة من الدواء إلى المريء فيسبب الفطر، وذلك لأن دخول الدواء إلى الحلق غير متيقن فلا يؤخذ بالظن هنا.
٩ - لا يفطر استعمال الأكسجين المضغوط والمكثف والسائل؛ لأن ذلك مجرد هواء يُستنشق وإن اختلفت صوره.
١٠ - لا يفطر دخول المخدر العام إلى الجهاز التنفسي؛ لأن الدواء المخدر لا يمر بالحلق وإنما يدخل الرئتين مباشرة، وأما فقدان المريض المخدَّر الوعي فالراجح أنه إذا نوى الصيام من الليل ثم تعرض للتخدير وأفاق في أي جزء من النهار، فصيامه صحيح.
إلا أنه ينبغي ملاحظة أن المريض المخدر غالبًا ما يُعطى محاليل مغذية عن طريق الوريد تجنبًا للجفاف، وتحسبًا لما لو اضطر الطبيب إلى إعطائه عقاقير ما عن طريق الوريد، فعندئذٍ يكون ذلك مفطرًا لأجل المحاليل المغذية لا لأجل التخدير أو فقدان الوعي.
١١ - لا يفطر دخول الشيء من الدبر، جامدًا كان أو مائعًا كالمناظير والحقن الشرجية واللبوسات لأِنها لا تدخل الجسم عن طريق الجوف ولا تسبب التغذية.
١٢ - لا يفطر منظار المثانة ولا ما يدخل عن طريق إحليل الرجل لأنه لا يسبب التغذية.
١٣ - لا يفطر ما يدخل الجسم عن طريق فرج المرأة، سواء ما كان منه يؤدي إلى المثانة، أو إلى المهبل لأن الداخل لا يسبب التغذية.
١٤ - لا يؤثر استعمال مراهم وقطرات الأذن في الصوم وإن وجد طعمها في حلقه؛ لأن الأذن لا تكون منفذًا للحلق إلا في حالة خرق الطبلة فقط، ولا يقال بالتفطير عندئذٍ لعدم التيقن بوصوله إلى الحلق، وأما الطعم القوي الذي يشعر به المريض في حلقه فهو بسبب وجود براعم التذوق في لسان المزمار، وقطرة واحدة من الدواء مر الطعم كفيلة بأن تجعل المريض يشعر بالطعم اللاذع له ..
стр. 186
١٥ - لا يؤثر في الصوم ما يدخل من العين ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا ظاهرًا، ومن يضع الدواء في عينه فقد يجد أثره وقد لا يجده، وما دام لم يتيقن فلا يقال بالفساد.
١٦ - سائل تنقية الكلى البريتونية فيه مواد سكرية تنتقل إلى الدم عن طريق الشعيرات الدموية وتكسب المريض (٧٠٠ - ٨٠٠) سعر حراري يوميًّا لذا فإن هذا النوع من التنقية يفطر الصائم، فإن كانت التنقية من النوع الجوال أو النهاري فإن المريض يكون عندئذٍ ممن لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكينًا، وإن كانت التنقية من النوع الآلي أو الليلي فهذا مع التنظيم لوقت التنقية يكون بإمكانه الصوم.
١٧ - تبلغ نسبة السكر في سائل التنقية الكلوية الدموية (١ - ٢%) لكل لتر، وهذه المواد ستنتقل إلى الدم بعد تنقيته، ولما كانت هذه النسبة تعتبر مغذية فإنها تكون في حكم الطعام والشراب، وعندها تفسد الصوم، إلا أن المريض يستطيع الصوم في الأيام الأخرى ويقضي الأيام التي أفطرها بسبب الغسيل.
١٨ - لا تؤثر الحقن في الصوم إذا لم تكن للتغذية كإبر الإنسولين والتطعيمات والأدوية المختلفة وحقن الدم، أما الحقن المغذية فإنها تفطر لأنها وإن كانت من غير منافذ الجوف إلا أنها تقوم مقام الأكل والشرب، والشارع حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين بالمعنى، وعلى هذا إذا أعطيت للمريض حقن مغذية فإنه يكون بذلك كالأكل والشرب، ولا يصح له الصوم.
١٩ - لا تفطر اللصقات الجلدية التي تبث الأدوية للجسم عن طريق الجلد ولا الأدهان المختلفة، لأنها لا تسبب التغذية وليست مما يدخل عن طريق الحلق.
٢٠ - لا تؤثر عملية التنظير في جوف البطن على الصوم، لأن المنظار لا يدخل الجسم عن طريق الحلق، ولا يقصد بالصبغات المبثوثة في جوفه التغذية.
٢١ - الحجامة مفطرة على القول الراجح، وكذا الفصد لأنه كالحجامة في استخراج الدم الغزير، ومثلها التبرع بالدم لما فيه من الإرهاق الواضح على المتبرع بسبب سحب
стр. 187
كمية كبيرة من الدم، فأشبهت الحجامة.
أما سحب الدم لتحليله فالظاهر أنه لا يفسد الصوم لقلة ما يُسحب من الدم فأشبه الرعاف والجروح الصغيرة، وكذا الحال في التداوي بالعلقات الدموية.
٢٢ - لا يفطر أخذ الخزعات (العينات) من جسم المريض الصائم بجميع أنواعها إلا ما كان من الخزعة التي تتم عن طريق الأنف، فإنها تفطر لا لأجل العملية بذاتها، ولكن لاستعمال المخدر الموضعي الذي يُرش في حلق المريض، ولأجل المادة المزلقة إن وُجدت.
٢٣ - تُفسد الاستقاءة الصوم، أما تناول الأدوية - غير الفمية - والتي قد تسبب القيء كأدوية السرطان فإنها لا تفطر وذلك لأنها لا تسبب القيء بالتأكيد، وإنما ذلك أمر ظني قد يحدث وقد لا يحدث، ثم إن المتناول لأدوية السرطان المسببة للقيء لم يتعمد تناولها لأجل الاستقاءة، وإنما القيء هو من آثار الدواء الجانبية.
٢٤ - إخراج المني إن كان عن طريق الجراحة لا يفسد الصوم؛ لأنه لا يعد إنزالًا، إلا أنه يجب مراعاة جانب تبييت نية الصوم من الليل.
وأما إن كان إخراج المني عن طريق القذف، فإن كان باستعمال الجهاز الهزاز فإنه يفسد الصوم لأنه يسبب الإنزال عن طريق استثارة الحشفة، وبما أن هذه العملية لا تحتاج إلى مخدر، فإن المريض سيشعر باللذة ولابد، فتكون بمثابة الاستمناء، وإن كانت عن طريق جهاز القذف الآلي فيفطر كذلك لأن المريض يقصده قصدًا فلم يشبه الاحتلام.
٢٥ - لا تؤثر عملية شفط الدهون على الصوم إلا ما كان من أمر المحاليل المغذية التي تُعطى أثناء التخدير.
٢٦ - يُعد الدم الذي تراه الآيسة بعد تناولها للعلاج الهرموني البديل حيضًا إن توافرت فيه صفات دم الحيض من حيث اللون والرائحة والقوام، وذلك لأنه يشبه دم الحيض الطبيعي، بل إن الآيسة التي تتناول هذا الدواء ويأتيها مثل هذا الدم يمكنها الحمل باستخدام بويضة
стр. 188
لها كانت قد خزنتها قديمًا في ثلاجات المستشفى أو باستخدام بويضة متبرع بها من امرأة أخرى. المقصود بيان تشابه الدمين من حيث الخصائص، فوجب إثبات نفس الحكم.
٢٧ - لا يفطر وضع اللولب أثناء الصوم، وأما التبقعات الدموية التي تراها الصائمة الواضعة للولب، فإن كانت أثناء الشهر فلا تعد حيضًا ولا تفسد الصوم، وإن كانت أثناء الدورة بحيث تؤدي إلى إطالة مدة الدورة، سواء من أولها أو آخرها، فإنها حيض ما لم تر الطهر.
* * *
стр. 189
الفصل الثامن الكفارة وما يتعلق بها من أحكام
وفيه مباحث:
المبحث الأول: حكم الصائم المجامع في نهار رمضان عامدًا.
المبحث الثاني: هل تجب الكفارة على المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في
نهار رمضان؟
المبحث الثالث: جماع الناسي والجاهل والمكره.
المبحث الرابع: ماذا عليه إن جامع في يوم واحد مرتين؟
المبحث الخامس: من جامع ثم كفر ثم جامع ماذا عليه؟
المبحث السادس: إذا جامع في أيام، هل يجب لكل يوم كفارة؟
المبحث السابع: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، هل تسقط الكفارة؟
المبحث الثامن: هل الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أم على التخيير؟
المبحث التاسع: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع.
المبحث العاشر: هل يشترط أن تكون رقبة مؤمنة؟
المبحث الحادي عشر: مقدار الإطعام.
المبحث الثاني عشر: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟
المبحث الثالث عشر: من جامع ظانًّا عدم طلوع الفجر فبان خلافه.
المبحث الرابع عشر: رجل أراد أن يجامع فأكل قبل الجماع، فهل عليه كفارة.
المبحث الخامس عشر: إذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن، ماذا عليه؟
المبحث السادس عشر: إذا جامع في قضاء رمضان، هل عليه كفارة؟
стр. 190
الفصل الثامن الكفارة وما يتعلق بها من أحكام
وفيه مباحث:
• المبحث الأول: حكم الصائم المجامع في نهار رمضان عامدًا:
اتفق الفقهاء على أن الصائم إذا جامع امرأته عامدًا في نهار رمضان - فسد صومه ووجبت عليه الكفارة بالنص والإجماع.
ففي الصحيحين من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله!! قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟». قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى في رَمَضَانَ. قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قَالَ: لَا. قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِىَ النبي ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
فمن جامع امرأته فعليه عتق رقبة، فإن عجز عنها فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا.
قال النووي: فِي الْبَاب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمُجَامِع اِمْرَأَته فِي نَهَار رَمَضَان، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا جِمَاعًا أَفْسَدَ بِهِ صَوْم يَوْم مِنْ رَمَضَان.
قال الكاساني (١): وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُلِ بِالْجِمَاعِ.
قلت: والجماع هو تغييب الحشفة أو الإيلاج.
стр. 191
• المبحث الثاني: هل تجب الكفارة على المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في نهار رمضان؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (١):
• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في نهار رمضان تجب عليها الكفارة كالرجل، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية في وجه والحنابلة في رواية (٢).
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان.
وجه الدلالة منه: أن إيجاب الكفارة على الرجل المجامع دليل على وجوبها على المرأة؛ لأن الأصل تَسَاوِي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خصَّه الدليل (٣).
قال الكاساني (٤): النَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي الرَّجُلِ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ بِمَعْنًى يُوجَدُ فِيهِمَا، وَهُوَ إفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِإِفْطَارٍ كَامِلٍ حَرَامٍ مَحْضٍ مُتَعَمِّدًا؛ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا بِفِعْلِهَا، وَهُوَ إفْسَادُ الصَّوْمِ، وَيَجِبُ مَعَ الْكَفَّارَةِ الْقَضَاءُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
قال الخطابي: قلت: وفى أمره الرجلَ بالكفارة لما كان منه من الجناية دليل على أن للمرأة كفارة مثلها؛ لأن الشريعة قد سوَّت بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليلُ التخصيص، وإذًا لزمها القضاء؛ لأنها أفطرت بجماع متعمَّد، كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة، لهذه العلة كالرجل سواء، وهذا مذهب أكثر العلماء.
стр. 192
أما أدلتهم من المعقول: فإنه يفسد صوم المرأة بالجماع؛ لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، فوجبت عليها الكفارة كما وجبت على الرجل (١). وإن المرأة هتكت صوم رمضان بالجماع؛ فوجبت عليها الكفارة كالرجل (٢). وإن الجماع موجب للكفارة، فوجب أن تُلْزَم المرأة كما يُلْزَم الرجل، وأن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء في حق الواطئ من وجوب الغُسل، والفطر، والحد، والإحصان، والقضاء - محكوم بها في حق الموطوءة، فكذلك وجوب الكفارة.
• القول الآخر: ذهب الشافعي وأحمد في رواية (٣) إلى أن المرأة إذا طاوعت الرجل - ليس عليها كفارة، وإنما هي كفارة واحدة على الزوج دونها.
واستدلوا لذلك: بحديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي وقع على امرأته، وفيه: «أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ».
قال الخطابي: واحتجوا لهذا القول بأن قول الرجل: «أَصَبْتُ أَهْلِي» سؤال عن حكمه وحكمها؛ لأن الإصابة معناها أنه واقعها وجامعها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معًا، ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، ولم يعرض لها بذكر، دلَّ على أنه لا شيء عليها، وأنها مجزئة في الأمرين معًا، ألا ترى أنه بعث أُنيسًا إلى المرأة التى رُمِيَت بالزنا، وقال: «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فلم يُهمِلْ حكمها لغيبتها عن حضرتِه، فدلَّ هذا على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها.
قلت: واستدلوا أيضًا بأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولو كانت تجب على
стр. 193
المرأة كفارة لبيَّنها ﷺ .
وأُجِيبَ عن هذه الاستدلال بما قاله الحافظ ابن حجر (١): وَأُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحَاجَة إِذْ ذَاكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِف وَلَمْ تَسْأَلْ، وَاعْتِرَاف الزَّوْج عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا مَا لَمْ تَعْتَرِفْ، وَبِأَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ، فَالسُّكُوت عَنْهَا لَا يَدُلّ عَلَى الْحُكْم لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْمَرْأَة لَمْ تَكُنْ صَائِمَة لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَار. ثُمَّ إِنَّ بَيَانَ الْحُكْم لِلرَّجُلِ بَيَان فِي حَقّهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَحْرِيم الْفِطْر وَانْتَهَاك حُرْمَة الصَّوْم، كَمَا لَمْ يَأْمُرهُ بِالْغُسْلِ. وَالتَّنْصِيص عَلَى الْحُكْم فِي حَقّ بَعْض الْمُكَلَّفِينَ كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقّ الْبَاقِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَب السُّكُوت عَنْ حُكْم الْمَرْأَة مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَام زَوْجِهَا بِأَنَّهَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْء.
قلت (محمد): أما الاستدلال بقوله ﷺ : «فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فهي قضية حال عُرِضت على النبي ﷺ فحَكَم فيها؛ ولذا فقد ورد في الصحيح أن ماعزًا قال: (زنيتُ)، وأقيم عليه الحد، ولم يسأله النبي ﷺ بمن زنَيْت؟ وكذا الغامدية لم يسألها، وليس هذا يُسْقِط الحد عمن زنى بها بالإجماع؛ فكذا عدم سؤال النبي ﷺ عن المرأة لا يُسْقِط الكفارة عنها، والله أعلم.
قال الخطابي: وهذا غير لازم؛ وذلك أن هذا حكاية حال لا عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض، أو سفر، أو تكون مكرهة، أو ناسية لصومها أو نحو ذلك من الأمور، وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكمُ بها.
واحتجوا أيضًا في هذا بحرف لا أزال أسمعهم يروونه في هذا الحديث وهو قوله: «هَلَكْتُ، وَأَهَلَكْتُ». قالوا: فدل قوله: «وَأَهَلَكْتُ»، على مشاركة المرأة إياه في الجناية؛ لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة، كما أن القطع يقتضي الانقطاع. قلت: وهذه اللفظة غير موجودة في شيءٍ من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هَلَكْتُ» حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والْمُعَلَّى ليس
стр. 194
بذاك في الحفظ والإتقان (١).
والراجح والله أعلم: أن المرأة إذا كانت مطاوعة، فحكمها حكم الرجل، وأحيانًا تكون المرأة سببًا في ذلك، والأصل أن حكم المرأة كحكم الرجل؛ لأن النساء شقائق الرجال … إلا في مواضع قام عليها دليل التخصيص، ولم يرد في المسألة أن الكفارة على الرجل دون المرأة، وإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمَد كما وجب على الرجل، وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء؛ لأن الرجل والمرأة قد اشتركا في إفساد الصوم وانتهاك حرمة رمضان، وأما حديث «أَصَبْتُ أَهْلِي» فهي حكايةُ حال لا عموم فيها، أما من استدلّ بلفظة «هَلَكْتُ، وَأَهَلَكْتُ» فلفظة (أَهَلَكْتُ) لا تصح في الحديث.
وأما سكوت النبي ﷺ عن المرأة، فلا يدل على سقوطها عنها؛ لأنه سكت عن الغسل مع وجوبه عليهما؛ ولأن التنصيص على حكم في حق بعض المكلفين كافٍ في ذكره عن الآخرين.
• المبحث الثالث: جماع الناسي والجاهل والمكره:
اختلف أهل العلم في جماع الناسي والجاهل على ثلاثة أقوال (٢):
• القول الأول: أن الصائم إذا جامع جاهلاً أو ناسيًا، لم يفسد صومه، ولا يجب عليه القضاء ولا الكفارة.
وهو قول الحنفية، والشافعية في الصحيح، والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية.
واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».
دل الحديث على أن من أكل أو شرب ناسيًا، صح صومه، ولا قضاء ولا كفارة، وكذلك من جامع ناسيًا؛ لأنه في معناه.
قال الشيرازي: نُصَّ على الأكل والشرب، وقسنا عليهما كل ما يُبطل الصوم من الجماع
стр. 195
وغيره (١).
واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال بأنه نَصَّ على الأكل والشرب ولم يذكر نسيان الجماع؛ فلا يصح قياسه عليهما؛ لأن حكمه أغلظ ويمكن التحرز منه.
وأُجِيبَ بأن الجماع في معنى الأكل والشرب، وحُرمة الجماع عامدًا ليست أغلظ من الأكل والشرب، والنسيان ولو حدث فالقياس صحيح.
الدليل الثاني: حديث أبى هريرة في قصة الرجل الذى أتى إلى النبي ﷺ قال: يَا رَسُولَ الله هَلَكْتُ؛ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
لفظة (هَلَكْتُ) تدل على العمد.
قال ابن قدامة (٢): الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هى في جماع العمد؛ ولهذا قال في بعضها: (هلكت)، وفى بعضها (احترقت)، وهذا لا يكون إلا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع.
قال ابن حجر (٣): اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا؛ لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ.
أما دليلهم من المأثور: فعن مجاهد قال: «لو وطئ رجل امرأته وهو صائمٌ ناسيًا في رمضان، لم يكن عليه فيه شيء (٤).
وعن الحسن فيمن وطئ امرأته ناسيًا: قال: هو بمنزلة الأكل والشرب» (٥).
القول الثاني: أن من جامع جاهلاً أو ناسيًا، فسد صومه ووجب عليه القضاء دون الكفارة، وهو قول المالكية في الصحيح من المذهب، والحنابلة في رواية (٦).
стр. 196
واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والقياس:
أما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقد دلت هذه الآية على أن الصيام المأمور بإتمامه ترك الوطء والأكل، فإن وُجِد فيه الجماع لم يتم صومه.
واعترض عليه: بأن هذه الآية عامة، وقد خرج الناسي من عمومها بدليلٍ خاصٍّ، وهو قول النبي ﷺ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».
أما دليلهم من السنة: فاستدلوا بأن النبي ﷺ أمَر المجامِع بالقضاء بقوله «وَصُمْ يومًا مَكَانَهُ» ولم يسأل عن حاله، هل كان عامدًا أو ناسيًا؟
واعْتُرِضَ عليه من وجهين:
الأول: أن هذه اللفظة لا تصح.
الثاني: لو صحت فليس فيها دليل لهم، بل فيه دليل عليهم، وهي قول الرجل (هلكت)، وهذه تدل على العمد.
وأما دليلهم من القياس: فقاسوا ناسي الصوم على ناسي الصلاة، فكما أن ناسي الصلاة يجب عليه قضاؤها بالنصِّ إذا ذكرها، فكذلك ناسي الصوم.
واعْتُرِض عليه: بأن العبادات لا تقاس على بعضها.
قال ابن رشد: إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف (١).
وأما دليلهم على سقوط الكفارة: فقالوا: لأن الكفارة وجبت لرفع الإثم، والناسي مرفوع عنه الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت.
القول الثالث: أن من جامع ناسيًا أو جاهلاً - كمن جامع عامدًا يفسد صومه ويجب عليه القضاء والكفارة. وهو قول الحنابلة في الصحيح من المذهب، وقول للمالكية
стр. 197
وقول الشافعية بحديث المجامع أهله في نهار رمضان، وأن النبي ﷺ أوجب عليه القضاء والكفارة، ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، والقاعدة الأصولية تؤيده وهي: «تَرْكُ الاسْتِفْصَال فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الاحْتِمَالِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ» (١) وأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قال ابن قدامة (٢): أَمَرَ النبي ﷺ الرجلَ الذي وقع على امرأته بالكفارة، ولم يسأْله العمد، ولو افترق الحالُ لسأل واستفصل.
قال الزركشي (٣): يجب القضاء والكفارة فإن النبي ﷺ لم يستفصله بين أن يكون ناسيًا أو عامدًا، ولو اختلف الحكم لاستفصله وبَيَّن له.
واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من أوجه:
١ - أنه قد تبيَّن حال الرجل أنه كان عامدًا لقوله: «هلكت» لأن النسيان لا يوجب هلاك العبد؛ لأنه لا قدرة له على دفعه.
٢ - دخول النسيان في الجماع في نهار رمضان احتمال بعيد، ولأنه بين الرجل والمرأة، وأنه لو نَسِي أحدهما قد يتذكر الآخر.
٣ - أن الحديث حكاية حال، فليس له عموم.
وأما دليلهم من القياس: فقاسوا الجماع في الصوم على الجماع في الحج، فكما أن من جامع
ناسيًا في الحج، تجب عليه الكفارة، فكذلك في الصوم (٤).
وأُجِيبَ بأن العبادات لا تقَاس على بعضها.
والراجح والله أعلم: أن من جامع امرأته ناسيًا في نهار رمضان - فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ». والحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه؛ ولأن النسيان
стр. 198
والإكراه والجهل معفو عنهم بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): قَدْ ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا - لَمْ يُؤَاخِذْهُ الله بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إثْمٌ، وَمَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا وَلَا مُرْتَكِبًا لِمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُبْطِلُ عِبَادَتَهُ إنَّمَا يُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ أَوْ فَعَلَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ.
وأما الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هي في جماع العمد؛ ولهذا قال في بعضها: «هلكت»، وفي بعضها: «احترقت» وهذا لا يكون إلا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع (٢).
• المبحث الرابع: ماذا عليه إن جامع في يوم واحد مرتين؟
أجمعوا على أن من وطئ مرارًا في يوم واحد، أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة (٣).
• المبحث الخامس: من جامع ثم كَفَّر ثم جامع ماذا عليه؟
أجمعوا على أن من وطئ في يوم رمضان، ثم كَفَّر، ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى (٤).
• المبحث السادس: إذا جامع في يومين، أو في أيام، هل يجب لكل يوم كفارة، أو يجب عليه كفارة واحدة؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٥):
стр. 199
• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من جامع في يومين، أن لكل يوم كفارة، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، والليث، وابن المنذر، وروي ذلك عن عطاء ومكحول (١).
قالوا: لأن كل يوم له حرمة، فمن هتك الصوم فيه، وجب عليه لكل يوم كفارة.
قال النووي (٢): وإن جامع في يومين، أو في أيام، وجب لكل يوم كفارة؛ لأن صوم كل يوم عبادة منفردة، فلم تتداخل كفارتها كالعمرتين، وإن جامع في يوم مرتين لم يلزمه للثاني كفارة؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف صومًا.
• القول الثاني: أن من جامع في يوم من رمضان، ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثانٍ، قال أبو حنيفة وأصحابه: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول. وهو قول الزهري، والأوزاعي، وهو رواية عند أحمد (٣).
واستدلوا: بقياس الكفارات على الحدود، فكما لو زنى ألف مرة فليس عليه إلا حد واحد، فكذا لو جامع في أيام رمضان لا يجب عليه إلا كفارة واحدة.
واعْتُرِض عليه: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فمن هتك الصوم فيه، وجب عليه لكل يوم كفارة.
الراجح والله أعلم: أنه إذا جامع في يومين من رمضان فعليه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة منفردة لا تتداخل كفارتها بخلاف الحدود.
• المبحث السابع: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، هل تسقط عنه الكفارة، أم تستقر في ذمته كالديون؟
стр. 200
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (١):
• القول الأول: أن المجامع في نهار رمضان إذا عجز عن العتق والصيام والإطعام - سقطت الكفارة. وهو قول الشافعي في رواية، وأحمد في رواية (٢).
قال النووي (٣): احْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ حَدِيث هَذَا الْمُجَامِع ظَاهِر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرّ فِي ذِمَّته شَيْء؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِعَجْزِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُول الله ﷺ : إِنَّ الْكَفَّارَة ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّته، بَلْ أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَام عِيَاله.
• القول الثاني: أن المجامع في نهار رمضان إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، فالكفارة تستقر في ذمته، ومتي أيسر فإنها تجب عليه. وهو قول الزهري، ورواية ثانية عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة، والثوري، وأبي ثور، وعن الشافعي كالمذهبين (٤).
استدلوا بأن المجامع أخبر النبي ﷺ بأنه عاجز عن الخصال الثلاث، ثم أُتي النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة، ولوكانت تسقط لم يكن عليه شيء.
واعترض عليه بأن النبي ﷺ أذن له في إطعام عياله، ولو كانت واجبة عليه الكفارة لبينه له ﵇ أنه متى أيسر أخرجها، فلما لم يَرد عُلم أن اعتبار الوجوب في حالة الوطء.
استدلوا بالقياس على الديون، كما أنه يجب على المعسر أداء الديون إذا أيسر، فكذلك إذا عجز المجامع عن العتق والكفارة والإطعام وقت الوجوب، فإنها تجب عليه إذا أيسر.
واعترض عليه بأنه لا يصح القياس على الديون؛ لأنه اطراح للنص بالقياس، والنص أَوْلى، والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب وهي حالة الوطء.
стр. 201
قال ابن قدامة (١): وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ التَّمْرَ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَك» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى.
• المبحث الثامن: هل الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أم على التخيير؟
وأعني بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلا بعد العجز عن الذي قبله، وأعني بالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر.
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
• القول الأول: قول جمهور العلماء: أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، يلزمه العتق إن أمكنه، فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى الإطعام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد (٢).
واستدلوا لذلك بما روى مسلم (٣) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ في رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». ظاهر الحديث أنها على الترتيب، أي: عتق رقبة، فإن لم يمكنه فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، إذ سأله النبي ﷺ على الاستطاعة مرتبًا.
• القول الآخر: ذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أن الكفارة على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيهما كفَّر أجزأه أن يفعل ما يشاء ابتداءً من غير عجز عن الآخر (٤).
стр. 202
واستدلوا لذلك بما روى مسلم (١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ «أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
وجه الدلالة: «أو» حرف تخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيهما كفر أجزأه، والمراد بالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداءً من غير عجز عن الآخر.
واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال بأن «أو» للتقسيم هنا، تقديره يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عن الصيام.
قال النووي «شرح مسلم»: لَفْظَة «أَوْ» هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، تَقْدِيره: يُعْتِق أَوْ يَصُوم إِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْق، أَوْ يُطْعِم إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا. وَتُبَيِّنُهُ الرِّوَايَاتُ الْبَاقِيَةُ.
الراجح: أن الكفارة مرتبة ككفارة الظهار، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لحديث أبي هريرة، أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فَاسْتَفْتَى النبيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
وأما حديث أن النبي ﷺ «أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
فهذا الحديث مجمل. والآخر مفصل، فيُحمل المجمل على المفصل.
ولفظة «أو» هنا للتقسيم لا للتخيير، تقديره: يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو
стр. 203
بطعم إن عجز عنهما وتبينه الروايات الباقية.
وخاصة أن مخرج الحديث متحد مع الحديث الآخر، والآخر مفصل، فيحمل المجمل على المفصل، والله أعلم.
• المبحث التاسع: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع، وفيه مطلبان:
• المطلب الأول: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، هل ينتقض صومه؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن صومه صحيح ولا قضاء ولا كفارة؛ لأنه ترك الجماع في الحال. وبه قال أبو حنيفة والشافعي ورواية عن الحنابلة (١).
واستدلوا لذلك بما صح عن ابن عمر أنه كان يقول: «لو نودي بالصلاة والرجل على امرأته لم يمنعه ذلك أن يصوم، إذا أراد الصيام، قام واغتسل ثم أتم صيامه» (٢).
وذهب مالك والمزني من الشافعية والحنابلة في رواية إلى أنه يجب عليه القضاء (٣).
واستدلوا لذلك بأنه قد حصل جماع في أول جزء من اليوم أُمر بالكف عنه بسبب سابق من الليل، ولأن الجماع إيلاج وإخراج، فإذا بطل الصوم بالإيلاج بطل بالإخراج (٤).
وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه يجب عليه القضاء والكفارة (٥).
والراجح في المسألة والله أعلم: أنه إذا نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولأنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع، ويُستأنس لذلك بأثر ابن عمر أنه كان يقول: لو نودي بالصلاة والرجل على امرأته، لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام، واغتسل ثم أتم صيامه.
стр. 204
• المطلب الثاني: من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع.
ذهب جمهور العلماء إلى أنه من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، أن عليه القضاء والكفارة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا لذلك بأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر.
وقال أبو حنيفة: يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ; لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا، فَلَمْ يُوجِب الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ، كَمَا أَنَّ شُرُوعَهُ في الصِّيام غير صحيح مع وجود المجامعة (٢).
والراجح والله أعلم: أنه إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه مجامع نهارًا كما لو ابتدأ به بعد الفجر، ولأن المداومة على الجماع بعد طلوع الفجر دليل على تعمده إفساد الصيام، وانتهاك حرمة الشهر الموجبين للكفارة.
• المبحث العاشر: هل يُشترط أن تكون رقبة مؤمنة؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُشترط في كفارة المجامع أن تكون الرقبة مؤمنة لحمل المطلق على المقيد.
ولهذا شواهد في القرآن ﴿﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فالشهادة هنا مقيدة بالعدالة، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فالشهادة مطلقة فلا بد أن تقيد هذه الشهادة بالعدالة، من باب حمل المطلق على المقيد.
قال المارودي (٣): وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ فِيهَا بِأَنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَعُرْفَ خِطَابِهِمْ يَقْتَضِي حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَحُمِلَ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَى مُقْتَضَى لِسَانِهِمْ.
وقد قَيَّد الله تعالى كفارة القتل، كما قيد الشهادة بالعدالة كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ
стр. 205
مِنْكُمْ﴾، وأطلقها في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فحمل منه المطلق على المقيد في اشتراط العدالة، كذلك الكفارة.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ عتق كافر من كفارة الجماع، لعموم قول النبي ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟».
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه لا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة؛ لأن الرقبة أُطلقت في الكتاب والسنة وقُيدت بالإيمان كما في كفارة القتل، فيُحمل المطلق على المقيد كما في الشهادة (١)، والله أعلم.
• المبحث الحادي عشر: ما مقدار الإطعام؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن كفارة المجامع الذي لا يستطيع عتق رقبة ولا صيام شهرين متتابعين - إطعام ستين مسكينًا، لكل مسكين مد، أي ستون مدًّا لستين مسكينًا (٢). واستدلوا لذلك بحديث المجامع … فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».
قال النووي: قوله: «فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ»، والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعًا، وهو ستون مُدًّا لستين مسكينًا لكل مسكين مُد.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجزئ أقل من مدين لكل مسكين.
واستدلوا لذلك بما رواه مسلم (٣) عن عائشة ﵂ أنها قالت: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: (احْتَرَقْتُ). فقال رَسُولُ الله: «لم؟» قال: وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَارًا. قَالَ: «تَصَدَّقْ»، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
والعبرة أنه يطعم ستين مسكينًا كما جاء في الحديث الصحيح، والله أعلم.
стр. 206
• المبحث الثاني عشر: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟ أو يجب عليه القضاء فقط؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (١):
• القول الأول: ذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، أما الإفطار بالأكل والشرب فإن عليه الإثم مع القضاء.
• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة إلى أن من أفطر في نهار رمضان متعمدًا بأكل أو شرب - أن عليه القضاء والكفارة (٢).
استدلوا لذلك بما رواه مسلم (٣) عن أبى هريرة ﵁ حدثه أن النبي ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمَر رجلاً أفطر في رمضان بكفارة المجامع، وهذا عام في كل من أفطر بجماع أو أكل أو شرب أو غيره.
واعترض عليه بما قاله ابن رشد: وأما ما روى مالك أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ بالكفارة المذكورة فليس بحجة؛ لأن قول الراوي «فأفطر» هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به.
قلت: ومخرجه متحد مع مخرج حديث المجامع، أى حديث أبى هريرة، بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: (هلكت)، وإذا كان مخرج الحديث متحدًا، يكون تأويله: «أن النبي ﷺ أمر رجلاً «أفطر» ب «أى بجامع». والحديث الأول مجمل
стр. 207
والآخر مفصل، فيحمل المجمل على المفصل.
والراجح والله أعلم: أن من أفطر بالأكل والشرب متعمدًا أنه ليس عليه كفارة. وأن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وإنما عليه القضاء فقط.
• المبحث الثالث عشر: من جامع ظانًّا عدم طلوع الفجر أو غروب الشمس فبان خلافه:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من جامع امرأته معتقدًا بَقاء الليل، ثم تبين أن الفجر قد طلع - أنه عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية.
واستدلوا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
أما دليلهم من المأثور: فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: «أفطر الناس في شهر رمضان في يوم مغيم، ثم نظر ناظر فإذا الشمس. فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا، تقضي يومًا» (١).
أما دليلهم من المعقول: فلأنه مفرط؛ لأنه كان يمكنه أن يُمْسِك إلى أن يعلم، فلا يُعذر بالقضاء.
• القول الثانى: أن عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.
واستدلوا لذلك بحديث أبى هريرة ﵁ في الرجل الذى وقع على امرأته في نهار رمضان.
وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أمر المجامع بالتكفير من غير تفريق ولا تفصيل، ولأنه
стр. 208
أفسد صوم رمضان بجماع تام، فوجبت عليه الكفارة (١).
• القول الثالث: لا قضاء ولا كفارة، وهو قول أحمد في رواية، اختارها شيخ الإسلام، وقال: وهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنَ السَّلَفِ: كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ، وَأَصحابِهِ وَالْخَلَفِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا طُلُوعَ الْفَجْرِ، ثُمَّ تبيَّن لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْه.
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وجه الدلالة من الآية: أن الله قد أباح الأكل والشرب والجماع حتى يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وهذا المجامع قد شك في طلوع الفجر وغروب الشمس، فلم يتبيَّن له شيء، فيصح صومه، ولا قضاء ولا كفارة (٢).
واستدلوا بما ورد في «مسلم»: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قَدْ فَعَلْتُ.
روى البخاري (٣) عن أسماء قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي يوم، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ».
وجه الدلالة: أنهم أفطروا في النهار بناءً على أن الشمس قد غربت ثم طلعت الشمس، ولم يرد أن النبي ﷺ أمَرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا، لبينه النبي ﷺ لأمته، فلما لم يُحفظ عن النبي ﷺ ولم يُنقل إلينا، فالأصل براءة الذمة وعدم القضاء.
أما دليلهم من المأثور: فعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَتَى أَدَعُ السُّحُورَ؟ فَقال رَجُلٌ جَالِسٌ عِنْدَهُ: «كُلْ حَتَّى إذَا شَكَكْت فَدَعْهُ، فَقَالَ: كُلْ مَا
وَشُرِعَتْ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَبِكُلِّ حَالٍ قُوَّةُ السَّبَبِ يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمُسَبَّبِ، ثُمَّ الْفِطْرُ بِالْأَكْلِ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لِلسَّبَبِ الْمُسْتَقِلِّ، بَلْ يَكُونُ مَانِعًا مِنْ حُكْمِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
ثُمَّ الْمُجَامِعُ كَثِيرًا مَا يُفْطِرُ قَبْلَ الْإِيلَاجِ، فَتَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَالله أَعْلَمُ (١).
• المبحث الخامس عشر: وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جُن ماذا عليه؟
قال ابن قدامة: وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قال مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونٍ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
والراجح: أنه عليه الكفارة، والله أعلم.
• المبحث السادس عشر: إذا جامع في قضاء رمضان هل عليه الكفارة؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن من جامع امرأته في صيام غير رمضان، كصيام النذر، أو التطوع، أو القضاء، أو الكفارة، أنه لا تجب عليه الكفارة.
قال ابن قدامة (٢): وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقال قَتَادَةُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ؛ لأنه عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا، كَالْحَجِّ، وَلَنَا أَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ؛ لأنه مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ.
والراجح: أنه ليس عليه كفارة؛ لأن النص الوارد في وجوب الكفارة جاء بالوطء في نهار رمضان، والله أعلم.
* * *
стр. 211
الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام
وفيه مباحث:
المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر،
فماذا عليه؟
المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أمعلى التراخي؟
المبحث الثالث: حكم صيام التطوع لمن عليه قضاء.
المبحث الرابع: من مات وعليه صيام.
المبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟
المبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدًا في نهار رمضان، هل يجب
عليه القضاء؟
المبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟
المبحث الثامن: إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان فقامت النية بأنه يوم
من رمضان ماذا عليه؟
стр. 212
الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام
• المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر، فماذا عليه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، أنه يصوم الذي أدركه، ويقضي ما فاته، ويطعم عن كل يوم مسكينًا.
وهو قول ابن عباس (١) وأبي هريرة (٢)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٣)
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (٤) من حديث عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».
قال الحافظ في شرح حديث عائشة: يؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.
واعتُرِض عليه بما قاله ابن التركماني: فعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي
стр. 213
أن تأخير القضاء ليس بمقيد إلى مجيء رمضان آخر، وتأخير عائشة ﵂ إنما كان لأنه ﵊ كان يستمتع بها، وكان في شعبان يشتغل بالصوم فتشغل هي بالقضاء، وفي غير رمضان تتفرغ لخدمته.
وأُجيبَ عنه بما روى أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ» (١).
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ .
• القول الآخر: أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر - يقضي الذي فاته ولا شيء عليه (أي: لا إطعام عليه)، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، والبخاري في صحيحه (٣)، وابن حزم، وهو قول إبراهيم النخعي والحسن وطاوس وحماد بن أبي سليمان (٤).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وجه الدلالة ما قاله القرطبي: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.
الراجح في المسألة والله أعلم: أنه من كان عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه إلا القضاء فقط، ولا كفارة عليه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
ولم يَحُدَّ الله تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ في ذلك وَقْتًا بِعَيْنِهِ، فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عليهم أَبَدًا حتى يُؤَدَّي أَبَدًا ولم يَأْتِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ بِإِيجَابِ إطْعَامٍ في ذلك، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ ذلك
стр. 214
أَحَدًا؛ لأنه شَرْعٌ وَالشَّرْعُ لَا يُوجِبُهُ في الدِّينِ إلاَّ الله تَعَالَى على لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَطْ.
• المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أم على التراخي؟
قال النووي في «شرح مسلم»: وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف: أَنَّ قَضَاء رَمَضَان فِي حَقّ مَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَسَفَرٍ - يَجِب عَلَى التَّرَاخِي، وَلَا يُشْتَرَط الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّل الْإِمْكَان، لَكِنْ قَالُوا: لَا يَجُوز تَأْخِيره عَنْ شَعْبَان الْآتِي؛ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ إِلَى زَمَانٍ لَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ رَمَضَانُ الْآتِي، فَصَارَ كَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَوْت.
قال القرطبي (١): قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان؛ لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَه إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قال: ولنا أن الله تعالى أمر بالقضاء مطلقًا، والأمر المطلق لا يوجب على الفور بل على التراخي، ولهذا لو تطوع جاز بالاتفاق (٢).
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (٣).
قال الكاساني (٤): قال أَصْحَابُنَا: إنه لَا يُكْرَهُ لِمَنْ عليه قَضَاءُ رَمَضَانَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، وَلَوْ كَانَ الوُجُوبُ على الْفَوْرِ لَكُرِهَ له التَّطَوُّعُ قبل الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ الْمَضِيقِ وأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
الخلاصة: على المسلم أن يبادر بقضاء الواجب عليه لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولقول الله في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٥).
стр. 215
• المبحث الثالث: جواز التطوع لمن عليه قضاء:
أولًا: إن قضاء رمضان على التراخي؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها، كما في السنن الرواتب، كراتبة الفجر والظهر القَبْلية.
ثانيًا: لم يأت نص من الكتاب أو السنة يمنع من الاشتغال بالتطوع لمن عليه قضاء.
• المبحث الرابع: من مات وعليه صيام لم يَخْلُ من حالين:
• الحال الأولى: أن يموت قبل إمكان القضاء.
قال ابن قدامة (١): أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنِ الصَّوْمِ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ; لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْه، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِله تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ.
قال النووي (٢): لو كان عليه قضاء شيء من رمضان، فلم يصم حتى مات، نظرت: فإن أخره لعذر اتصل به الموت، لم يجب عليه شيء؛ لأنه فَرْض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج.
• الحال الثاني: من مات وعليه صيام بعد إمكان القضاء، هل يصوم عنه وليُّه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصام عن الميت، بل يطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد (٣).
واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة: فعن عبادة بن نسي قال: قال النبي ﷺ : «من مرض فلم يزل